المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::



ابن قمر المصرى
11-04-2010, 01:14 AM
السلفية ومناهج الإصلاح



الشريط الأول

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد ،،،
نشرع بإذن الله تبارك وتعالى في تدارس بحث " السلفية ومناهج التغيير "
هذا البحث نشر في مجالة صوت الدعوة التي كانت تصدر عن الدعوة السلفية في العدد الثالث منها في شوال سنة 1412 هجرية ، وربما هذا البحث كان في صدر نشر في مجلة صوت الدعوة التي كانت تصدرها الدعوة السلفية في العد الثالث منها سنة 1412 هجرية ، وتم تدارسه عدة مرات ولعله قد طال العهد بنا فلم نتدارسه منذ فترة .
بين يدي هذا البحث نريد أن نعرف أين موضع هذا البحث من خريطة منهج الدعوة :
نحن نقول إجمالاً " نحن مسلمون " وهذه قضية مبدأية ، فماذا نريد ؟ نريد أن نفهم الإسلام وأن نعمل بالإسلام وأن نطبق الإسلام .
ثم نتيجة وجود اختلافات بين المسلمين في فهم الإسلام وفي تطبيقه وجدت مناهج مختلفة لفهم الإسلام . هذا موضوع قد يطول شرحه ولكن نكتفي الآن بهذه الإشارة ، فهناك مناهج مختلفة لفهم الإسلام .
نحن نسمي المنهج الذي نرتضيه بالمنهج السلفي ، هذا كلقب على هذا المنهج .
أما ما هو تعريف هذا المنهج ؟
نحن نعرفه بعبارة مجملة جدا ً: " أن هذا المنهج هو الرجوه إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة "
صار هنا نتكلم على الإسلام وعن المنهج الذي نرتضيه في فهم الإسلام ، وهو الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .
الرجوع إلى الكتاب : يكاد يكون قاسم مشترك بين جميع المنتسبين إلى الإسلام ، كل المنتسبين إلى الإسلام يدعي الرجوع إلى الكتاب ، وإن كان هذه القضية صارت الآن محل نظر ، وستأتي الإشارة إلى وجود العلمانيين الذين يصرحون بأنه لا ينبغي الرجوع إلى القرآن أصلاً فيما يتعلق بشئون الحياة وأنظمة الحكم وأنظمة المجتمع مع تصريحهم بأنهم مسلمون ، وهذه قضية قد تأتي الإشارة إليها .
ولكن لو استبعدنا هذا الشذوذ العجيب الذي نشأ في السنوات الآخيرة أو في العصور المتأخرة ، فنحن نقول الرجوع إلى الكتاب قاسم مشترك بين جميع المسلمين ، حيث مبدأ الإبداع ، وإلا فالكتاب يلزم بالرجوع إلى السنة ويلزم بالرجوع إلى فهم السلف ، الكتاب يلزم { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } [الحشر/7] الكتاب يقول في حق جيل الصحابة رضي الله عنهم { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } ولكن دعوى الرجوع إلى الكتاب تكاد تكون متفق عليها من الجميع .
يأتي الرجوع إلى السنة ، أو الاعتراف بمرجعية السنة أو حجيتها يفرق هذا بين فريق من الأمة وفريق آخر رفض الرجوع إلى السنة كالعقلانيين القدماء والمعاصرين على درجات متفاوتة منها فيمن يرفضون الرجوع إلى السنة ، أو يشترط في السنة أن يعرضها على العقل أولاً أو غير ذلك .
سيظل أيضا أن الرجوع إلى الكتاب والسنة قاسم مشترك بين أطياف كثيرة من الأمة ، ولكنهم يتوسعون في فهمهم الخاص للكتاب والسنة ، فيبقى هذا القيد الجديد بفهم سلف الأمة ، هذا هو المنهج " الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة " .
إذن هنا تميز هذا المنهج عن غيره من المناهج بأنه يرى أن طريقتنا في فهم الإسلام وتطبيقه لابد وأن تكون نابعة من الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .
هنا نطاق الكلام مع المسلمين ، ربما تكلمنا في مناقشات مع غير المسلمين فيكون نقطة الالتقاء بيننا وبينهم هو العقل ، فدائما ً عند الكلام في زاوية لها رأس وضلعيها يبتدعان ، إن أردت أن تضهما إلى بعضهم تبدأ من نقطة الالتقاء ثم تقوم بالتقريب فإما أن يقتربا وإما لا يقتربا ، لكن أهم شيء تكون هذه النقطة التي تبدأ منها . ففي المناقشات والمحاورات وغيرها بين طرفين ذوي منهجين مختلفين دائماً نبتدأ من نقطة الالتقاء ، فما هي الأرضية المشتركة التي تمثل مرجعية مشتركة يرجع لها الطرفيين ؟ قلنا يحدث خلل كبير في هذه الجزئية ، فعند مناقشة واحد عقلاني في قضية تولي المرأة القضاء وهي القضية المثارة الآن فمستحيل أن تصل معه لحل ولا هو يصل معك لحل ، لأن مرجعيته غير مرجعيتك ، فالقضية ليست قضية تولي المرأة القضاء ، القضية قضية مرجعية ، فلو ناقشته وقلت ( ما أفلح قوماً ولوا أمرهم امرأة ) وهو يقول حقوق الإنسان والمساواة ، وهو إن عرج على النصوص الشرعية سيعرج عليها دون ان يأخذ منها المأخذ الصحيح ودون أن يكون منقاد لها الانقياد الكامل . فدائماً نبدأ من نقطة الالتقاء .
فلو تكلمنا مع غير المسلمين نقول له أنت عاقل تعالى فتدبر في الأديان الموجودة وما هو الكتاب الذي فعلاً نقدر أن ننسبه إلى الله وفيه مظاهر الإعجاز غير متناقض مع نفسه ، فكل هذا كلام عقلي ، تتكلم بالعقل إلى أن تثبت صحة الرسالة والرسول ، وتثبت بطلان ما خالف ذلك من الأديان الغير منتسبة للوحي الإلهي أو المنتسبة ثم حرفت بطرق علقية تثبت التحريف والتبديل والتناقض .
نحن عندما نتكلم مع المسلمين فالقاض المتفق عليه عند جميع المسلمين هو الرجوع إلى القرآن.
وعند الكلام مع العقلانيين ونذكر لهم السنة يرفضون ، فنقول ألستم اتفقتم معنا على أن القرآن هو المرجعية ؟ فالقرآن يقول { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } القرآن يأمر بأوامر مجملة { وأقيموا الصلاة } لو لم يقم القرآن فيه إشارة للمكان التي تأتي منه بتفسير هذا المجمل لا يكون كتاب هداية ، ولكنه فيه المجمل وفيه من أين تأتي ببيان المجمل ، فالذي يقول القرآن وفقط ، بذلك يطعنون في القرآن دون أن يدروا ، فنبدأ مع من يقول " القرآن فقط " فنقول نحن الآن متفقين على القرآن ونحتج عليك من القرآن بأن القرآن يلزمك بالرجوع إلى السنة .
وهناك فريق آخر يأخذ بالكتاب والسنة :
ولكننا لو أتينا إلى قول السلف يقول هم رجال ونحن رجال .
فنقول أنت اتفقت معنا على الكتاب والسنة والكتاب يقول { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } والكتاب يقول { ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى } فالذي يتبع غير سبيل المؤمنين يكون مشاقق للرسول ، ومن أولى الناس بوصف الإيمان ؟ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتفقوا على شيء ، فإجماع الصحابة والسلف حجة .
فيقول أن السلف اختلفوا .
نقول : إذا اتفقوا صار إجماعهم حجة على من بعدهم ، وإذا اختلفوا فليس معنى الخلاف أن المسألة صارت خلافية بإطلاق ، وهذا الكلام نجده قريب في مسألة ستر الوجه والكفين مثلاً كنموزج من النمازج ، يمكن أن يختلف السلف في مسألة ما ولكن يبقى هناك قدر متفق عليه بينهم ، في مسألة ستر الوجه والكفين هناك من قال أنه واجب وهناك من قال أنه مستحب ، فالقدر المتفق عليه بينهم أنه قربه وأنه مشروع ، فتقدر أن تقول أن هناك إجماع من السلف على أن النقاب قربة أو أنه مشروع ، ولا يصح أن نخالف هذا الإجماع ، فالمسألة نعم خلافية ولكن عندما تنظر إلى الأقوال في المسألة تجد هناك قدر مجمع عليه لا يصح أن تخرقه ، وأما درجة المشروعية إما الوجوب أم الاستحباب ، فهنا ممكن نقول أن السلف اختلفوا ، فإذا اختلفوا نرجح بين أقوالهم بالنظر في الأدلة بنفس طريقتهم في التعامل مع الخلاف .
فنحن هنا نقول الرجوع للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .
القضايا المجمع عليها بين السلف منتهية ، أما المختلف فيها نعود ونقول ننظر كيف كان السلف يتعاملون مع مسائل الخلاف ؟ فكان هناك خلاف قبلوه بينهم وتناظروا فيه وهناك خلاف بدعوا فيه المخالف ، فنقول يسعنا ما وسع السلف ولا يسعنا ما لم يسعهم ، فهذا موضوع فقه الخلاف وربما درسناه من قبل في كتاب فقه الخلاف للشيخ ياسر برهامي حظفه الله وقلنا أننا نبدأ من القاعة المجملة " يسعنا ما وسع السلف ولا يسعنا ما لم يسعهم " ولكنا بحثنا ما هي القواعد التي كان السلف يميزون بها بين ما يسعهم من الخلاف وما لا يسعهم .
إذن نقول أننا نرجع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وهذا المنهج الإجمالي .
أما المنهج التفصيلي بأن نفعل ذلك في كل مسائل الدين ـ العقيدة ، الفقه ، المعاملات ، الأخلاق ، السياسة الشرعية ـ أي مسألة من مسائل الدين نقوم بجمع الأدلة من القرآن التي تخص المسألة والأدلة التي في السنة وأقوال السلف ونعرف ما هو القدر المتفق عليه بينهم في هذه المسألة .
فهذا لا يكون الاجتهاد فيه وصار ملزم ، وننظر في القدر المختلف بينهم فيه ، وننظر في الأدلة وننظر كيف تناظر السلف في هذه المسألة التي اختلفوا فيها وكيف تناظر من بعدهم إلى أن يطمئن كل فريق في مسألة الخلاف السائغ فيطمئن كل إنسان للقول الذي يراه أقرب إلى الصواب دون أن ينكر على مخالفه أو يبدع مخالفه .
فهذا المفروض فعله في كل مسألة .
فلو هناك مسألة مستحدثة :
هناك قواعد للاجتهاد والاستنباط موجودة في الكتاب والسنة وطريقة اجتهاد واستنباط السلف وننظر في هذه المسألة فمن الممكن أن تكون مستحدثة ولكنها تدخل تحت نصوص قطعية وتقدر أن تقول أنها مقطوع بها ، مثل مسألة تأجير الأرحام فهي مسألة مستحدثة تماماً وكل من عنده علم بالشرع يقول أن مفسدة هذه المسألة تعادل مفسدة الزنا أو تزيد أو هي مثل مسفدة الزنا ، فكل ناظر فيها يقطع بالتحريم رغم أنها مسألة مستحدثة ولكن نرجع في المسائل المستحدثة لأن نصوص الكتاب والسنة فيها عمومات ، والعمومات تتسع أن يدخل تحتها أمور كثيرة مستحدثة ولكن تجد وكأن النص نزل فيها .
قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) تقول وكأن النص نزل فيها ، وتقول أنها محرمة بالنص .ولكن هذا النص نص عام وعمومه يشمل أمور كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأمور حدثت وستحدث بعده ولكن فيها علة التحريم فإذا وجدت هذه العلة ووجد هذا الوصف الموجود في هذا النص العام صارت محرمة بهذا النص .
فنحن يجب أن نطبق هذا المنهج على كل جزئيات الدين .
فهذا الكلام الذي نقوله بشيء من الاختصار أو بكثير من الاختصار نسميه منهج الاستدلال .
وعندما تنظر في أي اتجاه فكري على مدار التاريخ يكون أهم شيء تنظر فيه ما هو مرجعيته وما هو منهجه في الاستدلال .
فلما نتكلم عن تعريف الدعوة السلفية ومنهجها :
نقول منهجنا في الاستدلال هو الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ، وطبعاً هذه القضية تحتمل الكلام على عدد من القواعد والأصول والضوابط ولكن هذا تعريف سريع جداً .
منهج الاستدلال تطبقه على كل الجزئيات
فلو قيل أبرز لنا على وجه الخصوص الأبواب التي حدث فيها خلافات كبرى بين المنتسبين للإسلام . سيأتي على رأسها قضايا الاعتقاد .
ونطبق هذا المنهج في قضايا الأسماء والصفات كأحد قضايا الاعقتاد التي وجدت فيها فرق عقلانية ، فالفرق العقلانية لا ترجع للكتاب أو تزعم أنها ترجع للكتاب ولكنها لا ترجع للسنة أو تزعم أنها ترجع للكتاب والسنة ولكنها لا ترجع إلى فهم السلف ، والذين يقولون أن فهم السلف أسلم وفهم الخلف أعلم وأحكم ، فيصرحون أنهم لا يتبعون منهج السلف وهم الأشاعرة ومن صار على نهجهم .
فنطبق هذا المنهج في قضايا الدين كله ويبرز على رأسها قاضيا الاعتقاد .
وطبعاً مناهج الاستدلال تعتبر أصل يحكم قضايا الاعتقاد ، بمعنى أنه على حسب منهجك في الاستدلال يتأثر المنهج العقدي بلا شك .
مناهج الاستدلال والمنهج العقلي نجدهم دائماً عندما نتكلم على الفرق الإسلامية مثل المعتزلة والأشاعرة والشيعة والخوارج ، وتستطيع أن تعرف منهج كل فرقة في الاستدلال وتعرف ما منهجها العقدي .
الخلاف الفقهي كان دائماً محدود ، إلا أن الخلاف الفقهي تضخم جداً بين الشعية وأهل السنة ، ولذلك أنهم قالوا إن الأمة انقسمت إلى شيعة وسنة ، وكلمة سنة أحياناً تطلق ويراد بها الذين ليسوا شيعة ، فتجد داخلهم الأشاعرة وغير ذلك من الفرق المتبدعة التي تصنف إجمالاً أنها سنة بمعنى أنهم ليسوا شعية .
حصل اختلاف كبير جداً بين الشيعة والسنة في الفقه نتجية أن الشيعة من حقدهم رفضوا أصول كتب السنة بالكلية ، هم لم يرفضوا الأحاديث التي تتعلق مثلاً بفضل الخلفاء الراشدين أو نحو ذلك ، بل رفضوا الكل وتعمدوا أن يكون لهم فقه خاص يتميزون به فبدأ ينحرفون تماماً في الفقه .
بقية الفرق المنتسبة إلى السنة رغم أنهم يعادون نصوص السنة التي تتعلق بقضايا العقيدة التي يأخذون فيها منهج خاص ، لكن كانوا غالباً في الفقه يتعلمون فقه أهل السنة ويأخذون على ما فيه بنفس طريقة الاستدلال وبتعظيم نفس الكتب وأصول كتب السنة التي جمعت فيها السنة ونحو ذلك .
فكان دائماً عند كلامنا على الفرق نتكلم على منهج الاستدلال والمنهج العقدي . وكان الخلاف الفقهي محدود وإن كان ظهرت خلافات فقهية كبيرة بين الشيعة والسنة ،وظهرت بعض مسائل فقهية ارتقت إلى أن تدرك ضمن الأصول لتميز بعض أهل البدع بها مثل كتب بعض العقيدة التي تدرج مسألة المسح على الخفين في أصول أهل السنة لتميز الشيعة بإنكار المسح على الخفين . فهم يسحون على الأرجل وإن لم يكن بها خف ويمنع المسح على الخفين .
وهناك مسائل أخرى برزت أيضاً كمسائل فقية ولكن صارت لها أثر مثل مسائل الإمامة كفرق وهو أحد الفروق بين الشيعة والسنة ولها قدر من الأثر في الخلاف بين أهل السنة وبين الخوارج والمعتزلة مسائل الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر ونحو ذلك فصارت لها قدر من الظهور عندما تتكلم على أهل السنة وعلى الخوارج والمتعزلة لأن لهم فكر خاص أو منهج خاص في معالجة هذه القضايا التي هي في أصلها قضايا فقهية ، ولكن في الجملة كان دائماً الكلام على الفرق الإسلامية فيكون الكلام على منهج الاستدلال والمنهج العقدي وبعض القضايا الفقية كانت ترتقي بأن توضع وسط الأصول أبرزها قضية الإمامة لأنها تعتبر عقيدة محورية عند الشيعة ففقه الخلافة والإمامة صار مهم بيانه عند أهل السنة وما هي شروط الإمامة وكيف يختار ، لأن الآخرين يقولون أن الإمامة في آل البيت وأنها محصورة فيهم وأن الإمام معصوم ، فيها تفاصيل كثيرة تتقاطع فيها القضايا العقيدة مع القضايا الفكرة ، وأيضاً قضية تغيير المنكر وإقامة الحدود ونحو ذلك وهي قضايا ربما يظهر فيها خلاف بين أهل السنة والخوارج والمتعتزلة .
في الجملة كانت القضايا التي نهتم بها منهج الاستدلال والمنهج العقدي وبعض القضايا الفقهية التي ترتقي فتدرج ضمن هذه القضايا .
هذا كان قديماً ، أما حديث فهناك تطورات :
هذه التطورات كانت في أواخر الدولة العثمانية وتبلورت بقوة عقب سقوطها ، بأنه صار عدم وجود خليفة للمسلمين ، وتزامن هذا قبله وبعده مع وجود حرب فكرية شرسة من الغرب على الإسلام وعلى ثوابت الإسلام وعقيدة الإسلام وعلى القرآن ومحاولة الطعن في القرآن وثبوت القرآن والعمل على تغيير الأحكام المطبقة عملياً على أرض الواقع بقوانين مستمدة من القوانين الغربية ونشر الثقافة الغربية ومحاولة جعل الأخلاق والعادات الغربية هي الأصل بين الناس ووجود درجة كبيرة من الجهل ، تستطيع أن تقول مظاهر تأخر كبيرة جداً ومظاهر انحراف شملت تقريباً كل مناحي الحياة ، كل مناحي الحياة لم تسلم ، نعم قد يبقى شيء من الخير مع شيء من الشر ولكن صار الشر يشمل العقيدة ويشمل العبادة ودخل فيها البدع والتقصير ويشمل المعاملة ودخل فيها معاملات الكفار ومعاملات الكفار تشمل أمور كثيرة جداً .
وبدأ ينشأ ما اصطلح على تسميته بجماعات الدعوة إلى الله ، وهذه قضية ليست جديدة ولكن المصطلح هو الجديد ، لكنك لو ارجعت تاريخ الأمة حتى في عصورها الذهبية أو في عصور الانكسار التي لم يبلغ حد ما وصل إليه في العصر الحديث ستجد مصطلحات مثل " المدارس الفقية " و" تلاميذ الإمام فلان " وهؤلاء يكون بينهم وبين بعضهم نوع من التعاون .
فوصل مثلاً في عصر شيخ الإسلام بن تيمية أن شيخ الإسلام وتلامذته يقومون بواجب التعلم والتعليم ويتعلمون من الله تبارك وتعالى ويواجهون البدع من الصوفية والشيعة والأشاعرة ولغيرهم من أهل البدع ، وكانوا بالإضافة إلى ذلك ينكرون المنكرات وبالإضافة إلى ذلك يخرجون في الجهاد ، وكان لهم دور كبير في القضاء على التتار والقضاء على الصليبيين ونحو ذلك .
هذا كله كان موجود ولكن كانت التسمية الشائعة آنذاك هي المدارس الفقية أو المدارس العلمية ونحو ذلك .
في العصر الحديث بدأ ينشأ مصطلح الجماعات ، وبدأ يحدث الخلط بين بعض الناس بين مصطلح الفرق ومصطلح الجماعات ، فيقول أن من منهم الجماعة الناجية ومن منهم الجماعات النارية ، نقول لا بل هذا الكلام يكون على الفرق ، الفرق التي بشر عنها صلى الله عليه وسلم وقال : ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) وسئل عنهم صلى الله عليه وسلم فقال : ( هم من على مثل ما أنا عليه أنا وأصحابي ) ، فهذا بالنسبة إلى الفرق التي لهم مناهج تخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فهناك من يكون على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهذا ناج ، وأما ما خلاف ذلك فهو يستحق العقاب بدرجات متفاوتة بمقدار انحرافه عن مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، أما الجماعات فمن الممكن يكون المنهج الواحد سواء حق أو باطل فمن الممكن أن يكون هناك أناس على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مكان ما ويوجد إخوان لهم على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مكان آخر ، ومن الممكن الأوائل يسمون تلاميذ الشيخ فلان والآخرين يسمون تلاميذ الشيخ الآخر ، والتسمية غير التسمية ولكن المنهج غير المنهج ، فسواء قلنا تلاميذ فلان أو جماعة كذا أو جمعية كذا ، فهذه المسمات تعبر عن كيان مجموعة من الناس اجتمعوا لظروف جغرافية أو غيرها وصاروا يتعاونون معاً على .... ماذا ؟ فهذه هي القضية ، فمن الممكن أن يكون القطر الذين يعيشون فيه يسمح بتأسيس جمعيات فقاموا بتأسيس جمعية ، أو أنهم يعيشون في مكان معين ولهم شيخ فصار يوجههم ويتعاون معهم على البر والتقوى ونحو ذلك .
نترك قضية الاسم الشكل العضوي الذي تكونون به ، لأن هناك أشكال كثيرة .
دعك عن هذا كله وابحث عن المنهج .
بالإضافة إلى المنهج يكون جزء من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يدعون إلى الوحدة والائتلاف ، فهذه قضية ممكن نرجئها الآن عندما نقول أننا وجدنا أكثر من تجمع على منهج واحد فلماذا لا يكون التعامل بينهم تعاون حقيقي بدلاً من التعاضض القلبي لتبادل الخبرات ونحو ذلك ، لو كان هذا ممكن فجزء من منهج السلف أن يفعل ويطبق ، فلو كان هذا مستحيل أو يكون مفاسده أكبر أو نحو ذلك فيكون أيضاً من منهج السلف أن يكون بينهم وبين بعض تواصل وحب ومناصرة ودعاء كما كان هناك مدارس فقهية صعب جداً يكونون مدرسة واحدة ، فكان الإمام مالك والإمام الليث ، فهذا إمام وهذا إمام ولكن هذا في الحجاز وهذا في مصر ولكن ربما احتاج أحدهما إلى أن يستشير الآخر ولكن هذه تكون نادرة جداً ، بخلاف كونهم في مكان جغرافي واحد ويوجد بينهم شيخ إمام مبرز يتعلم الباقون على يديه وينشرون أيضاً .
فمجال تفصيل هذه القضية ليس هذا وقته ولكننا نحكي واقع أو يكون كتمهيد .
نقول نشأ مصطلح جماعات الدعوة إلى الله أو جماعات الدعوة الإسلامية أو جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كجماعات تحاول سد فراغ كبير حصل بعد سقوط الخلافة وفساد كبير حصل قبل سقوطها وازداد بعد سقوطها وتعددت المسميات وتعددت الأشكال العضوية التي تكونت بها هذه الاتجاهات .
وسبحان الله كان الغرب يحاول أن يسوق بلاد المسلمين بطريقة معينة فبدأ يبث ما يعرف باسم الجمعيات الأهلية لكي يمرر جمعيات الروتري والليونز وهذه الأمور ، ولكن في المقابل نشأت جمعية الشبان المسلمين وغيرها من الجمعيات التي أخذت هذا الإطار مثل جمعية أنصار السنة وجمعية الإخوان المسلمين وقبل ذلك كانت الجمعية الشرعية ، وبغض النظر عن المناهج الآن ولكني أشير أن هناك صورة الجمعيات الخيرية كانت صورة كإحدى الصور العضوية الأكثر انتشاراً في ذلك الوقت .
بغض النظر عن هذه المسميات والظروف التي أدت إلى أن يكون صورة العمل الدعوي في شكل جمعية خيرية نقول أن هناك جمعيات كانت تعتبر على منهج أهل السنة حتى وإن تسمت باسم خاص ، فهذا الكلام يحتاج إلى بسط للمناهج وليست مجرد الأسماء أو الشكل العضوي الذي تكون به اتجاه ما .
بالإضافة إلى أنه يكون الأفضل دائماً متى أمكن أن يكون هناك اندماج بين هذه الكائنات العضوية إن أمكن فإن لم يمكن فتعاون وثيق فإن لم يمكن فعلى الأقل التناصر والتناصح ، وكل حسب الممكن والمستطاع .
نتيجة وجود منكرات كثير ونتيجة أن هناك قوانين غربية ونتيجة انتشار المنكرات في جهات متعددة برز بين الجماعات الإسلامية خلاف يشابه الخلاف الذي نشأ بين الفرق قديماً في " ما هي الطريقة المثلى للدعوة وما هي الطريقة المثلى لتغيير المنكر " فبدأنا نتكلم على مناهج الدعوة ومناهج التغيير ، فمن الممكن أن تجد اتجاه دعوي هو من حيث منهج استدلاله ومنهجه العقدي يعتبر فرقة من فرق الضلال ، فهذا انتهيت منه كجماعة التكفير الذين كانوا يسمون أنفسهم جماعة المسلمين ومازالوا موجودين بصور ومسميات مختلفة ، بل ممكن الآن تجد جماعات تكفيرية في بعض العالم الإسلامي تسمى الجماعة السلفية ، وطبعاً العلمانيين وغيرهم ينشرون ما يفعله هذه الجماعات باسم الجماعة السلفية ، فالعبرة ليست في الاسم ولكن العبرة بالمنهج . هناك جماعت من هذا النوع وهي في الواقع جماعات تكفير ، فهؤلا خوارج من أضل فرق الضلال .

فنحن ننظر إلى منهج الاستدلال كأصل حاكم للاتجاهات ككل وننظر إلى المنهج العقدي .
بدأ يظهر معنا مناهج الدعوة ومناهج التغيير ، فما الأسلوب المعتمد عند الفريق الفلاني بغض النظر عن شكل الكيان سواء سموه جماعة أو مدرسة أو سموه دعوة ففي النهاية ما هي الطريقة التي يعتمدها في الدعوة وما هي الطريقة التي يراها مناسبة في التغيير ، وستجد أن هذه فرع على هذه ، فكما قلنا أن المنهج العقدي فرع على مناهج الاستدلال فأيضاً منهج التغيير فرع على منهج الدعوة ، وهم كلهم فرع على مناهج الاستدلال ، وبالتالي ظهر فريق آخر ودارت مساجلات كثيرة بين دعواتنا وبين هذا الفريق الذي كان يقول " سلفية المنهج عصرية المواجهة " وكأنه يريد أن يكون المنهج العقدي سلفي ويكون منهج العقدي فيه قدر من التحلل الإطار السلفي الصارم ويمزجه بقدر من العقلانية والاستحسان ، وهذا الاتجاه ربما صعد نجمه فترة وبدأ في الأفول ، بعض رموز هذا الاتجاه صاروا عقلانيين تماماً وبعضهم بدأ يرجع مرة أخرى للمنهج السلفي ، وهذه الفكرة فشلت إلى حد كبير أو لم يعد ينادي بها عدد كبير من الرموز ، لكنها فكرة ظهرت فترة من الفترات .
فلماذا كان يقول " سلفية المنهج عصرية المواجهة " ؟
لأنه كان يرى أن الجماعات الإسلامية المعاصرية ليست صورة كربونية من الفرق ، لأن الفرق كانت تعنى بسمائل وتؤصل منهج ف الاستدلال وتتكلم في مسائل العقيدة ، أما سائر شئون المسلمين فمدارة بصورة أو بأخرى ، الآن الجماعات الإسلامية ربما نسي بعضها أن يتكلم في منهج الاستدلال ، فهناك جماعات الآن وهي جماعات لا ننكر أن عندما قدر كبير من الخير ولكن الذي ينضم إليها لا يعرف أين هو ، لأنها جامعة أو جمعية خيرية لم تقل للناس الرجوع للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ولم تقل غير ذلك ، منهم من يقرأ كتاب سلفي ومنهج من يسمع البرامج الدينية في إزاعة القرآن الكريم ومنهم من لا يسمع هذا ولا ذاك ، لكن الجمعية مشغولة بسد ثغرة الفقراء والأيتام ونحو ذلك ، فأولاً هذا حق للقرآن وكل من يساهم في سده يكون سد عن المسلمين هذا الجانب والأمر الثاني أن هذا صار الآن أحد أسلحة التنصير ، فتأكد أننا نسارع بدلاً من أن نفتن الناس .
ولكن هل تقول أن من انضم لهذا الاتجاه هل عرف إسلامه جيداً أو عرف الحق من الباطل ؟
لا ، بل هو سد ثغرة من الثغرات وباقي الأمور يكون فيها جاهلاً أو فيها مقبول بهذا الاتجاه .
فصار جانب منهج الدعوي أكثر بروزاً عندما تقارن بين الاتجاهات الإسلامية من جانب منهج الاستدلال والمنهج العقدي ، وإن كنا نحن كاتجاه يتبنى العودة إلى الإسلام وفهمه فهما شاملاً وتطبيقه تطبيقاً شاملاً فلابد أن لا نغفل في تقديم أي اتجاه حتى من عنده قدر من الخير ويسد ثغرة وتارك الباقي لا يقول فيها سلباً ولا إيجاباً فنقول له على الأقل قل فينا الحق مجمل ، نحن لا نريدك أن تدرس العقيدة بتفصيل ولكن على الأقل ارشد الناس أن هناك عقيدة السلف يتعلمونها وارشد الناس أن هناك فقه الدليل في الفقه وألا يقلدون أي قول ، وارشد الناس أن هناك سنن وبدع بأن يتركون البدع ويحرصون على السنة ، نحن نطالب بأنه على الأقل تكون الأصول العامة منضبطة .
فكل الاتجاهات الإسلامية بدأ يكون الأكثر بروزاً وتأثيراً المنهج الدعوي ومناهج التغيير .
فهذا المنهج الدعوي يتبنى كيفية دعوة الناس ويتفرع عليه ما هي التدابير التي يراها كفيلة بتغيير الواقع المخالف للإسلام في جوانب متعددة كما ذكرنا ، فكيف يمكن أن يتغير هذا إلى واقع موافق للإسلام .
فإذن صار هنا أحد أهم الأمور التي تميز الاتجاهات الإسلامية المعاصرة أو الكيانات الإسلامية المعاصرة .
وطبعاً بعد منهج الاستدلال والمنهج العقدي يكون مناهج الدعوة ومناهج التغيير .
وطبعاً داخل مناهج التغيير يبرز كما حدث قديماً بظهور قضية معينة احتلت الصدارة ، لأن بعض الاتجاهات الفكرية القديمة صارت لها منهج خاص في بعض القضايا الفقهية ، فهنا صار عندنا قضية فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الجهاد أحد أهم القضايا التي تميز بين اتجاه وآخر .
كيف يرى فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما هي درجة لزومة وهل هو فرض عين أو فرض كفاية وما هي وسائله المتاحة وما هي أكبر قضية أثيرت في مراعات المصالح والمفاسد وهل يلزم مراعات المصالح والمفاسد أم لا وكيف تراعى المصالح والمفاسد فظهر عندنا فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ففقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر قضية عامة أحد صورها هو الجهاد لأنه عبارة أن تغيير المنكر بالسيف والقتال في أحوال مخصوصة ، فصار هذا الباب أحد الأبواب التي اختلفت فيها الاتجاهات الإسلامية .
أيضاً نتجية الواقع المعاصر وتعقيداته واشتبكاته ووجود آليات الديمقراطية وغيرها مطبقة نظرياً في بعض بلاد المسلمين ظهر مسألة إمكانية الاستفادة أو التعامل مع قضايا التطبيقات الديمقراطية وكيف يكون موقف الاتجاهات الإسلامية منها كموقف نظري وكيف يكون الموقف منها كموقف عملي وهل يمكن أن يستفيدون منها أم لا ؟ وهل من الممكن أن يدخلون في تحالفات مع اتجاهات غير إسلامية أم لا ؟ فالآن مثلاً يقولون أن هناك مرشح للرئاسة فيصرح بأنه يريد أن يطبق العلمانية الصحيحة وكأن العلمانية الموجودة ليست صحيحة وهو يريد ان يطبق الصحيحة ، ويغازل الإسلاميين فيقول أن العلمانية الصحيحة مع أنها أبعد عن الإسلام ولكن في نفس الوقت تعطي سقف حرية أكثر لكل الناس بما في ذلك الإسلاميين ، والعلمانية أصلها أن تترك الجميع يقول ما يريد أن يقوله ، فهناك مثلاً مطبق نظامي يتكلم بلسان النظام المدني ولا يستخدم كلمة " علماني " ولكن هذا النظام المدني معه أمور دينية مراعاه لأن دين الأغلبية هو دين الإسلام ، وفي نفس الوقت هناك مسائل الحريات وغير الحريات وقد يكون حرية التعبير فهذا يعبر وهذا لا يعبر ، وهناك هامش معين من الحرية ، فهذا يقول أنه يرفع هذا الهامش لأن العلمانية الصحيحة توجب برفع هذا الهامش وفيها مزيد من محاصرة كل شخص بداخله لكن يتركه يعبر عن كل ما يريده .
فيوجد أتجاهات إسلامية أعلنت صراحة أن هذا الخيار أفضل ، ويوجد اتجاهات إسلامية مترددة وترى أن الموضود يستحق الدراسة .
نحن دائماً نقول طالما قلنا علمانية فكل الاختيارات سواء ، نحن أشرنا لشيء قريب من هذا واحتججنا على الإخوان بالذات من موقف أحد رمزهم " الأستاذ الهضيبي رحمه الله "المرشد الثاني للإخوان وكان في أول القانون المدني المصري فحدث ضجة وكان بعض رموز المجتمع من الإسلاميين وذوي التوجه الإسلامي رفضوا وكتبوا في الصحف آنذاك رفض لهذا القانون لأنه مخالف للشريعة ، وطبعاً من صاغ هذا القانون هو " عبد الرزاق السنهوري " ويسمونه " أبو القوانين العربية " وكان آنذاك البرمان اسمه " مجلس الأمة " وأتوا به يناقش المعترضين من داخل المجلس أو من خارجه ، يعني لو أن مجلس الأمة وجه دعوة للمعترضين يأتون ليناقشوا رئيس اللجنة التي قامت بوضع القانون وفي الواقع هو الذي أوضعه كله تقريباً ، وكان كل واحد منهم قال كلام مختلف من المعترضين ، وقال المستشار الهضيبي رحمه الله كلام متين جداً عندما سألوه ما اعتراضك على القانون ؟ فقال ليس عندي اعتراض ، فتفاجأوا وكرروا عليه السئوال وقالوا إنك معترض والدنيا كلها تعرف أنك معترض ودعيت هنا للجلسة بصفتك معترض على القانون وأتينا بك لتدلي باعتراضاتك ليناقشها " السنهوري " فقال لهم : لو كان القانون قد كتب في دباجته أنه مستمد من الشريعة الإسلامية لكنت ذكرت اعتراضتي عليه وأما أنه قد ذكر في دباجة القانون أنه مستمد من القانون الفرنسي فخطأه وصوابه عندي سيان . وهذه قضية المرجعية التي تكمنا عليها .
تخيل لو أن الذي وضع القانون المدني وأتى إلى مسائل البيع والشراء فوجد أن الشروط الإسلامية تعجبه في ذلك فليس عند القوانين الوضعية مشكلة في القمار والشرع يجعل كثير من البيوع في خانة القمار طالما أنها فيها غرر فنفرض أن المشرع أعجبه شرط الغرر فوضعه فهل نقول أن هذه حسنة ؟! فنقول أن أهم شيء أين المرجعية ،أأقول أني أقبل بمرجعة علمانية لأنها ستعطي سقف حرية أكبر؟! فلما نؤيد الصورة الأكثر تطرفاً في العلمانية في أي منطلق نقيدها ؟ هل نقول أن هذا صح والآخر خطأ ؟ أم أن الصحيح من المسلم أن هذا هو الإسلام ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، فيقول ويعمل ما يقدر عليه .
المسألة أعقد كثيراً من هذا المثال الذي قلناه .
المسألة متشابكة ومعقدة وفيها تجارب .
فعندنا في مصر هناك تجارب والجزائر فيها تجارب والكويت ، وتركيا وهي أحد أبرز تجارب التصالح بين الإسلاميين والعلمانية .
طبعاً هناك مصالح ومفاسد تمت ، فأيهما أكبر وأكثر وهل هو موافق للشرع أم لا ؟ فهذه كلها قضايا تطرح عندما نتكلم على المنهج الدعوي ومناهج التغيير ، فيطرح قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضايا الجهاد وقضايا العلمانية والموقف منها وتحالفاتها والمشاركة السياسية .
في الواقع أن القضايا الثلاثة الكبرى التي تكلمنا عنهم فيهم بحوث مستقلة نشرت في مجلة صوت الدعوة أو في كتابات وفي كتاب فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ ياسر براهي وهناك بحث فقه الجهاد نشر أيضاً في مجلة صوت الدعوة وهناك نشرة نشرت أيضاً قبل مجلة صوت الدعوة حول المشاركة السياسية ، وهذا الكلام مكتوب أيضاً لكتابات مشايخ الدعوة . ولكن نقول أن في هذا البحث سنحاول نقول ملخص كل هذه الأبحاث ، لأن هذا البحث ينظر نظره شمولية لمناهج الدعوة ومناهج التغيير وبالأخص مناهج التغيير الموجودة على الساحة .
فهذا هو موقع هذا البحث على خريطة المنهج الدعوي ، بأن نتكلم على مناهج الاستدلال أو المرجعية ، وهذا اصل عظيم جداً نطبقه في العقيدة والعبادة والسلوك والدعوة والتغيير ،ولما نتكلم على العقيدة فهذا يميز عقيدة أهل السنة أو يميزنا كاتجاه من اتجاهات أهل السنة والجماعة عن سائر فرق الضلالة ، لما نتكلم على مناهد الدعوة ومناهج التغيير نتكلم على ما يميز هذه الدعوة في سلوكها الدعوي عن بعض الاتجاهات الأخرى التي خرج بعضها عن أهل السنة من البداية بانحرافاته في مناهج الاستدلال والمنهج العقدي وبعضها قد يكون من جملة أهل السنة أو هو في قضايا العقيدة ربما يكون سلفي ولكن يوجد خلاف معه في طرقة تطبيق المنهج السلفي على بعض قضايا المنهج الدعوي والعمل الدعوي .
هذا خلاصة هذا البحث وأهميته والقضايا التي سوف نتناولها فيه .
البحث تكلم تمهيد قصير ثم شرع في مناقشة الاتجاهات المختلفة ، فنحن قلنا التمهيد الذي قلناه ثم نأخذ التمهيد الموجود في البحث أيضاً في هذه المرة إلى أن نشرع المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى في مناقشة الاتجاهات .
بقي أن نشير إلى إن الآن يقولون الدعوة إلى الإصلاح ، ولا شك أننا نتكلم عن منهج التغيير ونقول أنه تغيير من الفاسد إلى الصالح ولكن ما هو الفاسد وما هو الصالح ، من الممكن أن تجد أناس في موقف واحد ومقفهم معاكس تماماً ، تولي المرأة للقضاء في نظر جمعيات حقوق المرأة ونحو ذلك إصلاح ، وفي نظر الإسلاميين قديماً يرون أن هذا إفساد ، وهم الآن يرى بعضهم أن هذا من جملة الإصلاح ، ولكن السلفيين منهم ما زالوا يرون هذا إفساداً ، فلما يقال لك ما موقفك من الإصلاح ؟ تقول من أين تستفيد وصف شيء معين بأنه صلاح أو فساد ؟ فلو أنه موجود ووصفته بالصلاح فتريد أن تعضده وتزوده ولو وصفته بالفساد تريد أن تصلحه ، فأحياناً بعض العلمانيين يقولون أين منهجك في الإصلاح ، فمن الصعب جداً أن تتكلم مع العلمانيين في منهج إصلاح ، لأن أول شيء في الإصلاح أن يسكت العلمانيون . وانتبه العلمانيون في هذه الحالة يقولون " السلفيون ومصادرة الرأي " ، العلمانيون أشد على الإسلاميين من الإسلاميين عليهم . فالعلمانيون عندهم أول شيء في الإصلاح أن يسكت الإسلاميين ،
لماذا يسكت الإسلاميون ؟
لأنهم ليسوا من خريجي الأزهر ،
فلو اتخرجوا من الأزهر ؟
يقوموا برفدهم وإقالتهم .
فلماذا إذن يسكتون ؟
لأنهم لم يكن عندهم قنوات رسمية ؟
فلو عملوا قنوات رسمية فضائية ؟
يغلقونها .
فإذن العلمانيون في غاية التطرف في مواجهة الإسلاميون .
يقولون لماذا أنتم متطرفون وتريدون أن تسكتوا العلمانيون ؟
نقول لو أنكم تريدون منا أن نتكلم اتركونا نتكلم .
وانظر إلى الفضائيات ، كم قناة إسلامية وكم قناة أغاني وعلمانية ؟
لماذا تغضبون من القنوات الإسلامية وهي أصلاً ليست إسلامية صرف ؟
نقول : أنتم قديماً كنتم تشترطون التصريح وهؤلاء الآن معهم تصريح وبأموالهم أنشأوا قنوات وأخذوا بها الإجراءات الرسمية .
فيقولون : أيفسدون دين الخلق بجحة أنها بأموالهم ؟ وهل يضيعون مجهودات دعاة التنوير ؟
نقول الآن لا أحد يقل للآخر لماذا تريد أن تنفي الآخر .
رغم أننا صرحاء جداً مع أنفسنا ، نحن نقول بالفعل نحن نريد أن ننفي الآخر . وليس الآخر هو المسلم المختلف معي ، كما يقولون دائماً أننا نعتبر الآخر هو المخالف لنا ، كما يرددون دائماً " هل أضع يدي على صدري في الصلاة أم لا " بل نحن نقول أن الآخر هو الذي يرفض الكتاب والسنة ، وبالتالي نقول له أنك إذا زعمت أنك مسلم لا تخترع ولا تفتري والكتاب والسنة موجودان ونرجع إليهما والذي يخالفهما يجب أن يصمت ، إذا كان هو ليس مسلم فليس له أن يناقشنا فيما نفعل .
العلمانيون لا يتكلمون وفقط . فالإسلاميون يقولون يجب إسكات العلمانيين فهل أحد يسمع الكلام أو يتحرك ؟ وهل الإسلاميون ليديهم قدرة أن يسكتوا العلمانيين .
لكن العلمانيون يسكتون الإسلاميون فعلاً ، وتجد أن أكثر واحد من العلمانيين تشدقاً بحرية الرأي يظل يكتب بلاغات أمنية . وفلما انتخب الدكتور محمد بديع مرشد للإخوان قام صحفي لبرالي كبير من أصحاب حرية الرأي أتى محاضر التحقيق معه في سنة 1965 وينشرها " إلى من يهمه الأمر أن هذا الرجل سبق اتهامه " وليس سبق إدانته بل سبق اتهامه بأنه يكفر وسبق اتهامه بأنه تلميذ لسيد قطب وسبق اتهامه بكذا وكذا والدنيا سوف تخرب بسببه . كيف ذلك وقد سبق إدانتكم بازدراء الأديان ، وهنا سبق إدانتكم في كتب منشورة ، وكثير منهم ثبت إدانته بتخابر مع روسيا وغيرها ،
فالقضية أن العلمانيين عندما يسألون عن منهجنا في الإصلاح ؟
نقول أن هناك مشكلة جوهرية وهي أن أول شيء في الإصلاح أن يسكت العلمانيون ويتوبون ويعودوا إلى رشدهم
يقولون : أنكم بذلك أثبتكم على أنفسكم تهمية نفي الآخر
نقول : طيب وما هو أو شيء في الإصلاح من وجهة نظرك ، وما هو الذي ينفذ فعلياً في كثير من الأحيان ؟
فنقول أن هذا البحث يفترض أن يخاطب به أبناء الصحوة الإسلامية ، لكن الذي خارج الصحوة يقولون أن الصحوة الإسلامية ككل مدانة بأنها تتكلم كلام عاطفي بلا رصيد واقعي . يعني يقولون أنكم تتكلمون بالإسلام لأن الناس تحب الإسلام وأيضاً ماذا تفعلون في المشكلات التفصيلية .
نقول : أن المسلمين يتكلمون في عمومات في حد زعمك ، فأت لنا بأحد يتكلم تفصيلاً ؟
فدائماً من ينظر يتكلم بعمومات ، بمعنى أنهم عندما يقولون عدالة التوزيع وغيرها وغيرها فهل هذه تفاصيل ، بل كل هذه عمومات .
لأن الذي يقول منهج يقوله بعمومات وهذه العمومات لها تفاصيل والتفاصيل لها تفاصيل ، فلو أتوا وسألونا أو سألوا بحكم انتسابهم للإسلام يعلمون تفاصيل البيع والشراء والإجارة والحدود والقضاء والأسرة والمجتمع وغير ذلك .
غير ذلك عندما يجد نقطة فراغ يعرف أن هذا الفراغ تركه الله عز وجل رحمة بالعباد ليتسع لكل زمان ومكان .
فيقولون مثلاً قضية التعليم ماذا تفعلون فيها ؟
نقول : وماذا تفعل فيها أنت الآن ، ماذا يفعل الاشتراكي واللبرالي في هذه القضية .
وفي ذات الوقت نقول أن عندنا دور للأسرة ودور للمدرس وهناك كتاب أو كتب إلى معلم الكتاتيب والذي كتبها أناس في الصدر الأول في عام 150 هجرية أو ما قاربه مثل كتاب ابن سحنون وغيره ويتكلم على معلم الكتاب .
يقولون أن هذا الكتاب يتكلم على الكُتّاب وليس على المدرسة .
نقول : غير كلمة الكتاب واجعلها مدرسة
يقولون : أن هذا الكتاب يقول أن يخلع التلاميذ أحزيتهم خارج المكان
نقول : احزف هذه من الكتاب ، ليس في هذه مشكلة .
فتجد أمور تشعر أن من يتحدث فيها صغير العقل .
لكن هذا يتكلم عن ميعاد الدراسة ومتى يكون زهن الطفل متقبل ، وماذا يبتدأ به وماذا ينتهي به ، وما هو أسلوب العقاب .
وأسلوب العقاب هي أحد القضايا التي يغيرون فيها كل حين وآخر
فابن سحنون يقول : " أن معلم الأطفال من حقه يضرب ثلاث أصوات بدون إذن الولي ، ويمكن أن يزيد على عشرة بإذن الولي ولا يزيد على ذلك " فهذا قانون . وهذا طبعاً أقتراح من المعلم ولكن استنبطه من الشرع .
فعندنا نظام عقوبة في المدرسة موضوع من سنة 150 هجرية
فيقول : أن هذا اجتهاد فقهاء
نقول : نحن نفهم الفرق بين القطعي وبين أن يكون اجتهادي
يقول : وأين توزيع المنهج عبر أيام السنة ومتى تكون الإجازات ؟ الفطر والأضحى .
وفي اليوم سيأتي من وقت الضحى حتى قبيل الظهر ، وهذا الوقت يكون حر فلا يصح أن ترهق الطفل فتعطيه راحة في هذا الوقت ، وهل يأتي بوجبة أم لا ؟
فهذا كلام معلمي الكتاتيب عند المسلمين ،فوضع نظام الكُتّاب ، وطريقة العقاب ،ومتى تعاقب ومتى لابد أن يستأذن ولي الأمر ويقول أن طفلك يحتاج إلى درجة عقاب أعلى ، ومتى يكون العقاب جريمة ؟ فلو كانت العقوبة شفاءاً لغيظ المربي فهو حرام ، فأحياناً كثير الضرب يكون لتفريغ شحنة غضب عند المربي ، فهي جريمة سواء كان المربي أب أو مدرس ، فلما يجد نفسه غضبان لا ينفذ العقوبة لأنه من الممكن أن يتعدى .
فهذه ضوابط عامة .
فيقول أن هناك مشاكل مثل الكثافة السكانية وعدد الناس مع عدد المدارس
نقول : ومن قال أن المسلمين كانوا يضعون عقولهم في ثلاجات لم يمكن أن تشتغل من القرن الثالث الهجري ؟ بل بفضل الله من الممكن أن تشتغل بدليل أن المدارس الإسلامية أنجح مدارس وأيضاً يغلقها العلمانيون بدعوى أنه ليس معه ترخيص بناء ، نقول وهل المدارس التبشيرية معها تراخيص بناء ؟ وهل الأسوار التي تبنى وتسد الشوارع معها تراخيص بناء ؟
فإذن العلمانيون يمارسون أقصى درجة تعسف مع مدرسة إسلامية في منطقة ليس بها أي مبنى له تراخيص بناء بما في ذلك المباني الرسمية نفسها ، والمدرسة خصوصاً هي التي كان لها قرار هدم لأنها ليس بها ترخيص بناء .
لماذا ؟ لأنها نجحت في تقديم رسالة ، رغم أن الذي وضع المنهج ربما يكونون أناس لا تستيطع أن تقول عليهم أنهم يحملون منهج إسلامي شامل ولكنهم أناس تربوا على الإسلام وأتيح له أن يكون مدرسة ورجع لقواعد الإسلام في التربية وقواعد الإسلام في الفصل بين البنين والبنات وقواعد الإسلام في الثواب والعقاب فحقق نتائج .
لدرجة أن من الناس من يتقدم بابنه ويصمم أن يدخله المدرسة الإسلامية ويستأذن من المدير بأن لا يجعل الطفل يقول لأمه تحجبي .
فالبيت ليس ملتزم ولكنه يريد المدرسة الإسلامية لأنها تحقق نتائج جيدة .
وهكذا من المسائل حتى البطالة ، بل التشريعات الإسلامية في أمر تحريم الربا على سبيل المثال يحل مشكلة البطالة، لأنه يسجبر أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة أنه لا يجد لها وسيلة إلا أنه يفكر في مشروعات صغيرة ومتوسطة توجد فرص عمل .
بل لا ينتظرون المشروعات الكبرى التي في أولها تعتمد على الميكنة ولا تشغل الشباب .
فكل قضية قابلة للحل ، وقواعد الإسلام فيها تحقق نتائج مبهرة بفضل الله تبارك وتعالى .
والقضايا التفصيلية جداً المتعلقة بزمان ما ومكان ما بفضل الله عز وجل من يعرف الفقه ويعرف دين الله تبارك وتعالى يدرك قضايا المصالح المرسلة وغيرها التي تجعله يعرف حدود التفكير . وإلى أين يفكر ويستطيع أن يحل المشاكل أو يأقلم نفسه مع ظروف المجتمع الذي هو فيه . إلى غير ذلك من القضايا .
فنقول عموماً أن هذا ليس داخل معنا الرد على هؤلاء العلمانيين ، بل نكتفي بهذا الرد المجمل جداً الذي قلناه ، وربما إذا يسر الله تعالى يكون هناك ملحق نناقش فيه هؤلاء القوم بطريقة أوسع .
ونكتفي اليوم بإذن الله تبارك وتعالى ومن المرة القادمة إن شاء الله نبدأ البحث بتمهيده الموجود فيه بإذن الله تبارك وتعالى .
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد ألا إله إلأ أنت نستغفرك ونتوب إليك .



بارك الله فيك أخي الكريم
وأثابك الله خيرا على هذا الجهد المبارك
,هذا رابط التفريغ كامل في ملف وورد للتيسير على الأخوة ونرجوا وضعه في أول مشاركة

http://ia700709.us.archive.org/21/items/alsalafiah_829/alsaafiah.zip

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه




هذا رابط للتفريغ تم فيه تعديل الأخطاء والتمييز في الخطوط بين كلام الشيخ وأصل البحث

http://ia600709.us.archive.org/13/items/alsalafiah/alsalafiah.zip

نسألكم الدعاء

ابن قمر المصرى
11-04-2010, 01:16 AM
الشريط الثاني
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
شرعنا في المرة السابقة في تدارس قضية السلفية ومناهج التغيير ، وذكرنا أننا سوف نتدارسها بصفة أساسية من خلال بحث سبق نشره في مجلة الدعوة التي كانت تصدرها الدعوة السلفية في حينها .
ذكرنا في المرة السابقة تمهيد عام عن الموضوع ، ونشرع اليوم في قراءة البحث ، وأيضاً هذه المرة سيكون فيها قراءة مقدمة البحث مع إعطاء تصور عام عن قضية البحث بإذن الله تبارك وتعالى .
يقول البحث : " فرض الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية أن تعلي كلمته في الأرض وأن تسعى إلى أن يكون الدين الظاهر على الأرض هو دين الله سبحانه وتعالى { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } [التوبة/33] وأوجب على كل مسلم أن يكون مؤثراً في من حوله المجتمع الذي يعيش فيه آمراً بالخير ناهياً عن الشر ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) "
وهذه القضية يأتي لها تفصيل في ثنايا هذا البحث أيضاً في معنى هذا الحديث ومعنى تغيير المنكر ، ولكن نريد أن نشير إلى قضية مهم جدا :
وهي عندما يأتي الدعاء إلى الله تبارك وتعالى يغيرون منكرات ما موجودة في المجتمع ، ولنفترض الآن أننا حصرنا كلامنا على تغيير المنكر باللسان ، وسيأتي الكلام على تغير المنكر باليد وأن له ضوابط ، وأن بعض المنتسبين إلى الدعوة قد يسيء تطبيق هذه الضوابط .
فقضية تغيير المنكر باليهد قضية شائكة وهي بالفعل كذلك ، ولكن مع أنها شائكة لم نلغيها من القاموس الشرعي ، نحن لا نملك أن نغير شيء من الشرع ، إذا كان الحديث يقول : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ) فلابد أن يكون هناك تغيير باليد .
دلت بقية النصوص على ضوبط ومحاذير وأساء البعض تطبيق هذه الضوابط ،فلن يدفعنا هذا إلى إنكار شيء موجود في الشرع .
ولكن غاية من نفعله أنه عندما يأتي الكلام على هذه القضية نحاول نقولها مقترنة بضوابطها ، رغم أن الأمر يسع أنك تقولها كما في الحديث ، وتقولها وتحيل على أن الضوابط موجودة في مكان آخر أو ستقال في سياق آخر ، ولكن طالما القضية فيها سوء فهم أو سوء تطبيق فيفضل دائماً أن تقولها مكتملة باحتراذاتها .
فلذلك نقول أن قضية تغيير المنكر باليد لها شروط ولها ضوابط سنتكلم عليها في حينها .
ولكننا الآن نتكلم عن إنكار المنكرات باللسان .
فلما تغير المنكر باللسان يخرج أحياناً المخالفين على اختلاف أنواعهم ويقولون أن هذه حرية شخصية ، وأنت الآن متعدي بإنكارك ، فلما تنكر التبرج يقولون أنها حرية شخصية ، ولما تنكر الغناء والموسيقى فضلاً عن المنكرات الأعظم من ذلك .
معنى ذلك أنه يقول لك لما ترى الخطأ اسكت ، ولما يتكلمون على أمور هي منكر في موازين من يتكلم تجده يرغب بشدة في إنكارها مثل الرشوة والسرقة ويتكلمون عن السلبية وكيف تحولت الناس إلى سلبيين .
أحد أسباب السلبية المتفشية في مجتمعات المسلمين اذدواج المعايير .
يعني يقولون أن الغرب عندهم إيجابية ، لماذا عنده إيجابية ؟ لأن الذي يتعلمه في الحضانة قبل المدرسة وأن هذا صحيح وهذا خطأ يجد القوانين تؤيده ويجد أن المجتمع يقول له اتخذ كل الإجراءات لمنع الخطأ ، ويوفر له المجتمع قنوات كثيرة جداً يستيطع من خلالها أن يمنع الشيء الخطأ الذي تربى على أنه خطأ ، بغض النظر ما هو الخطأ وما هو الصح .
فإذن تستطيع أن تقول أن الغرب فيه درجة من درجات الانسجام . والمنهج التربوي متوافق مع المنهج القضائي ومع المنهج التشريعي ومع ثقافة المجتمع ككل .
ومع الفساد الذي عندهم إلا أن هذا عامل درجة من درجات دوران حركة المجتمع .
وانظر إلى مجتمعات المسلمين :
الناس عندهم بفضل الله بقية من دين ، فعنده أشياء كثير حرام لكن يقال له اجعلها في سرك ولا تنكرها ولو حتى باللسان لأنك ستجرح شعور الناس .
حتى صارت المنقبة الآن كما قال بذلك شيخ أزهري عفا الله عنه : " أن المنقبة تشتم الغير منقبات " ، فتخيل وصلنا إلى أي درجة ، وصلنا أنه يمنع المنتقبة من انتقابها لأنها تشتم الأخريات وتقول لهم أنهم مستهترين .
رغم أنه في المقابل أن المحتجبات يشتمون المتبرجات بهذه الكلمة أيضاً فسيلزم أنه لا يوجد إنكار باليد ولا باللسان ولا بالقلب ، بل افعل المنكر حتى لا يكون فعلك للطاعة شتمة أو سبة لمن يفعل المعصية وبذلك تكون جرحت شعور من فعل المعصية .
هذا كلام قيل من رؤوس يشار إليهم بالبنان في العلم .
ويأتي في مواقف أخرى يقول أنه لابد من إنكار كذا وكذا .
فيكون النقاب منكر بحساباته هو .
ولما أصبح منكر أصبح مطلوب من كل واحد في نطاق سلطته أن يصدر قرارات بمنعه ، وأن كل واحد في نطاق أسرته يوعي الأسرة وكل واحد في نطاق جيرانه يوعي الجيران وكل واحد له عمود صحفي يكتب في ذلك .
فالفكرة أنه عند حصول توافق على أن شيء .
فطالما أن الشيء عندهم منكر فتجده يحثك على أن تفتح على كل قناة ممكنة لإنكار هذا المنكر .
فهنا المسلم يعيش إزدواجية ، عنده منكرات كثيرة جداً يطالب منه أن لا يتكلم ولا حتى يحاول أن يتحرك لينكرها .
ثم يكونون في أشياء أخرى مثل الرشوة مثلاً فهي حرام شرعاً وهي مستهجنة اجتماعياً وقانونياً ، فيقولون أنك عند رؤيتك للرشوة لابد أن تبلغ عن تلك الرشوة .
فالذي يتربى على السلبية ويرى الأولاد والبنات على الكورنيش ومطلوب منه ألا ينظر لهم نظرة جارحة بل ينظر الجهة الأخرى لأنه لو نظر لهم نظرة جارحة وثاروا عليه وحدثت مشكلة يلمومه كل الناس ويقولون لماذا تنظر إليهم هذه النظرة الجارحة ، ولماذا زجرتهم حتى بالنظرة .

بل هو من الممكن أن يطلب منه أن يتحرك في قضايا أخرى .
فالناس يشتكون من السلبية ، السلبية تجاه كسر قواعد المرور والسلبية تجاه تلوث البيئة وغير ذلك من السلبيات .
لو طلبت منه أن يتعايش مع المنكرات التي هي منكرات في الشرع فعلاً فلا تتوقع منه إلا أن يتعايش مع كل شيء آخر .
فالذي في الغرب يعتبر أن الحرية الشخصية بين الرجل والمرأة ، فإذن هو لا يستهجنها ، وقيل له منذ الصغر أن هذا شيء طبيعي ، ولما ترى من يكسر إشارة المرور فهذا منكر انكره . فهو بذلك منسجم .
لكنك هنا تريد منه أن يمرر كل هذه الموبقات ويقال له ليس لك دخل ، وتطلب منه أن ينكر أشياء ربما لا تكون منكرات أصلاً أو أشياء فضلاً أن توضع في قائمة المنكرات أشياء شرعية .
فنقول أن قضية تغير المنكر قضية فطرية قبل أن تكون قضية شرعية
لكن نتجية أن البعض الذين يوجهون يكون عنده معايير المعروف والمنكر غير المعايير الشرعية .فيأتي في أمور منكرة شرعاً ولا يريد أن يقول أنها ليست منكرات فيقول ليس لك دخل . ولكن تأتي إلى الأشياء التي هي منكرات في اعتباره تجده يقول أين الإيجابية ؟
ولذلك نقول أن الأمة الإسلامية لا تتقدم إلا بالإسلام .
وقول عمر رضي الله عنه : " إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله "
هذا القول قول جامع عظيم من جوانبه أن هذه الأمة كانت أمة لم يجعل الله تبارك وتعالى لها مقومات من المقومات المادية التي كانت عند غيرها لتظل هذه الأمة مقومها الرئيس هو الإسلام ولو بحثت على غيره لا تصح .
بالإضافة إلى ذلك ، لو أن الأمة هجنت الإسلام بغيره أو دخل معها مكونات أخرى لا تكون منسجمة مع نفسها .
ممكن الأمم الأخرى نتيجة انسجامها مع نفسها نتدفع عجلتها كما ترى في أوروبا أو نحو ذلك بأن النظام يسير ومنسجم مع بعضه وهو نظام عظم الدنيا وقلل من شأن الآخرة ورضوا في الآخرة بأي دين ، المهم أن يكون هناك دين يجمعهم وفقط ، وعظموا أمر الدنيا ، لكنهم نتيجة أنهم يربون الناس كلام يطبق وتساغ منه القوانين ويكون الشخص يعرف من هو ، فتسير الدنيا عندهم ، ولذلك من ضمن مشاكل الساسة الأوروبين وحربهم ضد الإسلام أنه لو تكاثر عدد المسلمين في أوروبا وزيادة التزامهم بالإسلام يهدد عندهم المجتمعات فعلاً ، لأنه يخرج عنده أناس تقول على أشياء حرام وتقول على أشياء حلال .
وذكرنا الأزمات المتتالية التي ينزعجون منها جداً وهو أنه بدأ يكون هناك أناس يمثلون قوة شرائية تجبر المطاعم أن تذبح لحوم حلال وفق الشريع الإسلامية .
والنظام هناك يجعل للفرد قيمة ، فلما يتكاثر عدد الأفراد الذين ينتمون إلى عدد معين سيصبغون المجتمع بصبغتهم ويجعلون الواقع يزداد رسوخاً ، ولذلك هم يخافون من هذا جداً .
فابتداءاً المسلم يستقي كل مناهجه من دين الله تبارك وتعالى ويعرف المعروف ويعرف المنكر ، يعرف المعروف أي يعلم المعروف من المنكر ثم يدعوا إلى أن يكون المعروف معروفاً متعارفاً عليه مقبولاً والمنكر يكون منكراً بين الناس .
هذه قضية في كل نظام عنده قائمة معروف وقائمة منكر ، ولما تأتي لقائمته هو يقول لابد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر .
والعلمانيون المتطرفون عنده أن تترك الدين وتدعوا إلى العمل وتقديس العمل ، فلما تأتي لمثل هذه الأشياء يقول لا تسمع لأحد يقصر في عمله بل لابد أن تفعل كذا وكذا ، ففي النهاية هناك قائمة معروف وقائمة منكر في كل نظام
مشكلة بلاد المسلمين الرئيسية تداخل قائمة المعروف والمنكر الإسلامية مع المناهج الوافدة ، وصار الموجهون في المجتمع عندهم خليط ،فلما تأتي قضية منكرة في الشرع ولكنها وفق المبادئ العلمانية ليست منكر فيقولون طالما أنت تراها منكر اجعلها في سرك وهكذا .
لكن المسلم لا يستقي إلا من دين الله تبارك وتعالى ويرى أن من إحدى واجباته أن يأمر بالعروف وينهى عن المنكر .
هناك حيثية أخرى :
فهنا المتهيد يخاطب المسلم الذي يعرف حيثيات إسلامه ولماذا هو مطالب أن يغير كل واقع سيء حوله لأن الله تبارك وتعالى { أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } وأتباع الرسل عليهم أن يحملوا رسالة الرسل . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكراً فليغيره ).
ثم يقول : " ولا شك أن حياة المسلم بإسلامه لا تكون على الوجه الأكمل إلى في مجمتع مسلم "
وهذا أمر آخر ، فالذي يضع الآيات في غير موضعها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } [المائدة/105] فهنا عليكم أنفسكم فقوموها وألزموها بالشرع ولن يضرك من ضل إذا كنت أنت مهتدي ، ومن ضمن الهدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمعنى الآية { ولا تزر وزارة وزر أخرى } أو { ليس عليك هداهم } ولا يوجد آية تقول ليس عليك دعوتهم ، بل النبي صلى الله عليه وسلم خوطب بأنه ليس عليك هداهم ولكن هو في واقع الأمر عليه البلاغ ،وأتباع الرسل كذلك ، فالمسلم لا يضره من ضل إذا اهتدى ، والهداية أن يعلم الحق ويعمل به ويدعوا إليه ،ولذلك كانت هذه السورة الوجيزة البليغة التي قال فيها الشافعي رحمها لله : " ولو لم ينزل الله على عباده إلا هذه السورة لكفت { والعصر إن الإنسان لفي خسر } فكل جنس بني الإنسان في خسر { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فالإيمان والعمل الصالح ويدخل في هذا الدعوة ولكن كررها وأكد عليها حتى لا يتوهم أن المقصود بالعمل الصالح أنه العمل الصالح القاصر أو الخاص بالإنسان { وتواصوا بالحق وتواصر بالصبر } فلا يكون الإنسان ناجياً إلا باجتماع هذه الأمور ، فلو فاتته كلها يكون هذا الخسران المبين، ولو فاته بعضها تكون هذه درجات من درجات الخسران .
فالإنسان لا يقدر أن يقول أنا أديت ما علي إلا أن يبذل وسعه في دعوة غيره .
فلو تغاضينا عن هذه الوسعية وقلنا أن مثلاً لو قال قائل أن المهم أن يصلح نفسه ولا شأن له بغيره ، نقول له كيف تصلح نفسك ؟ فلو كان التيار كله مصلح لكان ذلك أفضل في إصلاح نفسك .
انظر إلى كم المشقة التي يجدها الشاب الذي يريد أن يلتزم في مجتمع فيه تبرج ، بينما هو لو كان مجتمع يشيع فيه الحجاب يجد أن قضية غض البصر سهلة ، ولا يكون أحد مبتلى بالنظر ، بل وقتها لو بلغ منه البلاء مبلغاً يسرق النظر إلى النساء فيكون هنا إنسان مريض ، أما الآن لو مشيت في الشارع حتى في الذهاب إلى الصلاة تجد مشقة في غض البصر .
فهنا صارت مشكلة سببها وجود غير الملتزمين .
وأنظر إيضاً إلى من يشرب السجاير فالتدين السلبي ضرره يقارب التدخين الإيجابي
وانظر إلى الأفراح تجد الأغاني تدخل إلى بيتك وإلى مسجدك
فشيوع المنكرات يجعل التزام من يريد أن يلتزم في غاية المشقة .
فلو حتى من هذه الحيثية يقول أحاول أن أجعل من حولي ملتزمين حتى يكون الإلتزام سهل .
لذلك يقول " والحياة بالإسلام في مجتمع لا يلتزم بالإسلام في أنظمه ومنهجته قبض على الجمر ، وما أقل من يقدر على أن يكون قابضاً على الجمر فإن نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم نجد الانحراف عن دين الله إلى مناهج الباطل والضلال ظاهراً منتشراً في الأفراد والمجتمعات مما يستوجب على كل مسلم غيور على دينه يفهمه الفهم الصحيح الشامل ألا يقف موقف المتفرج السلبي الذي يتحصل على وجود الفساد دون أن يحرك ساكناً لإزالته ولإقامة الخير والمعروف مكانه ، وهذا الموقف السلبي من الكثيرين من الملتزمين يدل على نقص الإيمان ولابد ، لأن الجميع يخالط المجتمع ويعيش فيه هو وأهله وأبناؤه ويتأثر وهو يرى منكراته المختلفة في التعليم والقضاء والإعلام والتشريع والحكم والحرب والسلام والاقتصاد ووضع المرأة وسائر أنظمة المجتمع ، فمن لم يستشعر وجوب تغيير تلك المنكرات ويشارع في تغييرها بكل ما يقدر عليه من أنواع القدرة بنفسه أو مع غيره من إخوانه المسلمين أو بأمر القادرين وحثهم على التعاون على ذلك فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة ... )
فهذه قضية مهمة جداً ، ولما نقول تغيير نقول تغيير واقع مخالف للإسلام ، فهو فيه ما يوافق ، ولكن نقول أن الواقع المخالف والمخالفات الكثيرة الموجودة في معظم مناحي الحياة ، هذه المخالفات نريد تغييرها إلى واقع موافق للإسلام ، فهنا ما نقول عليه التغيير ، وفي نفس الوقت قلنا أنهم يقولون الآن ـ الإصلاح ـ والإصلاح مصطلح شرعي ومصطلح حسن إلا أنهم يقولونها من باب تسمية الأشياء بغير اسمها يسمون إفساد العلمانيون وغيرهم إصلاح .
نقول أن الإصلاح معناه أن يكون عندك شيء فاسد ترد أن تعيده لوضعه السليم .
ففي الطب مثلاً أولاً يدرسون الوضع السليم لأجهزة الجسم ، فالإنسان السليم يكون حجم أعضاؤه كذا وحكم الكبد كذا وحجم الطحال كذا ويتنفس عدد مرات معينة في الدقيقة ويكون ضغطه بمقدار معين ، فيدرس أولاً الوضع السليم ثم يدرس الانحرافات ويدرس أشهر الانحرافات ، فيقولون أن هناك مرض جديد ، ومعنى مرض أن يكون الإنسان غير طبيعي كأن يكون درجه حرارته غير طبيعية لوجود التهاب مثلاً أو عضر تأخر أو عضو مات وتوقف عن العمل ، فكل مرض من هذه له أعراض وله طريقة إصلاح إذا كان الطب وصل إلى طريقة إصلاحه .
فما هو الإصلاح ؟ هو أن يعود الوضع إلى الوضع المثالي ، فلما يقوم بقياس ضغط المريض وهو يعلم أن الوضع المثالي مثلاً 120 / 80 فلو كان أي رقم آخر يريد أن يعود إلى الوضع المثالي فيبحث عن سبب تغيره ويعطي له العلاج على هذا .
فهذا هو الإصلاح ، وهو أن تعيد الشيء لصورة مثالية معروفة ، فلما يتكلم على إصلاح المجتمع نقول وهل لكل واحد أن يرى لنفسه صورة يراها إصلاحاً ويريد أن يعود الناس إليها ؟
بل عندنا شرع شرعه الله تبارك وتعالى لنا ، والإصلاح هو أن نجعل واقع الناس موافق لهذه الصورة ، يقول أن الشرع نزل من زمن وتطبق من وقت كبير.
نقول ونضرب مثلاً :
أن العاملين على الحي عندما يقيمون صلاحية المباني ويقيم الأعمدة والأساسات وليس له دخل بباقي المبنى ، فالشروط المطبقة على السكن الفاخر هي الشروط التي تطبق على السكن المتوسط وهي التي تطبق على الإسكان الشعبي ، لأن المعايير عنده لا تتغير بتغير نوع التشطيب ومعاييره لا تتغير تبغير الجغرافيا ، بل هي معايير أمان ثابتة وعالمية .
نقول أن الشرع صالح التطبيق لكل زمان ومكان وهو يعطيك المعايير التي يحتاجها أهل كل زمان ومكان .
فما يحتاجه الناس في تعاملتهم ؟
يحتاجون إلى العدل والرحمة وتحقيق المصلحة ودفع المفسدة .
لكن على سبيل المثال أن الناس في وقت رأوا أن الذي يحقق المصلحة هو عدم تملك أحد لأي شيء ، وهي النظرة الشيوعية في المال وأحياناً يتواكب معها النظرة الشيوعية للجنس ، فالمال والجنس مشاع ، هذه كانت رؤية بعض الناس وأتت بمفاسد عبر التاريخ ، ولا يمنع هذا أن دعوة شيوعية المال تتكرر عدة مرات وآخرها الدعوة الشيوعية التي انهارت تقريباً .
وهناك أناس آخرين يقولون اجعل كل واحد يأخذ ماله ولا تسأله في شيء ويضيق جداً نطاق المساءلة .
نقول أن الشرع يريد العدل والمصلحة ، فالشرع وصف دواء ناجح لهذا الأمر أنت تثق به بمقتضى أنه من عند الله تبارك وتعالى .
وهذا إطار كإطار الأعمدة الخرسانية للبناء .
فالناس في هذا الزمان يكثر بينهم البيع بالنقود وتكثر المقايدة وهنا يكثر كل هذا النظام فالنظام الشرعي يستوعبه ويستوعب كل التغيرات التي ممكن توجد في حياة الناس من النظام الاقتصادي أو غيره من الأنظمة .
إذن نقول أن النظام الشرعي في كل مناحي الحياة وهذا النظام فيه من عوامل المرونة .
وطبعاً العلمانيون الذين يريدون استدراك الإسلاميين يقولون طبقوا هذه المرونة على كل شيء .
ودائماً تجد المعايير الموجودة في الشرع في المعاملات تشابه الأعمدة في البناء ، ولا تجد وصف تفصلي للبيع والشراء ، فلا تجد في الشرع طريقة شراء الشقة ، لا تجد تلك الإجراءات التفصيلية ولكن تجد الحد الأدنى في عملية البيع حتى تكون عملية تحقق مصلحة الطرفين ولا تؤدي إلى وجود شجار ولانزاع ولا تباغض ولا تحاسد بين الطرفين .
فنحن عندما نقول التغيير أوالإصلاح ، نقول تغيير من المواقع للمخالف للشرع إلى الواقع الموافق للشرع
وهو هوالإصلاح ،لأن تعريف الصلاح عندنا هو ما وافق الشرع والفساد هو ما خالفه ، والمباحات هو مما وافق الشرع .
فالإصلاح هو أن نأتي على المخالف للشرع ونجعله موافق للشرع .
هذه هو الإصلاح عندنا . فهذا معنى التغيير وذلك معنى الإصلاح ,
فهو شاع في إوساط الصحوة الإسلامية مصطلح التغيير وكأن هذه المصطلح بمطن فيه معنى وهو أن التغيير هو تغيير الأنظمة الحاكمة ، مع رواج نظريات المواجهة المسلحة ونحو ذلك .
بل نحن نقول تغيير الواقع ، فأنت عندما تقول أنك لما تحقق درجة تغيير في المجتمع سواء على مستوى الإدراك أو على مستوى التطبيق .
فبلا شك الآن زاد الوعي في قضية البدع والسنن . والوعي بوجود الربا في المعاملات ويسأل عليه الناس في المعاملات المالية ، فمن الممكن أن يتأخر التطبيق ، والوعي بقضية الحجاب وقضية وضع المرأة في الإسلام زاد وإن كان التطبيق متأخر .
هذا الوعي قدر من التغيير والتطبيق به قدر مطلوب من التغيير ، ولكن البعض عندما ينظر لا يجد إلا صورة ضيقة ومعنى ضيق للتغيير ، فيقول أن التجربة التركية هي أنجح تجربة إسلامية في العصر الحديث .
ونحن سنتكلم عن التجربة التركية بمزيد من التفصيل .
نقول لماذا تكون التجربة التركية أنجح ؟ مع العلم أننا لا ننفي أنها حققت قدر من النجاح .
يقولون أنها أنجح لأنهم وصلوا للحكم ، فنسأل عن أنهم عندما وصلوا للحكم وفي ذات الوقت التي تكون فيها الحكومة إسلامية تصدر تصاريح الجرائم ، فهل هذا تغيير .
لماذا اعتبر أن هذه أنجح تجربة إسلامية معاصرة ؟
لا شك أن ذهنه محصور في صورة معينة من صور التغيير سواء صرح أو لم يصرح وهي الوصول إلى سدة الحكم .
وطبعاً المجتمع التركي له ظروفه واعتباراته .
ونحن سنسبق الأحداث ونقول أن التجربة التركية لم تحقق النجاح إلا لأنها في المقام الأول كانت تجربة تربية تخاطب عموم الشعب وكانت مضطهدة في غاية الاضطهاد وكانت محاصرة ، ومن ضمن الإنصاف في عرض الواقع أنها تجربة محسوبة على التيار الصوفي ، وهي تجربة صوفية ولكن الصوفية درجات ، فهذه التجربة التركية كانت في الأصل تجربة صوفية ولكن لم تكن صوفية مغرقة في الضلال ووحدة الوجود .
فحتى الآن الموقف الرسمي من ابن عربي داعية وحدة الوجود أن كلامه كفر ، وهذا الكلام مثبت في قرارات مجمع البحوث الإسلامية وفي جلسات مجلس الشعب المصري في سنة 1979 مما أصدر قرار مجمع بحوث الإسلامية وأيد من مجلس الشعب بمعنع تداول كتب ابن عربي ، وأعيد الكلام للمناقشة في عدة مرات بعد ذلك .
لكن الآن وكأن من شروط أن يصدر أحد أن يكون خريج مدرسة ابن عربي وتحديداً في فهم ابن عربي كما يراه الغرب ـ فرنسا وأسبانيا وغيرهم ـ لأنهم يرون ابن عربي من وجه نظر أن إلهه هو بوذا وهو عيسى وهو كل معبود على وجه الأرض ، وبالتالي دينه هو كل الأديان ، وكل الأديان عنده صور مختلفة لدين واحد وهو وحده الوجود والعياذ بالله .
التجربة التركية هي تجربة صوفية وفيها بعض البدع الصوفية ولكن في ذات الوقت فيها من الشريعة ، وإن كان ـ بديع الزمان النوراسي ـ له اطلاع على كتب العقيدة وله فيه كلام جيد وله معرفة بالشرع والجهاد وتغيير المنكر ، فلا يعد أنه مدرسة صوفية خالصة .
وكانت هذه المدرسة لها أعمالها التربوية التي ظهرت بعد ، وأن المجمتمع التركي بعد العلمنة بقوة الحديد والنار كان الجيل الجديد هو الجيل الذي يبحث عن الإسلام ، جيل يبحث عن الإسلام وسط دولة تحاول أن تطبق الديمقراطية بمفهوم غربي فبدأ جيل من الإسلاميين يستثمر المناخ الديمقراطي الموجود ويحاول يصل ، وبالفعل قدم نفسه للناس بطريقة جيدة فحقق نجاح في قضية الانتخابات وسيأتي الكلام عليها كما ذكرنا ، لكن في النهاية ما زال محكوم بسقف القانون العلماني وهو من ضمنه أنه لا يغير القانون ، فالوزير مفروض عليه أن يطبق القانون ، فالقانون مفروض فيه بغاء ، والبغاء يكون له تصاريح رسمية ، فالوزير الإسلامي لابد أن يخرج تصاريح بغاء رسمية .
وطبعاً الحكومة التركية الإسلامية تضطر أن توجه خطاب في الإعلام يحذر من البغاء ويدعوا البغايا إلى التوبة ويدعوا الزناة إلى التوبة ، وكل هذا جزء حسن ولكن يبقى الأخطر وهو أنه لا يزال تارك البغاء بل مطلوب منه حمايته لأنه السلطة التي تحمي القانون ، فالقانون يقول أن يصرح بذلك وهذا التصريح يساوي حماية قانونية بكل ما تعنيه الكلمة .
فإذن لماذا يقال أن التجربة التركية هي أنجح تجربة ؟
لأنها تغيير في الواقع المعاصر ، فمن يتكلم على التغيير لا يرى أن انتشار الحجاب في بلاد المسلمين تغيير يذكر ،ولا يرى أن انتشار دور تحفيظ القرآن تغيير يذكر ، ولا يرى أن أنتشار سماع الشريط الإسلامي ووجود القنوات الإسلامية تغيير يذكر ، هو لا يرى أن هذا كله تغيير يذكر ، بل كل ذهنه في النهاية من الموجود في سدة الحكم .
وطبعاً لو أن الإسلاميين الذين في الحكم استطاعوا أن يغيروا بعض المواقف التي نبعت من منبع إسلامية ، فبلا شك أن النظام التركي أظهر درجة اعتزاز بالنفس أمام الغرب بدرجة مبهرة ودرجة تأييد للفلسطينين . وهي دولة غير عربية ، والقضية سميت القضية العربية زوراً وبهتاناً ، إلا أن تركيا الآن تتكلم أكثر من كل الدول العربية الأخرى ، لكن في النهاية يقولون أن تركيا تفعل ذلك لأنها دولة عظيمة ، هي بالفعل نابعة من اعتزاز إسلامي ، ولكنه لابد أن يكتم الاعتزاز الإسلامي .
فهذه لا تسمى أنجح تجربة تغيير لو اعتبرنا أنها شرعية ، ولكن سنبين الحكم فيها ، ولكن من ينبهر بها جداً يغفل عن عمد لأنه انحصر ذهنه في التغيير الذي يقصده في قضية معينة وهو الوصول إلى سدة الحكم . فينكر أو يغفل كل مظاهر التدين وانتشار الدين الموجودة وهي لا تقطع بانتخابات سواء مزورة أو غير مزورة بل هو أمر يتكون في النفوس .
التربية الإسلامية التي وجدت في تركيا في عصر الديكتاورية لم تقتلع بالدكتاورية بل ظلت موجودة حتى جاءت التجربة البرلمانية واستثمرتها ، ولكن لو أن التجربة البرلمانية بمحظة وبانتخابات لا تنجح ، فالناس يتسخطون ، فليس من البد أن ينجح كل الإسلاميين في الإدراة ، فالقضية هو المنهج الإسلامي وفيه تطبيق والتطيبق على أمور كبيرة ومن الممكن أن يفشل في الإدارة أو يكون عليه ضغط خارجية أو نحو ذلك .
فالمهم أن هذه الفقرة نقف فيها أننا عندما نتكلم على التغيير أو الإصلاح ولكن نقول أن التغيير من المخالف للشرع إلى الموافق للشرع ،وهذا بعينه هو الإصلاح .
فعندنا وصف الصلاح والفساد نكتسبه من الشرع ، فما وصفه الشرع بأنه صالح وهو موجود فنريد تثبيته ، وما وصفه الشرع بأنه فاسد نريد تغييره .
الأمر الآخر وهو أننا لما نتكلم عن تغيير المنكر نقول أن عندنا مصطلحات في هذه القضية ـ الدعوة إلى الله ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجهاد في سبيل الله ـ فتستطيع أن تقول أنهم قضية واحدة ولكن تنظر لها من زوايا مختلفة ، ومن الممكن أن تعتبر بعضها أعم والآخر أخص ولكن في النهاية هي إحدى فروض الكفايات .
فروض الكفايات تكلمنا عليها في الأصول وغيرها وهو أن الفروض ما هو منها فرض عين ومنها ما هو فرض كفاية .
فرض عين : وهو أن يكون مطلوب من كل مكلف بعينه أن يقوم به وكل مكلف يحتاج إليه ، فكل مكلف مطلوب منه أن يصلي ، والشرع طلب الصلاة من كل مكلف لأنها لا صلاح للعبد إلا بهذه الصلة بينه وبين ربه ، فهذا يكون فرض عين ، مطلوب من كل مكلف بعينه أن يفعله .
فرض الكفاية : فهو أمر مطلوب من الأمة كأمة أن يوجد فيها أو من جماعة المسلمين أن يوجد فيهم هذا الأمر .
فنقول أن هذا النوع متى قامت به كفايته سقطت عن الجميع .
فلو أخذنا مثال بشيء بسيط مثلاً
فلو أن أحد الناس مات ، فيكون غسله وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية على من حوله ، فالغسل يقوم به رجل أو اثنان ، فلا يلزم أن يجتمع أهل القرية كلهم ويغسلونه ، لأن المطلوب هو الغسل ويكفي الغسل واحد أو اثنين ، فلو وجدوا يسقط الحكم لأنه قد قام من يكفي في أمر الغسل أو الكفن . لكن لو تراخى هذا والآخر أيضاً تراخى فلم يتم هذا الباب أثم الجميع على قول بعض العلماء والبعض الآخر يقول أنه أثم كل قادر ، وهو التعبير الأدق ، لأنه لو فرض عين لا يكون على الغير مستطيع بل كان يسقط بالعجز فكيف لو أنه أصلاً فرض كفاية ؟! ، فإذا لم تقم به كفايته أثم كل قادر .
ولكن نريد أن ننبه بالقدرة بنفسه أو مع غيره أو بحث غيره .
وهذا الذي جعل بعض العلماء يقول أثم الجميع لأنه يندر جداً أن يعجز أحد ولو بواحدة من هذه .
ولكنه وارد فلابد أن نقول التعبير الأدق .
فهنا يكون الإنسان مخاطب طالما وجد معروف غير مطبق ووجد منكر موجود فصار هنا فرض كفاية على الأمة ، وغالباً ما لا تقوم به كفايته يكون كل واحد له قدرة مفروض عليه أن يقوم بها إما بنفسه أو مع غيره أو بأمر غيره.
فهناك منكرات تستيطع أن تنكرها بنفسك مثل المنكرات التي تتم داخل بيت الإنسان والمنكرات التي تتم من صديقه وجاره ، وهناك منكرات لابد أن تتم مع غيره ولا يستطيع أن يفعلها وحده أو تكون صورة من صور الدعوة لا يستطيع أن يفعلها وحده
الآن صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة أو الدرس لا يستطيع أن يفعلها أحد وحده وهذه صورة قريبةمن الصورة الفردية ، لأن الصلاة لابد منها من يفتح المسجد أو يأذن ونادر من يفعل كل هذا وحده . فهناك من يؤذن وهناك من يفتح المسجد وهناك من يصلي الجماعة وهكذا خطبة الجمعة وهكذا الدرس ، ناهيك عن الأمور التي تحتاج إلى تعاون أكثر من ذلك مثل كتابة الكتب ونشرها ،وإلقاء الدرس ثم نشره بعد ذلك بوسائل متعددة كنشره على الإنترنت ، فكل هذه وسائل تحتاج اجتماع .
فإن القضية ألا يكتفي الإنسان بالأمور التي قدر عليها بنفسه ويقول أن هذه آخر قدراتي ، بل من الممكن أن تستطيع مع غيرك ، فليس كل الناس تستطيع أن تلقي الدرس لكن هناك من يستطيع أن يهيئ المسجد أو يدعوا إخوانه معه أو نحو ذلك . فهو قادر مع غيره . فهو يمثل جزء من مجموع يقومون بهذا الواجب .
فهناك شبهات أو منكرات تريد بيان وتوضيح وهذا البيان لا يملكه كل الناس ولكن يملك أن يساعد كما ذكرنا في الإعداد أو يساهم في نشرها بعد ذلك كأن يفهمها وينقلها بلغته هو أو بأسلوبه الخاص ويقربها لإخوانه وزملائه أو نحو ذلك .
فلما يكون الإنسان عمل ما يقدر عليه في خاصة نفسه وما يمكن أن ساهم به مع المجموع ويأمر الآخرين ، ليس من البد ألا يجيد الإنسان بعض الأشياء .
ودائماً نذكر في هذا المقام هذه القصة الطريفة للإمام الشافعي رحمه الله لما كان في مرحلة الصبا واستهواه شعر البادية وذهب إلى البادية ليتعلم أشعار العرب ، وكان هناك رجل من عامة المسلمين كان عبد فمر به وهو يستعرض الأشعار ويجري فيها كالسهم وهذا ليس منكر ، ولكن انظر إلى هذا الرجل العبد وفقهه وحرصه على الخير فضربه بالسوط كالمداعب أو المنبه وقال : " لو كان عقلك هذا لغير هذا " ، يعني القعل المعدة خسارة أن يضيع في الشعر ، فهذا العقل توظيفه الأمثل أن يكون في الفقه ، وهذا الرجل لم يقل هذا وفقط بل ذهب إلى أمير مكة وحضه على أن يرغب الشافعي في طلب العلم فأرسله إلى الإمام مالك ومعه رسالة يوصي به خيراً .
انظر إلى العلم العظيم في الإمام الشافي ، فلعل كل علوم الشافعي وما يتعلمه الناس من الشافعي إلى يومنا يكون لهذا الرجل نصيب منه ، لأنه وجد كل هذه الطاقة المتوقدة وهي في أمر قد يكون نفعه قليل أو لا يكون منه نفع . فأخذه ووجه . فهذا الرجل العبد لا توجد عنده هذه القدرات ولكنه لاحظ هذا في الشافعي ، فكم من أطفال المسلمين الأذكياء ونتركه يحفظ الأغاني وغيرها .
وأنت كثيراً ما ترى أطفال تقرأ في أعينهم الذكاء ، وتجده يستخدم هذه الطاقة في الضياع ولا يوجد مثل هذا الرجل ليقول للطفل أن عندك طاقة توظفها في طاعة الله تبارك وتعالى .
فحث الآخرين باب كبير فينصح أو يوجه ونحو ذلك .
فهذا هو الذي نعنيه بالتغيير أو الإصلاح وهذا ما نقوله وما المطلوب من كل فرض أن يفعله ، بأن يفعل كل ما يقدر عليه بنفسه أو مع غيره أو بنصيحه غيره .
الفقرة الأخيرة في هذا التمهيد :
يؤكد هنا على أنه إذا كان المسلمون ككل مطالبون بهذا فأبناء الصحوة الإسلامية الذين أدركوا كثير من هذه القضايا فهناك مسلمون كثر مازالوا بعيدين عن فهم هذا الموضوع ، فمن الممكن أن تجد عنده كثير من الخير ويفعل أركان الإسلام ومن الممكن أن يقوم الليل ويصوم النوافل ، لكن هنا من أهم ما يميز أبناء الصحوة الإسلامية ـ فهم يسمون أبناء الصحوة الإسلامية لأنهم يفهمون هذه الجزئية إجمالاً ويدركونها ـ فيلزمهم أكثر ما يلزم غيرهم ، لأن غيرهم ما زال يحتاج أن يستوعبها حتى تخاطبه بها . وإذا كان أبناء الصحوة الإسلامية سيدركون ههذ الجزئية ويبدأون ي التحرك فإن أولى الناس بهذا الذين يتبعون للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة لأن هذا هو الإصلاح التام ،أما من يشوب منهجهم بعض القضايا العقدية أو الفلسفية أو الصوفية أو غير ذلك فلا بلا شك أنهم يصلحون بعضاً ويفسدون بعضاً ، ومن الممكن أن يزيل فساد علماني بفساد عقلاني والاثنين صنوان ،وكل شيء قدر بقدره ، فيزيل فساد بمعاصي ويضع مكانها بدع ، فيوجد ممن لا يلتزم بمنهج أهل السنة والجماعة من لا شك أنه يفسد بمقدار انحرافه عن هذا المنهج . فإذا من الله تبارك وتعالى على الإنسان بالإسلام ثم من عليه بإدراكه بقضية العمل من أجل الإسلام ومن عليه بالتزامه منهج السلف فلا شك أنه لابد أن يقدر هذه المسئولية ، ولذلك يقول : " أنه يلزم أهل السنة والجماعة من هذا الواجب أكثر مما يلزم غيرهم لأنهم الطائفة الظاهرة على الحق التي تعلمه وتعمل به وتدعوا إليه وهم المأهلون لتغيير التحقق المنشود وإقامة الحق على صورته الكاملة ، بل لم تكون الخلافة على منهاج النبوة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم بقول : ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم تكون ملكاً عاضاً ثم تكون ملكاً جبرياً ثم خلافة على منهاج النبوة ) فإذن فى الآخر خلافة على منهاج النبوية .
فالآن من كثرة الرعب الذي فعله العلمانيون للإسلاميين أصبح ذكر كلمة الخلافة كأنها جريمة ، ويقول البعض " نؤمن بأن هناك خلافة ولكن من المستحيل أن تأتي قبل مائة سنة " حتى يكون هناك تهمة حالية . لأنه لو قال عشرين سنة احتمال أن تكون هناك تهمة حالية .
في الواقع نحن لا نقول عشرين ولا نقول مائة ، نحن نقول أن هذا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من البد أن نصدقه ، وواجب شرعي يجب أن نعمل له .
نحن الآن ماذا نفعل منه ؟ وهذا السئوال الآتي بعد ذلك
نفعل الآن من هذا الخير بأننا ندعوا الناس إلى الخير فقط .
كيف ستأتي الخلافة ؟
يأتي بها الله تبارك وتعالى .
فهل هذا تواكل ؟
لا ، لأنك تأخذ بالأسباب الشرعية والكونية ، فلا تحلم وتتمنى ثم تتخيل أن هذه الأحلام واقع ، أو يكون هناك وعد من الله تبارك وتعالى فتضع له تاريخ من اختراعك .
فالصحابة رضي الله عنهم الذي وعدوا أن يدخلوا المسجد الحرام وتحركوا وذهبوا إلى العمرة ، تلقائياً لابد أن تعتقد أن نذهب إلى المسجد الحرام فمنعوا منه وكانت المصلحة أن يرجعوا فأمروا بالرجوع ، وعمر رضي الله عنه يقول : " أم تقل لي أن آتي المسجد ومصل فيه ؟ " قال النبي صلى الله عليه وسلم ( هل قلت لك العام ؟ ) قال : " لا " . قال : ( فإنك آتيه ومصل فيه )
فحتى سبق الذهن الحاصل وهو الوعد الذي وعده النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنهم سيصلون إلى المسجد الحرام وفعلاً أخذوا قرار بأنهم يذهبون إلى العمرة ففعلاً يأتي في ذهنك أن هذا هو الوعد ، بل لم يكن هو ، فمن الممكن أن يكون هو من الممكن أن لم كن هو الوعد . فما الوعد الذي بشر به المؤمنون نصاً ؟ وهو أنهم سيدخلون المسجد ويصلون .
فهم لم يذهبوا ولم يصلوا في المسجد الحرام ورجعوا رغم أن الأسباب المادية كانت في صالحهم ، ولو أحبوا أن يدخلوا المسجد بالقوة كانت الموازين في صالحهم ، ولكن منعهم الله تبارك وتعالى وبين لهم العلة بعد ذلك من وجود المؤمنين المستضعفين الذين لم يظهروا إيمانهم في مكة . وبالفعل جاء وعد الله وصدق الله رسوله الرؤيا بالحق وتحققت في العام الذي بعده .
فيوجد وعد بالخلافة ونوقن به ، هذا ليس معناه أن يقوم أحد الناس على جبل ويرفع راية ويعلن خلافة ، ولا معناها مصادمة السنن الكونية ، ولا معناها أننا لابد أن نضع جدول زمني ،ولا معناها أن نفرض على الله تبارك وتعالى أن هناك طريقة معينة ينفذ بها وعده .
فأنت مطالب بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثقة بوعد الله .
فهل أحد كان يصدق أن تركيا بعد كل هذه العلمانية التي عاشتها تكون هذه صورتها الآن ؟!!
هل يصدق أحد أن قلب أوروبا الذي استعصى على الفتوح الإسلامية
الفتوح الإسلامية أخذت الأندلس ووقفت عند فرنسا ومع ذلك طرد الغرب المسلمين من الأندلس وفي نفس الوقت كان المسلمون يدخلون أوروبا من جهة الشرق ، ومع ذلك وقفوا عند النمسا وبولغاريا ثم انحصروا عند تركيا ، فقلب أوربا استعصى على الفتوح الإسلامية في كل تاريخها ، الآن يقولون أن قلب أوروبا في عام 2050 سيكون مسلماً بلا حرب ولا قتال غزو . فهناك بالفعل معدل نمو مضطرب للإسلام في أوروبا .
فهل نشترط على الله طريقة في إدخال الإسلام في أوروبا ؟
لكن لما كانت ساحة الجهاد مفتوحة وكانت معاييره وضوابطه قائمة فتح المسلمون الأندلس وكان هذا عز في وقتها.
فالآن هم عاجزون ، ولكن هل يرتكب العاجز حماقات ؟! ، ومع هذا العجز يقدر الله تبارك وتعالى أسباب من عنده . فهم يقولون أنهم بدون حرب وبدون جهاد رغم أنهم هم الذين يحاربون المسلمين في كل ساحات الأرض أنهم يخافون على قلب أوروبا أن تقلب إسلامية .
نحن لا نتكلم إلى على الثقة بوعد الله والعمل على ما نملكه من أسباب وما يتاح أمامنا من وسائل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى
يقول : " بل لم تكون الخلافة على منهاج النبوة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من خلال عمل أهل السنة والجماعة ومنهجهم ، وإلا فتقصير بعض من ينتسب إلى أهل السنة ومنهج السلف في هذا الباب يقدح في صدق انتمائه لهم وما أكثر ما تترد الأسئلة وتعدد المحاورات حول منهاج التغيير ووسائله بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة والتي يتبنى كل منهما جماعات مختلفة كل منها تؤيد ما تراه بالحجج وبيان الإيجابيات ،وربما جزم البعض أنه لا وسيلة ولا منهج إلا ما يرونه هم .
نقول البحث ونحن في هذا العدد نطرح بعض الاتجاهات الأساسية في التغيير دون بسط في الأدلة ونعرض سلبياتها وإيجابياتها ، ينتفع أبناء الصحوة الإسلامية الإيجابيات ويحذروا من السلبيات وليكون ذلك خطوة على طريق التكامل والتناصح المطلوب بين أبناء الصحوة الإسلامية .
نكتفي اليوم بعض هذا التمهيد ونشرع بإذن الله تبارك وتعالى المرة القادمة في ذكر هذه الآراء والاتجاهات .
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

أبو علاء السلفي السكندري
11-04-2010, 07:08 AM
جزاك الله خيرًا ورفع قدرك وسهل لك طريقًا إلى الجنة

ابن قمر المصرى
11-05-2010, 08:45 PM
الشريط الثالث
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
انتهينا في المرة السابقة من ذكر المقدمات المتعلقة بموضوع مناهج التغيير . ونشرع اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى في المناقشة التفصيلية لكل اتجاه على حده ، وفي الجملة يمكن تقسيم وجهات نظر الاتجاهات الإسلامية المعاصرة في قضية محاولة إصلاح الواقع إلى من يرى التغيير من القمة ومن يرى التغيير من القاعدة .
الذين يرون التغيير من القمة ينقسمون إلى اتجاهين رئيسيين :
إما الذين يأخذون بانتخابات البرلمانية
وإما الذين يواجهون الحكومات المدنية المعاصرة في بلاد المسلمين مواجهة عسكرية .
في الواقع أن الاتجاهات التي ترى المواجهة العسكرية آخذه في التآكل ، يعني بعد مبادرة الجماعة الإسلامية في مصر ومراجعات جماعة الجهاد رغم إنها لا تحظى بإجماع كل المنتسبين للتيار الجهاد في مصر إلا أنه يمكن أن تستيطع أنها اتجاه عريض من اتجاه جماعة الجهاد مال إلى نفس الأطروحات مع فروق دقيقة سيأتي الإشارة إليها .
في الواقع أنه صار هناك شبه اتفاق على وجوب مراعاة المصالح والمفاسد وعدم الخوض في مواجهات تجر على المسلمين مفاسد أكثر مما تجر مصالح ، بالإضافة لذلك ضبط قضايا الحكم على الناس حكاماً ومحكومين التي كان مقتضيات القول أو الدخول في مواجهة عسرية أن يكون هناك قدر من التوسع في التكفير ارتبط بتيار الجهاد مثلاً ، وربما هذا لا يكون حاصل في الجماعات الإسلامية ولكن كان حاصل في اتجاه الجهاد بصورة أو بأخرى بأن يحتاج إلى أن يتوسع بدرجة ما في اتجاهات التكفير لكي يسوغ لنفسه مصرح مفتوح للعمليات .
في الواقع أن هذه التيارات تضمحل سواء تكلمنا في مصر أو في غير مصر .
فالاتجاهات التي ترى المواجهة المسلحة بأنها تعود عن هذه الفكرة ، وإن كان هذا لا علاقة له بالجهاد الشرعي المنضبط مع وجود راية ومع وجود تمايز بين الصفوف ، فهذا موضوع آخر .
ولكن الفكر في ذاته لا يموت ، فليس هناك فكر يموت وبالتالي هذا يحتم أن يظل هناك نفس درجة المناعة الموجودة تجاه هذه الأفكار .
فكنا في وقت من الأوقات نعطي مناعة ضد الشيعة ، ولم نقل بها في الدروس العامة ولا في الخطب الموجهة لعموم الحاضرين لأن الخطبة يكون فيها كل الناس فتكون أكثر ارتباطاً بالقضايا التي تهم الجميع ، ولكن على الأقل كنا نقول أن المفروض على طلبة العلم أن يتعلموا كيف يأخذوا جرعات مناسبة من الوقاية ضد الشيعة ، فكان البعض يقول هل تعيشون معارك وهمية فأين الشيعة ؟ ، ثم أثبتت الأيام أنهم لم ينتهوا وأن خطرهم يتزايد ، وبدأ بعض من كان يقول أننا نعيش معارك وهمية يدرك أنه كان هناك خطورة كبيرة جداً من إغفال وجوب الوقاية المناسبة في قضايا مثل قضية الشيعة .
وأيضاً مسائل التسرع والتهور في قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعجل حمل السلاح في غير محله وغير مكانه وغير شروطه .
فل قلت أن هناك جهات كبرى تراجعت يظل أن الفكر موجود ، موجود لكتابات موجودة لأناس لم تتراجع وموجود بوجود طريقة تفكير تكرر لأن البشر هم البشر ، ودائماً تجد أنماط التفكير تتكر .
فرغم أن هذه القضية بطبيعة الحال تراجع الاهتمام بها ونحن كنا في قمة ازدهار هذا الفكر فكانت هذه القضية تحتل مساحة أعلى من الاهتمام والبيان لأن الخطورة كانت قائمة وكان هناك ضغط كبير على الإخوة الملتزمين بالمنهج السلفي ، فكان هناك ضغط كبير عليهم باتهمام بالسلبية فكان لابد أن يكون هناك تحصين كاف من هذا الجانب .
فالقضية الآن لم تكن أهميتها بهذه الدرجة ولكن يلزم أيضاً الإشارة إليها من باب ـ بقاء التحصين قائم ـ ومن باب أننا نتكلم الآن في مسح عام للأفكار الموجودة في هذا الجانب ، فلا ينبغي أن نغفل فكرة ولو كانت انزوت قليلاً أو قل مناصروها أو نحو ذلك .
فتستطيع أن تقول أننا نتكلم على اتجاهين يرون التغير من القمة والتغير عبر الانتخابات البرلمانية أو التغيير عبر المواجهات المسلحة .
فهناك اتجاهات ترى تغير الواقع المخالف من القاعدة ،بأن تاخطب عوام الناس وآحاد الناس أن يلتزموا بالإسلام ، والمجتمع عموماً يكون إفراز لمجمع أفراد ، وبطبيعة الحال سيحصل إذا انتشر الخير أن تيصبب المجتمع بصورة أو بأخرى لا نستطيع أن نتكهن بها ولا يلزمن أن نتكهن بها .
وأنظر إلى كل المجتمعات وكيف يحصل التراكم التغيرات الاجتماعة هي تفرض نفسها.
فانظر الآن مثلاً للحجاب الآن ووضعه في الانتشار . لدرجة أنه يقول أن هناك قطاع كبير من المحجبات ليسوا ملتزمات بالسلوك الإسلامي ، وهذا أمر ملاحظ فعلاً ، ولكن نقول أن هذا دليل على أن الحجاب استطاع أن يفرض نفسه كواقع اجتماعي ضاغت حتى من لم تريد الالتزام تضطر إلى أن ترتديه ظاهرياً ، وطبعاً ليست هذه الدرجة المطلوبة ولكن نقول لو أن الحجاب ومعه بقية السلوكيات الأخرى ....
ولو أن الناس نستهجن بأن الطالب يكلم زميلته في الجامعة ....
ولو أن نستهجن قضاء الموظف وزميلته ساعات طوال في الكلام مما لا فائدة فيه
كنت تجد النموزج الإسلامي ككل ضاغط .
لكن الذي حدث أن هناك جزء في طريقة الملبس ثم اختزلت أيضاً ،وليس هي طريقة الملبس الإسلامية ،بل اختزلت لأي شيء يصف الجسم وإن كان يصف وإن كان ضيق . على كل حال أن هنك شيء معين عند انتشاره ضغط بدون أدنى مجهود زائد وأصبح عرف اجتماعي ضاغط على الجميع حتى الذي لا ينبع عن اقتناع كامل كما يقولون أو ليس نابع عن درجة إيمانية تمكن صاحبها أو صحابتها من مواجهة الشهوات والاستقامة على أمر الله حتى وإن وجد فيه شدة أو نحو ذلك .
ولكن وجوده وانتشاره يفرض نفسه كواقع ، فهناك التغير من القاعدة ـ هذا اتجاه ـ ولكن البعض يغلوا فيه لدرجة أنه لا يجوز صور التعاون طالما كان خطابك موجه للدعوة ، وكأن الذين يرو أن هذه بداية إصلاح المجتمع أنه يمكن أو يلزم وجود تعاون في هذا الاتجاه وترتيب وتنسيقه ومنهم من يرى الفردية التامة في هذا العمل .
وبالتالي نستطيع أن نقول أننا نختار إصلاح المجتمع عن طريق الدعوة والتربية ، فيكون بذلك عندنا ثلاث اتجاهات نريد أن نتناولهم بالنقض أو بالمعرفة ونعرف ماذا يقولون وعلى ماذا بنوا كلامهم ثم نبين أن الذي نراه موافق للكتاب والسنة بإذن الله تبارك وتعالى .
البحث يبدأ بالكلام على من يرى التغيير من خلال الانتخابات البرلمانية :
يقول : " يرى كثير من الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة ان كثير من المشاركات في العمل السياسي بتكوين الأحزاب في البلاد التي يسمح فيها تكوين أحزاب إسلامية أو مشاركة الأفراد التابعين لهذه الجماعات في الانتخابات البرلمانية ، وبعضها يجوز التحالف مع الأحزاب الأخرى ولو كانت علمانية ليحصل بذلك على أصوات في المجالس المسماة بالتشريعية ليدعوا إلى تطبيق الشريعة من خلالها وليستغل الفرصة المتاحة بالسماح للمشاركين للانتخابات بالدعوة إلى أنفسهم بالدعوة إلى الإسلام وإلى شرع الله سبحانه وتعالى .
فيقول : " قبل أن نبين موقفنا من هذا الأمر نبين أولاً عدة أمور " :
فهو هنا وكأنه يحاول أن يشير إلى كل الاتجاهات التي ترى الحول البرلماني ، فيحاول أن يكون البحث أوفى من أن يكون قاصر على تقييم تجربة معينة مثل تجربة الإخوان في مصر مثلاً والتجربة المصرية والتجربة الكويتية أو التجربة التركية .
فهنا هو يتكلم على وجود بلاد تكون فيها الأحزاب الإسلامية مثل جبهة الإنقاذ في الجزائر ، فكان مسموح لهم بتكوين حزب إسلامي وإن كان حصل بأنه بعد أن فازوا بالانتخابات لم تنفذ الإنتخابات ، ودخلت الجزائر في منزلق وفي دوامة العنف ودخلت جماعات التكفير وغيرها ، وهذه خطورة أحد المخاطر المترتبة على دخول الحل البرلماني ، لأن من ضمن مخاطره أنه لو الانتخابت تمت نزيهة وفاز الإسلاميون بالأغلبية يتدخل الجيش غالباً كما حدث في الجزائر وكما حدث في فلسطين بصورة أو بأخرى ، فحصل انقلاب على فوز حماس لأنها التي شكلت الوزارة .
فماذا يحدث بطبيعة الحال ؟
يحدث أن فريق انقاد وقال لابد من ديمقراطية فدخل بالديمقراطية وأخذ أصوات الناس والمفترض أن يشكل الوزارة ومعه شرعية قانونية كما يقولون ويفاجئ بأن الجيش انقلب عليه .
غالباً يكون هذا الوضع مغري لناس كثيرة بأنها تنفجر ، ويحدث مواجهات مسلحة ،والجزائر دخلت في هذه الدوامة ولم تخرج منها .
طالما قلنا مواجهة مسلحة إذن دائماً تستدعي التكفير ، لماذا ؟
لأنه كما قلنا أن الذي يدعوا لمواجهة مسلحة يريد أن يوفر لنفسه مساحة واسعة للعمليات ولا يريد أن يصتدم بأن دم المسلم معصوم ، فيكون بداخلة ميل إلى التكفير ، وبالتالي صارت الجزائر تعاني إلى الآن ، رغم أن عامة الجزائر عندهم معاناه أعمق ، عامة الناس بالمغرب العربي ككل عندهم معاناه بضعف العلم باللغة العربية وضعف العلم بالإسلام وانتشار الثقافة الفرنسية ، ونحن هنا نقول الثقافة الفرنسية رغم أننا لا نعرف الكلام بالفرنسية وبالتالي الثقافة الفرنسية لابد أن تأتي لنا عبر وسيط وعبر بعض الأدباء والمفكرين ، لكن في المغرب العربي هم يتكلمون فرنسي أفضل من العربي ، فلما تقول أن الثقافة الفرنسية متعمقة بالجزائر تكون متعمة عن جد .
وكل هذا الكلام خارج أجندة الإسلاميين هناك لأن هناك مواجهة تساوي كر وفر ، وتساوي أن انتقال الكفاءات الدعوية للجبال بسبب عدم وجود الدعوة وبسبب وجود الدماء .
وسنأتي لتقييم التجارب كل على حدة ، ولكن هنا نقول أنه هنا وهو يمهد قال : " يوجد بلاد كانت المشاركة فيها بحزب إسلامي ، وهناك بلاد كان فيها مشاركات فردية ـ بدون أحزاب ـ ، وهناك بلاد كانت المشاركة فيها كانت من خلال الانضمام لأحزاب علمانية "
وطبعاً كانت التجربة المصرية يدخل الإسلاميون فيها كمستقلين ولما يكون من خلال قوائم أحزاب يكون الدخول من خلال الأحزاب العلمانية .
وفي الواقع أن حزب التجمع كان له موقف عجيب وأشرنا إليه مرات قبل ذلك وهو أنه عند وجود أي تحالف للمعارضة يدخل فيه الإخوان ينسحب منه التجمع . وكان انسحابه مبني على الخلاف في الطرح بين حزب التجمع وبين الإخوان لا يتيح أي فرصة للتعاون ، فكان الإخوان ليس عندهم مشكلة من وجود التجمع بل ومن وجود الحزب الشيوعي المصري فهو حزب محظور هو الآخر ولكن بعض التجمعات التي صدرت اشترك فيها الحزب الشيوعي المصري وكان التجمع ينسحب .
التطور الذي حصل هذا العام أنه حصل لقاء بين الإخوان والتجمع واتفقوا على تجاوز الخلافات أو أنهم يصدرون بيان بأن كل طرف محتفظ بحقه في بيان الخلافات الإيدلوجية بينهم ، ولكن هذا لا يمنع أن يشاركون ويسعون إلى إجراءات الإصلاح من وجهة نظرهم وهو إصلاح قوانين الانتخابات وضمان الشفافية إلى غير ذلك من الأمور .
إذن من الممكن أحياناً تكون الخطوة الأولى لمجرد الاشتراك في هذه العملية أن يضع الإسلاميون أيديهم في أيدي أناس يرفضون الفكرة الإسلامية ويرفضون مبدأ تطبيق الشريعة ، وربما يقولون أن الشرع ليس له أحكام ، إلى غير ذلك من القضايا الخطيرة جداً .
وهذا الأمر له خطره العظيم من الناحية الشرعية ، فالإسلاميون عند دخولهم هذه التجربة ماذا يقبلون وماذا يرفضون ؟ ومع من يتعامل ولماذا ؟ ، فصار الأمر في النهاية كما صرح به بعض الإسلاميون الذين يخوضون هذه التجربة بأنهم يريدون إصلاح ديمقراطي وبهذا كان الديمقراطية هي الأعلى ، والديمقراطية تأتي بما تأتي به ، سواء أتت بالعلمانيين أو الإسلامين أو النصارى ،
انتبه لأن كل الدنيا تريد أن توفق أمورها ، فمبدأ التوفيق والتلفيق ليس هو القضية ، بل القضية من يكون فوق من عند التعارض ، ومن يكون الأصل ومن يكون الفرع ؟
فهنا وكأن الديمقراطية أصل ، والإسلام إذا مر من خلال القنوات الديمقراطية يمر ما يمر منه والذي يكون مفروض ديمقراطياً يرفض ، والعكس بالعكس ، نقول هل لو أن تطبيق النظام الإسلامي لا يمكن أن يتيح الحريات للناس ؟ ، فالقضية هي أن من حكم على من ؟
يقولون أن النظام الإسلامي لا يعطي حقوق لأهل الذمة ، وفي النهاية أن النظام الإسلامي يعطي حقوق لأهل الذمة ،والنظام الديمقراطي والنظام المدني لا يفرق بين الناس على أساس الدين وبالتالي هم يكونون كالمسلمين سواءاً بسواء .
ستجد قدر مشترك بين الأمرين ، فلما أقول أن أمرر هذا القدر المشترك فمن يكون الحكم ؟ هل الإسلام هو الحكم أم العكس ؟
هذه قضية يغفلها من ينادون بالحل البرلماني ويغفلون القيمة العقدية للموضوع .
فلابد أن يكون الاعتقاد أصل وأهم من العمل الظاهر عند التعارض ، فلا تأتي أنت وتهدم الاعتقاد وتؤصل أصول تقول بها أنه يمكن التنازل عن مسائل عقدية وجعل اليد العليا لمناهج وبأرضية مخالفة للشرع وتقول لأنني مررت كذا وكذا من أمور الشرع من خلالها .
فأنت ممررته عملياً لكن ماذا أوجدت عقدياً ، وبإجماع المسلمين أن عمل القلب مقدم على عمل الجوارح وإن كان الاثنين مطلوبين .
وسيأتي المناقشة الأكثر تفصيلياً على ذلك .
إذن هذه التجربة تمت في البعض الأحيان من خلال الأحزاب الإسلامية وفي بعض الأحيان من خلال المشاركة في أحزاب علمانية وفي بعض الأحيان من خلال مشاركات فردية .
قبل أن نقول الحكم الشرعي لهذه الصورة نقرر أمور لابد من استصحابها ليسهل معها إبداء الحكم الشرعي في هذا الأمر :
الأمر الأول يقول : أن التشريع حق خالص من حقوق الله عز وجل ، وهو من أهم خصائص الإلوهية والربوبية ، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه الله قال تعالى { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه } وقال عز وجل { ولا يشرك في حكمه أحداً } وقال { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }
فلابد أن تكون هذه القضية واضحة ، وطبعاً عندما نأتي للمناقشة يقول الإسلاميون أن هذه القضية مسلمة ، ولكن عندما يشترك مع الأحزاب العلمانية لا تكون هذه من الثوابت بل هي ترجع إلى أن هذه برنامجه الخاص ، ولكن الثوابت هو ما يحوز على الأغلبية ، فهذه قضية في غاية الخطورة ، لكن يلزم أولاً أن نحدد هؤلاء الإسلاميون منها من حيث المبدأ ، وطبعاً معلوم أنك لن تجد أحداً من الإسلاميين بإذن الله تبارك وتعالى ينازع في هذا المبدأ ، لكن سنحاكمه في هذا المبدأ وكيف وفى به وهل وفى به خلال عمله وخلال الوسائل التي خاضها من أجل تطبيق هذه الغاية أم لا .
يقول : القوانين الوضعية مخالفة للشريعة الإسلامية وكل ما يخالف الشريعة فهو باطل ، قال تعالى { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }
النقطة الثالثة : الحكم بغير ما أنزل الله سبب يوجب غضب الله وينزل مقته وعقابه ، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إذا حكم ولاة الأمر بغير ما أنزل الله وقع بأسهم بينهم وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما جرى قبل هذا مرة قبل مرة في زماننا وفي غير زماننا ، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر مسلك من خذله الله ويعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه ، فإن الله يقول { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } فهنا هذه هي اسباب النصر والتمكين لمن أراد أن يأخذ بها أنه يدعوا إلى هذا المنهج الإلهي .
يقول : فمنذ وعد الله بنصر من ينصره ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله لا بنصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم .
أيضاً لأن البعض دائماً يستدعي في مثل هذه المناقشات الكلام على أن هناك مسائل يجوز فيها التشريع ، فنقول لا بأس ولكن لابد من ضبطها حتى لا يختلط الحابل بالنابل ، فيقول : النظام قسمان : إداري وشرعي ، وأما الإدراي الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع فهذا لا مانع منه ولا مخالف فيه من الصحابة ومن بعدهم ويدخل في ذلك كتابة أسماء الجند في الدواوين على وجه لا يخالف الشرع يحقق المصلحة العامة .
تكلمنا في الأصول على مبدأ اسمه مبدأ المصلحة المرسلة وكيف فهمه السلف وكيف يحاول العلمانيون في زماننا اتسغلالاه لتمرير الحكم بغير ما أنزل الله ومخالفة شرع الله .
نقول أن المصالح ثلاث أقسام :
مصالح معتبرة ، ومصالح ملغاه ، وبينهما مصالح مرسلة أي متروكة .
مصالح معتبرة : التي أمر الشرع بها وحض عليها مثل المصلحة في الزواج وغير ذلك مما أمر الله به كالمصلحة في البيع والشراء .
مصالح ملغاه : كما في قوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } إذن المصلحة الموجودة في الخمر والميسر مصلحة ملغاه لأن معها مفسدة أعظم فألغاها الشرع ، فلا يصح أن يأتي أحد ويدندن حول هذه المصلحة ويقول لماذ لا تأذنون بهذا لان فيها مصلحة ولماذا لا تأذنون بالمعاملات الربوية لأن فيها انعاش للإقتصاد ، نقول لا لأن هذه مصلحة ملغاه ألغاها الشرع .
المصالح المرسلة : أي المصلحة المتروكة وهي الأصل فيها الإباحة ولكن يمكن نقلها من الإباحة إلى الإلزام أو إلى الحذر بشروط .
قلنا المشي من المباحات ، فهل تمشي على اليمين أو على اليسار ؟ نقول هذا مباح . فالأصل في المشي أنه مبارح من حيث الأصل ولا يوجد كيفيات معينة تلزمك بطريقة سير معينة ، فلما وجدت السيارات وأصبح هناك خطورة متوقعة وأنها من الممكن تتلف أموال ودماء ، فلو السير على الأرجل لا بأس به لأن الخطور غير متوقعة ولا يوجد ضرر موجود يستدعي تدخل تشريعي ، ولكن مع وجود السيارات صار هناك ضرر ، فلو تركت الناس مع العدد الموجود يحدث تصادم . فاقتضى الأمر وجود قواعد تسمى قوانين المرور ، هذا نموزج لما يسمى في الفقه بالمصلحة المرسلة ، فيجوز لولي الأمر هنا أن يضع إلزامات ومحاذير ، فتصر أشياء مباحة لازمة وبعضها يكون محذور ، فيقول عند المشي لابد أن تلتزم أن يكون جانب الطريق على اليمين ، وبهذا لا يوجد فرصة للاصتدام ، لأن هناك مواطن أخرى وتقاطعات لابد فيها من تنظيم فيوضع فيها رجل ينظمها وتمتثل إشارته ، فإذن قوانين المرور من أبرز نمازج ما يسمى بالمصلحة المرسلة ، فهذا الباب من أبواب سعة الشريعة وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان ، مع الأخذ في الاعتبار أننا حتى نتكلم في هذا لابد أن يكون المصلحة المرسلة داخلة في عموم مصلحة معتبرة بصورة أو بأخرى .
فنحن هنا لماذا قلنا أن نتكلم في قوانين المرور ويحدث هناك إلزام أو منه ؟ لأن هناك مصلحة شرعية معتبرة وهي الحفاظ على الأموال والدماء ، وهذه الأموال والدماء وجدنا خطر عليها من هذه المركبات الحديثة ، وأنه من الممكن بقليل من التنظيم أو بشيء من التنظيم تحقق هذه المصلحة .
إذن دخلت في المصلحة المرسلة لا لأنها تابعة للهوى بل الإلزام لابد له من مستند شرعي ، فهنا لا نقول هناك مستند خاص بقضية المرور ولكن يوجد مستند عام بأنه لابد من التدخل إذا وجد هناك ضرر على الأرواح والأموال . فلابد هنا من التدخل ، وبالتالي لابد أن يكون الأمر محقق ويكون التدخل بمقدار تحقيق هذه المصلحة .
يعني هناك جدل قانوني على مدى شرعية عمل قوانين تقول أن السيارات لا تمنح رخصة تسيير بعد مضي فترة ما من تاريخ إنتاجها .
فهم مختلفين وفق المبادئ المدنية في أن هل هذا من اختصاص تنظيم شئون الناس أم هو يتعارض مع الحرية الشخصية .
وفق الميزان الشرعي نقول لا يجوز التقييد لمجرد أن هذه قديمة
بل لو قلت الصلاحية فلا بأس ، وهنا معظم الناس يقول هذا الكلام لكن من باب المبادئ المدنية .
كما ذكرنا أنه يهمنا أن يكون الشرع هو الأصل وأن ما وافقه قبل وأن ما خالفه رد .
فهنا نقول أنه لو حصل تقييد بسنة الإنتاج يكون هذا تعدي على المقدار المأذون فيه ـ وهو التدخل بمقدار الحفاظ على أرواح وأموال الناس ـ وليس التحكم بلا سند شرعي ، نقول أنه يمكن أن يكون التدخل هنا تدخل في الصلاحية للسير ، ووجود عوامل الأمان ، ولكن لا يصح أن يكون التدخل بناؤه على سنة الصنع أو نحو ذلك .
على كل حال نحن نقر بوجود نظام إداري فيه الأمر واسع ومع هذا سواء كان له مجلس تشريعي أو لا ، فالأمر فيه واسع ولكن لابد من عرضه على الشرع، لأن نظرة الفقهاء للمسألة التأكد ، لا نقول أنهم يحلون محل أهل الاختصاص ، بل كل مجال له أهل اختصاصه ، فمثلاً الطاقة موجودة مثل الكهرباء والغاز والطاقة النووية وكل هذه صور ، فيضع أهل الاختصاص قواعد سلامة ، وليس هذا من دور الفقهاء أن يحددها ، فليس من دور الفقهاء أن يحددوا مسافة دفن الكابلات مثلاً ونوعية الكابلات ، لكن الفكرة أن دور الفقه أن يراقب في النهاية أن المسألة ليس فيها أعتبار لمصلحة ملغاه أو إلغاء لمصلحة معتبرة ، بل لابد أولاً أن نتأكد أن الموضوع داخل في مصلحة مرسلة ثم التأكد ثانية أن الأمر لم يتجاوز هذا القدر ولم يتجاوز القدر المطلوب لتحقيق هذه المصلحة ، وأما آلية وجود هذه القوانين أو هذه القرارات أو حالتها لأهل الإختصاص فالامر فيها واسع وإن كان في النهاية ستجد أفشل شيء في الدنيا هو أن تأتي بأناس غير متخصصين في شيء وتسوي بين آرائهم في كل شيء ، ففي الواقع عند النظر إلى التجربة البرلمانية من حيث تقييم صلاحيتها لإخراج آراء مستقيمة من الناحية الدنيوية ، فتأتي بأنس من تخصصات شتى ويتكلمون في أي مسألة ، فتجد من يفهم فيها أقلية وتجدهم لا صبر لهم على المناقشة .
فتخيل أنك تتقن موضوع جيداً وتتكلم مع من لا يعرف عنه غير القشور ، تجد أن المناقشة غير مفيدة وغير مجدية ونحو ذلك .
فإذن في النهاية يكون الأمر لا يحقق المصلحة المطلوبة ، المصلحة المطلوبة أن كل مجال من المجالات له أهل اختصاص .
فالشورى في الإسلام لم تفرض نطاق محدود وأفراد يكونون أهل الشورى في كل كبيرة وصغيرة .
أهل العلم هم أهل الشورى في كل القضايا ، وأيضاً ليس معنى ذلك أنهم يخوضون فيما لا يعنيهم .
فالقضايا المتعلقة بالدنيا فيها قطار عام يحتاج إلى مراجعته وفيما عدا ذلك ينفذ كلام أهل العلم .
ففي كل مجال يستشار أهل الخبرة فيه وهذا هو النموزج الأمثل .
ومع هذا نحن لا نتوقف كثيراً عند الآليات .
فلو هناك اتفاق على القضايا الشرعية فالآليات أمرها هين ، ومع ذلك الآليات التي كانت مطبقة في زمن الخلفاء الراشدين فمن بعدهم أكثر نضجاً وأكثر صلاحية حتى في أمور الدنيا وهو أن تكون الشورى في كل مجال له أهله . أهل الاختصاص هم الذين يتكلمون ، وأهل العلم بدين الله تبارك وتعالى يراجعون مبدأ أن هذا الموضوع داخل في المصلحة المرسلة أم لا ، ويراجعون هل حدث تجاوز لحدود المصلحة أم لا .
المهم أننا نقول أن النظام قسام :
أداري ، وشرعي .
والإداري ذكر ما فيه ، فيقول : " النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحيكمه كفر "
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى : " والإنسان متى حل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه كان كافراً أو مرتداً باتفاق الفقهاء ، وفي مثل هذا أنزل قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله .
وقضية الاستحلال ناقشناها في قضايا الإيمان والكفر ، وفي الواقع هذا النقل عن ابن تيمية هي أحد النقول التي يستدل بها من يشترط الاستحلال .
نحن نقول أننا نقول أننا لا ننكر هذا القيد ولكن هذا التبديل يكون منه استحلال ومنه غير استحلال ؟
كلام الشيخ العثيمين وهو ما ينبغي أن يحمل عليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن المبدل لا يكون إلا مستحل .
وبالتالي يكون هناك تفصيل في صورة التغيير في الحكم القضائي ، ولكن لا يوجد تفصيل في قضية تغيير الحكم كمبدأ .
ومع هذا في النهاية نقول أن هناك فرق بين النوع والعين .
فالطواف بالقبور شرك والنذر لها شرك ، فهل نحن نكفر كل من طاف بالقبر .
وكذلك يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب : " وإن كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر أو على قبر البدوي لعدم وجود من يعلمهم ومن يفهمهم ، فكيف نكفر من لم يكفر ولم يقاتل "
إذن القضية هي بيان الحكم الشرعي وهذا الذي يحل الإشكال الذي تتورط فيه جماعات التكفير وغيرهم .
الحكم الشرعي كمبدأ لابد من بيانه ، والأمر الثاني هو عند تطبيق الحكم على معين لابد من استصحاب أنه لابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع .
ومن ضمن الموانع " التأويل " ، فوجود الكلام على المصلحة المرسلة وعدم فهم هذه القضية مثلاً قد يكون مانع تمتنع منه من تكفير المعين ، رغم أنك تبين من باب الدعوة ، فإذن لابد هنا من استصحاب الفرق بين النوع والعين على الوجه الذي بيناه آنفاً .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر : " هؤلاء اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله إذا علموا أنهم بدلوا دين الله فتابعوهم على التبديل واعتقدوا تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل ، فهذا كفر ، وقد جعله الله ورسوله شركاً إن لم يكونوا يصلون لهم وسجدون لهم ،ف كان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك الغير دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء "
النقطة التي تلي ذلك : فرق أساسي وكبير بين الحكم الإسلامي والحكم العلماني الديمقراطي ، فتشريعات الحكم الإسلامي تبنى على الكتاب والسنة وهو يوجب الحكم بما أنزل الله ، ويرى العدول عن ذلك كفراً وظلماً وفسقاً ،فلا يمكن الفصل بين الدين والدولة في نظر الإسلام ، وأما الحكم العلماني الديمقراطي فمصدر السلطة عنده هو الشعب وتشريعاته ، وتشريعاته تنبني على إراداته وهواه ، فلابد للسلطة من الحفاظ على رغبة الشعب ومراضاته ولا يمكن لها أن تعدل عن إرادة الشعب وهواه حتى لو أدى ذلك إلى تحليل الزنا واللواط والخمر "
فيأتي بعض الإسلاميون ويقول أنك لو استشرت الإسلاميين في تحليل الزنا لم يوافقون .
في الواقع أن الذي ينادي للديمقراطية يلزمه أن يقول هذا بغض النظر عما يختاره الناس ، فهو يقول لو اختاروا ذلك فأنا مضطر أن أقبله .
وهذا مما لا ينبغي أن قر به .
طبعاً في أوروبا يختار الناس ، وطبعاً هذا موضوع متداخل نتيجة أن دينهم يستوعب ، ولكن في بريطانيا عندما اختار الناس السماح بالزواج بين رجلين ويسمى زواج صار هذا الكلام ملزم للكنيسة انجلترا بأن تعقد عقود زواج للمثلين والعياذ بالله بدون أي اعتبارت دينية لأن هذه هي الديمقراطية . الديمقراطية حكم الأغلبية رغم أن دينهم يحرم ذلك ،ولكنهم ألزموا المؤسسات الدينية عندهم بحكم أنها المنوط بها لأنها تعقد عقود الزواج وأن طالما أصبحت إرادة الناس أن يجعلوا يعتبروا زواج المثلين ، وبالتالي لا ينغي القبول بهذا المبدأ استناداً إلى استشارة الناس . رغم أن استشارة الناس ممكن تقال في قضايا يستهجنها الناس فلو استشرتهم فيها يوافقون على تحريم ما حرم الله ، لكن لو طرح للناس مثلاً قضية منع بيع السجائر ماذا تختار الناس ؟ فلو اقترحت على الناس منع بيع الخمر سيختارون منع بيع الخمر ويغلب على الظن أن الأغلبية تختار منع بيع الخمر ، لكن لو طرحت عليهم منع بيع السجائر رغم أنها حرام وبيع الخمر حرام ودرجة التحريم مختلفة ولكن في النهاية أن هذا حرام وهذا حرام ، ولا يجوز أن تستشير الناس في هذا ولا في هذا ، لأن حكم الله تبارك وتعالى لا ينبغي أن يعرض على أحد بل ينبغي أن يكون ملزم للجميع .
يقول : " فالمبادئ والتشريعات كلها عرضة للتغيير والتبديل في الحكم العلماني الديمقراطي حسب ما تتطلبه الأغلبية "
النقطة التي تلى ذلك تقول أن الشورى في الإسلام تختلف عن الشورى في الديمقراطية .
يقول الجصاص : " والاستشارى تكون في أمور الدنيا وفي أمور الدين التي لا وحي فيها "
إذن ما هي الموضوعات القابلة للاستشارة ؟
تكون في الأمور المباحة وهي أمور الدنيا ، وفي أمور الدين الاجتهادية . ويستشار الصالحون القائمون على حدود الله المتقون لله من أهل الخبرة والدراية .
إذن المسائل المسموح بها في الشورى مختلفة ، ونوعية أهل الشورى مختلف .
قلنا أن دور الفقهاء والمجتهدين في الشورى أساسي في مسائل شرعية محضة .
فالآن مثلاً يقولون مسائل مثل التلقيح الصناعي ومثل أطفال الأنبايب وتأجير الأرحام ، فكل هذه قضايا تصورها الطبي سهل ، ولكن موقفها الشرعي هي قضية شرعية في المقام الأول
وهناك مسائل أخرى تختلف فكما ذكرنا أن دور الفقهاء فيها دور يتأكده من تطبيق الإطار العام ، وهي القواعد العامة للشريعة الإسلامية ، ويتأكدون أن هذه المسائل داخلة في نطاق المصلحة المرسلة مثلاً .
فلو كان الأمر من أمور الدنيا كطرق أو كباري أو طاقة أو صناعة أو زراعة يستشار في كل مجال أهل خبرته ، ويراعى الشرعية العام .
ولو كانت مسائل شرعية تحتاج معرفة حكمها أولاً بالحل أو الحرمة ولا نص فيها تحال إلى أهل الاجتهاد ، ثم إذا أفتوا بالحل تعود لأهل الخبرة والدراية من حيث الدنيا ليطبقونها .
إذن هنا صار خلاف جوهري بين الشورى والديمقراطية في المسائل التي تقبل الشورى ونوعية أهل الشورى ، وإن كان يقول البعض ماذا لو عملناها بالانتخاب ألم يختار الناس الأصلح ؟
فالنواب أصلاً مختارون لأن لهم عزوة أو عائلته كبيرة فاختارته أو رجل ذو خدمات عند الناس فاختاروه .
فإذن تعويل على أن الناس ستختار الأصلح ، نقول بالعكس بل كان في تجارب أكثر ضيقاً .
يعني تجارب النقابات المهنية أو نقابات الشركات أو نحوها رغم أنها مختلفة كثيراً عن المجالس التشريعية لأن أكثر المحاذير زالت تلقائياً لأن النقابات المهنية عبارة عن أمور إدارية في المقام الأول .
لكن انظر ماذا كان يفعل الناس فهناك قائمة للإسلاميين وقائمة لغيرهم .
فبين الناس وبعضهم يختارون من هؤلاء وهؤلاء ، يقولون مثلاً أن الإسلاميين يريدون فعل الخدمات فختارونهم حتى يكون منهم من يسعى في خدمات المرضى والدفن والجنازات وفي الوقت نفسه لابد أن يوجد من يجيد التعامل بلغة المصالح لوجود أمور لا تتم إلا بالمصالح .
فنحن نقول بوجود خلاف جوهري في المسائل القابلة للشورى وفي نوعية أهل الشورى وفي آلية إفرازهم بالتبع .
فإذا قلنا نقول أن أهل الصلاح والتقوى من أهل الخبرة والدراية فهذا يختلف عن أننا نحيل الأمر إلى عامة الناس ممن يسهل خداعهم ويسهل التأثير عليهم كما هو معمول في كل ديمقراطية العالم ، لأن البعض يقول لا تقيس على تجربة ديمقراطية في العالم الثالث لأنها تجربة غير ناضجة . فيقول أن جماعات الضغط واللوبي الصهيوني في أمريكا ، وكم عدد اليهود في أمريكا حتى يحددون مصائر الزعماء ويكون كل واحد يريد أن يتم ترشيحه في منصب سياسي في ولاية من الولايات حتى القمة لابد أن يوالي اليهود ؟
نعم هم عددهم ليس كبير وعددهم الانتخابي يمكن إغفاله ، وعدد المسلمين في أمريكا أكبر من عدد اليهود ، ولكن اللوبي الصهيوني الذي يمتلك إعلام ويمتلك شركات ومؤسسات تجارية عندها استعداد لتمويل الحملات الانتخابية ، والمؤسسات الإعلامية التي جعلت لكل واحد من الساسة ملف فيه كمية من الفضائح لوقت اللزوم تسحب منه ورقه يتم الضغط عليه بها ، وهكذا .
صحيح أن الأصوات التي توضع لا يزاج عليها والفرز يكون فرز دقيق ، رغم أن هذه ليست مسلمة ، فتجد البلاد التي تتدمح بصورة كبيرة من صور الديمقراطية يقولون أن عملية الفرز شبهة بعض الخلل ولكن الأصوات التي توضع تفرز ، ولكن من الذي وجه هذه الأصوات .
الديمقراطية لا تكون إلا موجهة .
فعامة الناس المشغولين في دراستهم وعملهم من أين يأتون بوقت ليوازن بين مناهج حزبين ؟
حتى في البلاد الديمقراطية التي ليس فيها خلاف كبير بين الأحزاب ، فمن عنده الذهن والوقت ليوازن بين هذا الكلام كله ويرى من الأصلح ؟
لكن هناك جماعات ضغط تسيطر على الإعلام وتوجه الرأي العالم وتميل كفة هذا وتميل كفة هذا إلى غير ذلك من الأمور . فهذا في تقييم التجربة الديمقراطية ككل بغض النظر عن مشاركة الإسلاميين فيها ، وإن كان هذا الموضوع خارج عن نطاق اهتمامنا في هذا البحث .
النقطة التي تلي ذلك : يقول أنه لا يجوز شرعاً عرض الشريعة على الأفراد ليقولون أتطبق أم لا، قال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [النساء/65] وقال سبحانه وتعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } [الأحزاب/36]
وحكى الشافعي الإجماع من الصحابة ومن بعدهم على أنه من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس .
النقطة الثامنة : يقول أن لمجالس التشريعية التي تسن قوانين مخالفة للشرع يلزمون بها العباد وترى أن الأغلبية لها أن تفرد رأيها حتى ولو كان مخالفاً للشرع مجالس كفرية وهؤلاء هم الشركاء الذين عناهم رب العزة بقوله { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم } [الشورى/21]
النقطة التاسعة : الأحزاب التي تقوم على مبادئ العلمانية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية وغيرها من المبادئ الوضعية التي تخالف أصل الإيمان والإسلام من فصل الدين عن الدولة وأنظمة المجتمع والمساواة بين الملل كلها واحترام الكفر والردة وقبولها كتعدد الشرائع لا يفسد للود قضية كما يزعمون ، كل هذا من العصبية الجاهلية والولاء للكافرين والمنافقين مما يستوجب على كل مسلم رده وهجره ومحاربته والتبرء منه . قال تعالى { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } [النساء/140]
فيقول تأكيداًعلى المعنى الذي ذكرناه قبل هذا ، هناك فرق بين النوع والمعين ، وبين الحكم والفتوى، فقد يكون الفعل كفر والقول كفر وفاعله وقائله ليس بكافر ، وذلك بأن يقول الفاعل أو القائل جاهلاً أو متأولاً أو مكرهاً أو حديث العهد بالإسلام ، وليس لنا أن نكفر الشخص المعين إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه على يد عالم أو ذي سلطان مطاع حتى تنتفي الشبهات وتدرئ المعاذير ويحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة
النقطة الحادية عشر : العبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطواغيت والتحاكم إليه من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا ًعبده ورسوله .
الثاني عشر : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة تتحقق بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وطلب القدوة الصالحة وطلب تعيير المنكر باليد أو اللسان أو القلب طبقاً للاستطاعة مما يحقق المصلحة ويستدفع المضرة والمفسدة ، ومن المعلوم أن هذا الواجب يسقط بالعذر والعجز وعدم الاستطاعة ، وهذا من رحمة الله عز وجل بهذه الأمة إذ لم يكلفنا إلا ما في طاقتنا وفي قدراتنا ، قال تعالى { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } . والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مكان وكل مجال وكل قطاعات المجتمع من واجبات المسلمين عموماً وأهل العلم خصوصاً .
ننبه على هذه الجزئي على اعتبار أن البعض يحجر واسعاً ، عندما تقول مثلاً نحن لا نشترك في الانتخابات فيقول وأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ وكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساي والدخول في الانتخابات .
وأيضاً من يحمل السلاح عندما تقول له يا أخي اتق الله ولا تغير المنكر بهذه الطريقة ، يقول : وأين تغيير المنكر ؟ . فيحجر واسعاً حتى يقول أنه لا يوجد إلا هذا ، وإما ما أفعله أو لا ، رغم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسع جداً ويشمل صور من تعلم العلم وتعليمه والخطابة وكتابة الكتب ودعوة الأهل والجيران ، ولكن البعض يحصره في نقطة واحدة ، وبعد أن يحصره في نقطة واحدة لو قلت له أن منها مفسدة أو أنها غير ممكنة .
وانتبه أن الغير ممكن شرعاً نوعان : عجز حسي كالأخرس الذي لا يستطيع أن يتكلم ، وهناك عجز معنوي كمن يتكلم ولكن إذا تكلم ترتب على هذا مفسدة عظيمة ، فيظل المنكر كما هو ويزيد .
فنقول أن هذه الصورة معجوز عنها إما عجز حسي أو عجز معنوي .
فيقول أنه صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو صار الجهاد فريضة غائبة ، كما كان كتاب الفريضة الغائبة يعطيها نوع من الضغط النفسي ، لأنه كيف تزال فريضة كاملة كفريضة الجهاد أو فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع أنه لو قدر أنه لا يوجد إلا صورة واحدة للجهاد أو صورة واحدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكانت هذه الصورة القيام بها في ظرف ما أو في زمان ما أو مكان ما يترتب عليه مفسدة أعظم من المصلحة لتعين تركها . إذن لو لم يكن غيرها ولكنها تأتي بمفسدة أكبر لابد وأن تترك . فكيف لو كان لها صوة أخرى ، بل هذه الصورة ستأتي بمفسدة وهي ليست الوحيدة بل هناك غيرها لأن الله تبارك وتعالى من على الأمة ووسع بأن هناك وسائل تحقق مصالح بفضل الله تبارك وتعالى .
ونشير في ثنايا الكلام أنه ما من مصلحة يزعم أصحاب هذا التيار أنهم حققوها إلا وهي مترتبة على وجود الدعوة إلى الله وليس على القفذ على السلم السياسي .
قلنا حتى التجربة التركية التي يعتبرونها أنجح نموزج للدخول في البرلمانات ، رغم أننا نقول ما هي مقايسس النجاح ، أيكون النجاح أنه وصل لسدة الحكم ويصدر هو تصاريح البغاء بنفسه ؟ ، لأنه لا يمكن أن يغير القانون في خطوة واحدة ولا حتى في خطته أن يغيره في مراحل ، فهل هذا هو النجاح . رغم انه حصل قدر من إشاعات الغير وقدر من الاهتمام بقضايا المسلمين بعد أن كانت تركيا هي الحليف الرئيسي لإسرائيل أصبح تركيا هي أكبر مناصر للقضايا الفلسطينية . فهناك مصالح كثيرة تحققت ولكن نريد أن نرى كم هي مقارنة بالتنازلات العقدية التي حدثت ، لكن من جهة أخرى نقول أن التجربة التركية لم تكن قفزاً على السلم السياسي وإنما التجربة التركية عبر سنوات وعشرات السنين من التضييق كانت تجربة دعوة وحفظ الله عز وجل بوجود دعوة بين الناس وتمسك الدعاة بها مع ما يلاقونه من التضييف وحفظ وجود الإسلام في ظل محاولات علمنة من أكثر درجات العلمنة تطرفاً حاولت محو كل آثار التدين ، ويفاجئ الناس أن التدين مازال موجود وأن التدين منتشر وأن جيل الشباب في تركيا جيل يبحث عن التدين ، فهذا هو الذي فرض الواقع كما ذكرنا .
هذه مقدمات كان لابد منها بين يدي ذكر الحكم على التجربة .
يقول : " وأما عن حكم دخول أهل المجالس والمشاركة فيها فإن الحكم يختلف باختلاف الداخل والمشارك وكما يقولون أن الحكم على شيء فرع عن تصوره ، ولكل صورة حكمها "
أولاً حكم الداخل والمشارك بغرض تحقيق الديمقراطية بإباحة التشريع لغير الله طالما كان حكماً للأغلبية فهذا شرك مناف للتوحيد إلا أن يكون صاحبه جاهلاً أو متأولاً ولم تبلغه الحجة فلا يكفر عينه حتى تقام عليه الحجة بالرسالة .
ثانياً : الداخل والمشارك بغرض تطبيق الشرع بشرط إعلان البراءة وأن الأصل الذي قامت عليه المجالس من التشريع لغير الله فهذا من المسائل الاجتهادية المعاصرة ، ومختلف فيه بين العلماء المعاصرين على قولين : الأول أن المشاركة في ذلك بغرض تطبيق الشرع طاعة إذا كان المصلحة في ذلك
الثاني : المشاركة في ذلك لا تجوز من باب الذنوب والمعاصي وليست من باب الكفر والردة ، لأن المشارك حقق البراءة اعتقاداً ولم يطبقها عملاً "
هذه الجزئية في الواقع كانت تحتاج إلى توضيح أكبر .
فنحن نقول أن عندنا صورتين للمشاركة :
صورة تنطوي على مخالفات عقدية في حد ذاتها مثل من يقول نقبل بحكم الأغلبية أيا ما كان ، وكمن يقول أن تتولى المرأة الولاية العامة أو يتولى النصراني الولاية العامة ، أو التحالف مع الأحزاب العلمانية او الأحزاب الشيوعية ، هذه التجربة وهذه الصورة من المشاركة محرمة قطعاً حتى وإن كان الذي يدخل يريد منها الإصلاح فيما يظن ، ونحن لا ندخل في النوايا ولا نشكك فيها وبالفعل نثق في إرادة هؤلاء الإسلاميين للخير ولكن كم من باغ للخير ليس يبلغه .
فإذا كانت الصورة تنطوي في داخلها على مخالفات عقدية فهي ممنوعة
وأما إن كانت لا تحتوي على مخالفات للشرع لأن هذا وارد أن يدخل ولا يشارك في المخالف ، فالبعض يقول أنني أدخل وأقول كلمة حق فإن عملوا بها فخيراً وإن لم يعلموا بها فأكون قلت كلمة الحق ، فنقول هل هي المطبقة أم لا ، فهناك مشاركة يكون من ضمن طرقها مخالفات شرعية أبرزها الاعتراف بأمور غير شرعية والتحالف مع أحزاب غير شرعية ، وإما أن تكون ليس فيها هذا الكلام .
فالأولى ممنوعة جزماً ، أما الثانية فهي محل اختلاف واجتهاد بين أهل العلم ، فمنهم من يرى أنها فيها مصلحة ومنهم من يرى ان مفسدتها أغلب .
فلو هناك مفسدة شرعية تكون المفسدة مقطوعة ، أما لو لم يكن هناك مخالفة شرعية يبقى تقدير الواقع في هل كونها تأتي بمصالح أم لا . وفي هذا النوع الذي فيه خلاف بين العلماء نرى أن تركها أولى وأفضل وأن مفسادها أكبر من مصالحها .
فهناك نوع إذا كان ينطوي في داخلة في طريقة الممارسة على مخالفة شرعية فهذا ممنوع جزماً ، وأما إن كان لا ينطوي على مخالفة شرعية فيبقى تقدير الواقع . ونحن نرى دائماً أن الواقع هو استنذاف الطاقات . حتى في الصورة التي ليست فيها مخالفة شرعية .
فالواقع أن الحركة الإسلامية تدعوا وتكون قواعد ثم تأخذ الناس وتستهلك طاقتهم في محاولة إصلاح شكلية مع عدم وجود إصلاح حقيقي ، لأن الإصلاح الحقيقي أن آتي بالدعوة والتربية ونحو ذلك ، وبعد سنين من تضييع الجهد تجد من يقول نريد أن نقيم التجربة .
ومن فترة قريبة كان على صعيد جماعة الإخوان كان هناك دعوة داخلية كبيرة لإعادة تقييم التجربة البرلمانية هل هي أفادتهم أم لا .
في الواقع يبدوا أن الاختيار في النهاية استقر على أنهم سيستمرون في الانتخابات ، ولكن هذه جزئية مهمة لأن بعض الأخوة يمارس ضغط نفسي رهيب وكأن ترك الانتخابات خيانة عظمى .
فنقول أنت تدرس الموضوع ويأتي أحياناً في سنة من السنين نحن نقاطع الانتخابات هذه السنة .فهل في هذه السنة لا يكون خيانة عظمى ولا كتم للشهادة ؟!
ففي الواقع بعض الاتجاهات الإسلامية تصاب بدرجة من درجات التصلب بالرأي ومحاولة فرض رأيها في قضايا هي نفسها مترددة فيها . فلو قلنا أنه يحسم موقفه من قضية ويرى أن الدلائل الشرعية والواقعية تفرض عليه رؤيا معينة . بل هو كل مرة يقول يا ترى نكمل أم لا ؟ وهكذا .
فلما ترى أي نجاح يذكر مثل أن يرى انه أخذ 88 مقعد من مقاعد مجلس الشعب .
فنقول أن حتى الصورة الثانية التي لا توجد أصلاً في جميع التجارب ، حتى التجربة المصرية لا يسمح للإسلاميين بالدخول إلا من خلال أحزاب علمانية وإلا من خلال تصريحات فيها هدم كثير من مبادئ الإسلام .
فمثلاً اضطر الإخوان إلى تغيير موقفهم في قضية المرأة في الانتخابات ، ونزلت الاستاذة ... الحلفاوي ، وأتى العلمانيون بتصريحات كثير من رموز الجماعة الذين كانو يعترضون على تصويت المرأة فضلاً عن أن تنتخب . وأتو بها من مجلة الدعوة التي كانت هي لسان حال جماع الإخوان في فترة من الفترات ، فصار هنا الصورة أمما الناس أن الإسلاميون يتناقضون ويقولون القول ويرجعون فيه .
فقالوا أن هذا الكلام لم يكن موقف رسمي للجماعة ، وهذا في الواقع اعتذار هش جداً ، فكيف لا يكون موقف رسمي وكان ينشر في المجلة ولا ينشر غيره . بل لم يكن في مجلة الدعوة رأي آخر . وهناك أناس ترصد الحركة الإسلامية ولها عقول وكثير منهم مغرضين .
والإفراط في قضية السمع والطاعة قضية كبيرة في اتجاه جماعة الإخوان ، فالاتباع مثلاً اقتنعوا أنهم يريدون أن يعملوا للإسلام فرأى أن جماعة الإخوان تعمل للإسلام فأخذ ثقة واكتفى بها ، وهذا أمر يبذل فيه وقته وماله ، ولابد أن يكون على بينة وعلى بصيرة { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني }
ففي الواقع يحدث قضية أن الاتباع ليس من حقهم أن يعلموا المسوغات .
فهذا كان في وقت من الأوقات ، أم الآن مع وجود الإعلام أصبحت الدنيا كلها تريد أن تعرف المسوغات حتى الخصوم .
فعند تغيير رأيهم في قضية المرأة قال الخصوم لابد أن نعرف لماذا غيرتم رأيكم في قضية المرأة ، ولابد أن تنشروا المسوغات وتنقنعون بها الناس الناس .
وهذا ما ينكر من الحركة الإسلامية .
فنقول أن في النهاية ترى الدعوة عدم المشاركة في هذه المجالس المسماة بالتشريعية سواء بالترشيح أو الانتخاب أو المساعدة لأي من الاتجاهات المشاركة فيها وذلك لغبة الظن بحصول مفاسد أكبر من المصالح بناء على المماراسات السابقة .
وإن كنا نقر أن الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف معتبر بشرط لو أنه لا يوجد مخالفات صريحة ولو تفاوت بين الطاعة والمعصية لأن كلا الفريقين يريد خدمة الإسلام ويقر بالديهيات والمسلمات التي ذكرناها في أول كلامنا ، وما نراه اليوم في الجزائر وأيضاً مثله بالأمس في تركيا وكيف أن الديمقراطية مثل صنم العجوى الذي كان يصنعه المشرك فإذا جاع أكله .
فالحكام العلمانيون إذا أحسوا بأي خطورة على مواقعهم وأن الإسلاميين على مقربة من الحكم فيسارعون بحل المجالس النيابية والأحزاب ويكون الجيش مستعداً دائماً وفوراً لإجهاض هذه الديمقراطية التي اخترعوها .
لهذا وغيره نرى أن الحل البرلماني على ضوء ما طرحناه ليس هو الطريق .
فهذا خلاصة المفتور في البحث من الكلام وإن شاء الله في المرة القادمة نذكر بعض الشبهات والردود ، وتقييم لبعض التجارب التي ربما ظن أنها حققت قدر من النجاح قد يغري .
فمع كل موسم من الانتخابات ترى الأخوة تسأل أن تركيا حققت قدر من النجاح وإلى متى نظل سلبيين .
في الواقع هذا أمر ليس حسناً ، بل بالعكس أن الإيجابية الوحيدة في واقع الدعوة هو وجود دعوة الناس إلى الخير والتغير الذي يطرأ شيئاً فشيئاً على واقع الناس في جميع بلاد المسلمين الذي أحد مظاهره أنه عندما يأتي أحد ينادي بالإسلام ويدخل البرلمان ينتخبه الناس لوجود عاطفة إسلامة عامة . فالبعض يظن أن هذا نجاح ولكنه في واقع الأمر لم يأتي إلى من وجود دعوة .
نستكمل المرة القادمة بإذن الله تبارك وتعالى .
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-05-2010, 08:49 PM
الشريط الرابع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،
انتهينا في المرة السابقة من قراءة الجزء المتعلق بمن يرون التغيير عبر الدخول في الانتخابات البرلمانية ، وخلاصة الأمر أننا ذكرنا أن هذه التجربة متنوعة من حيث الواقع ، والحكم على شيء فرع عن تصوره ، فمن حيث الواقع يوجد من تكون طريقة دخوله فيها مخالفات فسيكون المنع من أجل هذه المخالفات ، هذه المخالفات أبرزها التحالف مع الأحزاب العلمانية والرضا أو السكوت عن باطلهم من أجل ذلك ، وأفحش منه الاضطرار إلى الاعتراف بقضايا مخالفة للشرع كالقول بجواز إمامة الكافر أو جواز إمامة المرأة أو قبول حرية الرأي بلا ضوابط . إلى غير ذلك من الأقوال التي يلجأ إليها الكثيرون ممن يخوضون هذه التجربة . فإذا كانت التجربة فيها شيء من هذه المخالفات فهي ممنوعة من أجل ذلك ، ولكن ليس هذا لازماً في كل البلاد ولا في كل الأزمنة ، وحتى ولو من باب الفرض النظري لو تصور جدلاً بوجود إنسان يخوض التجربة بغير هذه المحاذير كأن يكون الانتخابات بالنظام الفردي أو أن يكون في بلاد تسمع بوجود حزب إسلامي ولا يضغط على الذي يدخل بأن يقول قضايا مخالفة للشرع ، ففي هذه الحالة نرجع إلى المصالح والمفاسد ، وفي هذه الحالة يكون الخلاف في المسألة خلاف سائغ ، ولكننا نقدر المصالح والمفاسد بأن المفاسد المترتبة أكبر وبالتالي نرجح المنع في كل الأحوال ، ولكن هناك أحوال نخطئ المخالف بصورة واضحة وظاهرة ونقول أنه خالف أصول في الدين وأحياناً نقول أن المسألة معتبرة أو قابلة للاجتهاد .
في الواقع أن المنقاشة في المخالفين متشاعبة وذات شجون كما يقولون ولكن نحاول نلملم أطراف ما يمكن أن يكون من أخذ ورد دائر حول هذه القضية .
وطبعاً في ثنايا الكلام تعرضنا للديمقراطية كقضية أنها مرفوضة شرعاً سواء دخلها أو وظفها الإسلاميون أو لم يوظفوها وهذه مسألة كانت تستأهل أنها تأخذ مزيد من البحث كقضية مستقلة . فيأتي بعض الإسلاميون ويقول لماذا ترفضون الديمقراطية والديمقراطية مما يمكن أن يرجع فيها عن الغير ؟ فنقول في الواقع إن الديمقراطية عند أهلها هي حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب ، ولو أردت أن تأصل المسألة أكثر " الديمقراطية هي إحدى فروع العلمانية ، والعلمانية معناها فصل الدين عن الحياة ، وأن نعيش هذا العالم " ولذلك ترجمتها الدقيقة هي العلَمانية وليست العلْمانية ،
فالعلمانية قامت نتجية صراح بين الدين والعلم ، ولكن أهلها عندما نادوا بهذه الفكرة لم يسموها العِلمانية كي لا تترجم بالنسبة إلى العلم ولكن بالنسبة إلى العالم أي إلى الحياة الدنيا ، وأياً ما يكن سواء سموها العلمانية أو العلمانية فلا تفرق معنا كثيراً ، ولكن عندما يكون اسمها العَلَمانية يكون اسمها ظاهر وواضع وأنها حركة لا دينية وكلنها دنيوية ، فهذه الحركة تقول أنه لا يرجع إلى الدين وهذا نتجية دينهم الباطل وما ذاقوه من مشكلات هذا الدين وأنه دين محرف ومبدل وفيه عبودية للأحبار والرهبان ووظفوها أسوء توظيف واستعبدوا حتى الأمراء بما يسمونه بعهد الفساد الكنسي ، فهو تاريخ طويل حاصله بأنهم قالوا ينبغي أن يعزل الدين عن الحياة .
وهم لم ينظروا في الإسلام ، أو أن شياطين الإنس والجن منعتهم عندما وجدوا هذا الدين المحرف وما أدى إليه فلم ينظروا في الإسلام كدين من عند الله تبارك وتعالى ، وطبعاً إذا كان من عن الله فهو من عند الحكيم الخبير العليم ، ولا مجال للتجربة والخطأ ، بل هو من عند الخالق { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } فبناءً على تجربة ، فقال أهل الدين الباطل نرفض هذا الدين بالكلية ، قالوا ماذا نفعل في نظام الحكم وفي الاقتصار وفي الاجتماع والأسر وفي كل مناحي الحاية التي تحتاج إلى تشريع ، قالوا بأن الناس تشرع لنفسها ولا ترجع إلى الدين لأنهم تبين لهم بواقع التجربة على دينهم أنه دين باطل وفاسد .
فهم رجعوا إلى دينهم الفلسفي قبل دخول النصرانية في أوروبا لأنه كان لهم تراث فلسفي في اليونانية والرمانية ، وهذا التراث كان له نظريات في طرق الحكم منها الديمقراطية ومنها الديكتاورية العادلة ، وكان له أنظمة في الاقتصاد والاجتماع فقالوا يمكننا أن نرجع للجزور الأولى .
لذلك عندما يقولون أن الإسلاميين رجعيين يكون بغباء لا يدري شيئاً ، فالذي يحاكيهم وينقل عنهم رجعوا لما قبل الإسلام ورجعوا لعصور قديمة جداً ولم يستحوا بأن يرجعوا لجزورهم بل عندهم حقبة من تاريخهم قالوا أ ن هذه عصور مظلمة وهي عصور سيطرة الكنيسة على مقاليد الدنيا في أوروبا ، ولكن معظم أفكارهم التي يتكلمون بها مأخوذة من عصور ما قبل النصارنية فضلاً عن عصور ما قبل الإسلام .
لذلك قلنا أن مبدأ الرجوع لا يقتضي مدحاً ولا ذماً في ذاته ، ولا مبدأ القدم فهناك أشياء كلما تقدم تعلوا قيمتها .
تقول أن عندك نهر له منبع وهو يجري فكلما تعود ناحية المنبع تجد الماء أصفى . فإذن الرجوع لا يقتضي مدحاً ولا ذماً لذاته ، فأين أنت وإلى أين ذاهب ؟ فأنت في نقطة معينة وكنت في النور وأصبحت في ظلام وتريد أن تعود للنور مرة أخرى ، فلابد أن تنظر إلى ماذا ترجع . نقول أننا نرجع عندما نقول نرجع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .
فلو أراد أن يصف هذا الكلام بأنه ظلام فيكون هنا الاحتجاج . فالمسلم لا يسعه أن يقول هذا ، والكافر نبين له القرآن وعظمة القرآن وأدلة صدق القرآن ، ولكن المسلم لا يجوز له أن يسمي الرجوع للوحي كما نزل رجعية .
والبعض يريد أن يلبس الحق بالباطل ويقول أن الزمن تغير ، نحن لا نقول إغفال فروق الزمان لأن الدين فيه أمور ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان وأمور تتغير ولكن ليس بالأهواء ، فهل تتغير العقيدة بتغير الزمان والمكان ؟ ، وهل تتغير العبادة بتغير الزمان والمكان ؟ وأصول المعاملة وأنه لا ينبغي أن يكون في المعاملة غرر أو غش ، فكل هذه ثوابت في دين الله تبارك وتعالى .
فالديمقراطية هي أحد فروع العلمانية والديكتاورية هي أحد فروع العلمانية ، واللبرالية هي أحد فروع العلمانية ، واللبرالية هي كلمة عاملة قريبة من كلمة العلمانية .
نحن قلن أن العلمانية أن يعود النظام في سياسة العالم والدنيا لأفكار البشر ونتاج تجاربهم ، فبذلك تكون العلمانية في كل فروع الحياة ـ الاقتصاد ، الاجتهماع ، والسياسة ـ
الليبرالية هي أحد الاختيارات فقالوا بأنه عندما تقول نظام سياسي حاول قدر الإمكان أن تعظم حرية الفرد ولما تقول نظام اقتصادي حاول بقدر الإمكان أن تعظم حرية التملك وحرية التصرف . فإذن الليبرالية فلسفة عامة لها فروعها أيضاً ، فهي جزء من العلمانية ولكنه جزء كبير كفكر عام .
فهناك ليبرالية سياسية وليبرالية اقتصادية .
إذن الديمقراطية هي جزء من هذه العلمانية ، بل هي أوضح صور العلمانية لأن هذه هي التي تتكلم على كيفية إبراز نظام اجتماعي واقتصادي وكذا وكذا وكذا .
كيف يفرز ؟
قالوا بحكم الشعب للشعب بصالح الشعب .
فألصق أنظمة العلمانية بها هي النظام الديمقراطي في الحكم ، وهو تعريفه حكم الشعب بالشب لصالح الشعب ، فهذا مصادم تماماً للمبدأ الشرعي { إن الحكم إلا لله }
إذن لا يصح أن يأتي من يقول ولماذا نغضب من الديمقراطية .
لأن الديمقرطية مصادمة جملة وتفصيلاً لدين الله تبارك وتعالى .
فالديمقراطية يعني حكم الأغلبية .
فهم بعد أن يقولوا حكم الشعب تقابلهم المشاكل في نوعية الشعب ، لأن هناك نظام مثل النظام الليبي لا يعترف بالمجالس النيابية بل هو يريد ديمقراطية بمعنى أن يكون الشعب كله فعلاً وليس نواب ، فهو يريد أن يصنع شيئاً بدلاً من المجالس النيابية فوضعوا مجالس شعبية ، نقول كيف أتت المجالس الشعبية .
والديمقراطية قديماً عندما كانت تطبق في المدن اليونانية الصغيرة كانت بحكم الشعب فعلاً ، فأنت لو أردت أن تطبق الديمقراطية في قرية الآن عدد سكانها ألف أو ألفين أو عشرة آلاف من الممكن أن تجمعهم في ساحة ويكون تصويت مباشر للشعب وهذا أول ما بدأت الديمقراطية .
فالديمقراطية ليس معناها مجالس نيابية ، بل الديمقراطية معناها حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب .
فماذا يحدث بعد ذلك ؟
أنظر إلى الرجعية الحقيقية ، فهم رجعوا إلى جزور قديمة كانت تطبق على مدن صغيرة وكان يخرج منها الشعب كله ويخرج الحاكم وتكون هذه هي الديمقراطية . فقالوا نكون مجالس نيابية وتكون الديمقراطية حكم نواب الشعب ، ونواب الشعب يأتوا من الانتخابات ، إلى غير ذلك من النظم التي يتضطربون فيها غاية الاضطراب .
ودراساتهم تقول أن الديمقراطية النيابية ما هي إلا صورة مقنعة من صور الديكتاورية أو من صور الإقطاع أو غيرها لأن هناك مراكز قوى تستطيع أن توصل أناس لأن يكونوا نواب للشعب ، وهذا في أي بلد .
انظر إلى العالم الأول فهل من يصل منهم يعبر عن الشعب .
فعموم الشعب الأمريكي لا يريد الحروب ، فكانت هناك امرأة مرشحة لمنصب نائب الرئيس الذي كان ضد أوباما ، وهي تثني عليه بأنه أتى من دولة أفريقيا وهو الآن يرشح للرئاسة . تخيل امرأة وصلت لهذه الدرجة السياسية وهي تظن أن إفرقيا دولة . وهذا يدل على أن الشعب الأمريكي جاهل بالجغرافيا جهل تام لأنه فعلاً لديهم إحساس بأنه لا يلزمه أن يتعلم الجغرافيا . فهم بلد واسعة جداً وفيها كل أنواع الزراعة ، وفيها مناخ من أول المنطقة الباردة إلى المنطقة الحارة وبين محيطين ، فهناك قناعة عند الأمريكان بأنهم يغلقوا على أنفسهم ويتركوا الدنيا .
بينهما الديمقراطية تفرز في أمريكا أناس يقدموا مصلحة إسرائيل على مصلحة أمريكا ، لأن هناك مراكز قوى تقدر أن توصل الناخبين سواء بالأموال أو الإعلام .
فليست هذه هي القضية ، القضية أن الديمقراطية تقول حكم الشعب والدين يقول { إن الحكم إلا لله }
بغض الناس عن آلايات الديمقراطية ، فهذا أمر لا يعنينا في شيء
قد يقول قائل بدلاً من أن نصادم التيار وتكون الدنيا كلها تقول ديمقراطية وأنت تقول لا للديمقراطية ، فهناك شبيه في الإسلام يسمى الشورى ؟
نقول هذه هي جزر المشكلة .
فالاتجاهات التي قبلت بالدخول في اللعبة البرلمانية كانت فرع على قبولها بمبدأ التوسط بين الحق والباطل .
فنقول أن هذا خداع لأن الشورى لفظ إسلامي ونرجع إلى كتب التفاسير في قوله تعالى { وأمرهم شورى بينهم } { وشاورهم في الأمر } وسيرجع إلى كتب السنة . ولما يريد أحد أن يعرف الديمقراطية يرجع إلى فلاسفة الديمقراطية .
فمحاولة أن أخدع الناس وأقول أنها هي الشورى فأكون أقررت بالديمقراطية ، ثم أقول أن الديمقراطية غير قابلة للأهواء فتقول أنا أريدها مثل الشورى الإسلامية ؟!!
وبالفعل لو تتبعت التاريخ تجد خصوم الحركة الإسلاية يرجب أولاً بالتصريحات الفضفاضة بأنهم يريدون ديمقراطية إسلامية وهي تكافء الشورى ، وبعد فترة تجد أن الديمقراطية لها أصول ، فهل من الديمقراطية أن الأغلبية لو أراديت التبرج أو أرادرة التدخين أو السينما ، فهل من الديمقراطية أن تعارفض ؟ يقولون لا ، فنكون دخلنا في الديمقراطية ولم ندخل في الشورى .
وقد ذكرنا قبل ذلك وجود فروق بين الشورى والديمقراطية ، فالشورى فيما لا نص فيه ثم يستشار أهل العدالة من جهة فيكونون أناس يثق في دينهم ويكونون أهل عدالة وأهل خبرة في المجال الذين يستشارون فيه .
فالديمقراطية النيابية أسوء نموذح للشورى لو اعتبرتها شورى لأنها تفرز أناس أتوا برأي العامة ، فلماذا اختاره العامة ؟ يقولون لأنه رجل خدمات ، فهل رجل الخدمات يستشار في أمور الدين ، قد يستشار في شئون الطب أو الهندسة أو يستشار في الطرق والكباري أو اللطاقة النووية ، ففي مثل هذه القضايا لا يحضر النائب أو يبحث عن قصاصات من الجرائد فيقرأها دون فهم ، فهو معذور ، لأن الموضوع له أهله .
فالمتخصص في مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يتكلم ، لذلك اخترعوا شيئاً داخل المجالس النيابية وسموها المخالس المتخصصة .
فيقومون بإحالة القضية للدراسة ، ورأي عضو اللجنة المتخصصة يساوي رأي الذي لا يفقه شيء في هذا الأمر .
وعندنا الشورى فيما لا نص فيه ويكون صفات أهل الشورى العدالة والخبرة وليس إرادة الناس فيه .
ـ العلماء ذكروا في السياسة الشرعية بأن يستشار كبار التجار عندما يريد أن يقول نمنع التجارة الفلانية أو نعمل طرق ، فهناك كبار المهن يدخلون في الشورى ليقولوا مطالب هذه الطائفة ، فكل طائفة دنيوية مثل الصناع والتجار لها دور في خدمة المجتمع فلابد من الاستماع إليهم ، ولكن ليس هذا معناه أن تكون هذه هي الشورى وتكون ملزمة بهذه الصورة .
فالبعض أحياناً يقول لماذا تعترضون على الديمقراطية بينما الديمقراطية أداة إدارة . فلو أدارت مجموعة مسجداً وقالوا نحن مختلفين في توسيع المسجد أو نغير الصوتيات مثلاً فيقولون نجعلها بالأغلبية ، ويقولون أن هذه هي الديمقراطية . وفي الحقيقة ليست هذه هي الديمقراطية .
رأي الأغلبية أداه إدارة قد تكون ناجحة في أوقات كثيرة لكن ليست هذه هي الديمقراطية .بل الديمقراطية أداه حكم وليست أداة إدارة ، الديمقراطية أداه تشريع .
فلو نظرت في المجالس المتجانسة مثل مجلس إدارة شركة أو إدارة مؤسسة ويكون الجميع فاهم الأمر ، نقول عند تقارب الصفات فرأي الأغلبة أفضل غالباً .فقد تكون أفضل كأداة إدارة وليست أداه تشريع ، وعند تقارب الصفات تكون أداه ناجحة ولا إشكال في ذلك .
فنحن نتكلم في الديمقراطية كأداة حكم :
من أسوء مساوئ الديمقراطية كأداة حكم وخصوصا الديمقراطية النيابية . فالمجالس النيابية مفروض أنها تريد أن تشرع في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها .
فمثلاً الجوانب الاقتصادية لو أن المجلس النيابي مكون من 500 عضو فيكون عندنا 500 رأي ، فكونوا بما يسمى بالأحزاب السياسية ، والأحزاب تأتي بمتخصصين ، فنعود مرة أخرى للنموذج الأسلامي ، فهم يستعيروه ولكن يضعوا معه أدوات يقهرون بها الشعوب ، النموذج الأسلامي يستشار أهل الحل والعقد ، فهنا بعد أن جعلها ديمقراطية نيابية قال نكون الأحزاب .
والأحزاب توجهات يصوغها مفكرون يوجدون فلسفات .
فإذن فرضنا جدلاً بوجود اختيارات في عدد من الجوانب مث الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية فمن الوارد أن يوجد حزبين أو ثلاثة أو أربعة ، وطبعاً البلاد التي فشلت فيها التجربة الديمقراطية تجد فيها عشرين أو ثلاثن حزب ، لكن الطبيعي أن الأحزاب تكونت بناءاً على نظريات في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فمعظم البلاد المستقرة تجد فيها حزبين كبيرين أو ثلاثة ، فهي عبارة عن ساسة أو مفكرين أو مراكز بحثية تضع بعض الاختيارات وبعد ذلك تدعوا الناس للانضمام للحزب ،
هل الانضمام للأحزاب يأتي نتيجة قناعة بجميع توجهات الحزب ؟
في الواقع حتى في بلاد العالم الأول كما يقولون أن من ينضم إلى الأحزاب يكون رجل له مجال واحد من مجال دراسته وهذا الحزب احتواه واستقطبه ووجد تعاون فصار الانضام نوع من أنواع العصبية .
والأخطر من ذلك أن يقولون أن الانتخابات وصلت إلى أن يكون هناك حزب حاكم وباقي الأحزاب تكون معارضة .
لا يوجد عندنا في الشرع شيء اسمه معارضة ، يوجد شورى لكن لا يوجد شيء بأن يأخذ واحد مقعد المعارضة ، فيكون المعارضة من أجل المعارضة أو تكون أحزاب وهذا يريد ضم الناس إليه وهذا يريد ضم الناس إليه .
وأحياناً تجد بعض الناس عندما يتكلمون في النظام الديمقراطي ويسقطون عليه أشياء شرعية مثل وجود طاعة الإمام ووجوب مناصحة الإمام فتصبح المعارضة خوارج .
فهل الإمام نفسه في حد زعمهم هو الذي سمع بوجود المعارضة .
هنا إشكالية وأتت الإشكالية من وجود نظامين ، فالنظام الشرعي شيء والنظام الديمقراطي شيء آخر تماماً .
فالنظام الشرعي يقول بوجود إمام له طريقة اختيار مختلفة أيضاً عن الطريقة الديمقراطية .
فهناك فرق في اختيار الإمام الأعظم أو اختيار رأس النظام أو اختيار الحكومة كما يقولون ، فعندنا يتم اختيار الإمام عن طريق بيعة أهل الحل والعقد شرعاً ، ثم هو يعين نوابه ويتعين عليه أن يستشير وينتقي أهل الخبرة والدراية في كل الجوانب ، ويجب على الجميع المناصحة ، والمناصحة لا تعني أن يقول أنه معارض أو يدعوا إلى نفسه أو يدعوا إلى تحزيب الناس فيكون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً .
فالديمقراطية أساسها تحزيب الناس وهم يقولون الأحزاب .
بينهما النظام الإسلامي يقول أن الأمة كلها مجتمعة ولما يتبين في المسألة أمر ينصحون به ، وايضاً ننصح بمراعات فقه الخلاف أثناء النصيحة وما هو الثابت وما هي القطعيات إلى غير ذلك .
فإذن الديمقراطية كمبدأ لا تصلح مطلقاً أن يتبناها الإسلاميون .
وفي الواقع هذا الموقف يعتبر موقف مبدأي من كل الإسلاميين بأنهم يعبرون أن الديمقراطية لا تصلح أن يتبنوها .
ولكن لما ارادوا أن يستخدموها دون أن يتبنوها قيل لهم لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية ، فبدأ الإسلاميون يحاولون يتبنون الديمقراطية بالقيود ويقولون ـ ديمقراطية إسلامية أو ديمقراطية بما لا يخالف الشرع ـ تم الضغط عليهم إلى أن حزفت هذه القيود ، وبعد أن حزفت قالوا نطبقها عملياً .فرأي الأغلبية ملزم للأقلية .
هنا جزء أخلاقي من الديمقراطية النيابية وهي أن بعد أن نجح النائب لا يصح أن يتبنى في مسألة ما رأي شخصي فهو مطالب أن يعبر عن أراء من انتخبوه .
فقالوا أن الناس ستنتخب الإسلاميين بسبب الأمانة والكفاءة ولكن الناس كلها تريد الأغاني والتدخين ناهيك هما هو أفحش من ذلك ، فالإسلاميون يقولن أن ندعوا الناس لترك المنكرات لكن طالما هناك منكر معين يريده الأغلبية سنتركه فلو أرادوا السينما سنتركها ولو أرادوا التدخين سنتركه . وهذه نماذج موجوده ، فنحن نقول في تركيا يقولون لو أرادوا البغاء سنتركه ، بل ويصدرون له التصاريح ، فإذن الديمقراطية عندما استخدمها الأسلاميون اشترطوا أن يؤمنوا بها أولاً فآمنوا بها ، فكان الأول يقولون ديمقراطية إسلامية أو ديمقراطية فيما لا يخالف الشرع ثم بدأوا يطلبون تصريحاً عما يريدون فعله مثلاً في حجاب المرأة المسلمة ، فالآن في السودان تحايلوا حيلة فقالوا أن عندكم في أمريكا قانون يقول أن المرأة يجب أن تلبس حد أدنى من الثياب وهو لباس البحر ، فأمريكا لماذا قالت ذلك ولم تسمح بأن الناس تكون عراياً ؟ فقالوا أنها مفسدة كبيرة ، فالنظام الغربي يقول الحرية الشخصية إلى أقصى مدى إلى أن تصتدم بالمجتمع ككل فقالوا لو أن النساء سرن عرايا ممكن يحدث مفسدة كبيرة فقالوا نضع حد معين من الثياب ، وطبعاً اللبرالية تقول أنه لو ستضيق الحرية الشخصية لابد أن يضيقها في أضيق الحدود ، فبعض الولايات الأمريكية يضعون حدود على حسب قانونها فهناك ولايات تقول أن ثياب البحر قطعتين وهناك ولايات تقول تكفي قطعة واحدة ويكون هذا حد أدنى مناسب من وجهة نظرهم .
فقالوا أن الأمريكان عندهم حد أدنى نابع من ثقافتكم كأمريكان فعندنا أيضاً حد أدنى فقالوا حد أدنى ولم يستطيعوا أن يقولا الحجاب فقالوا ثياب حشمة ، وعند التطبيق العملي اعتبروا البنطلون غير حشمة ، فطبعاً الأعداء متربصون . فأتوا بصحفية مشهورة وارتدت بنطلون واسع إلى حد ما ، فحكم عليها بعقوبة بتهمة أنها ارتدت ثياب غير حشمة فهاجت الدنيا وفي النهاية اضطروا بالإفراج عنها لضغوط الغرب ، لأننا لا نستطيع أن نقول أن عندنا حجاب وسنلزم النساء بالحجاب .
فحتى هذه التحايلات لا يسكت عنها الأعداء ولا سيترك لك فرصة بأن تحاول .
من ضمن الديمقراطية أن تكون معها الحرية ، وإن كان الغرب متناقض في هذه الجزئية تناقض كبير ، ولكن حرية الأقليات الدينية والفكرية وغيرها .
فقالوا لو أنك نجحت كإسلاميين واصبح عندك أغلبية ستكبل الحريات رغم أنها لا تضر الناس ؟ فهل تكبل حرية الإبداع والكفر ؟ وهل تكبل حرية أن يؤلف واحد رواية فيها سب الله أو واحد يؤلف رواية في دعوة للشذوذ ؟
فالديمقراطية معها حرية ، لا يصح أن توزف الديمقراطية في التضيق على حريات الأقليات ، رغم أن عندهم عندما أردوا أن يمنعوا المآذن في سوسيرا عملوا استفتاء حتى يكون ديمقراطي ، وهذه التناقضات لا نريد أن نقف عندها كثيراً . لكن هو يلزم الإسلاميين بأن يقر بحرية التعبير حتى لو هناك أقلية ، ومن ثم وصل الأنهيار في هذا الجانب أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح يذهب إلى نجيب محفوظ قبل أن يهلك ويطالبه بإعادة نشر ـ أولاد حارتنا ـ فالحرافيش الذين حوله يقولون أنكم تكفرون المبدعين ، فقال بل سيد قطب هو الذي يكفر المبدعين ، قالوا أليس السيد قطب واحد منكم ؟ قالوا لا بل هو كان مريض نفسياً .
وطبعاً هذا كان انهيار كاد أن يسبب انهيار داخل جماعة الإخوان وبدأ الدكتور عبد المنعم الفتوح يحول يخفف من حدة هذه التصريحات وكان لها أثر في أنها في الآخرة اضطرت الجماعة أن يقيدون صلاحيته ولكن الرجل هو أكثرهم احتكاكاً بالتجربة الديمقراطية فيطلب منه أشياءاً لابد من تتميمها لكي تتم التجربة الديمقراطية .
فهذا اختصار عام عن الديمقراطية وأنها تتناقض مع الإسلام تماماً . لا نستيطع أن نحبذها ولا نقدر أن نستخدمها ، لأننا عندما نريد استخدامها يفرضون علينا أن نستخدمها صح .
نعود ونقول أن هذه هي القضية التي نعود في فلكها ، فلو أنهم تركوا الإسلاميين يستخدمون الديمقراطية دون أن يلزموهم بلوازمها . فالإسلام يكقول { لا إكره في الدين قد تبين الرشد من الغي } ولكن هذا كلام مجمل ليس معناه أن أقول أن لكل واحد دينه ولا أدعوا إلى الإسلام . نقول لا تقرأوا نصف الآية { لا إكره في الدين } بل أكملوا نصف الآية { قد تبين الرشد من الغي } ، فنحن نقول أن في كل مسألة نجمع كل الأدلة ونفهم الأدلة على ضوء بعضها البعض ، ولكن هذا يقوم بقراءة شطر الآية ويترك الشطر الآية ، فهل أنت تقول { لا إكراه في الدين } وتسكت أم تقول { لا إكره في الدين قد تبين الرشد من الغي } ، فمخالفين الإسلام على غي ، فهل تقول أنهم على غي أم لا ؟ ، فهم يلزمونهم أن يقولون كلام عجيب جداً .
وبسبب قضية العداء مع اليهود تجد التناقض في الخطاب ، فلو الإسلام يدعوك لاحترام أهل الكتاب فيكون اليهود من باب أولى لأن اليهود كفرهم أقل من كفر النصارى ، فتجد أن الكلام عجيب جداً يدل على أنه لم يخرج من الشرع ، فالعداء مع اليهود على ماذا ؟
فتجد دائماً توظيف الآيات التي على أهل الكتاب أنها تصب كلها على اليهود وليس النصارى . فنحن نقول أنه { إكره في الدين } ولكن لابد أن يكون واضح أن المسلم يعتقد وينادي ويبين أن الإسلام حق وما عداه باطل .
بل الأمر أخطر من ذلك .
وإلا فماذا تصنعون في المرأة ؟ قالوا لا نلزمها بالحجاب ، فهل ستعطونها حرية الانتخاب ؟ يقولون نعم نعطيها حرية الانتخاب
فالحركة الإسلامية اضطرت تغير قناعتها ، وطبعاً البعض يقول نحن لم نغير . نقول ارجع إلى كتابات الاستاذ حسن البنا نفسه مثلاً وكتابات مجلة الدعوة في فترة الثمانينات والكتابات الموجودة الآن والسلوكيات التي تمت من محاولة تصعيد المرأة داخل الجماعة نفسها ومحاولة عمل انتخابات ويكون للمرأة دور فيها ، وإخراج المرأة لتدلي بصوتها في الانتخابات ... إلى غير ذلك .
وأخطر من هذا كله قالوا أنه من الممكن أن تتولى الإمامة العظمى ، وممكن الكافر أن يتولى الإمامة العظمى .
ولما حدث تصريحات من الدكتور عصام العريان أو غيره يفهم منها ذلك ، حاولت الجماعة بقدر من الإمكان أن تلم الموضوع ، وله موقف ليس شرعي مائة في المائة ولكن قالوا أن لهم موقف فقهي وموقف ديمقراطي
الموقف الفقهي أنه لا لإمامة الكافر ولا لإمامة المرأة .
الموقف الديمقراطي لو أن الديمقراطية أفرزت أن الكافر أخذ الأغلبية سنسمع له ونطيع
هذه قضية في غاية الخطورة .
فلو أن الاحتلال الفرنسي لو أراد أن يكون انتخابات كما فعلت أمريكا في العراق ، فيأتي الاحتلال ويصنع لك انتخابات ويشتري الأصوات وبذلك تدين له بالطاعة
هي قضية في غاية الخطورة بلا شك ، وكل هذه فروع ثمن للتجربة الديمقراطية .
فنقول في ماذا دفع هذا الثمن كله ؟
يقولون كذا مقعد ، وفي بعض الدورات كان هناك واحد فقط ، فنقول أن هذا فشل على حسب مقايسكم ،
ولما أتي بعد ذلك وتجده لا يستطيع أو لا يريد أن يتكلم في إعادة القوانين المخالفة للشرع كقوانين الجنايات وغيرها ، وليس من صلاحيته بل لها سلسلة إجراءات معطلة جداً لا تستيطع أي كتلة من البرلمان أن تدعوا إلى دراسة قوانين مستقرة وموجودة .
أما القوانين التي تعرض جديداً قل أن يتم مناقشة رأي الشرع فيها ، ومعظم الأشياء تكون إجرائية وفي الآخرة تختزل الحركة الإسلامية بأن تتكلم في غلاء الأسعار رغم أن هذه مصالح للناس ولكن من الممكن أن يتكلم فيها الكثير ، وكلام الحركة الإسلامية فيها لا يكن مفيداً بحد كبير ، بل بدأ أن يكون نواب مجلس الشعب لهم صلاحيات معينة في تسهيل خدمات وإن كان العاطفة تتغلب على الناس أكثر ، ولكن في النهاية ما قدمنا للناس ؟
لا قدمنا في الدين ولا في الدنيا .
فلا طبقنا القوانين الشرعية ولا استغلينا المنبر كما يقولون إلى الدعوة للإسلام ، بالعكس بل هو برلمان مثله كأي برلمان ولا حتى في الخدمات الدنيوية تقدمت ، ولو تقدمت هل هذا مقابل أن نضيع عقيدة الولاءة والبراء ونقر بمدأ الحكم لغير الله ونشوه تشريعات الإسلام في قضايا الحكم وقضايا التشريع وقضايا المرأة وقضايا حرية الفكر وينشر روايات كفرية مثلاً ورضا الإسلاميين أو ترحيبهم أو نحو ذلك ؟ !
كل هذه أمور تبين خطورة هذا المسلك في التفكير .
فيقولون مثلاً وهل نكون سلبيين ؟
نقول أن هذا نابع من حصر صور تغيير المنكر في هذه الصورة رغم أنها لا يتم فيها تغيير منكر ، بل يتم فيها تعظيم أو تكثير المنكرات ، لدرجة أن البعض عندما لا يجد شيء يدافع به عن هذه التجربة يقولون أن الفترة التي يدعوا فيها المرشحين إلى نفسهم هي المرادة من هذه الانتخابات بالنزول للشارع ، فالنزول للشارع أسبوعين أو شهر مع الكلام في قضايا فيها مخالفة للشرع ونسبة أمور للشرع ليست منه ونحو ذلك .
فهل تكون هذه المصلحة التي ننتظرها ؟
من ناحية أخرى قالوا أنكم تريدون أن تعيدوا الدولة الدينية .
وطبعاً الدولة الدينية مصطلح غربي لما كانت الكنيسة تحكم ، فالكنسية تزعم صلة ما بالسماء فكلامهم هو كلام الله ، فكلمة دولة دينية في المصطلح الغربي تعني أنه يوجد من يقول أنه ظل الله في الأرض أو من يقول أن حكمه هو حكم الله .
طبعاً نحن نريد دولة دينية إسلامية تحكم بشرع الله ويكون الجميع أمامه ملزم بتطبيقه حاكماً كان أو محكوماً ، وتكون أصوله واضحة ويكون الاجتهاد فيه له قواعده وأصوله ولا يوجد أحد يقول أنه يتكلم باسم الدين ويحتكر هذا الكلام .
لكن عادة الاتجاهات الإسلامية تدخل هذه التجربة ويضطرون أن يقولوا أنهم لا يريدون دولة دينية بل نريد دولة مدنية ذات مرجعية دينية .
وطبعاً كلمة دولة مدنية يعني تساوي أنها دولة غير قائمة على أساس ديني بل قائمة على أساس عرقي أو أساس جغرافي ، وهذا يتنافى مع أننا نقول أن الإسلام لا يعترف بالقوميات ولا بالعصبيات .
فهذه أحد الجوانب التي طالها التحريف .
طبعاً سيقولون ليس كل التجارب ظل فيها الإسلاميون أقلية .
نقول أن من أصبحوا فيها أغلبية فرقها ليس كبير ، فإما إن ينقلب عليهم الجيش كالتجربة الجزائرية ، وقلنا أن هذه أعظم المفاسد المتصورة ، وإما أن يضطروا وهم في الأغلبية أن يطبقوا القوانين العلمانية لأنه أيضاً جعل ثورة تغيير في القوانين حتى ولو معه الحكومة ، بل هي لها إجراءات لا يجرأ عليها أحد ، ولو حدث يقولون أن هذا انقلاب على النظام .
يقولون أنه لا يصح أن تكون الديمقراطية من خلال نظامنا أن تورث من ينقلب عليه ، بل لابد من سلسلة إجراءات بطيئة في هذه الأثناء ، فيطبق القانون الوضعي ويعاقد من يخالفه .
يعني لو أن واحد في تركيا تعرض لبغي فالحكومة التركية ملزمة أن تعاقب ذلك الذي تعرض لبغي لأن موقفها قانوني ومعها تصريح .
فمع هذا الخلل وهذا الاضطراب لو قلنا الطاقات والأموال والأوقات وجهت للدعوة رغم أنه لن يوجد في أي بلد من البلاد التي نجحت فيها التجربة البرلمانية نجحت بدون دعوة .
فمن الذي ذهب لينتخب الإسلاميين رغم التضييف ورغم عدم وجود الفرصة بأن يعطي صوته بحرية ؟
ذهب من عنده عاطفة إسلامية ، ومن أين أتت العاطفة الإسلامية ؟ أتت من الدعوة .
فاستمر في الدعوة وتصلح نفسك وبيتك وأسرتك مع الحفاظ على بقاء المنهج ، فالذي تصلح تصلح حقيقة ، ومن عنده فساد يعرف أنه فاسد .
فلا ترضى عن الكتاب العلمانيين وترضى عن كتاب الروايات التي فيها استهزاء بالدين ، كل هذا لماذا ؟ لا يكاد يوجد شيء كا ذكرنا .
فالتجارب التي كان فيها الإسلاميين أغلبة أو أقلية كانت المحصلة واحدة بأن هناك قدر جزئي من الإصلاح هو استثمار لثمرة الدعوة ، وأنه لو استمر الإسلاميون في الدعوة كانت النتائج تكون أكثر بإذن الله تبارك وتعالى .
طبعاً فروع الموضوع كثير ولا نستطيع أن نغطي كل ما يقال وكل الأخذ والرد ، ولكن نرجوا أن يكون في هذا الرد كفاية .
وإن شاء الله المرة القادمة نأخذ اتجاه آخر من الاتجاهات في هذا الدرس .
سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-06-2010, 09:38 PM
الشريط الخامس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ثم أما بعد ،،
ما زلنا في تدارس بحث السلفية ومناهج التغيير ، وانتيهنا من قراءة ما يتعلق بمن يرون سلوك الحل البرلماني ، ثم في المرة السابقة أضفنا إلى ذلك نوع من أنواع التعرف على النظام الديمقراطي والمناقشة والمقارنة بينه وبين الشورى ، ولأن بعض الإسلاميين الذين يسلكون الحل البرلماني يضطرون بأن ينادوا بأن الديمقراطية من الإسلام حتى لا يقال لهم أنهم ينتحلون الديمقراطية مؤقتاً ، وبالتالي صارت هذه إحدى القضايا المطروحة في الساحة وهي أنه يوجد فريق من الإسلاميين يحاول إثبات أن الديمقراطية هي بعينها الشورى الإسلامية ، وتكلمنا في المرة السابقة حول هذا الموضوع .
وفي الواقع في هذه المرة سنتناول نفس الموضوع بطريقة مركزة ، بحيث أن من لم يحضر المرات السابقة من الممكن ان يكتفي بهذه المرة ، وسيكون الكلام في نقاط مركزة وواضحة مع أنها لن تكون مفصلة أو سيكون كثير منها يكون فيها إحالة على قضايا المفروض أنها مستقرة في الذهن أو على الأقل إحالة أيضاً على بعض البديهيات التي كررناها في المرات السابقة .
خلاصة الأمر :
أننا قلنا أن مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية التي في النظم المدنية تنقسم إلى نوعين :
نوع يكون فيه مخالفات
ونوع ليس فيه مخالفات
وبالتالي الحكم يختلف ، فإذا كانت المشاركة تنطوي على مخالفات صارت ممنوعة من أجل هذه المخالفات .
وإن كانت المشاركة لا تنطوي على المخالفات صارت غير ممنوعة ابتداءاً ولكن ينظر فيما تحقق من مصلحة أو مفسدة ، وتختلف في هذه الحالة أنظار العلماء في المسألة ، ونحن نرى أن حتى الصور التي خلت من المخالفات كانت المفسدة فيها أعظم .
نحاول أن نلخص ما هي المخالفات التي تكون في بعض الصور ، ونطبق هذا على أمثلة ، ونطبق أمثلة على تجربة الإسلاميين في المشاركة السياسية التي انطوت على مخالفات ، وكانوا من خلال هذه المشاركة ما زالو يمثلون أقلية في النظام البرلماني ويأتي على رأس ذلك التجربة المصرية أو التي وصلوا فيها على أغلبية كالتجربة التركية ، ونذكر نمازج في المقابل في الأمور التي لم تحتوي على مخالفات تقريباً لأنه يصعب أن تقول أنها لم تحتوي على مخالفات نهائياً ، وكان فيها الإسلاميون أقلية كالتجربة الكويتية ، أو التي وصلوا فيها للأغلبة كانت التجربة الجزائرية .
فسنذكر خلاصة المسألة مع التطبيق على الأربع نمازج الواقعية .
نقول إن كانت المشاركة تنطوي على مخالفات يكون الحكم المنع ، فما هي هذه المخالفات ؟
نقول المخالفات إما في مرحلة التشريح أو ما بعد الترشيح ، إذا كان الإسلاميين أقلية أو أغلبية ، ففي مرحلة التشريح ما هي المخالفات التي توجد ؟
من أبرزها التحالف مع الأحزاب العلمانية ، وأن يكون النظام ليس فيه دخول بالنظام الفردي فلابد أن يدخل تحت مظلة حزب ، وفي ذات الوقت لا يسمح بإنشاء حزب إسلامي فيضطر أن يدخل تحت مظلة حزب علماني ، وطبعاً هذه المخالفة لها إجابة عند من يجوز هذا الأمر ، فنحن قلنا أن المشاركة إذا كان فيها مخالفة فنحن نراها مخالفة وأن من أجازها قوله غير معتبر ولكن هناك من يجيزها ، ففي الحالتين سواء الصورتين كلمنهم هناك من يمنعها وهناك من يجيز ، ونحن نمنع في الحالتين ، ولكن موقفنا من الآخر الذي يجيز في حالة وجود مخالفات نرى أن إجازته لهذا العمل غير مبني على أي أساس ،وفي حالة عدم وجود مخالفات نقول أن الأمر يرجع إلى تقدير مصالح ومفاسد ونحن نقدر المنع ، فنحن عندنا أن كل مخالفة من الممكن أن يكون لها إجابة سنذكرها لكن بعد أن نلخص الكلام .
نحن نقول أن في مرحة التشريح تكون المخالفة التي من أبرز المخالفات هي التحالف مع الأحزاب العلمانية ، ثم مخالفات أخرى كثيرة يمكن أن تجملها تحت عنوان ـ القبول بمبادئ مخالفة للشرع ـ لأن الذي يدخل يتعرض لعملية استجواب من دعاة الديمقراطية ، فهم رفعوا لافتة " لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية " فيسألون الذي يدخل أولاً إذا أنت دخلت التجربة الديمقراطية ستنتفع حتى نتشر منهجك فهل أن مؤمن بالديمقراطية ، ومعظم إن لم يكن كل أن الإسلاميين يضطرون أن يقولون نعم ، وأحياناً يقولون نعم ويقيدونها بقيد خافت ولكن بقيود حتى هذه تقبل جزيئاً ثم يتم الضغط عليهم حتى يحذفون كلمة بقيود فيقبلون بالتجربة الديمقراطية ويقولون نحن نقبل الديمقراطية ، ويضمروا في أنفسهم وجود قيود .
تأتي المرحلة التي بعدها فيقولون لهم أنتم أعلنتم أن تقبلون الديمقراطية بغير قيود فكيف إذا أتت الديمقراطية بشيء ما ، والديمقراطية تستخدم لإفراز المجالس التشريعية كما تستخدم لأفراز بعض السلطات التنفيذية لاسيما رأي النظام التنفيذي ، فدائماً يكون هناك انتخابات رئاسية وانتخابات برلمانية والنظام الديمقراطي قائم على أن هناك سلطات ـ السلطة التنفيذية ، السلطة التشريعية ، السلطة القضائية ـ وهذه هي عناصر النظام الديمقراطي المعاصر .
والديمقراطية تستخدم لإفراز النظام التشريعي جزماً ، وبعد ذلك يكون رأي النظام التنفيذي لابد أن يأتي بانتخبات ، إما أن تكون انتخابات من خلال البرلمان وإما انتخابات شعبية جديدة ، ومعظم الأنظمة يكون فيها انتخبات شعبية ، على كل حال أن الديمقراطية يكون من وظائفها غير انتخاب المجلس التشريعي انتخاب رأس السلطة التشريعية .
يقولون فلو كان هذا الكلام لواحد غير مسلم ـ نصارني أو غيره ـ فهل ستقبلون ؟
قلنا أن بعض الإسلاميون وكان الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور عصام العريان قالوا وما المشكلة ، وهذه عملت أزمة في داخل جامعة الأخوان في مصر ، وانتهت جامعة الإخوان بعد انتخاب المرشد الجديد إلى صياغة قد تكون أضبط نسبياً لكن ما زالت غير منبضبطة وهي أنه كرأي فقهي سيظلون رافضين لتولي النصارى والنساء لرأس السلطة التنفيذية ، لكن كموقف ديمقراطي سيقبلونها ، لأنه لا يستطيع أن يخل بجزء منها ، فهنا صار أنه يقول أن عنده الإسلام وعنده الديمقراطية وإذا تعراضا سيقبل بالحل الديمقراطي ولا يعقتده ، فهو يحاول أن يغيره ولكن سيزعن له ويعتبره نظام شرعي .
أسئلة كثيرة ستخرج من هذه البوتقة ،فكانت الإجابات فيها قدر من الغموض حتى وصلت إلى التصريح أن الكتابات التي تعارض الإسلام والكتابات التي تسخر من الدين والتي تستهزئ بالقرآن فكانوا يستنكرون أنها طبعت على نفقة الدولة وليس نستنكر حرية صاحبها في نشرها
والموقف من النصارى ليس مجرد تولي نصراني قيادة الدولة بل هو موقف يأخذ من الشرع أمور ليست في مواضعها ، فنعم في الشرع { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } [الممتحنة/8] لكن هذه تحولت إلى محبة ومودة مصادمة للآيات { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } [المجادلة/22] فصار هنا لي للشرع ومحاولة تعظيم حقوق أهل الذمة وإعطائهم حقوق ليست في الشرع ، فنعم في الشرع حقوق لأهل الذمة ولكن هم ابتداءاً لغى أهل الذمة وجعلها مواطنة ثم أعطاهم حقوق منها المحبة والمودة إلى غير ذلك مخالفة للشرع .
الموقف من المرأة أيضاً هي قضية من أبرز القضايا التي يهتم بها دعاة الديمقراطية والعلمانية .
إذن في مرحة الترشيح يحدث استجواب لأن المظلة ديمقراطية فيقولون لا تستخدم الديمقراطية لهدم الديمقراطية ، وهنا فائدة لابد من الانتباه إليها وهي أن كل نظام يضع أصول لا تقبل أن تمس ، وكل النظام الديمقراطية كذلك ، يعني الثورة الفرنسية غيرت علاقة الدين بالمجتمع وغيرت أشياء كثيرة مثل الإقطاع وغيره ، وبعد أن جعلت أصول لا يمكن المساس بها قالوا أن الديمقراطية في ظل مبادئ الدستور الموضوع في ظل مبادئ الثورة . فإذن لا يطمع أحد أن هذه الديمقراطية آلية تغيير جذري ، بل هي إنما تكون آلية منع استبداد لو كانت ولو طبقت كما يقولون ، فهم يقولون لا نريد من يستبد برأيه في ضمن الخيارات المطروحة التي لا تمس الثوابت ، لكن بداخل الثوابت قد تكون اختيارات داخل النظام الاقتصادي أو النظام الاجتماعي فهي كلها اختيارات الاختلاف بينها ليس كبير ومرجعيتها ثابتة ،وبالتالي يقولون لا تستخدم الديمقراطية لهدم مبادئ النظام لأن هذا النظام جعل ديمقراطي ، فلابد من ترسيخ ثوابت ثم يقولون بعدها الديمقراطية .
فإذن يحدث امتحان للإسلاميين الذين يدخلون ، والامتحان هذا يبين ماذا يأخذ من الإسلام وماذا يأخذ من الديمقراطية .
معظم التجارب يعطي الإسلاميون قدر من التنازل ، ويقال لهم أن هذا القدر غير كاف ، ومن الممكن أن يؤخذ منهم مرة ويدخلون الانتخابات والمرة التالية يقال لهم لا . وعندنا نموزج تركيا ونموزج الترابي في السودان ، وهي نمازج ربما صارت تقبل بالعلمانية مائة بالمائة ، والآن في تركيا الإسلام في القلب ، هم لا يقولون أنهم حزب إسلامي ، ويدافعون عن الحجاب باعتبارة حرية شخصية وليس باعتباره فريضة إسلامية ، ولا يأتي أبداً بكملة إسلامي ، ودفاعه عن الحجاب في مقابل حرية المحجة أن تحتجب كحرية الزانية ان تزني تماماً .
فيكون القبول بمعطيات العلمانية كلها .
بعد أن انتهى من كل هذا بدأت امتحانات أكبر ، فكان الكلام على امتحان الإسلاميين واضطرارهم أن يقبلوا بمبادئ الديمقراطية فيقولون نحن شعب مسلم وقل لهم ما تريد فلو الأغلبية أتت بواحد غير مسلم سنقبله ولكن يستحيل أن يحدث ذلك ، ونقول لو الأغلبية رفضت تحكيم الشرع لا نحكم الشرع ولكن هذا لا يحدث .
فبدأ الأختبار في مدى القابلة للاندماج في المجتمع الدولي أو في النظام العالمي الجديد .
يعني ليس مجرد أنه فقط يتأقلم مع الديمقراطية بكل معطياتها ، بل مدى تأقلمه وهل يستعامل مع النظام الدولي الجديد أم لا ؟ وما هو موقفه من أمريكا وما هو موقفه من أوروبا ، وبدأ الكلام على حوار الإسلاميين مع أمريكا والزيارات متبادلة مع السفير الأمريكي أو السفيرة الأمريكية ، والحرص على الاستجابة للأجندة الأمريكية بل القبول بأمريكا كشرطي للعالم بما في ذلك بلاد المسلمين ، بمعنى أن أمريكا إذا أوحت أنها سوف تتدخل لمحاية المعارضة بما في ذلك المعارضة الإسلامية تجد تجاوب لا يليق مطلقاً بالإسلاميين مهما كان درجة البطش بأن يقبل أن يتحرك في ظل مظلة أمريكية ، ونحن لا نقول أنه كافر شهم كأن يقبل الجوار من كافر بل هو كافر له مصالح يريد تطبيقها ولا شيء عنده بدون ثمن ، والثمن هو الثناء عليه والثناء على منهجه والقبول بأجندته .
فماذا بقي للإسلاميين من دعوتهم ؟
لما تتحول الدعوة إلى حرية شخصية ، هنا سيقع الإسلاميون في مسألة ازدواجية بأنه سيكون له خطاب موجه للإسلامين وخطاب موجه للجمهور العام .
القبول بهذا الكلام هو القبول بالذوبان في النظام والهيمنة الغربية ، بما في ذلك أن يكون هناك نوع من أنواع الوصاية للغرب على بلاد المسلمين في الترحيب الضمني بالضغوط الأمريكية لما توحي أمريكا أنها ستضغط لإعطاء مزيد من هامش الحرية للإسلاميين .
طبعاً هذا الضغط يكون ضغط وهمي أولاً وثمنه أن الإسلاميين يرحبون ، وأول ما يرحب الإسلاميون لا تجد ضغط .
فهو يوحي أنه سيضغط وينظر ماذا يفعل الإسلاميون ، فلو قالوا لا فهم يستحقون ما يحدث لهم ، ولو قالوا نعم يستحقون ما يحدث لهم أيضاً .
فهم وقعوا في كمين عظيم جداً ، فهم رحبوا وأصبحوا في صورة مذرية جداً وأصبحت العملية أشبه بمادئ السياسة الميكاسلية لا تختلف إسلامي من غير إسلامي ، فكما أن اللبراليين يقولون يا أمريكا فالإسلاميون لا يقولون يا أمريكا ولكن لم يتمنعوا من تدخل أمريكا أو نحو ذلك .
نقول باختصار أنه في مرحلة التشريح يكون التحالف مع الأحزاب العلمانية عنوان ، والقبول بكل معطيات الديمقراطية يكون عنوان آخر ، والامتحان سيكون أكثر من سؤال والامتحان مفتوح فخذ فرصة في الإجابة ولو أخطأت وتريد أن تصلح صلح لأنهم في النهاية يريدون تمييع الإسلام بحيث في يكون في النهاية مثل النصرانية تماماً ، فلو أن فصيل من الإسلاميين استطاع أن يتبنى منهج لا يتعارض مع العلمانية وينشره يكون عند الغرب استعداد أن يوقف الحرب الصليبية ضد الإسلام ، فالغرب تنازل عن النصرانية أو كاد أن يتنازل لصالح العلمانية ، ثم فوجئ أنه وهو صليبي له عداء مع الإسلام وهو علماني أيضاً له عداء مع الإسلام ، فلما يكون علماني في عداء مع الإسلام ويهزم في عقر داره لأن الإسلام يقول للناس في أروربا أنتم لا دينيين ودعوة اللادينيين للإسلام أقرب من دعوة من عندهم دين فيه شبهة إنتساب لنبي ونحو ذلك ، فهم الآن يرجعون للصليبية تحت ضغط وجود الإسلام وتحت ضغط من الإسلام فالإسلام لم يقبل التاعمل مع معطيات العلمانية .
غاية المنى عند الغرب أن يكون وجود الإسلام كوجود البوذية وغيرها ، بأن يوجد فصيل إسلامي يتبنى فهم محرف مشوه للإسلام لا يتعارض مع العلمانية ويستطيع أن ينشره .
فالأفضل أن يصرحوا بهذا والصوفية على استعداد وإن كانوا يحتاجون إلى تشكيل بسيط فهات منهم وشكل ، والعقلانيين والقرآنيين الذين يحتووهم لأن هذا هو النموذج الذي يريدونه ، لكنه يريد حركة إسلامية فعالة لها قدرة على التأثير فيأتي بالحركات الموجودة التي لها رصيد دعوي ولها رصيد واقعي بين الناس ويحاول أن يرودها ، فما الذي يرغمه يضغط ثم يترك الإسلاميين يدخلون ويحصلون على مكاسب لكن بشرط أن يعترفوا بهذه الجزئية على أن الجموع التي انتخبتهم يكون هذا هو فهمها للإسلام . فلو وجد فصيل يستطيع أن يفهم الإسلام فهم لا يتعارض مع العلمانية أو يتماشى معها وفي نفس الوقت استطاع أن يفهم هذا الفهم أو يعممه يكون الغرب معه ويقبله تماماً ، وهذا ما نقوله في التجربة التركية ، فالغرب جحم الجيش التركي عن أنه يتعرض لحزب العدالة في تركيا ، وكان قبله حزب الرفاه الإسلامي وهو الوحيد الذي كان فيه كلمة إسلامي وكان له نفس الشغل ، لكن عندما وصل للمرحلة المطلوبة انتهى دوره ، وهذا نموذج مغري وفيه قدر من المكاسب للإسلاميين ، فهناك عملوا اصلاحات اقتصادية وعملوا عزة لتركيا فتركيا أصبح لها صوت ولها تواجد ، وكل هذا الكلام من الممكن أن يضحي به الغرب في سبيل أن يوجد اتجاه مسيطر يستطيع أن يعطي للناس مفهوم إسلامي لا يتعارض مع العلمانية .
وكما يقولون أن تركيا من الممكن أن تدخل الاتحاد الأوروبي ، من الممكن ، يعني حتى الآن ما هي العقبة ؟ التاريخ . فالواقع تشكل ، فماذا يصنعون في التاريخ ؟ يتبرأون منه ويقولون أنهم كانوا على خطأ في حرووبهم في أوروبا ويقولون أنهم عملوا عمليات إبادة في قبرص ،فهو شكل الواقع وتبقى التاريخ .
فهو في طريقه أن يضم تركيا في الاتحاد الأوروبي أو على الأقل يجعلها على بعد خطوة من الاتحاج الأوروبي ، فهو يريد أن يصبح العالم الإسلامي كله مثل تركيا .
حتى لا نسبق الأحداث نقول أن المخالفات في مرحلة الترشيخ :
التحالف مع الأحزاب العلمانية
القبول ببعض أو كثير أو كل المبادئ الديمقراطية
القبول ببعض أو كثير أو كل الاندماج في النظام العلماني الجديد أو كل الهيمنة الغربية .
كما ذكرنا قد توجد أوجبة عند المخالف سنجملها ، نحن نريد أن نركز الموضوع .
فبعد مرحلة الانتخابات يكون شيء من اثنين :
إما أن يكون المسلمون أقلية وإما أن يكونوا أغلبية .
فلما يكونوا أقلية ما هذ المخالفات ؟
أنهم يصبحون أعضاء لهيئة تدعي لنفسها حق التشريع من دون الله
وكان في أيرلندا منظمة معارضة اسمها الجيش الأيرلندي الأحمر ، فيدخلون الانتخابات ويأخذون مقاعد ثم لا يأتوا إلى البرلمان ، لماذا ؟ قالوا لا نريد أن ندخل ونحلف على الولاء للملكة وإلا بهذا نخالف المبدأ الذي نقوم عليه فنحن ندعوا لاستقلال أيرلدنا عن المملكة المتحدة فلا نريد أن تكون أيرلندا خاضعة لملكة انجلترا . فقالوا ما دام أنهم يريدون أن يثبتون أنهم لهم شعبية ، ولكن أنت في المقابل فرضت علي أشياء تخالف مبدأي فأنا لا أشارك ولكني اثبت وسجلت أن لنا أغلبية .
هذا الموقف رغم أنهم كفار في بعض ولكن يدلك على رمزية الثبات على المبدأ رغم أنها كلها مبادئ ليست شرعية ولها هو مبني عندهم على أساس ديني في دينهم ولكنهم يقولون أن الشعب الأيرلندي شعب مستقل لا يخضع للتاج البريطاني .
فهنا يدخل الإسلاميون ويحلفون على الولاء للدستور ، وإن كان هذه يمكن التجربة عنها بالتجربة المصرية على وجه الخصوص بأن الدستور المصري فيه أن الشريعة الإسلامية هي المبدأ الرأيسي للتشريع ، ولكن يبقى أن الدستور فيه أشياء كثيرة مخالفة للشريعة فأنت لم تحلف على هذه المادة وحدها ولكنك حلفت على احترام الدستور ككل .
فالانضمام لهيئة تدعي لنفسها حق التشريع من دون الله .
فيقول أن الدخول على أهل الباطل وأهل المنكر بل الدخول على الكفار والمشركين في مجالسهم هذا يكون خطأ ؟
نقول لا ، بالانضمام إليهم ، هناك فرق كبير جداً بين أن تكون عضو وبين أن تكون داخل عليهم .
على كل حال فضلاً عن الحلف للولاء لهذه المؤسسة واحترامها ، وإلا لا يصبح عضو فيها ، فلو أخل باحترامه لهذه الهيئة التشريعية كيف يكون عضو فهيا وهو يخل باحترامه لها .
ـ أعمال البرلمان منها نوع إداري مثل مراقبة أعمال الحكومة ومناقشة تقارير الموازنة إلى آخره ، وهناك جزء منها تشريعي ، فلما يعرض قانون ربما يكون الأمر في الأمور الإدارية أو الرقابية ليس فيه مشكلة وليست هذه المشكلة وإن كان لا يسلم عند وجود قوانين حتى لو أن الإسلاميين سجلوا اعتراضهم وهذا للأسف اصبح لا يحدث ، بمعنى أنه من الممكن أن يوافق على قوانين غير شرعية أو يمرر مخالفات شرعية .
لكن على الأقل كون أن أعضاء التيار الإسلامي يطالبون تنبقة القانون مما يخالف الشريعة ليس فيه إشكال ، لكن بعد ذلك أيقال أن كل واحد قال ما عنده وسنبدأ بأخذ الأصوات .
الجلوس في هذه اللحظة جلوس في أمر منكر لا يجوز ، لا يجوز لأنه أنكر وأنهى إنكاره فلماذا يجلس بعد ذلك ، فينبغي أن يخرج اعتراضاً كما يحدث في اشياء أهون بكثير كأن يمنع من الكلمة فيخرج اعتراضاً ، فلماذا لا يخرجون اعتراضاً عند كل قانون يخالف للشرع ؟ يقولون أن هذا يخل بمبدأ الديمقراطية ، فهو قال ما عنده ولابد أن يرضى بما ستنتجه الأغلبية ، يعني من الممكن أن يخرج احتجاجاً على إجراء إداري أو منع من كلمة فيقول أنا محتج ومن حقي أن أخرج لكما عندنا يأتي أمر مخالف للشرع لا يكون من حقه أن يخرج وإلا سيقال له أنت مخالف للديمقراطية ، ليس مهماً أنك موافق للشرع أو مخالف ، فالقضية أنك تخرج بدون أي مبرر إلا أن الأغلبية قالت رأيها ، فهذا اضطرار للجلوس أثناء إقرار أمور مخالفة للشرع واعتبار هذا الأمر محترماً لا يجوز حتى إنكاره حتى بالانسحاب منه أو نحو ذلك .
كنتيجة لهذا يحاول الإسلاميون أنهم لا يثيرون أمور مخالفة للشرع ، وخض تجارب الإسلاميين لا تجد تقديم مشاريع قوانين لإعادة تقنين مثلاً قوانين الجنايات وغيرها التي هي أبرز مخالفة قانونية التي يعرفها كل الناس ويراها وواضحة للصغير والكبير ، فهم لا يتكلمون فيها إطلاقاً ، فهو لا يحرك قانون ولكن عندما يحدث تحريك قانون لغرض ما فمن الممكن أن يحاول الإسلاميون يتكلمون في ضبط هذا القانون بالشرع .
فأين الغرض الذي أعلنته ؟ ، بل حتى من ناحية الديمقراطية هناك خيانة للناخبين ، فأنت قلت للناخبين انتخبوني لأطبق الشرع بينما تبطيق الشرع ليس موضوع في الخطة أصلاً ، لأنه أول ما يكون هناك لا يقدم مشروع قانون ، بل من الممكن أن يقدم مشروع الصرف الصحي في المكان الفلاني ومناقشة الكهرباء في المكان الفلاني ، ولا يتم تقديم أي مشروع قانون ، ربما كان في تجارب أواخر السبعينات تقدتمت مشاريع قوانين إعادة التقنين كاملة وتناقشت وكلف مجمع البحوث الإسلامية بإعداد تقنين للشريعة ، وعلى رأي الأستاذ وجدي عندما دخل الانتخابات وقتها قال أنها طبقت ووضعت في الدرج ، فكان يطالب بتطبيق الشريعة فعملوا القوانين وطبقوه ووضعوه في الدرج ، وكان يقول وقتها في انتخابات 1984 أننا دخلنا لنقول افتحوا الدرج وأخرجوا المشاريع ، ومن سنة 1984 لم يتكلم أحد أن يفتح الدرج ولا يعاد المطالبة بتقنين القوانين ككل ، وما زال العنوان الذي يقال للناخب ويقال عند مناظرة الإسلاميين ، فلما نقول لهم نحن معترضين فيقولون وهل عندك طريقة أخرى لتطبيق الشريعة غير هذه ؟ ، فهل هو بدأ أن يتكلم على إعادة تطبيق الشريعة أم هو منتظر عندما يأخذ الأغلبية ؟ .
وأنتبه أن التجربة التركية تكاد تكون موطن إعجاب الإعلاميين الذين يسلكون الحل البرلماني ، فمن الذي يستنكر التجربة التركية ؟ الذين يعترضون على الحل البرلماني ككل ، لكم معظم الإسلاميين أصحاب الحل البرلماني معجبين جداً بالتجربة التركية مما يعني أنه بعد حتى الوصول للأغلبية لم يكن تطبيق الشريعة مدرج على الخطة ، فلماذا تقول للناخب أنك ستدخل تطبق الشريعة ؟ .
فعندك التغريب والعلمانية والتنصير ، فهذه القضايا كلها لم تتفرغ لها بسب الدخول من الانتخابات لأخرى وإعداد العدة والكر والفر ، فهناك إسلاميين آخرين بغض النظر عن الصحيح والخطأ سادين ثغرة أخرى كما تقول أنت أنهم في المساجد يتعلمون العلم ، فهذا العلم في النهاية يوظف أن الناس تعرف عقيدتها وتعرف عبادتها ومعاملتها بدلاً من أن تنتظر تطبيق القانون الغير مدرج في الخطة الآن ، فعلى الأقل يعرف كل واحد أن يطبقه على نفسه ، فهذه درجة عظيمة من تطبيق الشرع ، ودائماً يسفهون طلب العلم وتعليمه للناس وهو فيه تطبيق حقيقي في الشرع ، هو تطبيق اختياري ولكن هو المتاح بدلاً من أن يتكلم على تطبيق إجباري لن يأتي ، لأن إجباري أغليت لأنه يقول ديمقراطية ، وأيضاً الديمقراطية غير مطلقة بل معها الحرية ، فلا يصح أن يقول واحد عندما يجد معظم الناس متبرجات وهو منتخب عن الشعب ثم يسن قانون بالإلزام بالحجاب فهذا يكون خيانة للعرف الديمقراطي ، لذلك حتى ينشر الحجاب عندما يصل إلى كونه نائب يستغل صلاحيته كنائب بأن يدعوا إلى الحجاب حتى يكون الحجاب في الشارع هو الأصل فيقول أن هذا هو الحجاب ، ومع ذلك عندما يأتي ليسن قانون للإلزام به يقولون له وبماذا ضرتك الأخرى ؟!
فما زال النظام الديمقراطي فيه قيود ، وليس أنه يستطيع أن يلزم الناس بعقيدته الدينية حتى ولو عضو عليهم .
ولكن على كل حال التطبيق الذي يقول عليه واضح أنه غير مدرج في الخطة الآن ، لأنهم يصلون إلى المجالس البرلمانية مرة واثنين وثلاثة ولا تدرج ، فالتعلم والتعليم والدعوة تجعل الناس تطبق على نفسها الشرع فعلاً ، فعندما يأتي في البيع والشراء يتحاكم بالشرع ولا يتحاكم بالربا ، وعندما يقرض أحد ويتأخر عليه لا يطالبه بالفوائد لأنه تعلم أن هذا الكلام حرام .. إلى أخره ، فهذا تطبيق للشرع لمن يستجيب وهذا هو المتاح ، فيقول أن هذا الكلام كله لا يصح لأنه لا سبيل إلى تطبيق الشريعة إلا أنك تكون انت السلطة التشريعية ، فهل هذا الكلام حقيقي ، وهل له رصيد من الواقع ؟ فأنت تصل إلى السلطة التشريعية ولا تحاول أن تطبق الشرع ، فلماذا تحاول أن تزعم الناخب .
فهذه من أخطاء الإسلاميين الذين يخوضون هذا الأمر بأنه يدعي أمر هو تخلى عنه ، أمر موجود في العقل الباطن ، في أول ما دخلو التجربة قالوا أنهم يطالبون بالشرع وكان أول شيء يعملونها هو المطالبة بإعادة التقنين ويتكلم على القانون ككل ، الآن لا يتكلم حتى أن آحاد القوانين ، ولكن مازال هذا الأمر يستخدم عند المناظرة ، فالأقلية الإسلامية تصبح منضمة لهيئة تشريعية تدعي لنفسها حق التشريع وتحلف للولاء للدستور بعجره وبجره .
نعم من الممكن أن يكون هناك مادة تقول أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع ولكن هناك مواد أخرى ، وصار أداءهم العملي بأن قضية تطبيق الشريعة مؤجلة وعند مناقشة آحاد القوانين يقول رأيه ويجلس ثم يحترم رأي الأغلبية . وفي أحيان أخرى يقول أن هذا القانون مخالف للشرع ثم يجلس ثم يؤخذ القانون الموافق للأغلبية .
وكان الشيخ صلاح أبو إسماعيل من أوائل من خاض هذه التجربة وتراجع عنها وترجم هذا في شهادته حول البرلمان في كتيب له فيقول أنه في أحد المرات كان في أحد أقسام الشرطة ووجد أشخاص مقبوض عليهم بتهمة الدعارة وكان وقتها في القانون أن الزنا بأجر جريمة في حق المرأة دون الرجل ولكن الآن تعدل وأصبح جريمة في حق الاثنين وإن كانت العقوبة أدنى بكثير من العقوبة الشرعية ، فهو وجد زانيات مقبوض عليهم بتهمة الدعارة فسأل السلطة التنفيذية ـ الضابط ـ هؤلاء الزانيات فأين الزناة ؟ فقال له الضابط : المجلس التشريعي الذي أنت عضو فيه شرع لنا أن الجريمة جريمة في حق الزانيات دون الزواني ، فهو يقول أنه شعر بالحرج البالغ بأن يكون الفعل في النهاية أن هذا القانون خارج باسمه ، وطبعاً القانون تعدل بعد ذلك باعتبار أن الزنا بأجر جريمة في حق الإثنين مع تفاوت العقوبة ، وهذه العقوبة أقل بكثير من العقوبة الشرعية .
فلو قلنا أن الإسلاميين أقلية تكون هذه هي المخالفات .
فماذا لو كانوا أغلبية ؟
لو أن بعد الانتخابات أصبحوا أكثرية ، إلى الآن لم نرى من الأغلبية أنهم قالوا إعادة تقنين الشريعة .
وحتى مسألة إعادة تقنين الشريعة هذا إجراء للعرقلة ليس إلا ، لأنه هو المفروض يقول الإحالة لكتب الفقه ولا يلزم أن يكون موجود في مواد ، ولكن لا إشكال ،
فمعظم الأنظمة الديمقراطية تقول أن الفريق أو الحزب الذي يشكل أغلبية في البرلمان من حقه أن يكون هو الذي يشكل السلطة التنفيذية ، فأغلبية البرلمان لا تكون تشريعية فقط بل هي تشريعية وتنفيذية ، وهذه هي الخطورة .
فهو عندما يصل إلى أن يكون أغلبية سيكون من حقه أن يشكل السلطة التنفيذية والسلطة التنفيذية ملزمة أن تنفذ القوانين الذي امتنع هو عن تغييرها فيكون في النهاية يطبق القوانين المخالفة للشرع بنفسه وهذا الحاصل في التجربة التركية .
فماذا لو اعترضوا أو قالوا لا ؟
فجبهة الإنقاذ في الجزائر قالوا أن أول ما نصل ويكون معنا الأغلبية سنغير القوانين ، فهم وصلوا على الورق وأعلنت النتيجة فوزهم ولكن لم ينعقد البرلمان لأنه من الناحية القانون يكون البرلمان يكتسب صفته التشريعية بعد انقعاد أول جلسة ، وكأن الذي عمل النظام صنع فرصة للتدخل السريع لو حدث مشكلة ، فلما يصل المسلمون إلى الأكثرية تكون الكارثة أكبر .
من جهة التقاعص عن مراجعة القوانين القديمة ومن جهة أخرى كونهم أكثرية في البرلمان ويشكلون هم السلطة التنفيذية والسلطة التنفيذية تنفذ القوانين الوضعية .
وقلنا في تركيا السلطة التنفيذية تصدر تصاريح البغاء لأن القانون يعترف بذلك ، فالقانون التركي كان مثله مثل القوانين المشتقة من القانون الفرنسي تجعل جريمة الزنا في حق المرأة أعلى من جريمة الزنا في حق الرجل ، فالقانون الفرنسي يجعل جريمة زنا في حق المرأة ولا يجعل جريمة زنا في حق الرجل ، ولكن يجعل زنا الرجل يسقط جريمة الزنا عن الزوجة ، يعني لأن هناك جريمة في حق الزوجة اسمها الزنا وهذه الجريمة ليست جريمة في حق المجتمع وبل هي جريمة في حق الزوج فقط ، فهو الذي من حقه أن يحرج الدعوى إلا لو كان هو زان فلا يستطيع تحريك الدعوى ، لكن لا يوجد العكس بأنه لو ثبت زناة تقدر الزوجة أن تحرك عليه دعوى ، فتم رفع دعوى بعدم دستورية القانون لأنه سيجعل الزوج يرفع دعوى على زوجته والزوجة ترفع دعوى على زوجها فتم إلغاء القانون .
فالبديل أن يقدموا قانون آخر . فيكون محرج جداً أن يقدم الإسلاميون مشروع قانون ينص مرة ثانية على أن الزنا حرية شخصية للمرأة إلا إن كانت متزوجة ، فألغيت المادة نهائياً وأصبح القانون بأنه لو زنت الزوجة لا يستطيع الزوج أن يرفع عليها دعوى ، وهذا تم في عصر الحكومة الإسلامية .
فإذن هذه هي المخالفات سواء في مرحلة الترشيح ثم في مرحلة البرلمان سواء كانوا أقلية أو أغلبية .
لذلك نحن نقول أنه لوكان هناك مخالفات من هذه المخالفات تكون هذه الصورة فيها خلاف ولكن غير معتبر
بمعنى أننا نرى أن هذه المخالفات كافية تماماً للمنع منه منعاً جازماً ، وأن من يقول بالجواز يتأول بعقله تأولات مصادمة غاية مصادمة للنصوص الشرعية .
فلو أنه بدون مخالفات : هل يتصور وجود تجربة برلمانية بدون مخالفات ؟
يتصور ، بأن يقولون الدخول من خلال حزب إسلامي لو كان النظام السياسي في بعض البلاد يسمع بإنشاء أحزاب إسلامية أو التشريح الفردي بأن لا يكون تحالف مع الأحزاب العلمانية . ولما يسئل عن الديمقراطية يقول أن لديمقراطية مفروضة علينا فنحن نوظفها ولكن لم نؤمن بها .
ولما يسئل عن أي سؤال في حق المرأة أو نظام الحكم أو في حق السياسة الشرعية أو العلاقة مع الكفار ستكون الإجابة موافقة للشرع ، ففي هذه الحالة لم يرتكب محظور .
ولما تنتهي الانتخابات لو كان أقلية إما أن ينسحب تماماً ، فيدخل الانتخابات ليثبت أن الشعب يريد الإسلاميين ، ولكنه أقلية وبالتالي لا يقدر أن يغير تغيير جزري فينسحب ، أو على الأقل ينسحب في كل جلسة فيها قوانين مخالفة للشرع .
ولو اصبح أغلبية يطبق الشرع فوراً . وهذه الصورة صورة نادرة الحدوث ومع ذلك هناك تجارب قريبة منها ، والقريب من ذلك التجربة الكويتية فالإسلاميون يصلون أقلية ولكن يحافظون إلى حد كبير على خطابهم الإسلامي ، والتجربة الجزائري التي وصل الإسلاميون فيها إلى أغلبية وكانوا صريحين جداً بأنهم لا يؤمنون بالديمقراطية وأنهم مع أول جلسة برلمان سيطبقون الشرع ونحو ذلك .
فهنا يضاف شرع آخر حتى يقال أن التجربة شرعية بأنه لو أن الإسلامين أصبحوا أغلبية وحاولوا تطبيق الشرع وحصل تدخل للجيش بأنه لا ينقلب الأمر إلى هرج ومرج كما حديث في الجزائر ، وهذا أمر في غاية الصعوبة ، فبعد أن تعلق آمال الناس والانتخابات وتجييش الناس وتعبئتهم ثم تكون أغلبية ثم يقال للأغلبية " لا " فأنت لا تضمن انفلات الناس وهذا ما حدث للجزائر ، فيكون هنا لو أنه حصل أن الإسلاميين خاضوا هذه التجربة وأصبحوا أغلبية وحدث تدخل للجيش وانقلب الأمر إلى هرج ومرج صار غير شرعي .
فنحن نقول في البداية بعدم جواز المصادمة التي ينشأ عنها انتهاك للدماء والأموال وتضييع للمصالح .
فالجزائر من سنة 1990 حتى الآن وهي في حمامات دم ، فإذن التجربة البرلمانية إما أن لا تؤتي شيئاً ويكون معارضة أو ديكور أو يكون معارضة وينحسب أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً أو يكون أغلبية وينسحب أيضاً حتى لا يحدث حمامات دم ، وإما تأول المسألة إلى صمات ، أصحاب الحل البرلماني من أكثر الناس تحفظاً على الصدام ، وبالتالي نقول أن طريقك آخرته إما عدم تحقيق مصالح وإما الصدام ، والاثنين أسوء من بعضهم ، ولم نرى إلا ذلك .
وقد يقول اتركونا نجرب ، نقول طالما لم نرى مخالفات فكان بها ، ولكننا نمتنع لأن الرؤيا والاتعاظ بالواقع والاتعاظ بالتجارب يقول إن لم يكن المخالفة في مرحلة الانتخابات تأتي مرحلة الترشيح بعد أن يكون أقلية ويضطر يسكت على مخالفات الشرع ، أو تكون أغلبية ويضطر أن يطبق العلمانية بيده ، أو عندما يكون أغلبية وينقلب الجيش عليه ويضطر يصادم ويكون هناك مفاسد إراقة الدماء ، وفي النهاية نقول أن هذا الموضوع آتينا بآخره ووصلنا بأن كنا أغلبية واضطررنا في الآخر ألا نفعل شيئاً لأن القوة الحقيقة ليست للبرلمان في الواقع وإنما في الجيش ونحوها ، فنعود مرة ثانية للنقطة التي كنت واقف فيها فوظف جهودك في طريق آخر يكون أكثر فائدة .
المخالفات التي نرصدها في هذا الاتجاه لهم عليه إجابات منها :
أن يقول أنكم أخرجتم السياسة من الدين وفصلتم الدين عن السياسة ، والسياسة جزء من الدين :
في الواقع أن هذا الموضوع استهلاك للوقت والجهد بلا فائدة ، بنحن نقف معهم في نفس الخندق بل أكثر لأنهم يستوردون سياسة ـ ديمقراطية وغير ديمقراطية ـ ثم يدخلها الإسلام ، ونحن نقول أن السياسة لابد أن تكون شرعية محضة .
في الواقع من يقول بالحل البرلماني ويصور الخلاف بينه وبين من لا يقول به أن هذا لأن الآخرين يرون أنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ، ففي الواقع هذا نوع من التجني ونوع من عدم الإنصاف في الخلاف ، وإن وجد بعض من يقول ذلك فهذا خصم للجميع ،
فنحن نقول أننا نطالب بسياسة شرعية ، والعلم قبل العمل وبالتالي نحن نغطي هذا الامر كعلم بمعرفة نظام الحكم في الإسلام وطريقة اختيار الخليفة في الإسلام ، والقضية ليست مجرد اختيار خليفة ، بل نظم الإسلام مثل النظام الاقتصادي وقواعد البيع والشراء وقواعد الزواج والأسرة وغيرها ، وهذا كلام كله بما تعلمه للناس وتقول أن أسلم الأمور وأفضلها بلا نزاع أن يوجد من يطبق هذا الأمر في الناس حتى يطبق على الناس كلها ، وأنت تدعوا إلى ذلك بأن تدعوا كل أحد أن هذا هو الإسلام وأن هذا مقتضى الإيمان بدين الله ، وهذه الدعوة موجهة للجميع حكاماً ومحكومون ، ولكن أنت في النهاية مع هذا البيان تسمع لك طائفة وتقتنع أن هذا هو دين الله سيطبقه في نفسه ويطبقه الكل في نفسه .
وبالمناسبة : النظام الديمقراطي كما ذكرنا يقوم على وجود أساس ثوابت في المجتمع ومتغيرات ويقول أن هذه المتغيرات تدار بطريقة ديمقراطية حتى لا يستبد برأيه وحتى يكون هناك رقابة على أداء السلطة التنفيذية أو نحو ذلك . فإذن لو أنك استطعت ترسخ في المجتمع ثوابت يوشك أن تفرض نفسها مثل الفرق بين مصر والسعودية رغم أن دعاة العلمانية هنا وهناك مثل بعضهم ، رغم أن دعاة العلمانية السعوديون ما زالوا في عنفوانهم وفي قمة سفاتهم ، فعندنا كسروا وأخذوا دورهم في موجات التغريب الأولى وخرجت الصحوة الإسلامية وانطفئ نجمهم ، لكن دعاة العلمانية في السعودية في قمة السفالة والطعن في علماء الأمة ، لكن في النهاية القضية أين يقف عامة الشعب . فلما كان عامة الشعب يرفض تماماً وجود الاختلاط لم يستطيع العلمانيون أن يفعلوا شيئاً ، فلما وجد على الأقل فئة يقيموا جامعة بنوا لهم جامعة ـ الجامعة المخطلتة ـ لو أن هذه الجامعة بنيت قبل خمس سنوات لأغلقت بقرار إداري لأنها لم تجد من يدخلها لكنها الآن وجدت من يدخلها ، وبالتالي تحركوا . قيادة المرأة للسياسة رغم أنها شرعاً محتملة احتمال كبير جداً ولكن لم يستطيعوا فعلها في السعودية . عملوا جامعة مخطلتة لكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا قيادة المرأة للسيارة لأن الرفض للشعبي لهذه المسألة ما زال عالي جداً ، وبالتالي أن ما عند الناس أقوى من الدستور . بل يمكن أن يطعن في أي مادة في الدستور إذا ثبت أنها تخالف إرادة الأغلبية ، وتغيير الدستور يكون باستفتاء شعبي ، قلنا في النهاية هو يريد أن يغير آليات ديمقراطية وعلمانية ولبرالية بغض النظر أنه من الممكن أن تجد تصريح صادم جداً مثل العدول عن المادة الثانية للدستور ثم يتراجعون ويقولون لم نقل هذا ، في النهاية من الممكن أن تجد تصريحات فيها قدر من مداعبة عواطف الناس مثل ـ إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة وأن اللجنة المصرية للتغير أن من ضمن مشروعتها إظهار قدر من القوة وغطاء قوة يدفع عملية السلام ـ فهذه التفاصيل لم تهم الكثير ؟ بل يهم ، فتظل الديمقراطية والعلمانية واللبرالية هي الأصل فلا يكون تغيير إطلاقً ، من وجهة النظر الإسلامية لا شيء ، من الممكن أن يحسن جوانب ويسيء جوانب ، وفي النهاية لو حصل تغيير يكون تغيير طفيف جداً .
فأهم شيء عندنا المرجعية فضلاً أن يكون الكلام فعلاً مطلوب فيه المزيد من تطبيق اللبرلية الغربية بكل مفاهما .
دعك من هذا كله ، لما يقولون أنهم يريدون أن يغيروا الدستور يدعون إلى استفتاء شعبي لأن إرادة عموم الأمة أعلى من الدستور .
من الأقلية الإسلاميون أم العلمانيون ؟
أدق توصيف أن الإسلاميين أقلية والعلمانيين أقلية ، ولكن الإسلاميين والعلمانية أقليتان تتنازعان أغلبية صامتة ، الأغلبية الصامتة عندها عاطفة إسلامية والعطافة الإسلامية تحتاج إلى أن يجلى من عليها الصدأ وتتحول إلى انتماء حقيق للإسلام وفهم للإسلام ، فالعاطفة أتت من فهم الإسلام مجملاً دون تفاصيل أو لم يكن عندهم استعداد أن يفهموا التفاصيل أو يسعوا إلى أن تكون هي واقع حياتهم . فعندما يكون الإسلام بالفعل هو المهيمن على فكر الناس كلها يكون هذا أقوى من الدستور بمراحل سواء تغير الدستور أم لا ، فالإرادة العامة للناس أقوى بكثير ، كما قلت أن دعاة العلمانية في مصر والسعودية على سبيل المثال ، وربما يكون دعاة العلمانية في السعودية أنشط ولكن متى تحركه ومتى يوجد الصدى العملي ؟
المسائل التي لديها قبول شعبي يتطبق فيها الجزء من العلمانية ، والتي لم يكن لها قبول يستحيل أن يطبق فيها العلمانية .
فهنا اعتراض أصحاب هذا الاتجاه على الرافضين للحل البرلماني بأنكم اخرجتم السياسة من الدين اعتراض لا أساس له مطلقاً ، بل إن الدعوة والتربية حتى وفق النظام السياسي هي أعلى من الدستور ، فإذا كان هو يريد أن يغير نقول فخذ من هو أعلى من الدستور ذاته وهو الإرادة الشعبية ، لأن الدستور يغير بالستفتاء شعبي وهذه هي القضية .
أما إذا كان يعني بالسياسة السياسة الميكاسلية وأنك تقول خلاف ما تعتقد ، فالخطورة أنك الآن كما يقولون في دنيا السماوات المفتوحة ، فكان يسع في وقت من الأوقات أن يكون للإسلاميين خطاب من الداخل للإسلاميين وللإعلام ، فالآن خطابه للإسلاميين مرصود ، فهو يخاطب الإسلاميين في موقع نت إسلامي أو في كتاب منشور أو في درس ، فلو قال أمام أتباعه أي قضية في قضية الولاء والبراء تخاف ما يعلنه تصبح كارثة ، وبالتالي أن الخوف الكبير جداً أن القضايا التي يضمرها هذا الجيل في قلبه متى يعرفها الجيل الذي بعده ، وجيل الآن الذين يسمع الدكتور عصام العريان والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والجيل الذي يتربى في تركيا الآن ويرى أن هذا الحزب ليس إسلامي فهل يتركوا المتطرفين أمثالنا أن نغذيهم بأن هذا مخالف للإسلام ؟ فهم يقولون أنك سلبي وليس لك وجود .
وهذه النقطة مهمة جداً ، فلما تقيم إلى ترجبة افترض نجاحها إلى قمة نجاحها وانظر إلى إلى مدى ستصل.
فتقول له أنك تربي أناس علمانيين ، يقول لا بل أنظر إلى الناس عندي فهم يفهمون كل شيء .
من أين فهموا كل شيء ؟
فهموا كل شيء من السلفيين ، واقع الأمر الآن لا تستطيع الاتجاهات الإسلامية التي تدخل السياسة أن تتكلم في الولاء والبراء ولا تستطيع أن تتكلم على الفهم الصحيح لقضايا المرأة فتجد أن الآخرين من أتباعهم عنده عاطفة دينية وهو يعرف أن هذا الكلام تكتيك فيذهب إلى السلفيين الذين لهم ظهور إعلامي مثل الشيخ حسان أو الشيخ يعقوب أو الشيخ الحويني ويكون مضطرب جداً لأنهم لا يقتنع بهم مائة في المائة ، ولكنه لا يجد وسيلة يسمع بها كلام شرعي غير هذا الاتجاه الذي له وجود إعلامي وله أرضية سلفية ، ولكن في قضايا الانتخابات وغيرها لا يسمع كلامهم ، ويخرج منهج مشوه أيما تشويه ، فبعد جيل أو اثنين أو ثلاثة يخرج جيل مشوه .
في الواقع يأخذ السياسة الشرعية أصحاب المنهج النقلي .
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لكن يبقى المنهج في القلوب بلا تبديل ولا تحريف ، ولكن أما هو ففعل السياسة الميكاسلية الغير شرعية بالمرة ، لو افترضنا جدلاً أن الساحة اختفى منها الدعاة المتطرفون من وجهة نظره فهو بالفعل يخرج جيل علماني مائة في المائة ، وهذا الجيل الذي يربيه لا يحصل على العلم الشرعي بالذات في القضايا التي تتعارض مع العلمانية والديمقراطية والنظام العالمي ، فلا يحصل عليها إلا من خلال وجود دعاة آخرين .
فقريب من هذا الدندنة حول قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والإيجابية وعدم السلبية :
فمن قال أن الدعوة إلى الله لها طريق واحد وهو البرلمان ؟ فمن قال أن الإيجابية معناها أن تدخل الانتخابات ؟ وهناك وسائل دعوة لا يراها أصحاب هذا الاتجاه ، ونحن نشاركهم في إنكار الصدام المسلح ، فلو أن أصحاب الصدام المسلح قال له أنك سلبي وأنك تارك للدعوة وتارك للجهاد فيقول أن هذه وسيلة في هذا الإطار غير صحيحة ، فلا يصح أن يأتي من يدافع عن وسيلة ما يعتبر أن كل من لم يقبل بها يكون تارك للدعوة ككل .
فهذا نوع من عدم الدقة والإنصاف في توصيف الواقع .
نقول بل هناك وسائل كثيرة بل أن أصحاب الاتجاهات البرلمانية كثيراً ما يتدارسون مقاطعة الانتخابات ، وفي كثير من الأحيان قاطعوها بالفعل ، لماذا ؟ يقولون لأنهم لا يريدون أن يكونوا ديكور ديمقراطي لوضع ديكتاتوري .
لماذا عندما تأخذ قرار بالدخول تعتبر كل من لم يوافق عليه خائن أوسلبي أو تارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو منعزل عن قضايا المجتمع وقائمة الاتهامات الطويلة هذه ؟
ففي الواقع ليس من الإنصاف مطلقاً الكلام على العمومات في فضل الدعوة إلى الله وفضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الكلام هنا على صورة معينة من هذه الصورة ، كونها مشروعة أم لا .
الكلام الذي من الممكن أن يكون له وجه بأن يقولون أنتم تقولون المفاسد التحالف مع الأحزاب العلمانية ومفاسد ومفاسد وهناك قاعدة تقول " إذا تعارضت مصلحتان قدمت أولاهما وإذا تعارضت مفسدتان دفعت أكبرهما " فإذن هم يقولون أن المصالح التي تتحقق أعظم من المفاسد .
الجواب في نقطتين :
الأولى : أن هذا عكس للحقائق ، لأن مفسدة أن يخرج جيل الصحوة علماني ، لو افترضنا أنهم نجحم في إقناعنا وإقناع غيرنا فكلنا نقول الديمقراطية وكلنا سنقول لا بأس بتولي المرأة ، وهذه المنظموة كلها مخالفة للشرع ، فهذه المفسدة العقدية الكبرى مفسدة أعظم من أي مصلحة عملية حصلت مثل أن الإسلاميين تواجدوا وأصبح لهم صوت وتمكنوا من الدعوة ، إلى غير ذلك . لاسيما أن المصلحة الكبرى المدعاه وهي تطبيق الشرع حذفت من الأجندة فأصبح الكلام كله في مصالح ظهور صوت الدعوة وظهور صوت الإسلاميين وإنكار بعض المنكرات ، لكن مصلحة تطبيق الشرع غير مدرجة على الاقل في المراحل الأولى وربما الأخيرة من هذه العملية .
فنقول بل هناك مفسدة عقيدة كبيرة ، وطبعاً هذا راجع إلى إغفال أثرة العقيدة ودورها وصورتها في هذ الأمر .
ولعلنا في مناسبات أخرى احتججنا عليهم بموقف أحد كبارهم وهو المستشار حسن الهضيبي رحمه الله المرشد الثاني لجماعة الأخوان عندما دعي لمناقشة القانون المدني في مجلس الأمة وكان عبد الرزاق السنهوري الذي أعد هذا القانون ، وعبد الرازق السنهوري رجل داهية له اطلاع واسع جداً على المذاهب الإسلامية بجميع أنواعها من أهل السنة والشيعة وغيرهم وله اطلاع واسع جداً على القانون الفرنسي وأصل أنه لابد من عمل قانون موافق للقانون الفرنسي ، وكان له وجهة نظر عجيبة وهو أننا لكي نلحق ركب الحضارة لابد أن يكون لنا قانون مثل القانون الفرنسي ونعمل مشروع موازي جانبي بإعادة تأهيل الفقهاء وإعادة دراسة الفقه الإسلامي ثم نعمل قانون مدني إسلامي ، وسواء كان هذه هي عقيدته أو كان هذا نوع من دفع الحرج عن نفسه أن يقوم بإعداد قانون مستقي من قانون فرنسي فهذا باطل على كل الأحوال .
على كل حال جاء الرجل وأتى الناس ليناقشوه فلما جاء دور المستشار الهضيبي في الكلمة رفضه وقال أن لا اعتراضات له على القانون فقيل بل لك اعتراضات وأنت كتبت فأجاب بأن القانون مكتوب في دباجته أنه مستمد من القانون الفرنسي ومن ثم فخطؤه وصوابه سيان ، قال وإما إن كان مكتوب في دباجته أنه مستمد من الشريعة الإسلامية فحينئذ يمكن أن نعدد أخطاء بأن يكون واضع القانون أخطأ في هذه المادة المخالفة للشريعة طالما أنه مقر أن التحاكم سيكون للشريعة وأن المرجعية تكون للشريعة ، فاعتبر أن القضية طالما أننا نقول أنه مستمد من القانون الفرنسي يكون خطأه وصوابه سواء ، فإذن أحياناً يكون فعلاً الكلام في الجزئيات لا يفيد إلا إطفاء شرعية على شيء لا شرعية له أصلاً .
فهنا تكون المفسدة أعظم وليست أكبر كما يدعون .
الأمر الآخر : أنه إذا كان الإنسان مخير بين ارتكاب مفسدتين يرتكب الأدنى وإذا كان مخير بين فعل مصلحتين يفعل الأكبر . ولكن لو أن واحد عاصي فنفترض مثال قد يبدوا سطحي ولكن يوضح الفكرة :
رجل يشرب مثلاً سجائر ويشرب مخدرات ، فالاثنين محرمين ولكن واحدة مفسدتها أعلى من الثانية ، وأنت بفضل الله لا تشرب هذه ولا تلك ولا يوجد أي إجبار عليك أن تفعل هذه أو تلك ، فلو قلت لو انته عن الأمرين معاً ، وأنت من المفروض أن تنهاه عن الاثنين ، فهو عرض عليك عرض بأنك لو شربت معه سجائر سيمتنع عن المخدرات . هل في هذه الحالة ستطبق ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما ؟
أنت عفاك الله وأتيت لتأتي لتنكر عليه ، فتنكر عن المفسدتين كبيرها وصغيرها .
لكن لما يدعوك إلى المشاركة له في الصغيرة تقول أن هذه دفع مفسدة . بل أنت كنت في عافية .
وغير أن إنسان يكون السيف على رقبته ويقولون له إما أن تشرب السيجارة أو المخدرات ، فهو كلاتا الحالات مكره وهم خيروه بين ارتكاب أحد المفسدتين فسيأخذ الصغيرة .
ولكن هنا المشكلة أنه ينكر فهل يتلبس بالصغيرة لأنهم قالوا أنه لو أتيت معنا في الصغيرة نترك هذه وتلك ؟
فلا يصح أن يأتي في سياق الدعوة أن ترتكب مفسدة لأنك لو ارتكبت معه المفسدة الصغيرة سيمتنع هو عن الكبيرة .
هذا النموذج رغم أنه مبسط ، ولكن ستجد أن هذا من نماذجه المعقدة صورة المشاركة السياسية وله نماذج كثيرة جداً .
واحد مثلاً تجده في مكان فيه منكرات مثل الحفلة الغنائية مثلاً ، أو طالب وجد أن دفعته ستحتفل من المفروض ان ينكر عليهم ، فقالوا له تعالى معنا وسنلغي فقرة كذا وكذا وسيكون هناك فقرة محرمة ولكن لابد أن تكون موجود فيها . فهذا لا يصح إلا إذا لغوا جميع المحرم ، أقصى ما يمكن أن يحضر أن يتبقى أشياء مكروهة أو أشياء فيها شبهة مثلاً فيكون وجوده جعل انهم يتركون كل الحرام ، لكن لو قالوا له سنترك بعض المحرمات بشرط أن تكون موجود لا يجوز ، إلا لو حذفوا على الأقل كل الحرام وبقي المكروه فيمكن تحمله في هذا الأمر .
فهنا تطبيق خاطئ لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين ، فالإنسان يكون في عافية من المفسدتين معاً وأتى لينكر على واحد واقع في المفسدتين فينكر عليه الاثنين وليس عليك هداهم ، فهو غير مسئول على أن يترك هذا الشخص المفسدة الكبيرة أو الصغيرة أو نحو ذلك
في الإجابة على قضية التحالف مع الأحزاب العلمانية يقولون أنه يجوز الحلف مع الكفار ويستدلون على قول النبي صلى الله عليه وسلم لشهودة إلى حزب الفضول وقال : ( لو دعيت إلى مثلها في الإسلام لأجبت ) :
وهنا أيضاً نفرق بأنه يوجد مصلحة مشتركة بين المسلم والكافر تخدم غرض شرعي فيجوز الحلف عليها وبين أن يكون هذا الحلف من ضمن بنوده الإقرار على باطل أو الدعوة إلى باطل أو الإعانة على باطل
فلو على سبيل المثال : لو أن واحد مسلم والآخر كافر تعرضا لحادث سرقة بالإكراه ، يجوز أن يتعبوا الجاني سوياً على اعبتار أن الكافر لا يجوز أن يسرق ماله ، فالمسلم يدافع عن ماله والكافر أيضاً يدافع عن ماله ، فيكونا هم في القضية عرفوا الجاني فيرفعون عليه قضية فيكونا هما فريق معتدى عليه فيكونا حلف أمام الجاني ، فهذا الحلف ليس في إقرار للكافر على كفره ولا إعانة له على الكفر ، بل فيه إعانة على استرجاع ماله المسروق ، وهذا قدر ينفع المسلم أن يتعاون فيه مع الكافر .
لكن لو افترضنا أن مسلم ونصراني في جامعة يهودية في أي البلادي ، أو أن مسلم وبوذي في جامعة في الغرب وإدراتها نصرانية ، فمنعوا هذا وذاك من إقامة شعائر دينهم على حد تعبيرهم ، فلا يجوز أن المسلم والبوذي أن يرفعا قضية مشتركة بتمكينهما من إقامة شعائر دينهم ، لأن المسلم بذلك ينادي بأن البوذي يعبد غير الله فيكون تحالف معه على حق غير شرعي ، وهو أمر في غاية الخطورة لأنك تمكنه أو تتعاون معه على عبادة غير الله .
فالتحالف مع الأحزاب العلمانية يكون تحالف بأن كل فريق يأخذ حقه في التعبير عن نفسه ويأخذ فرصته بعرض برنامجه ويأخذ فرصته في التمثيل في البرلمان ، هذا الكلام مع حزب التجمع وأسوء من ذلك مع الحزب الشيوعي المصري .
وقلنا قبل ذلك أن حزب الشيوعي المصري هو حزب تحت التأسيس وهو حزب محذور ، فلما أتت أحزاب المعارضة تجتمع فيهم الإخوان وهي جماعة محذورة قانوناً ، فهناك من أحزاب المعارضة من لديهم عاطفة دينية ولكن هناك في غاية الخبث فقالوا أن هذا الاجتماع للأحزاب الشرعية ، فلو أن المحذورين أتو لابد أن يأتي كل المحذورين فيأتي الإخوان ويأتي الحزب الشيوعي المصري ، وفي كثير من المرات لما صدر بيان مشترك للمعارضة كان موقع عليه الإخوان والحزب الشيوعي المصري . والبيان يريد أن كل هذه القوى مجتمعة أن هذه قوى وطنية شريفة ، فالحزب الشيوعي المصري قوة وطنية شريفة ، فهذا أخطر من موضوع النصارى لأنهم أكفر من النصارى .
فيصبح الحزب الشيوعي المصري قوة وطنية شريفة ومن حقهم أن يدعوا لنفسهم ... إلى آخر هذه القائمة .
وذكرنا أن حزب التجمع رغم هذا كله كان يرى أن هناك خلاف هيدلوجي بينه وبين الإخوان في عقائدي لا يسمح لهم بأي مساحة عمل مشترك ، ولكن في الآونة الأخيرة حدث تطور طفيف في موقف حزب التجمع . فنقول أن هذا ليس الحلف الذي يجوز مع الكافر في أمر مباح شرعاً عن المسلم ، ولكن هذا تعاون على نشر باطل ، فأنت عن ماذا تدافع ولأي شيء تحارب ؟
وكأن الإسلاميون الذين يدخلون في التجربة السياسية ينسى لماذا هو دخل ، ينسى أنه داخل يطبق الشرع وأن النظام العلماني فيه بقايا إسلامية ، فالغرب ليس معتبر أن هذا نظام علماني صرف .
فعندنا النظام إما أن يكون إسلامي صرف أو يكون مرفوض من حيث الجملة لما فيه من مخالفات . فنحن نطالب بالنظام الإسلامي الصرف .
وأيضاً الغرب يريد النظام العلماني الصرف ، ويجدون مظاهر إسلامية كمسابقات تحفيظ قرآن . وعندهم كون وجود مسابقات وجوائر تنفق يكون هذا خرق فادح للعلمانية .
على كل حال انت تتحالف مع من يحارب الدين تماماً أن يكون لهم حريتهم بأنهم يقولون هذا الكلام .
فيقولون أن الشعب لن يوافق .
نقول أنت عندما ذكرت لنا مصالح الدخول في التجربة السياسية قلت ليس المهم الوصول للأغلبية بل المهم أن نأخذ حرية ونبين رأينا . فأنت أعطيت نفس الحق تماماً للشيوعي والاشتراكي ، ومن قال أن الناس يرفضون الشيوعية ؟ ولو الأمر كذلك لفرض الناس العلمانية .
فهل نساعد على نشر الفساد ونقول سيرفضها الناس ؟!
والشباب الذي اقتنع بالشيوعية في عصر اذدهارا وإلى الآين في الجامعات المصرية يوجد شيوعيين ، والمدونات الموجودة ، ويوجد ملاحدة ، وكل يوم تجد مواقع ملاحدة توجد على شبكة الإنترنت وغيرها ، بل أحياناً تفاجئ بأن بعضهم كان يصلي وكان على الأقل مسلم طبيعي ولما وجدت الدعوة للشيوعية وغيرها انحرف هؤلاء ، فهذا يساوي مزيد من الانحراف .
هذا باختصار المؤاخذات وردود المخالفين .
ونتكلم أيضاً باختصار على أربع تجارب من التجارب البرلمانية كتطبيق لهذا الكلام .
نحن في الواقع أطلنا في موضوع الحل البرلماني رغم أنه ليس كبير في البحث .
فهل الإخوة تفضل أن نطيل وننتهي من موضوع التجارب أم نجعلها مرة أخرى ؟
سنكمل بإذن الله والإخوة تصبر معنا ، وعموماً الكلام ليس كثير
ينقسم دخولهم البرلمان إلى قسمين رئيسيين :
قسم ينطوى على مخالفات : وقلنا هذا وإن كان الذي يفعلونه يرونه مشروع إلا أن هذه المخالفات كافية للجزم بتحريمه وتخطئة هؤلاء في هذا التصور بوضوح .
وأحياناً لا يكون هناك مخالفات في الممارسة ذاتها ولكن ننتظر النتائج ، وقلنا أن هذا قابل للاجتهاد ولكننا من واقع تجارب الإسلاميين في البلاد المختلفة نرى أنه لا يحقق مصلحة وبالتالي نرجح المنع مع الاعتراف بأن الخلاف في المسألة سائغ . وهذا يفسر أن بعض شيوخ التيار السلفي المعاصرين كالشيخ ابن باز والشيخ ابن العثيمين أفتوا بجواز دخول الانتخابات البرلمانية في التجربة التركية أو التجربة الجزائرية ولكن نحن نقول كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن عموماً فتواهم في هذا الأمر مما يسوغ فيه الخلاف لأن هذه التجارب لم يكن فيها المخالفات الفجة الموجودة في غيرها ، ولكن التجربة العملية تقول أننا لابد أن نمنع أيضاً كما سنبين .
نحن باختصار شديد سندرس أربع تجارب :
التجربة المصرية
والتجربة التركية كنماذج لتجارب فيها انحرافات
والتجربة الكويتية والتجربة الجزائرية كنماذج لتجارب لم يكن فيها كبير انحرافات ولكن في آخر المحصلة أتت بمفاسد كما سنبين .
نحن في كل تجربة لو تكلمنا على تجربة فيها مخالفات نريد أن نعرف ما هي المخالفات التي تمت ، ثم ندرس التجربة بميزان المصالح والمفاسد ، ونريد أن ندرس درجة أخطر من هذا كله وهي أثر المنهج الدعوي والتربوي مع التجربة البرلمانية ومن منهما أفاد الآخر ، لأن أحياناً يكون التقييم وهمي ، كمريض مثلاً ذهب إلى دكتور هناك من الأطباء من يعطي أكثر من علاج في وقت واحد فيعطي له دواء للمعدة والكاولون ومنشط لأنزيمات الكبد فتحسن المريض ولكن أي داء فعال ؟ ، لا يصح أن تشخص بهذا ، فلابد أن تعطي له الدواء حتى يتحسن ثم تبحث عن التشخيص أو توقف الأدوية دواء دواء ، ولكن لا تأتي لمريض يأخذ عدة أنواع من الأدوية وتجزم أن أحدها هو الذي كان سبباً في الشفاء .
فكل التجارب البرلمانية واقفة على أساس دعوي وستجد النجاح الذي ينسب إلى التجارب البرلمانية في واقع الأمر ليس إلا ثمرة لنجاح الجانب الدعوي .
التجربة المصرية :
التجربة المصرية فلو ركزنا على التجربة المصري المعاصرة التي تبدأ سنة 1984 التي تبدأ بتحالف الإخوان مع الوفد ، فالتجربة المصرية هم الإخوان وبعض المستقلين الذين هم إخوان فكراً ولكنهم غير منضمين للإخوان تنظيماً وكان من أبرزهم الاستاذ عادل عيد في الأسكندرية ، ولكن في الجملة لو تكلمنا على منهج فهو منهج الإخوان أو جماعة الإخوة .
فالتجربة مرت بعدة فترات من المد والجزر ولكن المحصلة تكاد تكون واحدة .
التحالف مع أحزاب وكان بدايتها التحالف مع حزب الوفد ، وحزب الوفد كان سنة 1984 وقريباً حصل على حكم قضائي بالعودة ، فحصل على حكم قضائي بالعودة قبل الانتخابات وكان معنى ذلك أنه يحصل على صفر في الانتخابات ، فلم يجد أمامه إلى التحالف مع الإخوان مع الخصومة الأيدروجية كما يقولون لأن الوفد أكثر علمانية من الوطن ، فالوفد لبرالي يعني يريد مزيد من الحرية ومثله حزب الغد وصاحبه أيمن نور ، فأيمن نور انشقاق عن حزب الوفد ، ولكن كمبادئ فهو شيء واحد هو وحزب الوفد .
قلنا أن العلمانية غطاء كبير وتحته أنظمة ، فما هي العلمانية ؟ فصل الدين عن الحياة . ويختارون مبادئ شتى من أفكار وفلاسفة الرجال أيام الفلسفة اليونانية والفلسفات الحديثة ، وكل هذه نوع من العلمانيات .
اللبرالية فلسفة تعبر عن إعطاء أعلى سقف ممكن للحرية الفردية ، فهي تعظم هذا الأمر إلى درجة فتحاول أن تحد من سلطة الدولة في الاقتصاد والاجتماع والتشريع ، ويكون تقليل نطاق دائرة المحظورات النابعة حتى من الدين أو العقيدة أو ثوابت المجمتمع أو غير ذلك .
فاللبرالية درجة متطرفة من درجات العلمانية .
فتحالف الإخوان مع الوفد ووصل الوفد عن طريق الإخوان ثم انقلب عليهم كما هو معروف ونادوا بالليبرالية وأفردوا صفحات جريدتهم للدعوة إلى الوحدة الوطنية بالدرجة الفجة التي هي أكبر من المطبق بكثير واحتضان أفكار الكنائس والنصارى إلى غير هذا .
ثم بعد ذلك كان التحالف مع حزب العمل ، ولكن يمكن أن هذه التجربة كانت أفضل قليلاً من حيث المكاسب الجزئية التي حققها الإسلاميون ، ولكن عموماً على مدار التجربة في الخلاصة لم يتم الكلام على مشروع تطبيق الشريعة وحذف من القضية ، الكلام كله مكاسب جزئية ، ولا أقول اسئل عامة الناس بل اسأل كوادر الإخوان نفسهم ما هي أبرز إنجازات الإخوان في برلمان 1984 ؟ وما هي أبرز إنجازات الإخوان في برلمان 1987 ؟ ستجد الكلام كان لوقته مثل غلاء اللحمة أو رخص اللحمة أو فهي قضايا لا يمكن أن تصنفها أنها رصيد للحركة الإسلامية ، مصلحة جزئية تحققت فلو كانت بلا ثمن لم يكن هناك مشكلة لأن تحقيق مصالح العباد أمر مطلوب شرعاً ، ولكن نقول ما هي المصلحة الكلية التراكمية التي تحققت للحركة الإسلامية بصفة عامة أو للإخوان بصفة خاصة عبر التجربة البرلمانية من سنة 1984 حتى الآن ؟ أو تذكر أي دورة من هذه الدورات حدث فيها شيء بارز ، فمن الممكن أن تسأله اليوم ماذا فعل الـ 88 عضو فستجده متذكر بعض الأشياء كأنهم مثلاً قالوا أن العبارة الفرنسية التي حملت نفايات نووية لم تمر من قناة السويس ثم مرت ولكنهم أصدروا القرار ، فتجد بعض الإنجازات المحدودة جداً ، والذي يرى أن هناك إنجازات يقولها .
غير مسألة أن الشهرين الذين قبل الانتخابات نزل الدعاة إلى الشارع وكانوا ممنوعين من نزول الشارع ، فهم نزلوا الشارع قالوا حرية وديمقراطية ودولة مدنية ولم يدعوا للإسلام ، فهذا خصم من الرصيد وليست إضافة للرصيد .
غير مسألة أن الناس عرفت أن الإسلام ليس له صوت لأن أولاً الحركة الإسلامية صداها أوسع بكثير من مجرد البرلمان ، غير أنه عبر هذه التجربة كلها في مرة من المرات كان هناك عضو واحد إسلامي ـ الاستاذ علي فتح الباب ـ عن دائرة حلوان وكان يدخل مع حزب العمل وانضم إلى حزب العمل بعد أن دخل البرلمان ولكنه من التيار الإسلامي وهو عضو واحد فقط ووقتها قالوا واحد يقوم بما يقوم به المائة . فلما يصل واحد نقول أنه نجاح وكاف ثم عندما يصل عشرين نتكلم بلغة الأرقام ، كل هذه في النهاية عندما نتكلم عن الحركة الإسلامية واستفادة عموم الناس من هذا المجهود الضخم الذي يبذله شباب الحركة الإسلامية في هذه المسالة ما هو رصيد المصالح التراكمية الذي صب في خانة الدعوة إلى الله أو في خانة الإسلاميين أو في خانة الإسلام ؟ كل الأرصدة بالخصم مثل تمييع القضايا وعدم وضوحها ، فيقولون لا بل اسأل الشباب عند الإخوان وستجده فاهم ، نقول من أين يفهم وأنت لا تقول ؟ فهو أخذ من جزء ثاني .
أو يقول أن الجماعة لن تتخلى عن النشاط الدعوي ، نقول أن هذا الكلام فيه نظر كبير جداً بل هي في المجال الدعوي عالة على غيرها ، فهي موجودة ولكن من العالة على الآخر ، فالأول كانوا يقولون أن السلفيين عالة على الأخوان لأن الإخوان أكثر حركة وأكثر نشاط وأكثر قدرة على الوصول للناس في تجمعاتها فهو يوجد الأرضية الإسلامية ثم بعد ذلك ممن الناس عنده قابلية للطلب العلم يكون فاهم ويميل للسلفين فيخرج من الإخوان إلى السلفيين . فالآن الإخوان أصبحوا عالة على الاتجاهات الإسلامية الأخرى لاسيما التيار السلفي الأعلامي وللأسف يطعن فيه الإخوان بطريقة لا تليق بتيار إسلامي ، مع اختلافنا مع كثير من الرموز الذين يخرجون على الفائيات ، لكن لا يصح أن يقول وجود السلفيين لمحاربة الإخوان .
إذن على مدار الفترة الكبيرة 25 سنة لم تسجل التجربة البرلمانية الإخوانية حتى الآن حدث إيجابي كبير يتسحق أن يرصد ، وهناك إيجابيات جزئية أو مصالح جزئية للناس أو نحو ذلك .
ذكرنا شهادة الشيخ صلاح أبو إسماعيل بعد أحداث 1984 وكان هناك قبلها في أواخر السبعينيات تجربة دخول بعض الرموز مثل الدكتور محمود عيد والشيخ المحلاوي مع وجود دعم من تيار الجماعة الإسلامية آنذاك .
على كل الحال التجارب المبكرة جداً اعترف الشيخ صلاح أبو إسماعيل أنه لن يجني منه أنه صار جزء من مجلس تشريعي تخرج منه قوانين مكتسبة قدر من الشرعية كما حكينا قدر من القصة بأنه يتعرض على القبض على الزانيات وترك الزناة فقالوا له أنك عضو في المجلس التشريعي وهو الذي شرع هذا القانون بأن الدعارة أو الزنا بأجر جريمة في حق المرأة دون الرجل . فباختصار كان الإسلاميين في كل هذه المراحل ديكور ديمقراطي لم يحققوا إلى مصالح جزئية معظمها بعيد تماماً عن النواحي التشريعية ، بل معظمها في النواحي الرقابية والخدمية ، وأحياناً كبيرة تتخلف فالنظام الديمقراطي نظام عجيب جداً ، فمن المفروض أن النائب يراقب أعمال الحكومة بالنظر إلى المصالح العليا للوطن ، فهل هذا يحدث في ديمقراطيات العالم الغربي فضلاً عن العالم الثالث ؟ ، تجد أن كل نائب مركز على اصوات الناخبين الذين ينتخبوه وليس على المصلحة العليا للوطن ، فلو افترضنا مثلاً أن هناك خطة تنمية في مجال ما ، وليكن مثلاً مجال الكهرباء ، فالمفروض أن النواب يكون لديهم حس شرعي أو حس وطني وهم يخرجون بالوطنية ونحن لا نقرها فيقول أن الأماكن الصناعية تأخذ أولوية ، ولكن كل نائب يأتي على دائرته وليس له دخل بغيرها ، فهو يمثل ضغط على السلطة التنفيذية . فيقدم استجوابات عشوائية ، فالوزوير إما أن يستجيب للطلبات التي يأتي بها لأبناء دائرته .
من الممكن أن تعطل طلبات الإخوان بالذات ويحدث كثيراً جداً وسنقول هذا الكلام في التجربة الكويتية وكيف حديث تراجع للإسلاميين في علله الدكتور عصام العريان بأن نواب التيار الإسلامي سواء سلفيين أو إخوان في الكويت عجزوا عن الاهتمام الجيد بهموم المواطن العادي .
فأياًما يكن هذه تجربة من حيث نظام المصالح والمفاسد .
فالتجربة من حيث ارتباطها بالدعوة ، ومن أخذ من الآخر :
ستجد أن الانتخابات عبارة عن كوادر شبابية وأموال تنفق ، طبعاً التيار الإسلامي يتميز أنه يقدم مرشحين لهم قبول لدى الناس لكن لا يشترط أن يكون معهم الملايين التي تنفق على الانتخابات ، فإذن هناك مصادر رضيت أن تدفع رغم أنها ليس لها أي مصلحة ، فلماذا رضوا ؟ لأن هناك دعوة ، فلما وجد الدعوة واقتنع بها ضحى من أجلها ، فالأبجديات تقول أن الانتخابات لم تقم إلى على موارد بشرية ومالية وجدت نتيجة وجود دعوة موجودة ، فلو أن الدعوة استمرت ولم تهدر هذه الطاقات في تحقيق مصالح جزئية وقتية بناءاً على ما قلناه ، وطبعاً حصل في فترات كثير جداً تجربة الانكماش ، فهو يقول أنه قد يكون قرار لجماعة الإخوان في المرحلة القادمة ـ الانكماش السياسي النسبي ـ لإعطاء فرصة لاتقاط الأنفاس وللبناء الدعوي .
لكن هذا كله لو نحن أغفلنا أن هناك تنازلات كنا نقول أن المسألة مصالح ومفاسد ونحن نرى أن المصالح جزئية والمفاسد أكبر وإهداء طاقات ويكون خلاف في وجهات النظر .
ولكن مع وجود تنازلات ضخمة جداً بلغت مداها عند الدكتور عصام العريان والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، فكما ذكرنا أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح يذهب إلى نجيب محفوظ يطالبه بعدم نشر أولاد حارتنا ويطعن في سيد قطب أمامه لاعتذار أن سيد قطب عنده نزعة تكفير لأنه كان مريض نفسي مجاملة لهؤلاء القوم ، والمبدأ أنه من الممكن يدرس إمامة نصراني أو إمامة امرأة ، والقبول بأن المرأة تخرج للانتخاب ثم القبول بأن تكون المرأة مشرحة وأن الإسلاميون يقدمون امرأة مرشحة على خلاف رأيهم الفقهي المعلن والمدون في مجلة الدعوة أو غيرها من وسائطهم التي كانت في مرحلة السبعينيات والثمانينات .
وتبني مبدأ التيسير في الفجوة كمبدأ لأنه لا يريد أن يصدم الناس ، فهو يريد واحد عنده عاطفة إسلامية تجعله يذهب إلى صندوق الانتخاب ، فهذا الهدف المطلوب من الدعوة في هذه المرحلة لأن عنده الانتخابات من أهم الأشياء فلا يريد أن يصدم الناس ، وهذا أثر على اختيارات فقهية كثيرة جداً للجماعة .
بالتالي نقول أن هذه التجربة تصنف ضمن التجارب التي فهيا مخالفات وانحرافات وتحالف مع الأحزاب العلمانية وقبول بمبادئ كثيرة من مبادئ ديمقراطية وقبول ضمني بالهيمنة الأمريكية عن طريق الحوار مع السفارة الأمريكية أو مع غيرها ونحو ذلك . وهذه درجة من درجات هذا القبول ، كل هذا يصادم هذه التجربة ضمن التجارب الغير شرعية من حيث المبدأ فضلاً ان المصالح المترتبة عليها مصالح جزئية .
لما نتكلم على التجربة التركية :
نفس القضية ولكن هنا الفرق أن في تركيا حذفوا كلمة الإسلام هو الحل وكل ما في معناها ، ويقال أن التجربة المصرية أن الإخوان يدرسون الانتخابات الجديدة وتكون تحت شعار آخر لا يتضمن كلمة الإسلام فتدور حول مصطلح فضفاض مثل كلمة الإصلاح أو غيرها .
التجربة التركية يصرحون تماماً أنهم حزب علماني وليس إسلامي وأن دورهم حماية العلمانية بمنتهى الصراحة ، فهو يصرح ويدون وهذا من المفترض أن يتربى الناس عليه ، والأخطر من هذا أنه وصل أغلبية ويشكل الحكومة ويطبق العلمانية بنفسه .
لكن نريد أن نفهم أولاً لماذا لم يتدخل الجيش ما تدخل قبل ذلك ، فهذا الموضوع حدث فيه مد وجزر ، وفي كل مرة يحدث فيها صعود للإسلاميين يتدخل الجيش إلا في هذه المرة ؟
في الواقع أن هذا راجع إلى أكثر من عامل :
أهمها أن امريكا لديها رغبة في تقديم نموذج إسلامي يغري إسلامي العالم الإسلامي بأنه يمكن قبولهم ديمقراطياً وعالماً بشرط أن يكتموا إيمانهم ويجعلونه في قلوبهم ، وهذا أمر أصبح مغري لأناس كثير ، وطبعاً لا يعقل أن يطلب منه أن يعطي تصاريح بغاء ويدعوا للبغاء . ولكن سيتركه يدعوا فلابد أن يكون هناك قدر من المصالح ، فهو كان يدعوا قبل أن يكون في الحكومة وبدرجة أكثر وضوحاً واعترافاً أن هذا من الإسلام بدلاً من كلمة ـ من الحشمة ـ أو بدلاً من كلمة حق المحجبات ، فمن يدعوا المحجبات للحجاب ويوجدهم ابتداً طالما أنت كاتجاه تتخلى عن الدعوة إليه فإذن هناك جزء رئيسي جداً بأن الغرب لديه رغبة في اختبار مدى قدرة التيار الإسلامي السياسي على عمل توافق بين الإسلام والعلمانية إذا ما ترك له حرية الوصول إلى السلطة .
والأمر الثاني أن القرب الجغرافي من تركيا وهي جزء من أوروبا يجعل حرج بالغ على أوروبا الإبقاء على نظام ديكتاتوري مع تشدقها بالحرية وغيره ، فلا بأس بالقبول بنظام فيه رائحة إسلامية ، فلا بأس بالقبول بهذه الرائحة الإسلامية في سبيل الظهور بمظهر المتحضر الذي لا يخون الديمقراطية كما ذكرنا .
فهناك عامل آخر في غاية الأهمية : وهو أن عدد كبير من القيادات الوسطى في الجيش التركي زوجاتهم محجبات ، وكان هناك محاولات فصلهم من أعمالهم ولكن وجدوا أن العدد كبير جداً وهذا يدل على أن الدعوة هي التي تخدم غيرها وليس العكس ، ولو أن الدعوة استثمرت يكون هذا واقع يفوق قدرة الدستور وقدرة الأنظمة في المجالس التشريعية وقدرة الأنظمة العسكرية أيضاً .
فالبعض يعتبر أن كل ما يحدث هو نجاح اتجاهات الإسلام السياسي ، ولكننا نستخدم مصطلحات كما هي شائعة مع الأخذ في الاعتبار ألا يكون فيها دقة .
في الواقع أن الإسلام في تركيا هو الأصل ، والعلمانية هي الدخيلة ولكن كان هناك انحراف وتمثل في أن الإتجاهات الإسلامية في تركيا كان مظمها من الطرق الصوفية ،والطرق الصوفية لديها كثير من الخطأ في فهم كثير من الخطايا منها قضية القضاء والقدر وقضية التوكل وقضية الأخذ بالأسباب وهذا كله أثمر حالة من حالات التواكل في الدولة العثمانية التي جعلتها تغفل عن الأخذ بأسباب القوة وفي النهاية كانت هذه أحد أسباب هزيمتها أمام الغرب . ولكن لما أتت العلمانية فكان أيضاً من ضمن غفلة الصوفية أنهم أيدوا مصطفى كمال أتتاورك في أول الأمر ولكن انقلبوا عليه في الواقع بعد ذلك لما رأو العلمانية الفجة ، وتكاد تكون الصوفية التركية تجربة فريدة من التجارب الصوفية ، والصوفية كان لها دور سلبي كبير لكن عندما وصلت الأمور للعلمانية الفجة الأتاتوركية وبدأت الصوفية تمثل أحد أجنحة الرفض للعلمانية .
ومن ضمن هؤلاء كان هناك جماعة النور التي أسسها بديع الزمان النوراسي وهو رجل لا تستطيع أن تقول أنه صوفي بإطلاق ولكن لديه فهم جيد لقضايا العقيدة مع نزعة تأمل فلسفية لم تورده في البدع الكبيرة ولكن هذا الرجل خاض الجهاد الفكري ضد العلمانية جهاد عظيم جداً في صمود في نشر المنهج الإسلامي والاعتزاز بالإسلام ورفض العلمانية ، حتى أتى نجم الدين أربيكان وهو أحد تلامذة هذا الاتجاه وبدأ يستفيد من حركات المد السياسي الموجودة في العالم ويأخذ طريق السياسة من سنة 1960 حتى الآن بين مد وجزر ويصنع حزب ويحلونه ثم يدخل الانتخابات ويتحالف مع أحزاب علمانية إلى غير ذلك وكانت المساومة حتى تولى رئاسة الوزراء بأنه يصدر قرار بإغلاق كتاتيب حفظ القرآن .
وحزب الرفاة أغلبية في البرلمان ومع الجيش يطالب الأغلبية أنها تسن قانون بإغلاق كتاتيب القرآن ، فرفض أبيكان ، وآخر شيء إلزام الكتاتيب بأنها تعطي شيء إلا القرآن ،وطلب منه إغلاقها ، وفي النهاية انتهى الأمر إلى الجيل الجديد ـ حزب العدالة للتنمية ـ وهو جيل إسلامي يكتم إسلامه ويصرح بأنه يطبق العلمانية ويحمي العلمانية ولكن يحاول يطبق العدالة كما يقولون ويحاول يوجد إصلاح اقتصادي وإصلاح اجتماعي ويوفر مظلة آمنة لمن يريد أن يلتزم بالإسلام من باب الحرية الشخصية ولا يهمه من يدعوهم ، وبالتالي نقول أن هذا الحل لا يمكن أن يقوم وحده ، فحتى لو افترضنا أنه حل فيه قدر من المصالح ، فالمصالح هي أقصى ما سوف يفعله أن يضع مظلة حماية الملتزمين ، نقول ومن أين أتى الملتزمين ومتى دعوهم للإسلام ، ولم يصرح هو أبداً انه إسلامي ، فإذا انضم الناس إليه نقول لهم من أين يأتي الالتزام بالإسلام ، فضلاً أن هذه الامور تجاوزت القبول للمبادئ العلمانية إلى تطبيقها لأنهم أصبحوا هم السلطة التنفيذية فيطبقون الأمر كما ذكرنا .
نأتي للتجارب التي ليس فيها مخالفات إلى حد كبير واشترك فيها اتجاهات موسومة بأنها اتجاهات سلبية ، والبعض يقول وهل يدخل السلفيون ؟
نقول أولاً كل يؤخذ من قوله ويترك ، والقضية عندنا ليس أن هذا الاتجاه اسمه سلفي أو لا أو أن هذه فتوى الشيخ ابن باز أو فتوى الشيخ العثيمين .
ومع هذا الاتجاهات السلفية التي خاضت الانتخابات في الكويت أو الجزائر وحصلوا على فتاوى من الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين لم يكن فيها مخالفات وإن كنا لازلنا نرى أن التجربة في الآخر تقول أن الأفضل عدم الخوض بل هو الصحيح .
التجربة الكويتية يدخلون مستقلين ولا يوجد تحالف مع أحزاب علمانية ولم يكن هناك أنه لابد أن يعترف بكذا وكذا مع قوة التيار العلماني ، ولكن كل واحد يقول ما يريد والانتخابات فردية وغالباً معتمدة على تربيطات قبلية وينجح هؤلاء وأولئك ، فكان الإسلاميون في التجربة التركية يمثلون إزعاج دائم للحكومة لأن الحكومة تترك الأسلاميين يعفلون ما يريدون والعلمانيون يفعلون ما يريدون ، وتتم الانتخابات وغالباً تتم بتربطات قبلية ثم تأتي الحكومة تسوغ مشروعاتها ضمن توجه علماني فتتقدم المشروعات للبرلمان ، فيقدم الإسلاميون احتجاجات واعتراضات وفي النهاية تسير الأمور في طريقها ، وظل هذا الأمر سنوات ، وكان الشيخ عبد الرحمن له كتابات كثيرة في الدفاع عن مشروعية الدخول في هذه الانتخابات ، بل لو حصل حكومة ائتلافية أو أسندت وزارة لأحد الإسلاميين يرى أنه يجوز أن يتولاها طالما أنه في حدود وزارته وليس له دخل بباقي الوزارات ، رغم أن هذا قانوناً وعرفاً هناك مسئولية تضامنية بين جميع الوزراء ، ولكنهم قال طالما أنه في حدود وزارته يطبق الشرع فلا بأس .
واقعياً الوزراء المحسوبين على التيار الإسلامي لن يستطيعوا تطبيق الشرع .وطبعاً كان الإسلاميون يضطرون إلى طلب وزارات خدمية حتى لا يتعارض مع الشرع ، فيطلب وزارات التي تتعامل مع حقوق العمال أو كذا أو كذا .
وكامن من ضمن الأزمات التي تعرض لها التيار الإسلامي في الكويت أزمة كبيرة جداً نتيجة أن أحد النواب عين في الحكومة في وزارة من هذه الوزارات ، ثم جاء رئيس الوزارات أنابه عنه في توزيع جوائر أدبية ، وطبعاً هذه الجوائر للعلمانيين ، ومن ضمن الحاصلين على هذه الجوازئر نساء متبرجات أو امرأة كانت في غاية التبرج ، والعرف أن الذي يسلم الجائزة يصافح بحكم كونه عضو في الحكومة لا يستطيع أن يقول لا ، بل هو يقدر أن يستقيل لكنه ما دام أنه موجود وكلف ، فقام هذا النائب بهذا الأمر وكانت فتنة في التيار الإسلامي في الكويت ما بعدها فتنة وفتن عدد كبير من الشباب وصار تراشق بالألفاظ.
المفروض أن من قال هذا الكلام ورأى هذه التجربة يتعظ ويدرس الأمور مرة أخرى ويعيد تقييم التجربة مرة أخرى .
مؤخراً في انتخابات الكويتية الأخيرة تراجعت نسبة الإسلاميين في البرلمان وهذا كان مصار شماتة العلمانيون في كل بلاد الدنيا ، وفي حوار موقع شبكة محيط مع الدكتور عصام العريان عن أسباب تراجع الإسلاميون في الانتخابات التركية وهذا تزامن مع تراجع الأسلاميون في الانتخابات البرلمانية الأردنية ، فقال : أن من ضمن الأسباب عدم إحساس الإسلاميون بجدوى المشاركة السياسية في أنظمة لا تسمح بالحد الأقصى من المشاركة وهو إدارة الحكم .
في الواقع أن هذا كلام متين نحب أن نسمعه ، فهو هنا يقيم التجربة الكويتية فياليت هذا الكلام في تقييم التجربة المصرية ، ويقول أن الإسلاميون الذين شاركوا يصابون بالإحباط لما يجد أن آخره أن يكون ديكور للنظام الديمقراطي ، وطبعاً التجربة التركية أن يكون منفذ لما لا يؤمن به والمفترض أنه دخل ليغيره
وقال أيضاً : عدم وضوح الهدف لدى الإسلاميين من المشاركة في ظل تلك الظروف المقيدة للحرية ، فالإسلاميين يقوولن أنهم لا يعرفون ماذا يريدون ، وهذا فعلاً مؤثر جداً في خطابه للناس ، فهل هو داخل ليطبق الشرع أم ليراقب أداء الحكومة ؟ ولو يراقب أداء الحكومة هل سيارقبه بنفس المعطيات أم بمعطياته هو ، فكيف يفرض معطياته على الحكومة ، فالناس لم تعرف هذا ، وخصوصاً الكويت بلد صغيرة والعلمانيون فيها لهم وضع كبير ، ويضطرون أن يقيموا أداء الأسلاميين ، والإسلاميين لم يستطيعوا أن يوضحوا للناس سبب دخولهم .
وقال : ارتباك في صفوف الإسلاميين حول استراتيجية العمل البرلماني ويقول أيضاً استخدام خطاب وعظي في غير محله .
وهذه تنقض قولهم أنهم يستغلون الفترات التي ننزل فيها للدعايا الانتخابية للدعوة إلى الإسلام .
فالدكتور عصام العريان يرى أن من أسباب الفشل أن تقول وعظ في المؤتمرات الانتخابية .
فالناس تريد منك أن تقول ماذا تفعل وماذا ستشكل الحكومة والأسعار والأجور ، فيفاجئ أنه يقول وعظ ، فالناس تنفض عنهم .
فهذا لا يصلح أن يدرج ضمن مصالح أو فوائد العمل الانتخابي ، لأنه بالاعتراف لو استغللته في الدعوة التي هي الدعوة سيكون من أسباب الفشل .
الخامس : عدم تبني هموم المواطن العادية والاستمرار في سقف المطالب العالية .
فالتجربة التركية فاشلة لأنهم مصرين على قولهم تطبيق الشريعة . والمواطن يريد منهم أن يذكروا الغلاء وكذا وكذا .
والدكتور عصام العريان يقول أنهم لابد أن ينسوا سقف المطالب العالية ويتكلمون على هموم المواطن العادي .
واضح جداً من تقييم الدكتور عصام العريان للتجربة التركية ، فأين ميزان المصالح والمفاسد ، وهذه تجربة لم يكن فيها مخالفات في الجملة ، لكن في الآخر مفسدة عظيمة جداً وهو الإحباط الذي أصاب الإسلاميين في العالم كله ، وأن الكويت وهي كانت من أنجح التجارب البرلمانية وتعتبر مؤشر على تقدم الإسلاميين فيحدث تراجع ، وتراجع أمام العلمانيين وأمام الشيعة وأمام المرأة ، ولأول مرة ينجح أول نساء ونجحوا على حساب الإسلاميين .
فمعنى ذلك أن التجربة البرلمانية تعرض بعض الثوابت للاهتزاز ، وهذا أمر في غاية الخطورة .
التجربة الجزائرية :
التجربة الجزائرية تشبه الكويتية بل كانت أعلى من جهة الوضوح تماماً ، ففي أول الأمر أنهم لا يؤمنون بالديمقراطية ولن يطبقوا الديمقراطية ولكن سيصلون من خلالها وفي أول وصولهم يغيرون النظام ككل بحكم أنهم الأغلبية .
فتركوا على اعتبار أنهم لا يحصلون على الأغلبية ، أو لا يحصلون على الأغلبية المطلقة .
فانتبه أنه في النظام الديمقراطي لا يكفي أن يكون معك الأغلبية التي هي خمسون في المائة بالإضافة إلى واحد حتى تعمل تغيير جزري ، فالتغيير الجزري يحتاج ثلثي عدد الأعضاء ، فمعظم الأشياء تتطلب ثلثي عدد الأعضاء .
ولما وصلوا لهذه الأغلبية بالفعل وقبل أن ينعقد البرلمان تدخل الجيش بدعم غربي لاسيما فرنسا وقالوا " لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية "
فالجيش تدخل في تركيا عدة مرات ، ولكنه لم يتدخل لما حلف الإسلاميون بأغلظ الإيمان أنهم ليسوا مسلمون .
فلا تقل أن هذا نجاح ، فهم مسلمون وكل الناس يعلمون أنهم مسلمون ، ولكن الجيل الثاني والثالث والرابع بل هذا الجيل فعل أمور مصبوغة بصبغة قومية بأن تركيا دولة كبيرة ولها مصالح مع العالم الإسلامي ولابد أن تدافع ... إلى غير ذلك .
فهنا تدخل الجيش .
نحن نقول أن التجربة الجزائرية كانت نقية في أولها ، ولكن الخطور في أنها تجربة نقية وعندما تصل التجربة مداها إما يدخل وينطبق عليه كل المشاكل ولا ينسحب وكان هذا كلام جبهة الإنقاذ وكان من الممكن ألا ينسحب وكان من الممكن أن يدخل الوزارة ولا ينسحب كما قلنا في الكويت .
فلما كان أغلبية وتدخل الجيش :
أولاً تكلم البعض عن الحرية ويناشد جمعيات حقوق الإنسان وأنهم يريدون نظام ديمقراطي بجد لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، فوجدت المفاسد في هذه المرحلة .
الأمر الثاني أتو أصحاب السلاح قالوا أن أصحاب البرلمان بذلوا جهدهم وأصبحوا أغلبية فلا بديل عن المواجهة ، فبدأ الصدام والصراع وقلنا دائماً أن الصدام يتوالد معه التكفير ، وما زالت الجزائر في حمامات الدم حتى الآن
فلما وصلوا للنهاية حصل هذه المفاسد
فماذا حققت الانتخابات ، فلما نأتي ونقول الحل البرلماني مقارناً بالحل الدعوي .
الحل البرلماني قام على أكتاف الحل الدعوي ، ومن الممكن مراجعة كتاب مدارك النظر في السياسة وهذا لمؤلفة رجل جزائري يحكي مظاهر الالتزام التي عمت الشعب الجزائري فضل مشروع جبهة الإنقاذ وكيف أن أفراد الإخوان أقنعوا التيار السلفي هناك بضرورة خوض التجربة ، وصنعت جبهة الإنقاذ كما لو كانت ائتلاف بين السلفيين والإخوان وتركت مدارس فقه ومدارس تحفيظ القرآن وكانت قرى بأكملها لا يتخلف منها أحد عن صلاة الجماعة ولا تكاد تجد فيها امرأة متبرجة بل ولا تكاد تجد فيها امرأة سافرة الوجه بل الكل منقبات فكان هذا بطبيعة الشعب وطبيعة القرى أن معظم البلاد من الريف والقرى البعيدة عن مظاهر الانحراف والإغراء فكان العوامل كبيرة جداً بأن يعم الالتزم، ولكن انقلب هذا الكلام إلى حمامات دم وقتال ، وهذه القرى التي كانت أكثر التزاماً بدأت العصابات المجرمة في قتبل المزارعين وينسبون هذا الكلام للإسلاميين حتى تتعمق قوة الكره والبغض من عموم الناس الذين كانوا في يوم من الأيام ملتزمين لهذا الإلتزام فلم يخلف هذا الأمر إلا هذا الانهيار الذي ذكرنا .
فهذا كلام سريعاً عن أربع تجارب يمثلون نماذج مختلفة للتجربة البرلمانية .
نسأل الله تعالى أن نكون بذلك استطعنا أن نلم بعناصر الموضوع ، وبذلك نكون قد ختمنا الكلام على الحل البرلماني ، ونعود إن شاء الله في المرة القادمة إلى البحث ونتكلم عن الاتجاهات الأخرى التي سلكها بعض المسلمين للتغير .
سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-06-2010, 09:40 PM
الشريط السادس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
انتهينا في المرة السابقة بفضل الله تعالى من الكلام على الاتجاهات التي تسلك الحل البرلماني وناقشنا هذه القضية من ناحية الأدلة الشرعية ومن ناحية موازنة المصالح والمفاسد .. إلى غيره .
ونشرع اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى في الاتجاهات التي ترى حتمية المواجة العسكرية ، وبين يدي هذا الجزء من البحث نعطي تعريف تسريع للاتجاهات التي سلكت المواجهة العسكرية في مصر .
يعتبر الاتجاهات الإسلامية التي سلكت هذه المواجهة في مصر مكونين من جماعتين كبيرتين وربما يوجد بعض الروافد الصغيرة ولكن كان بصفة أساسية جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في الصعيد .
ربما تكلمنا في مناسبات أخرى عن تاريخ الصحوة الإسلامية في مصر ولكن نريد أن نشير هنا بسرعه إلى أنه حدث بعد سقوط الخلافة وربما قبلها في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين نوع من انواع سيطرة الغرب على كثير من بلاد الإسلاميين واطلق عليه الغرب اسم الاستعمار وهو استخراب أو عرف باسم الاحتلال ، وأن هذا تواكب مع حرب فكرية شرسة على ثوابت الإسلام ووجد ربما قبل هذا من أيام الحملة الفرنسية على مصر أو قبل ذلك نوع من أنواع غرس الثقافة الفرنسية وتغريب عقول كثير من المثقفين وبداية الظهور بأن هناك أناس ينتسبون إلى الإسلام ويطعنون في ثوابت الإسلام وربما يطعنون في إعجاز القرآن والتشريع الأسلامي وصلاحيته في كل زمان ومكن ، إلى آخر هذه الأفكار المظلمة التي كانت تموج بها الدنيا .
يمكن التأريخ ببداية الحركة الإسلامية في مصر لمقاومة هذه المظاهر من مظاهر البعد عن دين الله تبارك وتعالى ومظاهر هذه الحرب الشرسة على دين الله تعالى فبلا شك لم تخلو الأرض بفضل الله من قائم لله بالحجة ولكن بداية وجود عمل له تأثير ما يمكن أن يسمى بصحوة إسلامية كان على يد " محمد الرشيد رضا محب الدين الخطيب " وهذا الجيل كان جيل من العلماء والدعاة وبدأ يتحرك ويتصدى للغزو الفكري ويكتب الكتب وينشر كتب السلف وينشر المجلات ويؤسس الجمعيات الخيرية التي تحاول أن تقوم بدورها في تنظيم الندوات والمحاضرات ونشر الكتب التي تتصدى لهذا الجانب .
تستطيع أن تقول أن هذه المرحلة غلب عليها الفردية ، وهذا ربماً يحتاج أن نركز عليه مرة أخرى عندما نتكلم على من يرون التركيز على التربية الفردية .
وقد تكون الظروف آنذاك لا تسمع لأكثر من هذا ، فالجبهات مفتوحة لنقاط متعددة ، فلا يوجد فرصة كبيرة ولا طاقات كبيرة قادرة على مواجهة كل هذه الكوارث التي كان توجد ، وكل هذه الأفراد التي كان لديهم إمكانيات علمية وعقلية والتصدي لهذا الأمر يتصدون ويتحركون في إطار يشبه إطار شبه جماعي ولكن في النهاية إطار متمحور حول أشخاص يقومون بالرد والتفنيد .. إلى غير ذلك .
ومن الممكن أن ترجع إلى قبل هذه المرحلة إلى مرحلة جمال الدين الأفغاني ومرحلة محمد عبده ثم تصل إلى مرحلة محمد رشيد رضا ،ولكن تقول أن مرحلة الدين الأفغاني ومرحلة محمد عبده كانت مرحلة حراك في محاولة عمل شيء ، ولكن كان فيها كثيراً من الدخن ، والأمر بالنسبة لجمال الدين الأفغاني فيه غموض كبير جداً حول شخصيته مع الاتفاق في الجملة أنه ألقى حجراً في الماء الراكد ، فهل كان رجلاً لديه رغبة في الدعوة إلا الدين ولكن متشبع ببدع كثير عقلانية وشيعية أم كان كما يقول البعد أنه كان عميلاً .. إلى غير ذلك ، ولكن في النهاية حركة جمال الدين الأفغاني كان لها صدى ، وأحد أصداء هذه الحركة كان محمد عبده ، ومحمد عبده أضبط بكثير جداً من جمال الدين الأفغاني ولكن يبقى في النهاية أنه مصنف رجل عقلاني وهناك علامات استفهام حول علاقاته بالنوادي الماسونية ، وإن كان الذي نميل إليه أن أصول العقلانية تقبل الالتقاء مع أي أحد ولم تكن هذه النوادي في هذا الوقت قد أسفرت عن وجهها أو اتضح حقيقة كنهها وهذا غالب الظن في تعامله معها .
يبدأ الأمر يكون أكثر رسوخاً وأقتراباً من منهج السلف ووضوحاً على يد محمد رشيد رضا وه يكاد يكون منهج سلفي خالص عند محب الدين الخطيب رحمه الله
فهؤلاء بداية الحركة والصحوة ونشر كتب السلف ونشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ونشر كتب ابن القيم والتوعية بالقضايا التي أطعنا فيها المستشرقون ... إلى غير ذلك .
هذا الجيل جيل تلاميذ رشيد رضا ومحب الدين الخطيب بدأ يطور الأمر قليلاً ، وتلاميد محمد رشيد رضا كان منهم الشيخ / محمد حامد الفقي رحمه الله مؤسس جمعية أنصار السنة والمحمدية وبهذا كأنه يمشي على خطى شيخه لأن الأستاذ / محمد رشيد رضا والشيخ محب الدين الخطيب كان لهم في تأسيس جمعيات خيرية وكان هذا هو الباب الذي من خلاله يتحركون لإعطاء الندوات والمحاضرات .
نشأت جمعية أنصار السنة كنوع من المحاكاة لجهود هذا الجيل ، في ذات الوقت أسس الأستاذ حسن البنا وهو من أصغر تلاميذ الشيخ محب الدين الخطيب والأستاذ محمد رشيد رضا سناً جمعية الإخوان المسلمين .
الأستاذ حسن البنا كان له أصول صوفية قديمة
الأستاذ حسن البنا شخصية من الشخصيات العقليات الفذة التي أثرت فيمن حولها أثر كبير وكانت سريعة التلقي والاستيعاب لما حولها .
وعنده طاقة وهمة جعلته وهو في سن صغيرة يقدر أن يطور الطريقة الخصافية في دمنهور ويخرجها من شرنقة الكسل الصوفي ويؤسس جمعية الإخوان الحصافية من شباب المنتمين للطريقة الحصافية في بلدته .
بعد أن انتقل لدراسة كلية دار العلوم بدأت مداركه تتسع ويطلع على نتاج محب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا ، ولعل محب الدين الخطيب قدم الأستاذ حسن البنا ككاتب في مجلة التفح التي كان يصدرها آنذاك ، جمهور الدعاة عرف الأستاذ حسن البنا من خلال مجلة الفتح التي قدمته كأحد كتابها ، وكانت الفتح لها تاريخ طويل في التصدي لحركات العلمنة والتغريب والغزو الفكري ، ومعظم رؤس الحركة الإسلامية في ذلك التوقيت كانوا يخرجون من مدرسة مجلة الفتح التي كان يصدرها ويشرف عليها الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله .
وبعد نقل الأستاذ حسن البنا إلى الأسكندرية وهنا كانت نقطة خارقة أخرى في مسيرة الأستاذ حسن البنا وهو بدأ أن يكون بعيداً عن الأستاذ محب الدين الخطيب والأستاذ محمد رشيد رضا وكأنه حصل لديه قدر من التوجيه المزدوج ـ التوجيه الصوفي القديم مع التوجيه الجديد الذي تلقاه في الآخرة ـ وكأنه في النهاية مال إلى أن يوفق بين الإثنين ولو توفيق عاطفي بمعنى السكوت ، ومن هنا نشأ الميل الكبير بأن يكون كلامه واسع يشمل كل الاتجاهات فأسس جمعية الإخوان المسلمين على غرار جمعية الإخوان الحصافية ، بمعنى وكأنه انتقل بها من أن تكون جمعية صوفية إلى أن تكون جمعية شاملة وقال في تعريفها أنها دعوة سلفية وحقيقة صوفية .
لسنا الآن بصدد دراسة تجربة الأستاذ حسن البنا كاملة بجميع ما فيها من فوائد ودروس ، ولكن لعل هذه تكون المأخذ الرئيسي الذي نأخذه على تجربة الأستاذ حسن البنا وميله إلى التجميع والتوفيق بدون أسس ، بمعنى أن نجمع بين المتناقضات ونضعها بجوار بعضها دون محاولة لمعرفة أيهما أقرب وموافق الكتاب والسنة من الذي لا يوافقه .
ولكن الأستاذ حسن البنا أوجد تيار عارم مختلف تماماً عن الجيل الذي يسبقه ، وتحرك في المدن والقرى وبحث عن الكفاءات .
وكانت الحركة الإسلامية على يد الأستاذ حسن البنا رحمه الله أخذت شكل مختلف تماماً ، ولذلك كان العلامة الألباني رحمه الله وهو من أكثر الناس نقداً لحركة الإخوان المسلمين ، وهذه طبيعة علماء الحديث عموماً ان نقدهم يكون بارز جداً ويكون أبرز بكثير من ثنائهم ، ولكن لما كلم الشيخ الألباني في ذلك وأن البعض ينتقد عليه موقفه الحاد من الأستاذ حسن البنا وأنه لم يعطه حقه فقال : إن كان الأستاذ حسن البنا فيه ملاحظات فهي مغمورة في غمار حسناته وإن لم يكن له إلا تجديد شباب الإسلام ونقله إلى العمل من أجل الإسلام لكافئه ذلك .
فلابد أن يكون هناك إنصاف حتى في الأشخاص التاريخية وليس الأشخاص الحية الموجودة بيننا فقط .
فبلا شك أن حركة الأستاذ حسن البنا هي حركة أوجدت حركة كبيرة جداً في المجتمع المصري وانتقلت لغيره من الأقطار العربية ، وبدأ أن يوجد ما يسمى ببداية عمل جماعي للتعاون من أجل العمل الإسلامي .
لكن أيضاً غاب النقاء المنهجي ، وكان بعض رموز هذه الحركة على تعليمهم الأزهري فظلوا على نفس ما تعلموه في الأزهر ، وبعض من انظم كان لهم جزور صوفية وظلوا عليها ، من وسط هذه الحركة برز الأستاذ سيد قطب رحمه الله .
والأستاذ سيد قطب يعتبره بعض المؤرخين في تاريخ جماعة الإسلام أنه رمز لا يقل أهمية عن حسن البنا .
فهو بلا شك أيضاً شخصية أثرت في تاريخ الحركة الإسلامية تأثيراً بالغاً ، وأيضاً لابد من معرفة هذا الأثر سلباً أو إيجاباً .
الأستاذ سيد قطب رحمه الله خريج دار العلوم ، وكان بداية حياته بداية أدبية محضة تقريباً ، بل إنه كان مساند للعقاد في مواجهة الرافعي ، فكان عندنا الرافعي وتكلمنا عليه قبل ذلك وهو ربما خارج السياق الذي نحكي عنه ، وكان هناك معركة بين الرافعي وبين طه حسين وبين فلول التغريب وكان موضوعها القرآن وإعجاز القرآن .
والرافعي رغم أنه رجل أديب إلا أنه جبل شامخ وقف في قضية من أخطر القضايا ، وهيأها الله تبارك وتعالى أنه استطاع أن يوقف واحد مثل طه حسين أو غيره ، وطه حسين معه آنذاك ألقاب " عميد الأدب العربي ، ويدرس في الجامعة "
لكي تعرف عمق المأساه انظر في كلام الأستاذ محمود شاكر رحمه الله على الهزة النفسية التي عاشها لما دخل الجامعة .
والأستاذ محمود شاكر من بيت علم ، وأبوه هو الأستاذ العلامة محمد شاكر ، وأخوته لهم باع كبير في العلم وعلى رأسهم محدث الديار المصرية أحمد محمد شاكر .
الأستاذ محمود شاكر دخل الجامعة لأنه سمع كلام الأستاذ طه حسين في نقد القرآن وبيان أن الشعر الجاهلي في زعمه أبلغ من القرآن ، فتخل لو أن واحد بهذه الدرجة وخارج من بيت علم بهذه الصورة فيحدث له هزة من الكلام الذي سمعه لأن الكلام أتى من الكرسي التدرس ومن واحد له ضجة كبيرة جداً ، وفي النهاية بفضل الله تبارك وتعالى الأستاذ محمود شاكر حسم موقفه بأنه ترك الجامعة نهائياً حتى لا يسمع فيها هذا الباطل وأكمل دراسته الأدبية وصار من أبرز أدباء مصر بعد الرافعي وانضم لمدرسة الرافعي في الدفاع عن القرآن وكان هو التلميذ النجيب للرافعي .
في المقابل كان سيد قطب منضم لمدرسة كانت لا تطعن في القرآن بالدرجة الكبيرة ولكنها كانت في النهاية سلبية جداً تجاه قضية إعجاز القرآن ، وكلامها في النهاية يخدم اتجاه طه حسين بصورة أو بأخرى ، وكان سيد قطب هو التلميذ النجيب في هذه المدرسة .
وبعد ذلك والقصة معروفة التي كانت سبباً في التزامه والقصة تدلك على أن الله تبارك وتعالى يهدي من يشاء .
فالأستاذ سيد قطب كان في رحلة إلى أمريكا على متن باخرة وكان على متن الباخرة منصراً ، فاستثار هذا المنصر همم المسلمين الذين على الباخرة فأرادوا أن يظهروا دعوى مقابلة فكلموا ربان السفينة بأنهم يريدون أن يقيموا صلاة الجمعة على ظهر الباخرة فأذن لهم ، ثم كان من الوارطة ألا يجدوا خطيب فصاروا يبحثون عن من يخطب بهم فوقع الاختيار على الأستاذ سيد قطب رحمه الله على اعتبار أنه خريج كلية دار علوم وهو كلية فيها بعض الدراسات الشرعية ، وكان أول المتأثرين بهذه الخطبة هو الأستاذ سيد قطب نفسه وانتهى من الخطبة وقد قرر أن يغير مصار حياته .
سيد قطب رجع بحس أدبي مرهف وتجربه أدبية عاشها قبل أن ينضم للحركة الإسلامية ، فانظم للحركة الإسلامية ليسهم في التصدي لتار حركة التغريب ويكتب كتابات في الرد على شبهات الغرب سواء في عدم الاجتماعية في الإسلام أو ما شابهها من كتب الغزو الفكري ثم يتجه إلى تدبر القرآن وكتب كتاب " في ظلال القرآن "
والتجربة تحكي لك أنه لم يكن هناك خلفية شرعية راسخة ، وأنه انتقل من مجرد كونه أديب إلى أديب ذو عاطفة إسلامية ، فلابد أن تتوقع وجود أخطاء كبير في كلامه ، ولكن من يستطيع ويكون عنده خلفية شرعية مناسبة لا يفوته أن الظلال تميز في بابين يكاد يكون لا يدانيه فيهما أحد ـ باب الوحدة الموضوعية للسور ـ وهذا باب أتقن فيه الأستاذ سيد إتقان عالي جداً و ـ باب الإعجاز التصويري في القرآن ـ وهذا أيضاً باب اتقنه الأستاذ سيد قطب إتقان عالي جداً ، أما باب البلاغة فهناك ما يفوق تفسير الظلال بمراحل كـ ـ تفسير ابن عاشور ـ أو نحو هذا ، كما أشرنا في ذلك في دروس إعجاز القرآن .
الأستاذ سيد قطب كان له كلام كثير عن أهمية العقيدة واستعلاء الإيمان والاستعلاء على الأفكار الباطلة ، وهذه تعتبر مرحلة جديدة داخل مرحلة التزامه ، فمرحلة التزامه داخلة في عدة مراحل ، فهي مرحلة تصدى فيها لأفكار الغرب ومرحلة أخرى قال بل نحن غير ملزمين نرد عليهم بل نحن معنا الحق يجب أن نستعلي على أفكارهم بأحد الأفكار الرئيسية بفكر الأستاذ سيد قطب ، ثم بعد ذلك هناك نقطة لا نقف عليها كثيراً في مدى وجودها في فكر سيد قطب ولكن على الأقل أن كل من يقرأ كتابات سيد قطب لابد أن يشعر بها وهي أنه تارة بدلاً من أن يقول الاستعلاء على الكفار تكون الاستعلاء على عصاة المؤمنين ، والفكرة أصبحت أوضح بكثيراً عند أخيه الأستاذ محمد قطب وهي أنه من لم يعمل بالإسلام ومن أجل الإسلام فلا يستحق اسم الإسلام ، فهل لا يستحق إسم الإسلام فيكون كافر ؟ أم نقول كمصطلح أهل السنة بأن يكون مؤمن ناقص الإيمان ؟ ، فهذه هي المعركة الكبيرة الدائرة حتى الآن وهي مدى مسئولية الأستاذ سيد قطب عن فكر التكفير ، فهل قصد التكفير أم قصد مجرد حث العصاة على الالتزام أو حث الذين لا يفهمون معاني العقيدة على أن يفهموها .. إلى غير ذلك .
على كل حال أن هذه الأفكار التي اهتم فيها الأستاذ سيد قطب بمعاني العقيدة وخصوصاً معنى الحاكمية من جملة هذه المعاني والتي تكلم فيها عن استعلاء الإيمان ، فهذه الأفكار إلى الآن موجودة ، وبمفهومها الخاطئ كانت مسئولة عن وجود تيار التكفير والهجرة ، أو بصورة أكثر عمقاً عن تيار التوقف والتبين الذي ينتمي صراحة أو يسمي نفسه أو يسميه الناس بالتيار القطبي لاعتماده على تراث الأستاذ سيد قطب وكتابات الأستاذ محمد كتب .
إذن نستطيع أن نقول أنه انبثق عن فكر الاستاذ سيد قطب تيار تكفيري راجع لكتابات موجودة وعبارات مدسوسة في كلام الأستاذ سيد قطب من أوله إلى آخره .
وحكاية أنه ماذا كان يقصد بها بالضبط ؟ ليس هو موضوعنا الآن
ولكن هذه العبارات التي بنى عليها أحد تيارات التكفير وهم تيار التوقف والتبين بنوا عليها أصولهم المنهجية ويستدلون بها ويقولون أن إمامهم في ذلك الأستاذ سيد قطب .
في نفس التوقيت كانت كتابات الأستاذ سيد قطب مسولة بدرجة من الدرجات عن نشوء جماعة الكتابات ، وهذا ما نتكلم عليه الآن ، لأن الأستاذ سيد قطب تكلم كثيراً على حتمية المواجهة والمغالبة مع استعلاء على الباطل كما ذكرنا .
هذه البوتقة من الأفكار في سياق معين أوجدت نوع من أنواع الحماس الملتهب القابل للاشتعال في أي لحظة
انتبه فإن عندما رافض آخر من الروافض ، فلما نتكلم على جماعة الجهاد المصرية ، الرافض الأول هو كتابات سيد قطب ،والرافض الثاني الذي لا يقل أهمية عن كتابات سيد قطب المد الثوري الذي كان موجوداً في العالم كله .
الآن الإشتراكيين واليساريين وغيرهم يريدون أن يصوروا أن العنف صناعة إسلامية وأنه لا يوجد أحد حمل السلاح على حكوماته إلا الاتجاهات الإسلامية .
في الواقع هذا نوع من التضليل في سرد الواقع .
نحن بغض النظر عن التصويب والتخطيئ سنتكلم على هذا الكلام ، لكن جماعة الجهاد المصرية ومثلها تقريباً كل الاتجاهات ، لأن تجربة الحركة الإسلامية المصرية المعاصرة هي التجربة الرائدة التي تمت محاكاتها في معظم بلدان المسلمين .
فلابد هنا من أن نؤكد على أمر في غاية الخطورة وفي غاية الأهمية وهو أن فكر المواجهة المسلحة كان هو الفكر السائد في العالم كله في فترة الستينيات أو أواخر الخمسينيات من القرن العشرين .
فإذن هناك جزور وتربية موجودة أوجدت أناس متحمسين ناقمين على الأوضاع ، ونحن قلنا من قبل أن هذا البحث ـ السلفية ومناهج التغيير ـ فنتكلم إجمالاً إسلاميين لابد أن يروا أن الواقع منحرف ، لأن الواقع بعيد عن الإسلام في أشياء كثيرة ، والآن لا أحد يعجبه الواقع لا الإسلاميين ولا يغر الإسلاميين . ولكن كل يبكي على ليلاه . فكل واحد يرى الانحراف من زاويته .
ففي هذا الوقت كان الانحراف أعمق بكثير من الانحراف الموجود الآن ، وكان ما زالت الدنيا حديثة عهد باحتلال وفيها الحملات التغريبية على أشدها ، ومن كان يتعامل مع هذه البيئة من الدعاة ؟ قلنا أن في الجيل السابق مباشرة محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب ثم حسن البنا ثم ظل اتجاه حسن البنا كان هناك سيد قطب وكان هناك من لا يزالون يسيرون على طريق محب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا وهو أنصار السنة ولكن الدنيا فيها إرهاصات وهناك شباب يتلقى عن هؤلاء الموجهين المتعددين ، وهناك منهم توجيه وهو المنسوب للأستاذ سيد قطب وكان توجيه أكثر نقمة على الأوضاع وأكثر تعلقاً بالأمل القريب ، فهذه البذرة ربماً كانت بذرة مناسبة أن يستعيروا الأفكار الثورية التي كانت تموج في العالم كله في ذات الوقت ، فبدأت تكون أفكار متناثرة وأن واحد يفكر في أن ينقلب ، وطبعاً تعظيم جانب الحكم ونحن نقول اعتقاد أن الحكم حق خالص لله تبارك وتعالى هذا جزء من العقيدة { إن الحكم إلا لله } ، قلنا أن سيد قطب جعل طريقة عرضه أن الحاكمية تحتل الجزء الأكبر من العقيدة وأنه لو أزيلت الطواغيت ينتشر الإيمان ونحو ذلك ، فعنده درجة من الغلو في مكانة قضية الحاكمية واهميتها من ضمن سائر قضايا العقيدة ، رغم أنها مهمة فعلاً ولكنه أعطاها درجة اهمية عالية .
فإذا كان الأمر كذلك فلابد أن عند من تأثر بهذا الفكر كان لابد أن يكون أقصر الطرق من طريقة نظرهم تغيير أو وضع قضية الحاكمية موضع التطبيق ، وبالتالي نستطيع أن نقول أيضاً أن فكر الأستاذ سيد قطب مسئول بدرجة ما عن مسألة الحل البرلماني ، وإن كان كلام الأستاذ سيد قطب في عاية الرفض للتحالف مع الأحزاب العلمانية والدخول تحت مظلمة البرلمانات الجاهلية ، ولكنه في النهاية تقرير مبدأ أنه لو نجحنا في قضية الحكم ستحل كل مشكلة ، في حد ذاتها قضية غير سليمة ، وكما ضربنا مثال بتركيا أو غيرها لما يكون الحكم رأس السنة ويريد أن يطبق ولكنه لا يرى مساعدة فيكون كالعاجز وسيضطر يتركها كما تركها أربيكان أو يضطر أن يطبق العلمانية تماماً كما يطبقها أردوغان .
على كل حال لكي تصل إلى الحاكمية ما هو المطلوب ؟
إما الحل البرلماني أو الحل الثوري الانقلابي ، وهذا الذي تم عبر تجارب لا نخوض في تفاصيلها ، المجموعات الصغيرة التي في النهاية أصبحت في النهاية جماعة الجهاد المصرية .
إذن لكي تعرف ما هي جماعة الجهاد :
جماعة الجهاد هي جماعة إسلامية ترى أنه يجب عليها أن تعمل على قلب نظام الحكم لإقامة الحكم الإسلامي عن طريق الدخول والتجسس داخل الجيش أو داخل الشرطة أو غير ذلك ، وبالتالي جماعة الجهاد ليست جماعة دعوية بمعنى أنها متى تتحرك لكي تدعوا شخص ؟ عندما تتوسم فيه انه سيقبل الفكرة الإنقلابية ، ولكن جماعة الجهاد تؤجل الدعوة أصلاً ، وبالتالي عندما تتكلم في جماعة الجهاد في موضوع المصالح والمفاسد والدعوة تجد أن كل هذا الكلام عنده صفر
فأصل الفكرة عند جماعة الجهاد هي محاولة عمل انقلاب أو الوصول إلى الحكم عن طريق مواجهة عسكرية أو انقلابية هو في مرحلة دعوته لا يدعوا كل الناس بل يدعوا الأفراد الذين يصلحون أن يعملوا في المنظومة .
وقلنا أن أحد الروافض المهمة لذلك أن هذا كان هو الشائع في الدنيا كلها آنذاك بحركات انقلاب في كل البلدان لاسيما في العالم الثالث أو نحو ذلك ، ووجدوا أن هذه الطريقة الأسهل والأيسر ولكنها لم تنجح بعد .
وطبعاً هذا بعد ذلك أثر على اختياراتهم ، وابتداءاً هم عندهم جرعة ميل إلى التكفير لأن كتابات الأستاذ سيد قطب في حد ذاتها فيها درجة من درجات هذا الميل ، ونقول أيضاً أن هذه الجرعة زادت وهم مرحبون بها جداً لانه في ذات المواجهة يحتاج إلى الحرية في الحركة والمناورة وعمليات القتل أو غيرها ويحتاج ألا يجد فيها قيود ، وبالتالي جماعة الجهاد عندها درجات من الغلو في التكفير والقبول بكل درجات التكفير أقلها عنده تسمح حتى يكون الشخص يصلح أن ينتمي إلى هذا الفكر أن يكون لا يعذر بالجهل ، فيقول في الحكم بغير ما أنزل الله أنه كفر ولا يعذر الحاكم ولا المحكوم ويكون بذلك في النهاية عنده درجة جيدة من القدرة على تكفير من يستهدف .
من الممكن أن تصل عند البعض أن يكون نفس منهج تكفير المجتمع ككل ابتداءاً بأنهم ليسوا مسلمون أو كفار ولدوا من ذراري كفار ، وجماعة الجهاد تحتوي بداخلها على طيف كبير من أصحاب الاتجاهات التكفيرية ولا يقبل عندهم أحد ليس لديه عقيدة تكفيرية .
من منهم يريد أن يكون عقيدته سلفية وفي ذات الوقت يكون منتمي بهذا الفكر فعلى الأقل يقول بعدم العذر بالجهل وإلا ستكون عنده قيود تقيده وتكبله .
وهذا الاتجاه موجود هذه الأيام في معظم بلدان المسلمين وفي مصر ولكن جماعة الجهاد المصرية علقت العمليات العسكرية في مصر وأعلنت أنها لا تعمل عمليات من سنة 1995 وتوجهت أنها انتمت مع تنظيم القاعدة ولكن هنا نقول أنه علقت العمليات دون أن تقول بعدم مشروعيتها ، لم تتعرض للمشروعية من عدمها ولكن علقات العلميات فقط
فهناك عمليات تمت داخل السجون وعملها أحد أكبر منظريهم الدكتور سيد إمام ولكن وافق عليها البعض ولم يوافق عليها البعض الآخر لكن هذا فكرة جماعة الجهاد وكيف نشأت
الجماعة الإسلامة مختلفة عن جماعة الجهاد ولابد أن نعرف أن الفرق كبير في ظروف النشأة وفي الأهداف وفي طريقة التطبيق .
فنحن تكلمنا عن جيل الأستاذ محب الدين الخطيب والأستاذ محمد رشيد رضا وقلنا أن الجيل الذي يسبقه كان جيل الأستاذ محمد حمدي الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية والأستاذ حسن البنا مؤسس جمعية الإخوان المسلمين ، وأنه بعد ما حصل أن جماعة الإخوان نشأ منها شرنقة داخلية في فكر الأستاذ سيد قطب ثم إن هذه الشرنقة نتج عنها أفكار تكفيرية وأفكار جماعة الجهاد واستمر تيار الإخوان الباقي في الدعوة العامة والعمل السياسي الذي دعموا من خلاله الضباط الأحرار وقامت ثورة يوليوا ثم اصدتمت هذه الثورة مع الإخوان وحصل الملاحم المعروفة بين المواجهات بين الثورة والإخوان وبالتالي كانت الساحة تقريباً ليس فيها إلا أنصار السنة ، لأننا قلنا أن الجهاد جماعة غير دعوة ، فالجهاد تنتقي من يخدم مشروعها لكن ليس لها تواجد دعوي عام إلا في نطاق محدود جداً لأن هذا يتنافى مع طبيعة الطرح الذي يطرحونه ، وبعد ذلك وجد شباب في الثانوي والجامعة فيما عرف فيما بعد بالجماعة الإسلامية والجماعات المصرية ، وهم معظم روافضهم الأصلية كانت من مساجد أنصار السنة وهي كانت صوت الدعوة الوحيد الباقي في ذلك الوقت مع الاطلاع على بعض كتابات الأستاذ حسن البنا أو كتابات بعض رموز الإسلام التي ما زالت موجودة بعد دخولهم السجن ، ونشأت الجماعة الإسلامية على عقيدة سلفية وعلى ما تعلموه من جماعة انصار السنة ، ولاسيما وأن في هذه الفترة شهدت رواج لكتابات رموز سلفية كبيرة كالعلامة الألباني والشيخ ابن باز والشيخ بن العثيمين وهذه كونت الأرضية التي تكونت عليها فكرة الجماعة الإسلامية ، ولكن بعد ذلك وفي أواخر السبعينيات بدأت الجماعة الإسلامة تنشطر إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : الجماعة الإسلامية بالصعيد ، وهؤلاء احتكوا بجماعة الجهاد وبدأ يكون هناك درجة من تلاقح الأفكار بين بعضهم
إحدى القضيات وكانت قضية فارقة بالنسبة للجماعة الإسلامية في الصعيد هي قضية تغيير المنكر باليد ، فهذه قضية يراها السلفين وما زالوا يرونهم أن القضية عليها كثير من القيود حتى لا تؤدي إلى مفاسد .
طبيعة البيئة في الصعيد كانت تشجع الشباب الجامعي المنتمي للجماعة الإسلامية في الصعيد أن يبارز تغيير المنكر باليد بدرجة واضحة وصارخة داخل الجامعة بمنع الحفلات الغنائية وغيراه وخارجها بمنع الأفراح ومنع محلات بيع الخمور التي تبيع الخمور للسياح أو غير ذلك ، وبدأت الجامعة الإسلامية في الصعيد تتبنى أنها جماعة تغيير منكر بمعنى أنها تخرج تتفقد المنكرات وتغيرها وتلزم أصحاب المنكرات بالتغيير الفوري كأنهكم جماعة حسبة معينة من قبل الإمام . ليس قضيتنا كونها معينة من قبل الإمام أو لا ، ولكنهم ظنوا أن لديهم التمكين الكافي الذي يجعلهم يخرجون ويتفقدون المنكرات كما تقرأه في الكتب عن جماعة الحسبة التي كان دورها تغيير المنكرات في الأسواق .
هنا نشأت قضية المصالح والمفاسد ، وكان هو يغير المنكر على تاجر يبيع شيء منكر ويلزمه بصورة أو بأخرى أو يكسر فرح أو نحو ذلك ثم يقاضيه الآخر ويتم معاقبة من قام بالإنكار أو تعقبهم أو نحو ذلك .
في الواقع أن الرأي الذي كان آنذاك أنه لابد أن نغير المنكر حتى لو ترتبت مفاسد ، وبدأ يكون نوع من أنواعه المواجهة مع النظام ، وفي الواقع كانت المواجهة بأن تقوم الجماعة الإسلامية بعمليات تغيير للمنكر والنظام بذلك يريد أن يعاقبها لأن ذلك خروج على القانون بوجهة نظره ، وتتم مواجهة عند القبض على أحدهم فبدأ يكون هناك مواجهة مسلحة بين الجماعة الإسلامة وبين الشرطة وحدث بينهم قتلى ، وهذا القتل أوجد ثأر متبادل ، حتى أتى في وقت وكانت قضية ثأر غير معروف أين هو .
حتى لما بدأت الجماعة الإسلامية في كتابة المراجعات الفقية قالوا نحن بدأن جماعة دعوة واشتغلنا بتغيير المنكر وحصل مخالفات ما في تطبيق تغيير المنكر أدى إلى مواجهات مع الشرطة في ظل وجود قيادات آنذاك كانت تميل للتصعيد ومع الطبيعة النفسية الصعيدية أو نحو ذلك وجد ثأر فهم يقولون أنهم وجدوا أنفسهم بعد فترة في حمامات دم ثأرية ولم نكن جماعة دعوة ولا جماعة تغيير منكر وأصبحنا في مواجهة مع الشرطة .
والمراجعات ما هي إلى إعادة الجماعة الإسلامية إلى سيرتها الأولى وأنها جماعة دعوة ومع التأكيد على الضوابط التي تمنعها أنها جماعة دعوة تتحول إلى جماعة تغيير منكر بالصورة التي أوجدت مفاسد ، فالدعوة دعوة إلى خير وفعل المعروف وترك المنكر ولكن قضية تغيير المنكر باليد بالذات تحتاج إلى ضبط وأظنهم ضبطوها في المواجهة .
هذه المواجهة التي نشأت في الواقع بصورة شبه ارتجالية بمعنى أن الجماعة الإسلامية جماعة دعوة ثم أصبحت تعنى بدرجة أكبر في دعوتها بتغيير المنكر وبدرجة أكبر بتغيير المنكر باليد وكما ذكرنا أنه دخل بالجماعة الإسلامية في دومة العنف بلا نظام ، فهو يغير المنكر باليد الذي أرغم على أنه يغلق محله لأن فيه مخالفة رغم أن هذا حق شرعي ، ونحن نتكلم ونبين هل أنت تفعل هذا لكي تأتي بمصلحة أو تأتي بمفسدة أعظم ؟ ، فإذا كنت عاجز أن تفعل مصلحة اكتفي بالنصيحة ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها .
الأشخاص الذين كانوا يتعرضون لمنع أفراحهم أو منع تجاراتهم المحرمة أو نحو ذلك يستعينون بالنظام فهم لم يفعلو شيء مخالف قانونا وهؤلاء يمنعونهم ، وطبعاً الشرطة تتعقب إخوة الجماعة الإسلامية فأخذوا قرار بالمواجهة .
فهو إما يأخذ قرار بالتراجع عن تغيير المنكر باليد أو يواجه لأنه بذلك يغير مرة ثم يلقى القبض عليه فتنتهي القضية ، فقالوا الأفضل نواجه حتى نجبر النظام ألا يتعقبهم ـ يريدون أن يصبحوا جماعة تغيير منكر تفرض نفسها بالقوة ـ
هذه المواجهة اوجدت درجة ما من درجات التقارب مع جماعة الجهاد ، وحدث وكأنما التقى الاثنين في منتصف الطريق .
لأنهم في عداوة مع النظام بلا هدف ، فأصحاب الجماعة الإسلامية يعمل عمليات ثأرية رغم أنه في البداية يقول أنه يريد حماية جماعة الدعوة التي فقدت ويحاول أن يكون كوادر حتى تتواجد في الجبال حتى تنفذ العملية الثأرية
والجهاد من المفروض أنه يؤجل المواجهة تماماً لأنه رجل يعد العدة حتى يحدث تغيير مرة واحدة ، ولكن هو الآخر دخل منافسة مع الجماعة الإسلامية فيمن يقتل أكثر ومن الذي يحدث عمليات أكثر وأوسع أثراً .
فتستطيع أن تقول أن هناك مرحلة ما كان فيها عنف غير مبرر ، فأنت تناقش فكرة بغض النظر عن صحتها أو خطأها .
فأصحاب الجهاد لهم فكرة معينة وتخلوا عنه فجأه ويقتل بلا هدف
وأصحاب الجماعة الإسلامة كان تنظيره كذلك وفجأة يريد أن يثأر وعنده كم أخ مسجون وكم أخ قتل في المواجهات ، فأصبت القضية ليست قضية تغيير منكر .
تعطلت الدعوة وتعطل تغيير المنكر وأصبحت القضية قتل وقتل مضاد فقط بلا هدف
فأصحاب جماعة الجهاد من ضمن الأشياء التي أحدثت قدر من أهمية المراجعة الداخلية ،أين هم من الأساس الذي قاموا عليه ، ناهيك من أي شيء آخر ، فأين هم من أنهم يحاولون أن يصنعوا تربية خاصة جداً وليس دعوة عامة ولكن لأفراد مؤثرين حتى يصنعوا تغيير مفاجئ ، بل هم لا يزالون يستنذفون طاقتهم ويفعلون عمليات القتل ونحو ذلك وخصوصاً ان معهم فتاوى تكفير وبالتالي تكون المسألة بالنسبة لهم واسعة .
فهذا الذي أدى بأن جماعة الجهاد المصرية أن تعلق عملياتها .
لماذا لم تقل جماعة الجهاد أن هذه العمليات خطأ شرعاً ؟
لأنها لا ترى أن هناك حرمة للدماء التي قتلتها ، بالتالي هم لا يريدون أن يقولون أن هذا خطأ شرعاً ، فهم عندهم توسع في موضوع التكفير ، حتى الناس الذين قتلوا خطئاً ، فهم عندهم تنظير ما دام أنهم في مواجهة عسكرية أن من يقتل في الطريق يقتل ويبعث على نيته ، وهذه قضية ربما تحتاج إلى مناقشة .
فموضوع البحث لا نقدر أن نوفي كل مسألة حقها فيه ، وإلا فقضية الجهاد لها بحث أكثر تفصيلاً ولكن نحن نريد أن نعلم الدنيا من حولنا .
فبعد فترة من سفك الدماء بالإضافة إلى المفاسد والتشويه الإعلامي وحتى الآن وعن قريب كان اللقب للإسلاميين في الإعلام ـ قتلة الطفلة شيماء ـ والطفلة شيماء هي طفلة في مدرسة أو لا أدري يمكن أن تكون ليست في نفس المدرسة ، فقامت جماعة الجهاد فتفخيخ سيارة واقفة بجوار سور مدرسة ، فسور مدرسة يعني يوجد أطفال ، فلو أنهم أطفال كفار وأطفار مشركين لا يقصدون بالقتل فضلاً أنهم أبناء مسلمين . ولكن كما ذكرنا أن هناك درجة توسع في أنه يكفر الجيش والشرطة وحتى بقية الناس لا تفرق معه ، فحرمة الدماء سقطت عنده ، لأنه في حكم مواجهة هؤلاء لا بأس بمن يقتل في الطريق ويبعث على نيته .
فهم كانوا يترصدون أحد المسئولين بحيث يفجرون السيارة بجوار موكبه ولكن القوة التفجيرية كانت ناحية المدرسة ولم تأتي بشيء ناحية الموكب وهناك طفلة ماتت ، وظل الإعلام يقول الإسلاميون قتلة الطفلة شيماء ، وطبعاً الإخوة بمنتهى البساطة قالوا أن يصوموا كفارة قتل نفس الخطأ وانتهى الأمر على ذلك .
فهناك تهور وتسرع واستهتار بشأن الدماء بلا شك ، فإذا كان هو تسرع في تكفير جميع أفراد الجيش والشرطة ، أو ربما أحياناً يقسمونها رتب وهذه من أعجب الأمور فعنده بعض الرتب كفار ومن تحتهم ليسوا كفار ، فيكون الرجل اليوم مسلم فتأتي له ورقة الترقية فتكون ورقة الخروج من الإسلام !! ، فهي أشياء لا تستطيع أن توزنها بميزان الشرع ، وكما ذكرنا ليس هذا وقت المناقشة التفصيلية في هذا الأمر .
حدث أن حمامات الدم ألزمت بالمراجعة ، فجماعة الجهاد ألزمت نفسها بتعليق العمليات فقط ، وطبعاً المبرر الداخلي بتعليق العمليات هو أن العمليات أصلاً انحراف عن منهج جماعة الجهاد ، وأن جماعة الجهاد من المفروض أنها وفق المنهج التي قامت عليه ألا تعمل العمليات .
أما الجماعة الإسلامية فراجعت ، فهي كان تريد تغيير المنكر باليد ثم تبنت الدفعاع عن أبنائها الذين يغيرون المنكر باليد من الشرطة التي يريد منعهم ، فوجد الثأر والثأر المضاد ، فهو يريد أن يرجع لأصله كجماعة دعوة ومن جهة أخرى راجعوا الأساس النظري في أنه أثناء تغيير المنكر باليد لا تراعى المصلحة والمفسدة فنصوا صراحة على وجوب مراعاة المصلحة والمفسدة في هذا الباب وبالتالي أغلق الباب من أوله بدلاً من أوله يغير المنكر باليد بغض النظر عن العواقب ، وهذه العقواب تكون تتبع من قبل الأجهزة الأمنية ، وهذا التتبع يولد مواجهة وثأر وثار مضاد ، وكان هو ملخص قضية المراجعات في الجماعة الإسلامية لأنهم تقريباً قالوا بما يقول به السلفيون في قضية تغيير المنكر باليد ، بأنه إذا كان يأتي بمفسدة بأن يمنع منه ويكتفى بإنكار المنكر باللسان ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، فحصل المراجعات في قضية الجماعة الإسلامية وتم بعد ذلك بما عرف بقضية المبادرة والتي تستطيع أن تقول أن الجماعة الإسلامة في مصر صارت جماعة لا تحمل السلاح وهي قريبة إلى حد ما من الطرح السلفي ، بل إن أحياناً أثر التجربة من باب الاصطلاح الدارج " اللي اتلسع من الشربة ينفخ في الزبادي " فنحن احياناً ننكر على الجماعة الإسلامي في وضعها الحالي المبالغة في عدم مواجهة الواقع ، فهم الآن يحاولون القول على بعض البدع بكلام غير صحيح ، يعني هم كانوا يهدمون الموالد ويكسرونها فبدأ يتكلم بأن المولد لو خلا من الشركيات والقصائد الشركية وأصبح مناسبة نذكر بها الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فقد لا يكون منكر أو أن بعض العلماء لم يقولوا ببدعيته .
فنقول الأفضل أن نلتزم بالعدل والإنصاف والتوسط ، وأن الجماعة قامت طول عمرها على محاربة البدع وأنه إذا كان في وقت من الأوقات حارب البدع باليد فصنعت المفاسد فهذا لا يلزم منه أن يهادن بعض البدع الآن .
فهو لا يهادن البدع ولكن يقول إعادة قراءة وتقييم لبعض الأمور .
نقول بعض الأمول التي يعيد قراءة تقييم لها في الواقع هي ناشئة من رغبة في إشعار الأتباع وأن هناك كثير كانوا يرونها خطأ حتى بغض النظر عن تغير المنكر باليد وكانت صحيحة ، فلو كان هناك أدلة تبين ذلك فلا بأس ، ولكن نقول أن هناك درجة ميل لدى الجماعة الإسلامية الآن بأنها تمرر بعض البدع أو على الأقل تقول أن الخلاف فيها سائغ ، وتمرر موقف لطيف من بعض الدعاة التي لهم اخطاء مثل الشيخ الغزالي مثلاً وكل يؤخذ من قوله ويترك ، ولكن حملته على السنة واستهزاؤه بها وطعنه في أحاديث البخاري ومسلم ، وطبعاً الجماعة الإسلامية إلى الآن تقول أنها جماعة دعوة سلفية بأن منهجهم قائم على الرجوع للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة . فكيف من يقول أن منهجه سلفي يسصغر شأن إنكار أحاديث البخاري ومسلم وتقديم العقل على النقل في مواطن .. إلى غير ذلك ، ومثلاً موقف من مواقف الدعاة الجدد مث الأستاذ عمر خالد ونحو ذلك ، فنحن نقول أن كلاً يؤخذ من قوله ويترك ، ولكن الأستاذ عمرو خالد عنده أخطاء فجة مثل قضايا النصارى والذهاب إلى الكنيسة والدانمارك وغير الدانمارك والشباب الذي يجمع بينهم في أعماله وهناك درجة من درجات الاختلاط وغير انه غير متقن للمسائل الشرعية فمن الممكن أن أثناء كلامه يقول كلام كثير غير صحيح ، فيوجد ميل لدى الجماعة الإسلامية ، فهناك رغبة شديدة أن يلقي لأتعباعه رسالة أنه يمكن نوع من أنواع التعايش السلمي والرضا عن المجتمع .
نحن نريد أن نقف موقف الوسط والقصد بدون إفراط ولا تفريط.
فمثلاً على سبيل المثال يقولون موقفهم من الأزهر ولابد أن يعترفون أن الأزهر أكبر مرجعية سنية في العالم ولها احترامها ولها قداستها وأن الدعاة السلفيين يغبطون الأزهر حقه .
فهل الأزهر هل هي البناء أم أنها أفكار ومناهج ؟
لو أنك تقول أنها أفكار ومناهج فنحن نقدر المناهج الأزهرية في الفقه والتفسير وغيره لأنها مأخوذة من كتب السلف ، ولكنهم يدرسون العقيدة الأشعرية ، فالقضية لا تقبل أبداً أنصاف الحلول ، والقضية لابد فيها من وقفة ، ومع أن هذا لا يمثل جزء كبير من المنهج ولكن لا يصح أن نسكت هذا الموضوع ، لما يكون المقام في مقام الكلام على عقيدة الأشاعرة لا نجامل لأن هناك مؤسسة إسلامية كبيرة أو غير كبيرة عقيدتها أشعرية .
ولما تتكلم عن الأفراد ، فمن الأزاهرة أفراد عقيدتهم سلفية صرف ، فالدكتور محمد خليل هراس كان عميد كلية أصول الدين في وقت من الأوقات ورسالة الدكتوراة له عنوانها " باعث النهضة الإسلامية ابن تيمية السلفي " وهي رسالة دكتوراة يناشد فيها الأزهر أن يدرس منهج السلف على الأقل جنباً إلى جنب مع منعهج الأشاعرة ، وهذا رجل أزهري ولكن كلامه رفع شأنه .
وهناك مثلاً أناس في الازهر لهم شأن كبير جداً من الناحية الفقهية والأصولية ولعلنا أحياناً كثيرة نستعين ببحوث الأستاذ الدكتور محمد ابو زهرة رحمه الله وهو رجل موسوعة وهو عظم علماء الازهريين في العصر الحديث ، ولكن في الحقيقة في النهاية عندما ناقش عقيدة ابن تيمية أنكر عليه إنكاره على الأشاعرة في باب الصفات بينما لم يتمالك من أنه يقول أن منهج ابن تيمية وهو منهج السلف في باب القضاء والقدر أمثل بكثير من موقف الأشاعرة ، ونحن نقول في النهاية أن عقيدة السلف كلها هي الحق الواجب اتباعه ، ولكن من الممكن أن نرجع إلى عالم كهذا في الأمور التي يتمكن منها ، وعلى هذا فقس .
ولكن هناك أناس في الأزهر درسوا العقيدة الأشعرية ، والصدام بين الأشاعرة والمعتزلة على أشده وهو يدعوا إلى عقائد المعتزلة ، وكثيراً منهم نتجية تأثرهم بوجود درجة إعجاب عالية عند الأزاهرة بكتاب تفسير الكشاف للزمخشري وهذا للإسف بعد أن يدرسه الناس بدراسات تجد أنه خرج منه معجب بالمنهج المعتزلة وليس بمجرد أدبيات الزمخشري ولطائفه اللغوية التي يقولها في التفسير .
فإذن كل واحد يعامل بحسبه ومنظار قربه وبعده عن الحق ، ولا نقدر أن نأتي على مؤسسة فيها آلاف الناس في كل العصور ثم نقول أن نعتبرها مرجعية .
فالأزهر يكفر ابن عربي ولكن بعض رموز الأزهر يثنون على ابن عربي ولهم دراسات لابن عربي ، وربما بعضهم له درساته ولما يصدر باسم الأزهر يقول أنا أتكلم بعقيدة الأزهر ولا ندري أين دراساته ، فلا نستطيع أن نعطي مرجعية لشخص أو لهيئة أو نعطي حكم واحد لهذه الأمور المتفاوتة ولكن المرجعة للكتاب والسنة ، ويقاس كل الناس بمقدار قربهم أو بعدهم من الكتاب والسنة .
فهذا استطراد يسير لهذه المسألة ، فنستيطع أن نقول في النهاية أن الجماعة الإسلامية جماعة دعوة رأت في وقت من الأوقات تغيير المنكر باليد ، وهذا أحد الأسباب التي جعلها وتنفصل وتتميز بطريقة عمالها عن الجماعة الإسلامية الأم التي تعتبر انقسمت إلى ثلاث اتجاهات : الجماعة الإسلامية في الصعيد ، الجماعة الإسلامية في وجه بحري وصارت أحد فصائل الإخوان والدعوة السلفية .
فالجماعة الإسلامية في الصعيد التي هي كانت في الأصل إحدى فصائل الجماعة الإسلامية الأم ، وكان النقطة المميزة لها تغيير المنكر باليد وهذا الذي جرها لمواجهة مع النظام مما جرها إلى درجة تقارب ما مع الجهاد ونتج عن ذلك مراجعة هذا الملف والرجوع لنقطة اعتبار المصالح والمفاسد في تغيير المنكر باليد .
فعندما موضوع تغيير المنكر أو فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموضوع فقه الجهاد .
فالموضوعين متقاربين ولكن تستطيع أن تقول أن فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه هو الأمر المميز أو أمر المفاصلة بين السلفيين وبين الجامعة الإسلامية قديماً ، ولأنه لا فكر يموت ، بمعنى أن الفكر يظل اسمه من يرى عدم تقدير المصالح والمفاسد في قضية تغيير المنكر باليد ، تستطيع أن تقول أن هذا الفكر موجود كان يتبناه جماعة هي الجماعة الإسلامية التي هي الآن لمتعد تتبناه ولكن من الممكن تجد آحاد من الناس لا زال يعيش بداخله هذا الفكر ، ومن الممكن في يوم من الأيام في مصر أو في غيرها تجد جماعة تتبنى هذا المنهج ، فنحن دائماً نتكلم على فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنبين أصوله وضوابطه .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر لم يكن فيه كبير إشكال والإنسان لا يسعه أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدعياً أنه لا يلزمه إلا إصلاح نفسه ، فهي قضايا كثيرة معظمها لا يمثل نقاط مفارقة بين الفصائل الإسلامية .
الذي كان يمثل نقطة مفارقة أساسية أو جوهرية مسألة تغيير المنكر باليد ، وبالتالي كنا ندرس ومازلنا قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتكون القضية التي تحتل الصدارة كما لو كان الموضوع من أجلها موضوع وجوب مراعاة المصالح والمفاسد في تغيير المنكر باليد .
في المقابل نتكلم على قضية الجهاد وكأن هذا هو موضوع الخلاف الرئيسي بينك وبين جماعة الجهاد ، لأن جماعة الجهاد لا تتكلم على مجرد تغيير المنكر بل تتكلم على جهاد الأنظمة الحاكمة لمحاولة إزالتها وأنه أيضاً يتكلم على أن الجهاد بدون إعداد عده وبدون تكييف للواقع ، فهو هل يجاهد الكفار أم مرتدين أم طائفة ممتنعة أم يقاتل بغاه ؟ ، فكل هذه أنواع من القتال والجهاد لابد أن تكيف .
فعنده الأمر سهل جداً وهو تكفير النظام والقتال عنده هو قتال المرتدين فهذا يكون هو الجهاد ، وجهاد المرتدين عنده مقدم على جهاد الكفار ، وهذه مسألة تعرضت للمراجعة من قبل جماعة الجهاد .
فهم الأول كانوا يقولون تكييف الأنظمة الحاكمة بأنهم مرتدين واليهود والنصارى والأمريكان كفار أصليين ، فكان يقول أن جهاد المرتدين مقدم على جهاد الكفار الأصليين .
والآن بعد إنشاء تنظيم القاعدة وجماعة الجهاد المصرية تحتل مواقع قيادية بارزة في تنظيم القاعدة بدأوا يميلوا أن قتال الكفار مقدم على قتال الأنظمة رغم أنهم لم يتراجعوا عن وصفهم بالردة ، ولكن رأوا أن قتال الكفار هو لمقدم .
وقتال الكفار نحن نقر بجزء منه مثل القتال في العراق وأفغانستان وفلسطين ولكن يبقى قضية ، فهو يريد أن يقاتل الكفار في كل الدنيا ، وهو لا يكون قتال في الواقع بل هي عمليات عشوائية فيها خلل ، لأنه من الممكن أن يعطيهم أمان من نفسه كأن يطلب تأشيره أنه يريد أن يدخل أمريكا مثلاً فيقول اسمحوا لي يا معشر الكفار أن أدخل بلادكم ، فهذا يكون أمان وأعطاهم الأمان من نفسه فلا يصح أن يقاتلهم . وبالتالي سيبقى القدر المشرتك والقدر الذي نقل به وهو أعمال هذا الاتجاه وقتال الكافر وهم أتوا بنفسهم في بلاد المسلمين ، لأنه لا يقاتل الكفار في واقع الأمر بل هي عمليات عسكرية متناثرة تسمى في الإعلام إرهابية فيها مفساد فيها خيانة للعهود ومواثق الأمان وفيها مفاسد تعود على بلاد المسلمين كلها ونحو ذلك .
لكننا نقول أن جماعة الجهاد كان لها فكر معين بانه كان أمامها قتال مرتدين وقتال كفار وكانت تقدم قتال المرتدين على قتال الكفار ، والآن تراجعوا مع عدم سحب وصف الردة .
الجديد في مراجعات الدكتور سيد إمام بأنه دعا إلى أن وصف الردة يحتاج إلى تثبت وهناك مسألة تسمى العذر بالجهل .
وهذا التطور الرئيسي الذي كان في مراجعات الدكتور سيد إمام وهو بذلك وكأنه يرجع إلى بعض الأمور في المنهج السلفي وإن كان مراجعاته لا تعبر صورة طبق الأصل من المنهج السلفي ولكن هو رجع لقضية وجود العذر بالجهل وبالتالي توظيف الأمر بردة النظام ونحو ذلك ثم ينبني عليه قتاله الذي تراجعوا عنه ، لكن المسألة أنهم مازلوا مصرين على توصيف الأمر بالردة طبعاً مع إغفال قضية العذر الجهل تماماً .
ومراجعات الدكتور سيد إمام فيها إشارة ومبناها على أنه لابد من الاعتبار بقضية العذر بالجهل مع اعتبار قضية المصالح والمفاسد حتى لو وجد مرتدين أو وجد كفار اصليين أو غيرهم وبالتالي هذه عندما تراعي قضية المصالح والمفاسد وقبلها تراعي قضي العذر بالجهل لا تكيف المواجهة في بلاد المسلمين على أنها قتال ردة ، ولما يراعي المصالح والمفاسد سيمنع من المواجهة في بلاد المسلمين جزماً وسيمنع مواجهة الكفار في بلادهم بإحداث تفجيرات أو غيرها لأنها من حيث الواقع المتكرر ينتج عنه مفاسد أكبر كما هو معروف .
فنحن دائماً نضطر نتكلم في قضيتين فقهيتين : قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التركيز فيها على قضية وجوب مراعاة المصالح والمفاسد عند تغيير المنكر لاسيما تغيير المنكر باليد ، وقضية الجهاد ونركز فيها على أنه ليس كل قتال جهاداً ، فمن الممكن أن يكون قتال فتنة أو غيره ، فالجهاد هو الجهاد الشرعي الذي يكون فيه تكييف واضح وصريح للطرف المقابل وفيه تمكين وفيه فئة وتجمع لراية المسلمين التي تحارب الطرف المقابل ، وكثير من الأحيان نجد أصحاب الجهاد يتسرعون في في توصيفات غير مطابقة للشرع كما أنه يوصف الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين بالردة استناداً على عدم تطبيق الشرع دون مراعاة لقضية العذر بالجهل وإغفاله لقضية المصالح والمفاسد في هذا الباب .
وبالتالي عندما تدرس مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتدرس مسألة فقه الجهاد تجد الكلام واحد في أصوله العامة ، ومن الممكن أن تعمم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقول أن الجهاد نوع من أنواع تغيير المنكر ، وممكن تعمم قضية الجهاد وتقول جهاد الكلمة والنصيحة جزء من الجهاد .
ولكن في النهاية عندما تفصل كل واحد منهم بمعناه الدقيق ستجد أن الأمرين متقاربين جداً في التركيز على مراعاة الضوابط الشرعية عموماً ومراعاة المصالح والمفاسد والقدرة والعجز خصوصاً .
في الواقع هنا لأنه يتكلم في البحث عن من يرون حتمية المواجهة العسكرية فالكلام موجه أكثر لمن يرون قتال الأنظمة
فنحن قلنا أن الجماعة الإسلامية كانوا لا يرون القتال كمبدأ وإن كان هذا أتى كعرض على قضية تغيير المنكر باليد .
فنقدر أن نقول أن البحث لخص لنا أهم العناصر التي ندرسها في بحث فقه الجهاد ، وهناك بحث أكثر تفصيلاً عن فقه الجهاد ، فهو هنا سيلخص لنا أهم العناصر المطلوب استحضارها في قضية فقه الجهاد ومعرفة ما يتعلق به لضبط الغلو الذي يوجد عن اتجاهات جماعة الجهاد في التسرع في التكفير في القتل لما يعم ضرره ، وفي التسرع في القتال دون مراعاة المصالح والمفاسد ، فهذا الموجود هنا في هذا البحث .
نحن مهلنا في ذكر التطور التاريخي ونشأة جماعة الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية وتقريباً هذا موجود في كل بلاد المسلمين بصورة أو بأخرى وذكرنا التطورات الأخيرة في كل منهما بأن الجماعة الإسلامية أقرت بمدأ لزوم مراعاة المصالح والمفاسد في تغيير المنكر باليد وبالتالي تخرج عن هذا التصنيف لكن الفكر سيظل موجود ، من الممكن تجده في بلد أخرى وفي منطقة أخرى كنوع من التحصين الدعوي والحرص على بقاء المنهج بأن نكون على علم بقضية تغيير المنكر باليد وضوابطها ، وأيضاً جماعة الجهاد حصل عندها تطور ولكن ليس تطور في كل فصائلها ، فعندنا جماعة الجهاد المصرية تطور عندها تطوران : الأول تعليق العمليات العسكرية في مصر أو من الممكن أن تضيف إليه أن رؤية مواجهة الكفار صارت مقدمة عندهم عن مواجهة الأنظمة
التطور الثالث مبادرة الدكتور سيد إمام والذي اقترب فيها من الطرح السلفي ، إلا أن هذه الوثيقة ليست محل اتفاق من كل المنتسبين إلى هذا الفكر .
لذلك نقول أن جماعة الجهاد مازالت موجودة بهذا الفكر وإن كان ليس لها رصيد على أرض الواقع لأن أعضائها أما داخل السجون وإما خارج مصر موجودين مع القاعدة أو مع غيرهم ، فهذا الفكر مجمع على أرض الواقع على النحو الذي ذكرناه ، وعلى أي نحن في المرة القادمة إن شاء الله نقرأ من البحث ما فيه ، والذي هو تقريباً خلاصة الكلام على فقه الجهاد لأن معرفة هذا الفقه يبين لنا مواطن الخلل في فكر من يرون المواجهة المسلحة في ظل هذه الظروف الراهنة .
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-08-2010, 10:30 PM
شريط السابع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في تدارس بحث السلفية ومناهج التغيير ، وشرعنا في المرة السابقة في الكلام على التيارات التي ترى حتمية المواجهة العسكرية التي تسمى بالتيارات الجهادية وذكرنا فيما يتعلق بمصر على وجه الخصوص أنه كان هناك تيارين كبيرين : جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية ، بغض النظر عن التطورات التي طرأت بأن الجماعة الإسلامية تراجعت عن هذا الخط تماماً ، وتراجع كثيراً من فصائل الجهاد .
نحن نذكر الفكر من أجل الفكر ، وكانت هذه رموز في أحد هذين التيارين يمكن أن يكون الكلام هنا منصب عليه أكثر لأن فعلاً طريقة تفكيره ومنهجه والذي يطرحه في طريق الإسلام هو المصادمة المسلحة مع الحكومات المعاصرة حتى يستولي على الحكم من خلالها سواء بانقلابات أو بغيره .
قلنا أن هناك قدر تداخل بينه وبين تيارات أخرى مثل الجماعة الإسلامية في مصر فتنظيرها لم يكن كذلك وأنها جماعة دعوية إلا أنها توسعت في إنكار المنكر باليد وفي الفترة التي نشير إليها وكانت فيها تمثل منهج صدامي توسعت في تغيير المنكر باليد مع عدم مراعاة المصالح والمفاسد والتي أوجدت صدام مع الشرطة أشبه الصدام الذين بين جماعة الجهاد والسلطة .
في واقع الأمر أصبح الصدام بعد ذلك لا يتفق مع أصول جماعة الجهاد ولا مع أصول الجماعة الإسلامية ، فجماعة الجهاد لم تكن ترى الصدام العشوائي وإنما تريد ان ترتب لانقلاب ولكنها في واقع الأمر اضطرت إلى سلسلة من الصدامات ، والجماعة الإسلامية لم يكن الصدام جزء رئيسي في منهجها بقدر ما أنها كانت تتصور أنه يمكن أن تصل إلى درجة من الدرجات التي تستطيع أن تفرض نفسها كأمر واقع تغير المنكرات باليد وتلزم العصاة الإلتزام بالشرع دون صدام مع السلطان ، ولكن حدث الصدام وانقلب أنه لم يعد هناك دعوة وإنما بقي الصدام فقط .
فقلنا أن القضية ليست قضية مصر فقط ، بل هذه الاتجاهات تقريباً موجود صور كربونية منها في كل بلاد المسلمين مع اختلاف المسميات .
أيضاً هذا الفكر ما زال يمكن أن تجد أنه يعيش في أذهان البعض وإن كان لم يعد له إطاره التنظيمي وجماعاته التي تدعوا إليه ولكن ما زال الفكر موجود .
نحن بدورنا ينبغي أن نظل دائماً نعنى بهذه القضية وبضوابطها حماية للمنتسبين إلى هذا المنهج خوفاً أن يتأثر بكتابات قديمة لبعض هذه الاتجاهات أو لكتابات حديثة لبعض الاتجاهات المشابهة حتى لو كان في بلدان آخرى .
ولكي نواصل دائماً دور الحماية ، بفضل الله تبارك وتعالى ومن رحمة الله تعالى على هذه الدعوة أنها مثلت عبر تاريخها مقاومة داخلية داخل إطار الصحوة الإسلامية ضد تيارات الغلو لاسيما الغلو في التكفير والغلو في سفك الدماء ، فكان للدعوة دور كبير في إيقاف تيار التكفير وتيار التوقف وغيره من التيارات ، وأيضاً حصل نوع من أنواع الكمون في هذا الفكر ولكن لا يعني هذا أن نقصر نحن في معرفة رد هذه الشبهات ، لأنه لا يوجد فكر يموت كما ذكرنا ، ففكر الخوارج القدماء ظهر ثانية في جماعة التكفير والهجرة ، وفكر المعتزلة ظهر بصورة أو بأخرى في جماعات التوقف والتبين ، ولكننا نقول مهم جداً أن يظل لدينا الحصانة الكافية ضد تيارات الغلو في التكفير تيارات الغلو في الدماء والاستهانة بها .
المرة السابقة أعطينا هذا التمهيد في تاريخ وجزور الفكرة في الصدام .
اليوم نعود للبحث لنقرأ منه المناقشة التي ناقشها مع التيارات التي ترى حتمية المواجهة العسكرية .
في الواقع أن الكلام الذي في البحث هنا يكون أقرب أن يطبق على جماعة الجهاد وفق ما ذكرناه من أصولها ومنهجها وطريقتها في التغيير أكثر من كونه منصب على الجماعة الإسلامية أو ينصب على الجماعات التي ترى المواجهة العسكرية ابتداءا ًأكثر من كونه موجهاً للاتجاهات الدعوية التي تورطت في مواجهات عسكرية لحمالة الدعوة وفق تصورها .
وعلى أي حال يوجد طرح موجود لهذه القضية وتلك وهو طرح أوفى ، هناك رسالة صغيرة للشيخ ياسر برهامي بعنوان ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وهذه أيضاً لعلنا إذا سمحت الفرصة أن تدارسها ، وكانت هذه من إحدى الرسائل التي كنا دائماً نحرص على تدريسها لإخواننا لاسيما في سن الشباب في فترة قمة المواجهات بين الجماعة الإسلامية وبين النظام لضبط هذه القضية ، هناك هذه الرسالة وهناك أيضاً بحث ـ فقه الجهاد ـ وهو نشر في أحد أعداد مجلة صوت الدعوة التي نتناول منها هذا البحث ـ السلفية ومناهج التغيير ـ
وعلى أي حال يمكن أيضاً الاختصار والإلمام بالقضية نقول أن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضية الجهاد قضيتان متاقربتين جداً حتى أن إحداهما يمكن أن تدخل في الأخرى ، فأنت لو وسعت مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيدخل فيه الجهاد لأن الجهاد نوع من أنواع تغيير المنكر باليد وإذا وسعت مفهوم الجهاد يشمل جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد أعداء الله في الخارج فيكون شامل بلا شك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقضية في البابين رغم أن بينهما قدر من التمايز أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد كلاهما من حيث المبدأ حكمهما واحد ، فنحن نقول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإلا أثم كل قادر ، وكذا الأمر على الجهاد وإن كان هذا ينطبق على جهاد الطلب أما جهاد الدفع ففرض عين ، هذه تفاصيل تختص بها قضية الجهاد ربما لا يوجد لها نظير في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن ابتداءاً من حيث الحكم يكون حكم القضيتان واحد .
الحكم الثاني أن الضوابط التي ينبغي مراعاتها في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي تقريباً نفس الضوابط التي ينبغي مراعاتها في قضية الجهاد لأن هذه أحكام وتكليفات تحتاج إلى عدة وإلى قدرة وها هنا القدرة يضادها العجز ، والعجز نوعان : عجز حسي وعجز معنوي
العجز الحسي لا يكاد يكون محل نزاع يبين أحد ، فكون إنسان عاجز تماماً كأن يكون مريض أو مقعد لن يخاطبه أحد بالجهاد ، ومثلاً إنسان أخرص لن يطالبه أحد بتغيير المنكر بلسانه وإن كان يمكن أن يغير بقلبه ويمكن أن يغير بيده أحياناً أو نحو ذلك .
على كل حال فالعجز الحسي يزول معه التكليف تماماً ، حتى الشيء المعجوز عنه حساً لا تقول أن هذا الشيء واجد أو مستحب أو حرام أو مكروه ، لأنه انتفت إرادة المكلف ، ومن شروط التكليف وجود الإرادة ، فإذن عندما نذكر الكلام على العذر بالإكراه ونقول أن هناك إكراه ملجئ إذا قيد الإنسان واستعمل كالجماد في جريمة أو معصية ، الآن الخطاب الشرعي موجه له فهل يفعل أو لا يفعل ؟ هذا الخطاب الذي يترجم بالمصطلح الفقهي إلى أنه واجب أو مستحب أو حرام أو مكروه أو نحو ذلك ، لا يوجد خطاب لأنه عاجز عن الامتثال وبالتالي صار هاهنا كالجماد ، وكذا إذا كان هناك طاعة فعلية ولكنه عاجز تماماً عن فعلها ، فالعجز الحسي ليس مجال أخذ ورد بين أحد ، ولكن الكلام إنما يكون في العجز المعنوي .
العجز المعنوي : هو أن يكون الإنسان قادراً على فعل الطاعة وعلى ترك المعصية ولكنه يلحقه ضرر .
أيضاً عندما نتكلم على العذر بالإكراه نقول أن هناك نوع من الإكراه يبقى لدى المكره إراده ويبقى لديه اختيار إما أن يفعل وإما ألا يفعل ، ولكن يوضع السف على عنقه ويقال له إما أن تشرب الخمر مثلاً وإما أن تقتل ، فصار هنا هذا إكراه ينبغي أن يخاطب المكره بأنه هل يجوز له أن يفعل هذا الحرام أم لا ، لأنه ما زال لديه اختيار وما زال عنده إرادة فحينئذ نقول أن العذر بالإكراه عذر معتبر في أحوال .
أيضاً عندما نقول أن إنسان يتمكن من إنكار المنكر لاسيما في قضية تغيير المنكر باليد بأن يستطيع أن يزيل المنكر ولكن إذا أزاله هناك تهديد موجود وهذا التهديد ممن لديه قدرة على إيقاع هذه العقوبة وممن لا يتخلف تهديده غالباً وهذه هي شروط العذر بالإكراه .
لو أن هناك تهديد بالإكراه لمن تعرض لهذا المنكر ، فمن جهة القدرة يستطيع أن يفعل وليس لديه عجزاً حسياً ، ولكن نتيجة ترتب ضرر فهاهنا يكون عجز معنوي ، وباتفاق العلماء أن هذا الأمر معتبر وأنه ينقل الواجبات إلى درجة أقل ، ولكن إلى أي درجة ؟ ، نحن نتكلم على العذر بالإكراه على ترك طاعة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهاد ، وهذا الموضوع الذي نتكلم عليه أصالتاً أو على فعل معصية لأن الكلام على العذر بالإكراه أشمل من أن يكون هناك مجرد أن يكون هناك إكراه على ترك الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أو إكراه على ترك الجهاد .
نقول أنه إذا وجد الإكراه المعتبر شرعاً نزلت الواجبات عن رتبة الوجود ، ولكن إلى رتبه ؟ هذه هي القضية ، فقد تنزل إلى الاستحباب أو إلى الإباحة أو إلى الكراهة أو إلى الحرمة .
هذه القضية التي ينبغي أن ينتبه إليها ، فإذا قلنا أن هناك عجز عن فعل طاعة ما بأدلة العذر بالإكراه العامة { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } فهذا لا يعني إلا سقوط الوجوب عن فعل الطاعات المعجوز عنها ، وقلنا هنا العجز الحسي بأن يكون قادر على الفعل ولكن يلحقه عقوبة أو ضرر معتبر شرعاً ، فسقط الوجوب ولكن يبقى ماذا صار حكم هذا الشيء بعد أن انتفى الوجوب ؟ ، نقول في بعض الأحيان يكون فعل هذا الشيء مستحب وأحياناً يكون فعل هذا الشيء صار مباحاً أو مكروهاً .
وهذه المسألة يتكلمون عنها في الأصول في ـ الرخصة أفضل أم العزيمة ـ ومنها رخصة العذر بالإكراه فهل يأخذ بالرخصة أم بالعزيمة ، والصحيح أنه فيما لا نص خاص فيه فالرخصة أفضل ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب أن تؤتى رخضه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) إلا أنه في القضية التي نحن بصددها فيها النص الخاص الذي يجعل العزيمة أفضل من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله ) وهذه كانت أكبر الشبهات التي تمسك بها إخواننا الذين كانوا أو مازالوا يتمسكون بهذه الشبهة ، فلو حتى هناك عذر بالإكراه في هذا الباب فالأخذ بالعزيمة في هذا الباب أفضل فنحن لا ننازع في هذا ، ولكن ننتبه أنه ليس دائماً القضية أنه إذا كان وجد عذر نقول أنه سقط أو انتفى وجوب الأمر بالمعروف طالما وجد ضرر متحقق غالباً وانتفى وجوب الجهاد ما دام أن قوة المسلمين أقل من نصف قوة العدو ، فإذا انتفى ذلك الوجوب انتقل إلى الاستحباب ولكن مازال هناك شروط ، ينتقل للاستحاب بشرط أن يكون الضرر قاصراً وبشرط أن توجد مصلحة ما ، فإن تعدى الضرر حرم وإن كان الأمر مفسدة محضة حرم .
نحن مازلنا نمهد للقضية وسنقرأ البحث ولكن نقرأ منه فقرة يسيرة نقلاً عن الإمام النووي توضح هذه الجزئية .
يقول الإمام النووي : " وإذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام "
جاز الانهزام هذه بداية وجود الرخصة ، والأصل وجوب الثبات في القتال ولكن إذا قلت القوة وجعل الله عز وجل لها أمر ظاهر منضبط لكي يستطيع الناس أن يقيسوه فإذا قلت قوة المسلمين عن نصف قوة العدو جاز الانهزام .
ثم قال : " وإذا جاز الفرار "
هنا الجواز بالمعنى العام وليس المباح المستوي الطرفين
جاز الانهزام تساي أنه لم يجب الثبات ولكن ماذا سيكون الحكم ؟ المسألة ما زال فيها تفصيل ، وإنه إذا انتفى وجوب الثبات لم ينتقل إلى حكم واحد بل هناك أحوال مازال لابد من النظر إليها .
قال : " وإذا جاز الفرار نظروا ، فإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب الثبات "
إذن الثبات في الأصل كان واجباً ، فلما نزلت قوة المسلمين عن نصف قوة العدو لم يكن هذا الثبات واجباً ولكن إذا وجدت شروط أخرى سيكون مستحب ، فما هي ؟
أنه على الرغم من أن قوتهم أقل من نصف قوة العدو ولا يغلب على الظن أن ينتصروا ولكن يوجد ظن أنهم إذا ثبتوا ظفروا استحب الثبات وإن غلب على ظنهم الهلاك ؟
فهو إذن يختار يثبت ويأخذ بالعزيمة ، ولكن هذه العزيمة أن يقتل نفسه ، فنفسه ليس ملكاً له ، ولكن إذا استحب له الثبات يجود بنفسه في سبيل مصلحة شرعية ، وأما إن غلب على ظنهم الهلاك ففي وجوب الفرار .
فإذن صار الثبات محرم وليس واجباً فقط ، نزل من الوجوب إل التحريم .
قال : " وإن غلب على ظنهم الهلاك ففي وجوب الفرار وجهان : قال الإمام إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعاً ، وإن كان فيه نكاية فوجهان "
فإذن خلاصة المسألة وهو موجود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموجود في الجهاد نفس المسألة .
فإذا وجد أن هناك ضرر يغلب على الظن وقوع ضرر ، فهذا عذر في ترك هذا الواجب ، سقط ونزل هذا الواجب من رتبة الوجوب إلى أي رتبة ؟
هذا الباب من الباب الذي يستحب فيه العزيمة فلو نزل من الوجوب ينزل إلى الاستحباب ، ولكن الاستحباب مازال يحتاج إلى النظر في شروط معينة فإذا كان هو إذا ثبت وتحمل خصلت مصلحة بانتشار الدين وظهوره وتقوية أفئدة المؤمنين إلى ذلك صار هنا يستحب له أن يثبت ، ومعه شرط أخر وهو أن يكون الضرر غير متعدي ، لماذا؟ لأن عند الثبات مع علمه بأن الضرر متعدياً فيه إلزام لغيره بما لم يلزمه الله به .
فإذا كان الآن مجموعة من الناس في مكان واحد كأن دخلوا على سلطان ينصحونه أو في مسجد واحد فضلاً عن أن يكون في عموم بلدة وهو يعامل الجميع معاملة الواحد ، فلو كان هو يفرق بين من أخذ بالرخصة وبين من أخذ بالعزيمة ويوجد من يريد أن يأخذ بالعزيمة يستحب له ذلك ويتحمل الضرر ، ولكن إن علم أنه متى أخذ هو بالعزيمة عم الضرر الجميع ممن لم يرضوا أن يأخذوا بالعزيمة والشرع جعل لهم الخيار في المسألة وجعل لهم أنه يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة فإلزامهم بالعزيمة هاهنا إلزام بما لم يشرعه الله تبارك وتعالى ,
ولذلك هنا هذه القصة التي تدل على الفقه العظيم من عبد الله بن حذافة رضي الله عنه عندما أسره ملك الروم وحصل نفس القضية وأخذ رضي الله عنه بالعزيمة حتى أعلى درجاتها ، فهدده بالقتل بأن ينتصر وإلا قتله فرفض ، عرض عليه أن يأكل الخنزير ويشرب الخمر ، قال له : قد علمت أنه يحل لي ، وهذا مزيد في إظهار عزة الإسلام والأخذ بالعزيمة ، فهو يقول : قد علمت أنه الآن يحل لي ولكن لم أكن بأشمتك بصحابة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهاهنا يبين لنا أهمية الأخذ بالعزيمة ، لماذا أخذ بها هاهنا ؟ إظهار العزة وكسر قلوب المشركين ، حتى وصل الأمر بذلك الملك إلى أن يعرض عليه أن يقبل رأسه ويطلق صراحه ومع هذا أخذ بالعزيمة في هذا الجانب ففضل أن يقتل ولا يقبل رأس كافر . فلما جاء الأمر إلى أنه إن قبل رأسه أطلق جميع أسارى المسلمين قبل رأسه ، لأنه ليس له هاهنا أن يأخذ بالعزيمة نيابه عن جموع الأسرى أو نيابة عن غيره .
فهنا نقول أنه إذا عجز أو إذا وجد ضرر متوقع لإنكار منكر ما وكذا في الجهاد انتقل الامر من الوجوب إلى الاستحباب بشرطين : أن يظل توجد مصلحة راجحة ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر توجد حتى لو في ضرر سيظهر الأمر ويظهر الإنكار ، في الجهاد قد توجد وقد لا توجد ، وقد يحدث نكاية في الأعداء وقد يستأصلون استئصالاً يكسر قلوب المنؤمنين ، وهذا أيضاً فقه خالد ابن الوليد رضي الله عنه في غزوة مؤتة ، فقه القوات الثلاثة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة
أولاً حينما ثبتوا رغم أنه لا تكاد توجد مقارنة مطلقاً بين عددهم وبين عدد المشركين ـ ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف ـ ومع ذلك وجدوا أنهم إن ثبتوا بإذن الله يحدثون نكاية ويرعبون الأعدا ، فإذا كان هؤلاء ثلاثة آلاف يثبتون أمام هذا الجيش العرمرم ـ مائة ألف من الروم ومائة ألف من حلفائهم من العرب ـ فكان اختيار الصحابة رضي الله عنهم في أول الأمر الثبات لإحداث النكاية ، فلما قتل القواد الثلاثة واحد تلو الآخر وهذا القتل لا شك كان معه إرهاق شديد لعامة الجيش واقترب الأمر من الاستئصال التام وآلت الإماراة لخالد رضي الله عنه فانسحب بالجيش لأن هذا الانسحاب في حد ذاته هو عين النكاية في الأعداء ، وإلا لو استئصلوا لانكسرت قلوب المؤمنين ، وأما أن يستطيعوا رغم الثبات في أول المعركة أن يفروا من المعركة دون خسائر فهذا في حد ذاته انتصار كبير ، ولذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد رضي الله عنه في هذه الموقعة وسماه سيفاً من سيوف الله ، وعندما عاتبهم ذووهم عندما رجعوا إلى المدينة وقالوا لهم أنتم الفرارون قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( بل أنتم العكارون )
الحاصل هاهنا أن القضية إذا انتقلت من الوجوب إلى الاستحباب إن كان هناك مصلحة وإن كان الضرر لازم لمن اختار الأخذ بالعزيمة ، فإن تعداه لمن لم يأخذ بهذه العزيمة لزم الآخرين أن يأخذوا معهم بالرخصة حتى لا يلزموهم بما لم يلزمهم الله تبارك وتعالى .
هذا تقريباً نفس القواعد التي تحكم باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي تحكم باب الجهاد ولأنهما كلمنهما يمكن أن يعتبر نوعاً من الآخر .
في قضية الجهاد تتفرع القضية معنا لمسائل أخرى منها على سبيل المثال تطبيق هذا الكلام في مراحل تشريع الجهاد لأن الكلام هنا في الجهاد أكثر عمقاً لأن الجهاد مر بمراحل وهذه المراحل فيها تطبيق لهذا الكلام الذي نقوله ، ولكن البعض يقرأها قراءة مخالفة فيحتاج الأمر لتوضيح هذا الأمر .
تبطيق قاعدة توقع الضرر في الجهاد إنما يكون مبناها على غلبة الظن بحدوث النصر أو بحدوث الانهزام على ما قرأنا من كلام الإمام النووي .
يقول في البحث هاهنا في توضيه هذه القضية : " يرى فريق آخر أن تغيير الوضع الحاضر للمسلمين لا يمكن أن يتم إلا من خلال الموجهة العسكرية المسلحة مع الحكومات المعاصرة ولابد من بث روح الجهاد في المسلمين للخروج على الحكام المرتدين "
ذكرنا تنظير جماعة الجهاد وأنه لكي تختصر الطريق تماماً فهي ترى ردة الحكام وكثير من المحكومين ، وهذا إما عن طريق قضية الحاكمية أو عن طريق عدم العذر بالجهل أو عن طريق التكفير بالمعصية ، والتكفير بالمعصية ربما يكون مقبول لدى بعض هذه التيارات ، المهم أنه في النهاية يكون ليس أمامه عائق أمام هذا الحرب ، وهذا يعتبر جزء رئيسي من التكونة الفكرية لهذه التيارات ، وبالتالي يحدث تزاوج بين رؤية الجماعة المسلحة مع رؤية التكفير بدرجات متفاوتة أشدها غلواً أن يكون رأيهم في قضية التكفير كالخوارج تماماً ويكفرون بالمعصية فضلاً عن الحكم بغير ما أنزل الله أو نحو ذلك .
وكثير منهم يتبنى طريقة نظرة جماعات التوقف والتبين أو غيرها ممن يرون أن عموم الناس لم يثبت لهم حكم الإسلام أصلاً وإن كان عندهم لوث في المسألة .
أمثلهم طريقة من يرى أن الناس مسلمين ولكن يكفر من وقع في أمر كفري منهم دون اعتبار لجهل أو تأويل ودون اعتبار لجهل وغير ذلك من الأمور ، وبالتالي أقل ما يقبلون به أن يكون هناك قول بعدم الجذر بالجهل ، لأنه في النهاية يريد أنه يواجه مواجهة المرتدين .
هذه كانت أحد النقاط الساخنة جداً في المناقشات الفكرية داخل هذه التيارات مع التيارات التي أشرنا إليها وأنها كانت من حيث الأصل جماعات دعوية دخلت في المواجهة كفرع على حماية الدعوة من حيث تصورهم ، ولأن الآخرين حينما خاضوا في مواجهة خاضوا في مواجهة من باب أنهم يواجهون طائفة ممتنعة لا من باب أنهم يقاتلون مرتدين ، وبالتالي كان تنظير هؤلاء أعدل بكثير في هذه الجزئية ، مع الإنكار عليهم في قضية مبدأ حمل السلاح ابتداءاً وإهدار نظرية المصالح والمفاسد وتطبيقها العملي على أرض الواقع إلا أنهم كانوا في النهاية يتحاشون القول بالتكفير بالعموم ويرون أن الصدام فرع على طائفة ممتنعة عن تطبيق كل أو بعض أحكام الشريعة وتمنع جماعات تغيير المنكر من تغير المنكر فهم يوجهونها .
وهذا التخريج الفقهي من حيث الأصل لا إشكال فيه ، ولكن الإشكال في عدم مراعاة ضوابط تغيير المنكر وعدم مراعاة قواعد تغيير المنكر وقواعد المصلحة والمفسدة ، بخلاف تيارات الجهاد التي كانت تتبنى القول بالردة لكي تواجه أقوى مواجهة دون ضوابط ودون موانع .
فكان هؤلاء يقولون لابد من بث روح الجهاد في المسلمين للخروج على الحكام المرتدين وإعداد العدة لهذ الأمر .
ويرى هذا الفريق أن هذا هو أولى أولويات العمل الإسلامي ، بل قد يذهب البعض بالحكم أن كل ما سواه خيانة للدين .
يقول : " ونحن نحب أن نقرر هنا جملة من الأمول : الأول : أن حب الجهاد فرض على كل مسلم لا يفقد من قلبه إلا بنقص الإيمان أو زواله بالكلية نعوذ بالله من ذلك ، وتذكير المسلمين به وبدورهم في إعلاء كلمة الله في الأرض كلها ومحاربة الشرك في الأرض حتى يظهر الإسلام من أهم الأمور التي يجب الاعتناء بها في إطار الأمة فإنها ما زلت إلا لمخالفة الشرع ومنه ترك الجهاد في سبيل الله "
هنا دائماً ننبه على عدم المزايدة على أمور هي من المسلمات ، بمعنى أن البعض عندما تنكر عليه تهوره في تطبيق أحكام الجهاد ، وبالتالي يكون قتال فتنة وهو يسميه جهاد ، تقول له هذا القتال التي تصنعه هرج ومرج وليس جهاداً فيكون المقابل لهؤلاء أنهم يمنعون الجهاد ويبدلون الشرع وقائمة اتهامات طويلة لا تليق بالمناقشة التي يرجى منها أن تثمر ، تجد أن العنف البالغ في التكفير ربما وصل إلى تكفير التيارات الإسلامية الأخرى التي تنصحهم بعدم التهور والتورط من باب أن هؤلاء ينكرون الجهاد .
بفضل الله تبارك وتعالى لا ننكر الجهاد ولا يسع أحد يؤمن بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينكر الجهاد ، نحن نقول أن الجهاد له صراطه وسبيله .
إذا كان يوجد من ينكر الجهاد فليتناقشوا معه في هذا الباب ، لكن لا يكون من الحكمة ولا من الإنصاف ولا من التجرد ولا من طلب الحق لا للأتبارع ولا للمخالفين أن يصور المخالف دائماً أنه لا ينكر أفعالهم إلا الذي مشروعية الجهاد . والبعض يقول أن هؤلاء الذين يخذلون المجاهدين ويطعنون المجهادين وينشرون أخطاءهم
أيضاً هذا كلام عاطفي رنان وإلا فكيف تقوم أفعال هؤلاء إذا كان القضية ان كل تقويم سيقال أن هذا طعن في الجهاد وطعن في المجاهدين حتى ي التصورات التي ممكن تكون في ساحات ينطبق عليها أحكام الجهاد الشرعي كفلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها فيوجد تصورات تحتاج إلى نقد ، فإذا ما تكلمت في هذه الضوابط يقال أن هذا تخذيل للمجاهدين وطعن فيهم ورسول صلى الله عليه وسلم عندما مر في قتلى المشركين فوجد امرأة مقتولة فاشتد نكيره وقال : ( ما كانت هذه لتقاتل ، ما كانت هذه لتقاتل ) هذا تصويب لأفعال المجاهدين ، فهذا التصويب لا يقال عنه أنه تثبيط بل تصويب وعودة إلى الصواب ، إن كان هو يعترض على الكلام ذاته بأن هذا غير موافق للشرع لا بأس وليكن الكلام محصور في هذه الجزئية ولكن لا يحمل الكلام فوق ما لا يحتمل من أن هذا إنكار لمشروعية الجهاد أو أنه الغرض منه تثبيت المجاهدين أو غير ذلك .
نقول أن الجهاد أمر مشروع ، كون أنه يوجد أنواع من المواجهات نرى أنها ليست جهاداً ليس بأننا ننكر مشروعية الجهاد ، ولا أننا نقول أنهم قد رفع من الأمة ، بل هو ماض إلى يوم القيامة .
كما يقول في الجزئية التي بعدها : " الجهاد ماض في هذه الأمة إلى يوم القيامة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من نواءهم إلى يوم القيامة ) "
ولكن يقول هنا هل هذا جهاد ؟
نقول بل هذا قتال فتنة ، وهنا قتال فتنة ، وهنا قتال فتنة ، وهنا جهاد شرعي .
إذن كل واقعة تقدر بقدرها حتى ولو كان أنه لا يوجد مكان يسمى جهاد شرعي أو مواجهة تسمى جهاد شرعي إلا مواجهة أو اثنين أو أكثر أو أقل أو لا يوجد ، فكان يوجد أوقات يكون المسلمون فيها مستضعفون لا يواجهون وليس هذا إسقاط للجهاد كما ذكرنا .
الثالث : أن الإعداد للجهاد والأخذ بأسباب القوة والقدرة واجب على الأمة بحسب الاستطاعة خاصة عند العجز عنه مع لوزوم تحديث النفس به والحزن على فواته ، قال تعالى { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } [التوبة/92]
فهو أحياناً يقول أنه إذا كان الجهاد معجوز عنه ونحن نسلم بذلك لماذا لا تعدون العدة ؟
فتقول له وما هي العدة ؟
يقول : تدريبات عسكرية ومعسكرات ، وهل هذا إلا هو عين الجهاد .
فإذا حمل الإنسان سلاحا ولو صغيرا دائما ما يسأل الجميع لمن يعد هذا السلاح ؟ ، وهذا الذي يحمل السلاح يحمله لمن .
فهؤلاء يقولون لا تجهاد ولكن عد العدة ، هذا هو عين فكر جماعة الجهاد .
فماذا حديث ؟
كل مواجهتها كانت دفاعاً عن إعداد العدة ، لأن إعداد العدة يساوي أنه دخل في المعركة ، فهو كان يعد العدة ويتدرب في الصحراء ويفعل كذا وكذا ، مع أن الأمر يحتمل تنظيرات كثيرة في كيفية الخروج من هذا المأذق ودعوة الناس حكاماً ومحكومين إلى تطبيق شرع الله تبارك وتعالى ، ولكن نفترض انه اختار طريق المواجهة ، وهي مواجهة معجوز عنها وهو أدرك هذا العجز ، فعندما أدرك ذلك العجز قال يأخذ بأسبابه ، مع أن الأخذ بأسبابه أخطر منه هو نفسه ، لأن من أخذ أسبابه الدخول فيه ، وما المواجهات عبر عشرين أو ثلاثن أو أربعين سنة ما هي ؟ المواجهات هي في الدفاع عن إعداد العدة ، وهذا الذي حول جماعة الجهاد أنها بعد فترة تتحول إلى جماعة تفجيرات مع أن هذا يخالف الأساس النظري الذي قاموا عليه .
تقرأ الكتب التي نظرت للفكرة ، والفكرة في رؤوس أصحابها وتاريخها ويقول حادث الفنية العسكرية وحادث كذا ولا نريد أن نعدد كل هذه الحوادث ، يقولون تعجل البعض وظنوا أن العدة قد تمت وأنه إذا سيطروا على مبنى الكلية العسكرية سوف يحصلون على السلاح الذي يسيطرون به على كذا ، كلها أمور أوهام في أوهام وعجلة في عجلة ، ولأنه طالما بدأ يتدرب فقد دخل في المعركة ، فإما أن يتعجلها هو وإما أن يدفع إلى تعجلها .
نقول إذا كانت المواجهة فيها سفك دماء وكذا وكذا وطبعاً يتغير الأمر تماماً عندما ينزل الكفار المعلنين بكفرهم وليس أن مسلم يرتكب كفر ثم تبحث في هل هو معذور أو متأول وما هي نظرة جميع الناس إليه وهذا الخضم المليء بهذه الأفكار وهذه الشبهات التي تجعلك لابد أن تحطاط ولكن عندما ينزل الكفار كاليهود في فلسطين والأمريكان في العراق وأفغانستان تجد أن الأمور تتضح وتجد ان القدرة على إعداد العدة موجودة ، وموجود الظهر الآمن ومن أن المسلمون يعاونون حتى المقصرين منهم والقاعدين عن الجهاد يعاونون إخوانهم المسلمين الذي سارعوا إلى الجهاد ، بخلاف المسألة عندما يكون بلاد المسلمين التي يعلو فيها اسم الإسلام ويتولى فيها من يتولى وهو يعلن أنه مسلم ، قضية الحكم بما أنزل الله وحكمها قضية لا تزال تحتاج إلى كثير من البيان وكثير من التوضيح لا يمكن معها أبداً أن تفترض أن هاهنا مواجهة بين مسلمين وكفار على الأقل من ناحية الأخذ بالأسباب ، لأنه عندما ينزل الكفار في بلاد المسلمين وينبري من يجاهد يجد الأعوان ويجد الدعم المادي ويجد الدعم المعنوي ويجد أنه ليس في حاجة إلى فتوى لكي يقاتل هؤلاء الكفار ، بينما القضية عندما يكون مسألة والجميع ينتسب إلى الإسلام ، فكما ذكرنا أن قضية العذر بالجهل لها عامل كبير جداً فيما تقدير أن من قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه الحجة لاسيما مع شيوع الجهل وشيوع التأويل بل خروج التأويل من علماء رسميين بل خروج هذا التأويل من داخل أصحاب الصحوة الإسلامية ، ولذلك كتب جماعة الجهاد وكتب الدكتور سيد إمام رغم أنه كما ذكرنا أنه في مراجعته الأخيرة كانت أضبط بكثير ، ولأن هذه الكتب عندما تقرأها لأن هو يريد أن يكفر الأنظمة ويجد أن بعض المشاكل في قضية الحكم لها تأويلات عند اتجاهات الإسلامية كالإخوان فكان ينص على تكفير جماعة الإخوان ، وهذه أحدثت أزمة كبيرة داخل جماعة الجهاد ، لأن القضية فيها شبهات عالية جداً ، فإما أن تعذر المنتسبين للصحوة الإسلامية ولا تعذر غيرهم وإما كحال الدكتور سيد إمام سابقاً بأنه يتعسف في تكفير الجميع .
فقضية وجود شبهات بأن الناس منتسبة إلى الإسلام ثم تقع في مخالفات في قضية الحكم أو في غيرها ، يفرق في الحكم الشرعي لوجود العذر بالجهل والعذر بالتأويل فتحتاج القضية إلى بيان وتوضيح ويفرق في الأسباب الواقعية عندما ينظر الناس بين ومن ومن تتم المواجهة ، المواجهة في بلاد المسلمين تتم بين مسلمين ومسلمين ، وعلى الأقل الكثير من الجنود الذين يمثلون وقود المعركة بالفعل لا يدرون شيئاً ولا يعرفون شيئاً ، والقضية بصفة عامة تحتاج إلى بيان وتوضيح وإقامة للحكة فلا يمكن أن عموم المسلمين يساعدون من يقوم ليقتل أبناءهم وإخوانهم ويحدث المفاسد في بلاد المسلمين وغيرها .
كما ذكرن يختلف الأمر تماماً عندما يأتي كفار كاليهود والأميركان وغيرهم ، فالأمر أن هؤلاء كفار فالقضية واضحة معهم غاية الوضوح وليس أنه منتسب للإسلام يرتكب فعلاً ولو كان كفرياً ، فالأمر يحتاج إلى إقامة حجة ونظرة عموم الناس لهذه المواجهة أنهم يوفرون الحماية اللازمة والدعم المادي والمعنوي لمن يجاهد في سبيل الله .
ولذلك كان من الغلو في الجانب المضاد تماماً أن بعض الدعاة يريد أن يكون منسجم مع نفسه فهو ينكر المواجهات المسلحة في بلاد المسلمين فيقال له عندما ينزل اليهود والأمريكان في أي بلد مسلم هل أنت تمنع نفس المنع ، تعلمون فلان وفلان فلان يصرح بأنه يمنع ويصرح بأن التيارات الجهادية في فلسطين وفي العراق وفي غيرها هؤلاء خوارج وأفسدوا وفعلوا كذا وأحدثوا فتن في الأمة ويطالب المسلمين بأن يدخلوا في طاعة الكفار صراحة مع قدرتهم على المقاومة ، حتى لو أنه هنا غير قادر فإنه يخاطبهم على أن ما يفعلونه على أقل أحواله الاستحباب إن لم يكن الوجوب .
والقضية هنا قضية واضحة فلا يوجد إراقة دماء ولا هرج ولا مرج ولا تداخل بين المسلمين والكفار ، غاية ما هنالك أن هناك ضعف يقل من استطاع أن يقاوم معها أن هذا سد عن الأمة ثغرة وفعل ما قدر عليه ، وأما أنهم سبب بلاء لسائر المسلمين فهذا لا يشهد له الواقع ، فالبعض يقول مثلاً أن صواريخ حماس هي التي تحرك اليهود لضرب الفلسطينيين مع أن الواقع يؤكد أن هذه قوة ردع وأنه عندما تقل هذه القوة الردعية يستأسد اليهود أكثر ويقتلون من المسلمين أكثر ويهدمون من المنازل أكثر وكذا نفس الحال في الأمريكان في العراق وفي أفغانستان ونحو ذلك ، فالبعض كأنه أجبر حب فكرة ما واقتنع بها ، نحن معه في منع الهرج والمرج الذي يتم في بلاد المسلمين والتي بفضل الله تبارك وتعالى اسم الإسلام فيها ظاهر وإن كان الحكم ليس به ولكن اسمه ظاهر وعامة الناس منتسبون إليه حكاماً ومحكومين ، ويوجد مادة خصبة للدعوة والبيان ويوجد شبهات عند المخالفين تقتضي المنع من تكفيرهم .
لكن أن يأتي ويطبق هذا على البلاد التي يكون فيه الكفار يسومون المسلمين سوء العذاب ويريودون هدم الإسلام شكلاً وموضوعاً ظاهراً وباطناً ويطالب المسلمين أن يتدينوا ، فهذا الأعجب لأن هناك فرق في أن تقول عندما يكون الأمر أمر اضطراري وبين أن يكون هناك تدين ، أن يتدين المسلمون بأنهم يطيعون من تغلب عليهم ولو كان كافراً ، فهذا أمر ينزعج منه حتى أصحاب الحكم المدني لأن هذا يهدم الأساس الذي يمكن أن تحدث به مقاومة لأي غزو خارجي ، لذلك العجب أن بعض العلمانيين في الصحف والمجلات وغيرها يفرحون بهذا الكلام جداً ، وهذا يضرهم حتى من الناحية الواقعة بأن يعرف الأعداء أن هذه البلاد لا ينوون المقاومة وأنه إذا أتاهم الكافر رحبوا به وفتحوا له صدورهم وأزعنوا له وأطاعوا ، فهذا كلام كنا نعتبره من مسبات الصوفية أنهم لم يقاموا الاحتلال الفرنسي وإن كان بعضهم قد قاوم وإن كان حركات الصوفية في بلاد المغرب العربي قاومت فكيف يأتي الآن من يتحدث باسم السلفية ويرى أنه إذا جاءنا الاحتلال وتغلب فإنه لابد أن يتغلب إذا كان أنت لا تقاوم وغيرك لا يقاوم ، فإننا سنتديين بطاعته ، هذا في غاية العجب ، لذلك القضية دائماً تحتاج إلى ضبط بلا إفراط ولا تفريط .
نعود ونقول أن القضية بأن حب الجهاد فرض والجهاد ماض في الأمة إلى قيام الساعة حيث شرع الجهاد حيث شرع القتال في مكان ما وكان هذا القتال جهاداً شرع الأخذ بأسبابه من المادية من التدريب وغيره ، إذا وجب ضرر فالضرر الذي يلحق بالتدريب غيره أشد من الضرر الذي يلحق بالمواجهة ذاتها ، وبالتالي عندما نقول أن الاختيار هو المنع من المواجهة المسلحة مع الأنظمة المدنية المنتسبة إلى الإسلام الحاكمة في بلاد المسلمين فإذن يكون المنع من حمل السلاح ابتداءاً ومن التدريب عليه وأيضاً من الدخول على مواقع النت وهذه الآفة الأكبر الآن ، فيوجد شباب لا يجاهد ولكن قناعته الداخلية ربما تكون ما نبينه من أن المواجهة في بلاد المسلمين صدام سوف يكون قتال فتنة . وبالتبع لا يتضرر لأن الذي يحمل السلاح تكون هذه فكرته التي يدافع عنها وهي فكرة خاطئة ، والذي يتدرب هذه فكرته التي يدافع عنها وهي أيضاً خاطئة .
البعض الآن تستهويه الفكرة ويريد أن يعيش في أحلام وهو أول من يعرف أنها أحلام ، تجده يستهلك وقته على شاشات الكبيوتر يطالع المواقع التي تعرض الأسلحة وتصنيع الأسلحة اليدوية .. إلى غير ذلك ، فهل هذا هو واجب الوقت ، من كان في العراق أو أفغانستان أو فلسطين هذا سيكون جزء من واجباته الإسلامية وإن كان لا يلزم أن يكون الجميع متخصص في هذا الباب لكن أن يأتي إنسان يقول نحن الآن في مرحلة الدعوة والتربية والتصفية وبلادنا بلاد يعلو فيها اسم الإسلام نريد من خلال الدعوة والتربية أن يعلوها اسم الإسلام أيضاً ثم يأتي يقضي بالساعات الطوال يشاهد الأسلحة وتصنيعها وكذا وكذا ثم المشكلة أنه قد يرصد ويعاقب ويبتلى بالسجن ما شاء الله له أن يبتلى سنوات ، شباب من خيرة شباب المسلمين الآن جريمته الفضول للاطلاع على هذا النوع ، وهذا الفضول بلا شك لن يترك ، أنت لا تتصور أنه إذا كان رصد شخص عنده فضول سيترك إلى أن يتحول الفضول إلى عمل ، تجد عنده فضول هذا الفضول إذا رصد بطريقة أو بأخرى ويدخل إلى هذه المواقع وربما يدعوا غيره إلى أن يدخل إليها وتضييع لوقته وتضييع لواجب الوقت من التعلم والتربية وتعريض نفسه لفتنة بلا أي ثمن ، يعني هذا ربما يكون حاله أسوء من حال الذي كانت هذه فكرته ، لأن من كان هذه هي فكرته يقول يدفع ثمن ما يراه هو حقاً وبالتالي يحتاج الشباب لتوعية كبيرة جداً ، إياكم والفضول الذي يؤدي إلى مفاسد بلا أي ثمن نهائياً .
وعموماً هذا الفضول يوجد داخل جميع النفوس ولكن ينبغي على العاقل أن يقاوم هذا الفضول وأن يجبح جماحه حتى لا يضر نفسه ويضر إخوانه ويضر دعوته .
طالما أننا أشرنا إلى أنه يوجد أماكن المواجهة فيها جهاد مشروع لاسيما أن تكون المواجهة بين مسلمين وكفار ، فهذا في حد ذاته يوفر قدرة ويوفر أرض آمنة للتدريب والقتال ويوفر ظهر حماية وعمق استراتيجي للمواجهين .
لكن ننبه أن هذا الكلام لمن هو في هذه البلاد ، أما الذي في بلاد أخرى واجب الوقت فيها الدعوة فلماذا تترك ، فالبعض يقول إذا أنتم تقولون أن هناك جهاد في فلسطين فأريد أن أهذب وتقولون أن الجهاد في العراق فأريد أن أذهب .
في الواقع أن هذا أمر محرج جداً عندما تأتي للإجابة ولكن القضية أن المشكلة ليست في العدد في كل هذه المشاكل ، فالواقع الذي نعيشه أن الأماكن التي فيها جهاد هي أشبه ما يكون بما يسمونه بحرب العصابات ، الأعداء لديهم ترسانات أسلحة جبارة ويواجهون مجموعات من المجاهدين بأسلحة بدائية ، فالقضية ليست قضية عدد فلا يوجد أزمة عن الأماكن التي نقر أن فيها جهاد ، فلا يوجد فيها أزمة عدد حقيقية حتى تقول ندرككهم .
فكثير من وكالات الأنبياء أن شباب غير فلسطيني دخل غزة وأن حركة حماس نصحتهم أن يعودوا إلى بلادهم ، حتى لا تدخل في نوع من أنواع الاشتباك مع حكومات هؤلاء الشباب وهي ليست في حاجة إلى شباب ، الأمر الثاني وهو أن الذي هذه أرضه يجيد الكر والفر بينما الذي يأتيه من بلد أخرى يكون حمل وثقل عليهم فضلاً أنه لا يكاد يصل ممن يعزم على أن يذهب إلا واحد في الألف والآخرين يذهبون إلى حيث أن يدفعوا ثمن أنهم فكروا هذا التفكير دون أن يجنوا من ورائه أي فوائد ، بينما طاعة الوقت في أماكنهم أن يتعلموا وأن يدعوا إلى الله تبارك وتعالى .
فإن بلاد المسلمين كمصر والسعودية وغيرها فنقول أن الفتوى في هذه البلاد بأن واجب الوقت هو العمل والعلم والتربية والدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، كيف يكون أثر هذا في جميع بلاد المسلمين بما في ذلك البلاد التي فيها مواجهات كأفغانستان وغيرها وكيف يكون أثر ذلك في أوروبا ذاتها وأمريكا وانتشار الإسلام فيها ونحو ذلك ؟ ، فلا يكون الإنسان يحقر من المعروف شيئاً لاسيما وإن كان هذا هو المتاح ، بمعنى لو أنه يعيش في فلسطين لكان أمامه اختيارات فيكون ممن يساهم بأن يسد ثغرة العلم أو يسد ثغرة الجهاد أم يشارك مع هؤلاء بنصيب ومع هؤلاء بنصيب وهذا أكمل وأتم ، لكنه الآن أمامه ثغرات أخرى كثيرة أيضاً مثل ثغرات العلم والتعلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حقوق الفقراء والمساكين وأبواب الدعوة الكثيرة المتشعبة التي تأتي ثمارها بفضل الله تبارك وتعالى في العالم الإسلامي أجمع ، ويكون لها دورها في دعم الجهاد في المواطن التي فيها جهاد شرعي منضبط ويكون لها دورها في كل مكان بفضل الله تبارك وتعالى .
فإذن القضية أيضاً إذا كنت أنت في ثغرة ما لا تتركها إلى غيرها لاسيما إذا كنت لا تدري هل تصل إلى هذا الغير أم لا ،ولا تختار لنفسك أمور ليست في مجال الاختيار ، فيوجد إنسان طبيعته يتمنى لو وجد الجهاد ، وفطر الله تبارك وتعالى العباد على همم مختلفة واستعدادات متباينة وبهذا الاختلف الفطري يحصل التكامل بين المجتمع الواحد ، ولكن إذا كان الإنسان لديه ميل فطري معين لأمر ليس موجود ينبغي أن يجاهد نفسه ألا يطلب ذلك المفقود بطريقة تضره وألا يجعل نفسه كم مهمل ، بل يأقلهم نفسه على المتاح لأمر دين الله تبارك وتعالى وطاعة الله عز وجل والعمل على نصرة دين الله تبارك وتعالى .
إذن هذه النقاط التي كانت في غاية الأهمية في بيان أن القضية ليست قضية إنكار لمشروعية الجهاد ولا القول بأن الجهاد رفع من الأمة ، ومناقشة إحدى الشبهات مثل " إذا كان الجهاد معجوز عنه يتوجه الأمر إلى الأخذ بأسبابه " نقول أن الأسباب التي تعنونها من التدريب أو غيره هي في مفاسدها كالمواجهة بل أشد وأن حال بلاد المسلمين تحتاج إلى تكييف مختلف وقد أشرنا إليه ، بل حتى أن الانتقال من بلد غالب أهلها مسلمين واسم الإسلام فيها وهو الظاهر والاختيار فيها هو الدعوة والتربية لانتقال إلى بلد آخر قد لا يكون في كثير من الأحيان أو في كل الأحيان اختياراً صائباً بل الأصوب أن يكون الإنسان سداً للثغرة التي وجد فيها .
نعود مرة أخرى ونقول أن القضية أنه بعد توضيح ذلك يبقى أنه لابد من مراعاة القدرة والعجز ، وإذا كان العجز عجزاً معنوياً سوف نتطرق في تقديره إلى المصلحة والمفسدة ، هذا الكلام يقال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلغة ما تتناسب ، ودائماً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نتكلم عن إنكار آحاد المنكرات أما في الجهاد نتكلم عن الثبات والانهزان ومتى يجب الثبات ومتى ينتقل من الوجوب إلى غيره ثم الكلام على هل هذه الأحكام في الجهاد خاصة باقية بعد شبه الاتفاق بين جميع الطوائف على أنه كانت هناك مرحلة أمر فيها المسلمون بكف الأيدي وتحمل الأذى إلى غير ذلك ولكن هل جاءت الآن مرحلة أو ما استقر عليه التشريع أنه يجب الجهاد بلا هذه الضوابط التي قلناها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا ؟
وهذه ما يسمونها مراحل تشريع الجهاد والكلام عليها .
هذا نجعله في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
ونتكلم على مراحل تشريع الجهاد على انها تفصيل أدق بعض الشيء فيما يخص قضية الجهاد خاصة في القواعد العامة في هذا الباب وهي مراعاة القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة وتطبيق هذا على قضية الجهاد خاصة لاسيما أنها مرت بمراحل من مراحل التشريع .
نكتفي بهذا القدر .
سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-08-2010, 10:42 PM
شريط الثامن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
مازلنا في المناقشة مع من يرى حتمية المواجهة العسكرية كسبيل للتغير للأصلح .
في الواقع أن فيما ذكرناه فيما مضى كفاية لعرض الفكرة العامة وبيان ما فيها من خلل ، ولكن عند المناقشة الفقهية تثور عدة موضوعات يأتي على رأس هذه الموضوعات مسألة الجهاد كأمر شرعي مرتبط بتحقيق مصلحة أم أنه مأمور به أمر مطلق لابد من القيام به مهما كانت النتائج ؟
لأن هذه هي إحدى القضايا .
نحن نتكلم في الإشكالات التي تترتب على هذه المواجهات وما يكون فيها من مفاسد ، فتجد أن الرد قد يكون بإنكار قضية المصالح والمفاسد اصالة .
وكما ذكرنا أن هذا أيضاً كان يحصل من الاتجاهات التي ترى تغيير المنكر باليد والاتجاهات التي تمثل جماعات دعوية ولكنها تريد تغيير المنكر باليد ، فعندما تقول لها وتنكر عليها بأن هذا يترتب عليه مفسدة أكبر أو أن تغيير المنكر كما سبق وأن بينا بأن تغيير المنكر والجهاد كلاهما يحتاج إلى معرفة القدرة والعجز ومعرفة المصلحة والمفسدة ، وأنه إذا وجد العجز الحسي لن يكون هناك مجال للكلام أصلاً ، وأن العجز المعنوي الذي معناه أن يستطيع الإنسان أن يفعل ثم يلحقه بعد ذلك ضرر ، فهذا الضرر إذا كان ضرر معتبرا ًشرعاً سقط الأمر من الوجوب إل الاستحباب ثم أن هذا الاستحباب لوجود مصلحة وأن يظل الأمر فيه مصلحة وإلا فلا يكون إتلاف نفسه بلا فائدة وألا يتعدى الضرر إلى غيره حتى لا يلزم غيره بما لا يلزمه الله به فيكون عند الغير رخصة وهو يفعل الفعل الذي يعلم منه يقيناً أن هذا الأمر سوف يترتب ضرر على الجميع ومن ثم يمنع غيره من الأخذ بالرخصة .
فالذي كنا نتعرض له والذي يدفع به أمثال هذه الاتجاهات إما إنكار مبدأ مراعاة المصالح والمفاسد بصفة عامة وإما إنكارة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يغيرون المنكر باليد بصفة خاصة أو إنكاره في أمر الجهاد بصفة خاصة للتيارات التي ترى المواجهة الشاملة .
بالنسبة لقضية مراعاة المصالح والمفاسد بصفة عامة يكون هذا موضوع أصولي ولعل تفاصيله تكون خارج نطاق هذا البحث ولكن لا بأس أن نشير إلى بعض أدلته على عجاله .
استدل بعض الأصوليين لمسألة وجوب مراعاة المصالح والمفاسد بقوله صلى الله عليه وسلم :( لا ضرر ولا ضرار ) واعتبروا أن هذه قاعدة عامة بأنه لا ينبغي على الإنسان أن يفعل شيئاً يستجلب ضرراً ، واستدلوا له أيضاً من القرآن بقوله تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } [الأنعام/108] فمع أن آلهة المشركين تستحق السب والذم إلا أن هذا الذم إذا كان يستجلب أنهم يغضبون ومن ثم يسبون الله تبارك وتعالى فيكون سبهم حينئذ محرم لا لذاته ولكن لما يترتب عليه من مفسدة ، ومن أوضح أدلة وجوب مراعاة المصالح والمفاسد قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : ( لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة ولأقمتها على قواعد إبراهيم ) فترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير وضع بناء الكعبة الذي كان مقاماً على غير أسسه ، مع أن هنا الفتنة بعد انتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجاً ولكن كان منهم كثيرون حديث عهد بكفر فربما دخل إليهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح مكة وتمكن هدم الكعبة التي كان يدعي تعظيمها ، فكان هذا أحد الأدلة الصريحة على ذلك ، ومن هذا أيضاً من فعله صلى الله عليه وسلم من تركه إقامة حد الردة على من ظهر نفاقه من المنافقين ، أما المنافقون الذي كانوا يستترون بكفرهم فلم يعلم كفرهم إلا عن طريق الوحي ، فهذا المانع من قتلهم شيء آخر وهو ألا يسن النبي صلى الله عليه وسلم فيأتي من بعده يقتل الناس على النيات ، فإذا كان الوحي موجود على زمن النبي صلى الله عليه وسلم فالوحي انقطع بوفاته صلى الله عليه وسلم ، فلما كان هذا الأمر سينقطع وهو معرفة أعان المنافقين عن طريق الوحي لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أن يخربهم أن الوحي قد أخبر أن هذا منافق فاقتلوه لكي تبقى القاعدة العامة غير منخرمة ، ولكن أسر النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء هؤلاء المنافقين لحذيفة رضي الله عنه ، لماذا ؟ حماية للأمة ككل ، وأن يعلم المنافقون أن الوحي أخبر بأسماهم وأن أسماءهم موجودة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركها عند حذيفة بحث ينسحبوا من الحياة العامة للمسلمين فلا يتصدرون لقيادة جهاد ولا لإمارة ولا لإفتاء ولا لرواية حديث ، فهذا الضمان كله حدث من وجود حذيفة رضي الله عنه كاتم سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا في حد ذاته قد يعتبر دليل مستقل على مراعاة المصالح والمفاسد ، وكيف أن الشرع شرع أمثل الطرق التي تحقق المصلحة وتدفع المفسدة ، وأنه لو كان عومل هؤلاء بمقتضى الوحي لكان هناك مفسدة مستقبلية يمكن أن تحدث تم تداركها بأنهم لم يعاملوا بما أبطنوه مع أن الوحي أعلم النبي صلى الله عليه وسلم . أما من أظهر فهذا صار كافر ، فمن قال اعدل يا محمد هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وعبد الله ابن أبي ابن سلول الذي قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ويعني أنه هو الأعز وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الآخر حاشاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، هذه ردة ، فكل هذه الأنواع ردة ومع ذلك ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما كلم في قتلهم ؟ قال حتى لا يتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه .
هذا دليل قاطع في نفس المسألة التي نتكلم فيها ، نفس المسائل التي تدار من تغيير المنكر باليد وقتل المرتدين ، وهذا أعظم أنواع تغيير المنكر باليد وهو قتل المرتدين ، ومثاله الجهاد ، ترك النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء مع وجود المفسدة منهم حتى لا يتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه .
هنا يفرع البعض عن هذا الكلام ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل كعب ابن الأشرف اليهودي . نقول : هذه مسألة وهذه مسألة .
نحن نقرر مبدأ أنه عندما وجدت مفسدة من قتل هؤلاء المنافقين امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم وهذا دليل واضح الدلالة جداً ، في المقابل أنه قتل من كان معاهداً وأخل بعهده لأنه كافر يستحق القتل وأخل بعهده ولم يكن في قتله مفسدة وإلا لامتنع النبي صلى الله عليه وسلم منها كما امتنع من قتل من هم أسوء منه حالاً فالمنافقين اسوء أنواع الكفار وأسوء من الكافر الأصلي ، ولكن هؤلاء المعاهدين لما غدروا وظهر غدرهم عياناً وكان كعب ابن الأشرف يشبب بنساء المسلمات و إلى غير ذلك مما هو عند القاصي والداني وعند المؤمن والكافر نقض للعهد فلا يوجد مفسدة ولا يوجد مانع شرعي ، هو أولاً كان معاهد نقض عهده فصار الآن حلال الدم ، وكان الذي يعصم دمه العهد وهو الذي نقضه .
ثم سائر الأمور يبقى بعد ذلك أن يكون يستحق للقتل أم لا ؟ لم تكن توجد مفسدة التي كانت موجودة في قتل المنافقين لأن المنافقين في ظاهر الأمر يبدون أنهم من المسلمين ، فمن ظهر منهم الكفر ظهر في مجلس خاص أما عموم العرب فيعلمون أن هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أتابعه ، ولكن ذلك الرجل رجل معاهد غدر ونقض عهده وعلم الجميع بذلك النقض فلم يكن هناك مانع من قتله ، فلا هو معصوم الدم ابتداءاً ولا في قتله مفسدة ، وهذ الذي نقوله ، نقول أن نحن الآن في معرض تقرير الأدلة على وجوب مراعاة المصالح والمفاسد ، ولكن في هذه القضايا خصوصاً نقول هم قد يقتلون معصوم الدين بأن يقتلون مسلم لم يرتد أو كافر له عهد أو يكون هو الذي أمنهم من نفسه بأن يدخل بلادهم بتأشيرة دخول التي تمثل عقد أمان فإما أن يقتل من هو معصوم الدين أو أن يقتل غير معصوم الدين ولكن في قتله مفسده ، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل من هو غير معصوم الدين لأن في قتله مفسدة ، فإذا كان قد قتل غيرهم فهذا يدل على انهم لم يكونوا معصومين الدين ولم يكن في قتلهم مفسدة .
يبقى التطبيق الواقعي ، ولكن قبل أن نطبق التطبيق الواقعي لابد أن يعترف بالأساس النظري وإلا فلم نصل إلى حل في المناقشة إلا إذا كان يعترف بأساس نظري بوجود المصالح والمفاسد ثم يدعي عدم وجود مفسدة فيكون هذا له مجال لكن ابتداءاً أن يقول أنه لا يشرع مراعاة المصالح والمفاسد فهذا السنة القولية والعملية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .
أيضاً مما هو من سنته العلمية صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأصنام حول الكعبة في ملكة طوال الدعوة المكية مع أنه لا يعدم القدرة على تكسيرها بليل أو نحو ذلك ولكن هذا كان يترتب عليه مفسدة أعظم ، ولكن إبراهيم الخليل عليه السلام كسر الأصنام وأثنى الله عليه بذلك .
نعود مرة ثانية : الأصنام أعظم المنكرات إذن هي تستحق التكسير فالكلام ليس في استحقاقها من عدمه ولكن الكلام في القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ، فما كان إبراهيم عليه السلام هو الوحيد المؤمن في قومه أو على الأقل لا يعلم قومه مؤمناً غيره فهذا مما يقال فيه أنه سقط الأمر من الوجوب إلى الاستحباب ، هذا بالإضافة أن إبراهيم عليه السلام كان يغلب على ظنه إن لم يكن كان متأكداً بالوحي من أن الأمر سوف يأول إلى مناظرة عالمية ، فكان غرضه حتى وإن لحق به أذى أن يجبرهم على أن يستمعوا لدعوته ، وهو في النهاية يتحمل هو نتائج ما فعل ، فهذا ليس خارجاً عن الأصل الذي نقرره من أنه عندما يكون تغيير المنكر يغلب على الظن أن يلحق ضرر بالداعي ينظر إذا أراد أن يأخذ بالعزيمة فإن وجد هناك مصلحة ما من أن ينكر ذلك المنكر ويحتسب في تحلم الضرر جاز بشرط ألا يتعدى إلى غيره ، وهذا ينطبق على فعل إبراهيم عليه السلام .
أيضاً من الأدلة التي تدل على وجوب مراعاة المصالح والمفاسد قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تقطع الأيدي في الغزو ) نقول إقامة الحدود في حد ذاته مبني على الموازنة من المصالح والمفاسد بمعنى أن إتلاف عضو من إنسان أو إذهاق روحه مفسدة ولكن إذا كان هذا الإنسان حياته تستجلب مفسدة أعظم أو أنه لا ينزجر عن المفسد الأعظم إلا بهذا الإتلاف شرع الشرع إتلاف أحد أعضائه أو إيلامها بحسب نوع الحد . ثم لو أن إنساناً في الغزو فعل ما يستوجب الحد ثم أقيم عليه الحد ربما كانت فتنة وهو قريب من أرض العدو أو وهو في أرض العدو وساحة المعركة مفتوحة أن يفر إلى الأعداء ، فمن هنا امنتع من إقامة الحد في هذا الحال .
هذا بالنسبة للأدلة على وجوب مراعاة المصالح والمفاسد بصفة عامة
أما الأدلة على وجوب مراعاة المصالح والمفاسد في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم في قضية الجهاد ، وكما ذكرنا قضية الجهاد تعتبر صورة من قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن فيها قدر من التفصيل .
بالنسبة لمراعاة المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيما ذكرناه هناك نقول عن أهل العلم في هذا الباب .
يقول ابن رجب رحمه الله بعد أن ذكر أن هناك رخصة في ترك الإنكار لمن خشي بأسه ولكن هذه الرخصة لا تنفي الاستحباب كما ذكرنا بعد ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) ولكن يقول ابن رجل : " فإن خشي في الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغي له التعرض له حينئذ من تعدي الأذى إلى غيره ، يقول : كذلك قال الفضيل ابن عياض وغيره "
يقول : "وأيضاً قال الإمام الغزالي : فإن كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وأقرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محظور كما أن السكوت على المنكر محظور "
يقول نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو في نفس أو ينالهم الأذى بالسب والشتم فهذا فيه نظر ، يعني قد يكون الضرر يسير والمنكر عظيم فحينئذ يحتمل والمسألة تحتاج إلى موازنات كما ذكرنا .
والنقول في هذا الباب كثيرة .
بالنسبة لقضية الجهاد بصفة خاصة يتزرع من يرى المواجهة في أي ظرف وأي مكان أن الجهاد فرد لا يجوز إسقاطه ويسميه البعض بالفريضة الغائبة ، وكلمة إسقاط هذه كلمة غير صحيحة ولكن نقول أن الجهاد له شروط متى وجدت شرع أو صار ذلك القتال جهاداً ومتى لم تكن لم يكن هذا جهاداً مشروعاً .
يتمسك المخالفون بأن هناك أمر من الله تبارك وتعالى بالجهاد فلا بد من القيام به بغض النظر عن الملابسات ، وكما ذكرنا أن هذا يخوض إلى الكلام على القضية المعنونة بـ مراحل تشريع الجهاد ، لأنهم يقولون أن الآيات في القرآن كثيرة { وقاتل المشركين كافة } والأمر بالجهاد في آيات كثيرة جداً ، هذا يقتضي أنه لابد للمسلمين أن يجاهدوا وأن هذا واجب لا يجوز لهم أن يتخلوا عنه بأي صورة من الصورة .
عندما نقول لهم أن هناك آيات أخرى تبين أنه ينبغي الصبر وكف الأيدي والصفح عن المشركين فتكون الإجابة أن هذه منسوخة وأن المستقر هو الأمر بالجهاد وهم يعرونه عن الضوابط الشرعية تامة بوجود المصالح والمفاسد ، ونحو لو افترضنا جدلاً أن الجهاد لم يشرع إلا كمرحلة واحدة بالأمر بالجهاد دون أن يمر بالمراحل الأخرى التي سنذكرها لكان هذا شأنه شأن من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وشأن جميع الأوامر الشرعية التي ينبغي فيها مراعاة القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة .
إذن بحث مراحل تشريع الجهاد تستطيع أن تقول أنه بحث فرعي لإشباع الرغبة عند المخالفين في ألا يشرعون أن هناك نوع من القفز في الاستدلال أو لرد شبهة عندهم ، وإلا فالقضية لو أنك أغفلت تماماً مسألة مراحل تشريع الجهاد وافترضت أن الجهاد شرع هكذا مرة واحدة فكل الأوامر الشرعية في النهاية ينبغي أن تكون عند التطبيق نراعي فيها القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة لما ذكرنا من الأدلة .
يزداد الأمر وضوحاً لو كان هذه العبادة أو هذه الشعيرة مرت بمراحل وأن هذه المراحل كانت مبناها على تغير ظروف وملابسات القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة

مصرى بن مصرى
11-08-2010, 11:38 PM
جزاكم الله خيرا

روضة الحب
11-09-2010, 01:46 AM
ربنا يبارك لك
نرجوا المتابعة ولك منا كل الشكر

ابن قمر المصرى
11-09-2010, 01:54 AM
شريط التاسع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
كنا وقفنا في البحث عند هذه الجزئية
يقول : " مراحل تشريع الجهاد ، في السنة الثانية من الهجرة فرض الله القتال وأوجبه بقوله تعالى { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [البقرة/216] وقد مر الجهاد بعدة مراحل :
الأولى : الكف والإعراض والصبر عل الأذى مع الاستمرار في الدعوة ، مما نزل من الآيات في هذه المرحلة قوله تعالى { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } [الحجر/94] ـ اصدع بما تؤمر ولا تلتفت لأذى المشركين ـ
المرحلة الثانية : إباحة قتال من يقاتل من غير فرضية "
إذن ممكن نسمي المرحلة الثانية مرحلة مشروعية جهاد الدفع ، يعني بدأ يكون هناك جهاد دفع ولكن لم يكن واجب بل مستحب فقط ، كما في قوله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج/39] هنا أذن والإذن فيه الإباحة ، ولكن قلنا أن الإذن بعد الحظر يعود الأمر لما كان عليه قبل الحظر ، فكان هناك { أعرض عن المشركين } فجاء الإذن بأنه يمكن أن تقاتل من يقاتلك مع وجود الأدلة الأخرى التي تبين أن الجهاد عبادة وطاعة وأنه ذروه سنام الإسلام ، فإذن كان ممنوعاً منه للمفسدة ثم جاء الإذن الذي يجعله حينئذ مستحباً { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج/39] هذه المرحلة وقعت فيها واقعة بدر ، ولذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، استشار لأن الجهاد لم يكن واجباً ولأن البعية التي تمت بينه وبين الأنصار أن يحمونها في المدينة لا خارجها ، ومن هنا جاء الاستشارة ولم يقدم على الجهاد إلا بعد أن تكلم نقباء القوم وعزموا على الجهاد .
الثالثة : وجوب جهاد الدفع ، فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط دون من لم يقتالهم ، كما قال تعالى { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة/190] فهذا وجوب جهاد الدفع
الرابعة : قتال الكفار ابتداءاً وهي وجوب قتال الطلب { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة/36] وهذه وجب فيها جهاد الطلب على أنه فرض كفاية على الأمة ينبغي أن تنتدب الأمة منها من يقوم به .
يقول : " وقد استقر أمر الجهاد على المرحلة الأخيرة التي ذكرت في سورة التوبة وهي قتال المشركين حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية مع الذل والصغار على الخلاف المشهور في جواز قبول الجزية من الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس "
إذن هذه مسألة جانبية أخرى وهي متى ينتهي القتال بين المسلمين عندما يبدأ المسلمون قتال غيرهم؟
أولاً ينبغي أن يكون هذا القتال بعد الدعوة
ثم متى ينتهي ؟ إذا أسلم المخالفون بلا شك أو رضوا بدفع الجزية
هل موضوع الجزية مطروح لجميع الكفار ؟
هو بالإجماع غير مطروح للمرتدين ، ولكن بعض العلماء يقولون أنه خاص باليهود والنصارى والمجوس فقط ، والبعض يراه خاص لكل الكفار ماعدا المرتدين ، والمسألة فيها تفصيل فقهي ليس هذا مجاله .
فهذه هي مراحل تشريع الجهاد ، وطبعاً من نافلة القول أن نقول أن هناك معركة على صعيد آخر مع العلمانيين ومع المنصرين وغيرهم عندما يقولون أن الإسلام انتشر بحد السيف ، مما دفع البعض إلى إنكار أنه يكان في الإسلام يوماً ما جهاد طلب ويحالون تأويل الآيات مع أن الواقع والتاريخ يؤكد أنه ليس الفرس والروم هم الذين بدأوا بقتال المسلمين .
إذا تصور أن القتال الذي دار بين المسلمين وبين مشركي العرب في الجزيرة العربية بصفة عامة كان فيه نوع من التناوش أو قد يتوهم البعض أن كله جاء رد فعل مع أن بعضه كان جهاد طلب ، لا يمكن أبداً أن يتصور ولا ينكر أن المسلمين هم الذين بدأوا بقتال الفرس والروم .
يعودون مرة أخرى ويقولون أن الفرس والروم كانوا قد بدأوا من قبل الإسلام بنهب ثروات العرب والسيطرة العرب ، وتجد الواحد منهم يحاول أن يصور الجهاد الإسلامي الذي شرع لتكون كلمة الله هي العليا فإذ به يصوره وكأنه جهاد لتحرير العرب من سلطان الفرس والروم ، فلماذا كان الحرب مع العرب ابتداءاً ، فإذا كانت القضية هي تحرير العرب من سلطان الفرس والروم كلام ليس له خطام ولا ذمام ، ولكن لأن الذي يقوله لا يقتنع به وإنما فقط يريد أن يتهرب من ما يذكره أعداء الإسلام من أن الإسلام انتشر بحد السيف ويعتبرون أن هذه سبة عظيمة ، يتمسك القول في مقال بهذا بقول { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } ثم بعد ذلك وياليتهم يقفون عندما صار لا يقال { الغي } فهم يقولون { لا إكراه في الدين } فحسناً ، أما باقي الآية.. ؟ ، فيقولون وكل الأديان لابد أن تحترم ، فأنت قتل { لا إكراه في الدين } وهذا في كتاب الله مع أنه لا يصح أن يفهم هذه الآية وحدها وإلا فأين { وقاتلوا المشركين كافة } ، فلابد أن يجمع بين هذه وتلك ، ولكن إذا تغاضيت عن هذا مبداءياً ، { لا إكراه في الدين } نعم هي في كتاب الله ولماذا تحذف بعدها { قد تبين الرشد من الغي } لماذا لا تقول لهؤلاء نحن تركناكم ولم نكرهكم على ترك دينكم ولكن بعد أن بينا لكم أنه دين غي وضلال وأن الرشد في اتباع دين الله ، هذا إذا كان البعض يفعل هذا في كتاب الله فإذن هذا يؤكد أنه لم يجعل كتاب الله إماماً بل يؤصل الأقوال التي تتفق مع هواه أو مع هوى الكفار ثم يأخذ من كتاب الله ما يوافق هواه ، { لا إكره في الدين } لابد أن يضيف إليها { قد تبين الرشد من الغي }
الأمر الآخر : إذا كان الله تبارك وتعالى قال { لا إكراه في الدين } وهو الذي قال { وقاتل المشركين كافة } فلابد أن يكون الأمران حق ، نبحث ونتأمل في السنة العملية وفي معاني الآيات والأحاديث لنعرف ما هو وجه الجمع الذي خصلاته أنه إنما تقاتل الأنظمة الكفرية { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فلابد من القتال حتى لا يبقى في الأرض شرك ظاهر مستعل على بقعة من الأرض ، هذه هي غاية جهاد الطلب فينبغي أن يظل إلى أن يزول عروش الكفر من وجه الأرض ، أماإذا دخل المسلمون بلداً وخيروا أصحابها بأن يقال لهم هذا دين غي وضلال والإسلام هو دين الحق والفطرة ثم يتركون وشأنهم فهذا هو الجمع بين الأمرين .
ستجد دائماً السؤال ، وما زال أن هذا الطرح الذي نقول فيه أن المسلمين يريدون أن يقولون لإزالة العروش الكفرية ولكنهم يخيرون آحاد الكفار الواقعين تحت حكمهم فيما يختارون من عقائد ، يقولون مازال أنت تعطي لنفسك حق لم تعطه للآخرين وأنت تريد أن تنشر هذا المنهج على الأرض كلها ؟ نقول لهم ابتداءاً أين نجد على ظهر الأرض منهجاً لم يستعمل نفس الأسلوب ؟ ، هذه الديمقراطية والشرعية الدولة التي يتكلمون عنها ألم تفرض بحد النووي وليس بحد السيف ؟ ألا يوجد قتال تحت مظلة ما يسمونه الشرعية الدولة وتقاتل شعوب مظلومة ويقولون هذه شعوب مظلومة يستولي عليها ديكتاتور وهذا الديكتاتور إن كان سيتقلص بجيشه وثروات شعبه وبالمدنيين من شعبه يقاتلون أيضاً وهذا الذي حدث في العراق وفي أفغانستان وغيرها ، أليس هذا فرض للديمقراطية بحد السيف بل بأسوء نوع من أنواع الحروب والقتال بما يعم ضرره وقتل النساء والأطفال الذين لم يقاتلون ؟ بماذا ؟ لأنه يريد أن يقتلع ما يسميه بالديكتاتورية وأن يضع ما يسميه هو بالديمقراطية . إذن هو يعتبر أن الديمقراطية قضية لا تقبل القسمة على اثنين ، نحن أيضاً نعتبر الإسلام أنه الحق الذي ينبغي أن يسود .
إذن القضية تعود مرة ثانية إلى المربع صفر كما يقولون ومن يمتلك الحق ؟
هذه قضية مناظرة ومواجهة ، والإسلام بفضل الله يتلك أدلة صدقه الظاهرة البينة ، وعلى كل حال في النهاية هم يفرضون دينهم الأرضي الوضعي الذي يعرفون أنه أرضياً ووضعياً بهذا الأسلوب ، والإسلام لم يشرع قتال النساء ولا الأطفال ولا الرهبان المنقطعين في صوامعهم ، وهل هذا يمكن أن يتحول إلى ترك قتال المدنيين الرجال البالغين الذين لا أمل أن يشاركون في القتال ؟ هذا موضوع من الموضوعات المستجدة المعاصرة وإلا كان قديماً أن رجال القوم هم محاربوهم فجاء الإسلام فمنع قتل النساء والصبيان والرجال المنقطعين في صوامع وبيع وغيره ، وهذا الكلام كان كلاماً نظرياً وعملياً ، وأما الآخرون فحروبهم الحديثة نظرية تمنع من قتل النساء والأطفال والمدنيين وعندهم قائمة أسلحة محظورة وهم الذين يصنعونها وهم الذين يتاجرون فيها وهم الذين يستخدمونها ضد المسلمين ، فإذن هم يتشدقون بأمور لا يوفون بها .
وأما دين اليهود والنصارى فحتى من الناحية النظرية ليس في هذا الأمر ، ولذلك من الأشياء العجيبة أن تجد النصارى ودعاة التنصير يقولون أن الإسلام انتشر بحد السيف والقتال وعندهم في كتبهم التحريض على القتل وسفك الدماء وتدمير شعوب بأكملها بعد انتهاء المعركة ، يعني عندما ينتصرون يكون الاحتفال بالنصر هو قتل الجميع وقتل النساء والأطفال وهذا موجود في كتبهم وينسبونه بأن الله عز وجل أمرهم بهذا وموجود في يومنا هذا .
اليهود لا يحاولون أن يتجملون ولا يعيرون أحد اهتماماً ، إذا ما سئلوا عن ذلك لا يخوضون مناظرات ، اليهود دينهم ليس دين دعوي بل هو دين عنصري قائم على أن الذين يؤمن به لابد أن يكون يهودي الجنس ابتداءاً ، وبالتالي هم غير مشغولي بالدفاع عنه أو بيان ما فيه من باطل أو نحو ذلك وهذه الأمور تستهويهم وتروق لهم تماماً بأن تكون كتبهم ما زالت فيها هذه النظرة الاستعلائية العجيبة التي ينسبونها بأن الله عز وجل أذن لهم أن يفعلوا ما يشاءوا بل أمرهم وحضهم على أن يفعلوا ما يشاءوا في الشعوب الآخر لاسيما قتل النساء والأطفال وتقطيع العورات وقطع الزروع .. إلى غير ذلك .
أما النصارى فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ) وكلا الفريقين مغضوب عليه وضال ولكن النصارى وصف الضلال ألصق بهم ، ومن جملة هذا الضلال الحيرة ، بأنهم ورثوا ما كتبه اليهود دون تدبر لكي يثبتون أن عيسى عليه السلام هو امتداد لأنبياء بني إسرائيل ، وطبعاً من ضلالهم وحيرتهم عقيدتهم في عيسى عليه السلام فهل هو إله أو ابن إليه وهل هو إنسان أم ناسوت ولاهوت وهل هو يهدوي وهل هو جاء للهيود فقط وهل قال للمرأة الغير اليهودية ليس من الحكمة أن يؤخذ خبز البنين فيطرح للكلام لأنها ليست اسرائيلية فقالت له كما يزعم كتاب الأناجيل يا معلم والكلام أيضاً يأكلون من فتات خبز البنين فقال لها ما أعظم إيمانك يا امرأة ، إذن عندهم الإيمان أن كل من ليس يهودي جنساً إيمانه أن يرضى بدور الكلب ومع هذا هم جل من يؤمنون بهذا الدين وليسوا من اليهود جنساً .
دين النصارى مليء بالتناقضات العجيبة التي يستحيل على عقل بشري سوي أن يتصور وجودها جنباً إلى جنب وأن يكون القائمون بالدين ورموزه وكباره ليسوا من بني إسرائيل ويكون كتابهم الذي ينسبونه إليه يقول أن إيمان غير اليهودي لا يصح إلا إن رضي بدور الكلب .
نفس القضية هنا فهم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم .. إلى غير ذلك من العبارات ، وهم في ذات الوقت يؤمنون بأن ما يرثونه من اليهود ما يسمونه بالعهد القديم من عند الله وأن الإله الذي أرسل ابنه الوحيد ليقتل ويصلب ويبصق على وجهه ويوضع على رأسه تاج من الشوك ، كل هذه الأحكام المغلظة لأجل ذنب وقع من آدم عليه السلام ، وهو هو الذي أمر اليهود بأن يقتلوا جميع مخالفيهم وأن يمثلون بجثثهم وهو هو الذي يأمر بأن من ضرب على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ، كيف يؤمنون بهذه المتناقضات ؟!
ومع هذا يجدون الجرأة ليطعنوا في الإسلام ، فإذا قلت لهم العهد القديم وأنت تضعه فيما تسميه الكتاب المقدس وتقول أنه من عند الله ، وهذا شيء عجيب جداً وأن المشاكل الموجودة في العهد القديم إذا احتججت عليهم بها يقولون أن هذا هو العهد القديم ، فماذا يعني أن هذا هو العهد القديم ؟ هل كان الإله في العهد القديم تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ظالماً .. إلى غير ذلك من الأوصاف التي يجعلونها من لوازم تشريع الجهاد ، لاسيما وأن جهادهم كان سفكاً للدماء بكل معاني الكلمة ؟ ونفس الكلام تقوله على مسألة تعدد الزوجات وعلى مسألة الطلاق لأنهم معترفون بأن هذا كان موجود في العهد القديم ، فإذا كان هذا كما يزعمون أنه من المفسدة بمكان وأنه يسب دين الإسلام لا لشيء إلا لأن فيه تعدد زوجات ، والعهد القديم فيه كذلك وأنبياء بني إسرائيل كانوا يفعلونه .
نقول أن لهم تعليلات عجيبة وأن بني إسرائيل لو لم يشرع لهم تعدد زوجات لاتجوا إلى الزنا وهذا كلام شنودة ، فاضطر الرب طالما أنهم سيزنون أن يعطيهم شيء هو أقرب ما يكون من الزنا ولكنه أقل من الزنا
يعني شرع لهم ورضي لهم وأمرهم بشيء هو كالزنا لأنهم كانوا سيزنون ؟ ومن الذين كانوا سيزنون ؟ فهل داوود عليه السلام كان سيزني لو لم يشرع له أن يجمع بين مائة امرأة وسليمان عليه السلام وعامة أنبياء بني إسرائيل إلى غير ذلك ؟
كلام في غاي العجب .
إذن قضية أن الإسلام انتشر بحد السيف تكون قضية ساقطة شكلاً وموضوعاً .
على الأقل أنه على هؤلاء أن يرجعوا إلى ما ينسبونه إلى الله تبارك وتعالى قبل أن يعترضوا على الإسلام .
أما عقيدتنا نحن لا نأخذها منهم ولا من غيرهم ولا نغير الأحكام الشرعية مجاملة لهم ، فنعم الإسلام شرع قتال الأنظمة الكفرية حتى وإن لم يبدأون بالقتال وهذا الذي استقر عليه تشريع الجهاد ، وعندما يدخل المسلمون بلداً ويحكمونها يقولون للناس { لا إكره في الدين قد تبين الرشد من الغي } ، وهذا الذي حدث في مصر عندما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه وخير أهلها وترك لهم كنائسهم وفق ما يكون في البلاد المفتوحة لاسيما ما افتتح منها صلحاً لأن بعض بلاد مصر فتح صلحاً وبعضها فتح عنوة ، فترك لهم شأنهم إلا أن معظمهم بفضل الله تبارك وتعالى دخلوا في دين الله تبارك وتعالى ، وهم الآن يحاولون تزييف التاريخ مرات ثم مرات ، يحاولون أن يتهربوا من إثبات أن الإمبراطورية الرومانية كانت تقتلهم رغم أنهم عندما يريدون أن يتباهوا بأنهم قدموا شهداء يقولون شهداء كانوا في الصراع بين الكنيستين الغربية والشرقية ، وكانوا يمارسون بين بعضهم البعض أقضى درجات الإكراه في الدين مع أنهم كانوا مذهبين في عقيدة واحدة ، وكان المتغلب منهما يقتل الآخرين ويجبرهم على تغيير مذهبهم ، جاء الإسلام وترك لهم الأمر من باب { لا إكراه في الدين } دخلوا في دين الله أفواجاً ولم يبق إلا الندر اليسير .
تعرفنا في مرة سابقة حتى مسألة أن هذا الندر اليسير وهؤلاء كانوا من سكان مصر الأصليين فهذا كلام غير صحيح تاريخياً ، فمصر دولة بحكم واقعها الجغرافي انصهرت فيها أجناس كثيرة جداً ولا يكاد يقال عن مكان في مصر أنهم جنس فرعوني النسب خالصاً إلا النوبة ، وهؤلاء كلهم مسلمون والحمد لله رب العالمين .
فإذن لو الكلام على سكان مصر الأصليين فكلهم أسلموا بفضل الله تبارك وتعالى ، ولكن الصفات الوراثية للعائلات النصرانية القديمة النسب في مصر يكفي نظرة واحدة على هؤلاء فتعرف فوراً أنهم يونانيين وليسوا مصريين ، لأن هؤلاء توطنوا في مصر فترة أو على الأقل هم هجين بين اليونانيين والمصريين ،وفي النهاية لا يختلف الأمر معنا في قليل أو كثير ، نحن ندافع عن أنه ينبغي أن يعم دين الله تبارك وتعالى الأرض كلها .
ولكن أن يأتي أحد ويبدل حقائق التاريخ فيكون هذا موضوع آخر .
فإذن لا ينبغي لأحد أن يخجل من شرع شرعه الله تبارك وتعالى بل نقول أننا نقدم خدمة للإنسانية .
العالم الغربي الآن يزعم أنه يقاتل بالأسلحة الفتاكة ليقدم خدمة للإنسانية ، فما هي هذه الخدمة؟ أن يقدم لهم الديمقراطية التي يعترفون أنها أفضل البدائل السيئة .
فهل الإنسان لا يمكن أن يجد بديلاً حسن يحكم به حياته ؟ !
منظري الديمقراطية يقولون أن الديمقراطية هي أفضل البدائل السيئة .
نحن نقول أننا أصحاب رسالة نزيل الأنظمة الكفرية ، والأنظمة الكفرية في أوروبا وأمريكا تمنع الناس من الاستماع للإسلام ، الناس الذين يدخلون في دين الله أفواجاً رغم الحرب الشرسة على الإسلام ومظاهر الإسلام وعلى المساجد وعلى النقاب ، ماذا لو أزيلت تلك الأنظمة ؟!
إذن فعلاً فطرة الإنسان تناديه أن يدخل دين الله تبارك وتعالى .
لو أن المسلمون يقومون بدورهم في الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله في الأرض لكان الأمر مختلف تماماً .
ترك الجهاد خيانة للأمانة .
نرجع بعد كل مناقشة إلى أن يقول ومن الذي أدراك أن الإسلام هو الحق وهو الذي تقدمه للبشرية وتقاتل هذه الأنظمة من أجله ؟
نقول من باب المناقشة ومن الذي أدراك أن الديمقراطية حق ومن الذي أدرى الآخر أن الاشتراكية والشيوعية حق ، وكلها مناهج أرضية تجريبية ؟
فليكن القضية المحورية في كل هذه القضايا أن ما هو دليلكم على أن الإسلام هو الحق ؟ ثم تكون كل الإشكالات التي تلي ذلك محلولة تلقائياً .
فلا ينبغي أن تفرع بنا الأمور إلى مسائل أخرى .
فنحن نتكلم على أن الجهاد مر بأربع مراحل :
الأولى : مرحلة الكف
الثانية : مشروعية جهاد الدفع
الثالثة : وجوب جهاد الدفع
الرابعة : وجوب جهاد الطلب .
المشكلة مع إخواننا أصحاب التيارات المسماة بالتيارات الجهادية ، أيضاً ربما أشرنا قبل ذلك تضطر أن تستخدم مصطلحات معينة فتقول ـ التيارات الجهادية ـ فيقولون اعترفت على نفسك بأنك وصفتنا بأننا تيارات جهادية وينبغي مراعاة أن أحياناً هناك مصطلح يقال لشيوعي ، فلا بأس ، نحتاط ونقول التيارات المسماه بالجهادية لأنه يرون أنواعاً من القتال جهادا ومن ثم يفعلونها ونحن لا نراها جهاداً ومن ثم ننمنع منها .
يتملك أصحاب هذه التيارات الموسومة بالجهادية بأن المرحلة الأخيرة من مراحل تشريع الجهاد هي وجوب جهاد الطب .
أيضاً لو أنه من ناحية الجدل سألتهم هلموا إلى جهاد الطلب وأين هو ؟
تجد الأمر لا يتعدى فرقعات هنا أوهناك .
فابتداءً الدعوة غير ثابتة وغير مستقرة .
طبعاً يأتي السؤال هل يلزم للجهاد إمام وراية وأرض ؟
نقول لكي تقول جهاد لابد أن تسبقه دعوة وإقامة حجة وقدرة على تخيير الخصم إما أن يسلم إذا كان في قتال الكفار وإما أن يعطي الجزية وإما أن يستمر القتال، أين هذا كله فيما تراه من نماذج فضلاً عما تراه في بلاد المسلمين التي سوف نشير إلى أن قتال المنتسبين للإسلام موجود مثل قتال البغاة أو الطائفة الممتنعة ولكن له شروط .
ابتداءً بغض النظر عن توصيف الطرف الآخر ، فهذا الذي يقول جهاد خائف مستتر ليس له أرض وليس له راية وليس له شوكة ، وهذه كلها من شروط القدرة ، نحن لا نشترطها اشتراط شرعي بأنه لابد من ذلك ، ولكن هذه من شروط القدرة الواقعية ، لا يمكن أن يوجد أحد عنده قدرة إلا عنده أرض يستقر فيها وينطلق منها ، سواء كانت أرض سهلية أو جبال أو مغارات ، ولن ينجح تجارب الجهاد إلا في الأماكن التي يتوفر فيها أرض وراية وشوكة ، سواء كما ذكرنا أرض منبسطة أو مدن وقرى ونحو ذلك أو كانت جبال وغالباً لا تنجح إلا في الجبال كأفغانستان وغيرها لأن موازين القوى مختلفة تماماً بين المجاهدين وبين خصومهم .
وجود هذه الأرض أحد العوامل التي جعلت تكييف الأمر في العراق وأفغانستان والشيشان بأنه في إحدى مقومات القدرة ، ناهيك على أن الطرف الآخر واضح الكفر وناهيك إلى أن وجود مصلحة حتى لو وجدت مفسدة كرد فعل من الكفار فهي مفسدة حاصلة فعلاً ، بخلاف بلاد المسلمين لأنه بالفعل يوجد استقرار وحفظ للدمار حتى ولو يوجد حكم بغير ما أنزل الله ومنكرات ظاهرة ولو يوجد تضيق على الدعاة إلى الله ، ولو يوجد أمور من الظلم في توزيع الأموال إلى غير ذلك ، ولكن في النهاية الناس آمنون على دمائهم وأموالهم ويستطيعون تعلم دين الله تبارك وتعالى ويستطيعون عبادة الله تبارك وتعالى ويستطيعون تصحيح ما يمكن أن يحدث من أخطاء .
بخلاف الأعداء من اليهود والأمريكان وغيرهم إنما يهلكون الحرث والنسل .
وسواء وجد الجهاد أو لم يوجد ، بل أن التجربة تقول أن الجهاد في مثل هذه البلاد يثمل قوة ردع كبيرة ضد الأعداء ، عند عدم وجودها يستأسد الأعداء ، وهذا ما رأيناه من أنواع الفساد العظيم الذي أحدثه الأمريكان في العراق مثلاً قبل أن تتمكن فصائل المجاهدين من توجيه ضربات لهم قل قدر الفساد والاغتصاب والمخازي التي يفعلها الكفار في بلاد المسلمين .
يقول هؤلاء أن هذه المرحلة الأخيرة من مراحل تشريع الجهاد قتال المشركين كافة فلابد أن نثبت عنده ، ويقولون أن المراحل الأخرى منسوخة .
لذلك يقول هنا : " وقد فهم البعض القول بالنسخ فهماً غير صحيح فأنكر المرحلية بالكلية مع أن أهل العلم قد قرروه "
كنا نود أن ننتهي هذه المرة من الكلام على مراحل تشريع الجهاد ولكن استطردنا أكثر من استطراد منع من إتمام الأمر فنرجئها للمرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى بحث تأخذ كل مسألة حقها من البيان والتوضيح
فنكتفي بهذا القدر ونستكمل في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
سبحانك اللهم وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-10-2010, 09:20 PM
الشريط العاشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ذكرنا أننا بصدد مناقشة فكر الاتجاهات الإسلامية التي ترى المواجهات المسلحلة مع الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية
نحتاج لمعرفة عدة أمور وتتبع الأساس الفكري الذي بني عليه هذا الكلام ، وانتهينا في ذكر ذلك إلا أننا ناقشنا من حيث المبدأ قضية وجوب مراعاة المصالح والمفاسد بصفة عامة وفي قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفة عامة والجهاد بصفة خاصة ، ثم تطبيقها الأخص في قضية الجهاد هو معرفعة مراحل تشريع الجهاد .
هذا أحد جوانب المناقشة مع هذه التيارات وأنه سبق وقد ذكرنا أن بعضهم يرى أن الجهاد هو المرحلة الأخيرة ، وجوب الجهاد والبدء بالقتال هو آخر ما استقر عليه التشريع ومن ثم فلا يرى هناك أي مجال لتطبيق أحكام أخرى في هذا الباب ،مع أنه لا يفرق بين أنواع من يقاتلون وصفة قتال كلمنهم ، وبالتالي كل مسألة من هذه المسائل تحول جزء من الإشكال .
فمن هذه الجزئيات مراحل تشريع الجهاد على أنها التطبيق الخاص لقضية مراعاة المصالح والمفاسد فيما يتعلق بقضية الجهاد خاصة .
وقد ذكرنا في المرة السابقة هذه المراحل ثم استطردنا استطراد في الرد على العلمانيين والمتأثرين بهم من الإسلاميين الذين ينكرون جهاد الطلب ونحو ذلك ، فعنعود إلى مصارنا مرة أخرى أن الغرض من ذكر مراحل تشريع الجهاد في هذا السياق هو بيان أن قضية الجهاد وغيرها من القضايا من القضايا التي عند تطبيقها العملي ينبغي أن يراعى فيها المصالح والمفاسد .
يقول : " قد مر الجهاد بعدة مراحل :
الكف والإعراض والصبر على الأذى ما الاستمرار في الدعوة إلى الله "
وذكلنا أنه مما نزل في هذه المرحلة قوله تعالى { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } [الحجر/94]
المرحلة الثانية : إباحة القتال من غير فرضية
والمباح هنا كان جهاد الدفع { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج/39] إذن الإذن كان لمن يقاتل فقط وكان إذناً وليس أمراً .
الثالثة : فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة/190] ولا تعتدوا أي لا تبتدئوا أنتم .
وبعد استقرار تشريع الجهاد على أنه يشرع بدء المشركين بالقتال صار { لا تعتدوا } تحمل على لا تتجاوزوا الأحكام الشرعية في القتال كأن تقتلوا امرأة أو طفلاً أو غير ذلك مما جاء ضوابطه في الشرع .
الرابعة : قتال الكفار ابتداءاً كما في قوله تعالى { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة/36]
يقول : " وقد استقر أم الجهاد على المرحلة الأخيرة التي ذكرت في سورة التوبة وهي قتال المشركين حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية مع الذل والصغار على الخلاف المشهور في جواز قبول الجزية من الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس "
فإذن ما هي غاية القتال ؟ القتال إما ينتهي في جهاد الطلب ، فأنت الذي بدأت إلى قتال المشركين وتقاتلهم فإلى ماذا تدعوهم ؟ إلى إما الإسلام أو الجزية أو استمرار القتال ، بمعنى أن الجهاد يرتفع إذا اسلموا أو رضوا بدفع الجزية .
هل يمكن عرض الجزية على أي نوع من أنواع الكفار ؟
هناك اتفاق على أن المرتدين لا تقبل منهم جزية وهناك اتفاق على أن اليهود والنصارى والمجوس تقبل منهم الجزية ،والخلاف فيمن عاداهم من الكفار الذين هم ليسوا يهود ولا نصارى ولا مجوس وفي نفس الوقت ليسوا مرتدين .
الجمهور على أنهم لا تقبل منهم الجزية ،والراجح أنها تقبل ، والكلام فيه خلاف واسع معروف .
هذه هي مراحل تشريع الجهاد .
يقول : " وقد فهم البعض القول بالنسخ فهماً غير صحيح "
هناك إذا طالعت تفسير سورة التوبة وتفسير آية السيف { وقاتل المشركين كافة } ستجد أن عامة المفسرين يقولون أن هذه الآية نسخت آيات الصبر والموادعة والصلح والهدنة مع المشركين ووضعت السيف .
فهذه الآية جعلت الفيصل هو السيف ، ولذلك يسميها العلماء آية السيف ويصرحون بأنها نسخت الآيات الأخرى التي تتكلم على الصبر والصلح والهدنة ، وهذا كلام لا ينكر ، إذا طالعت في كتب التفسير فستجد هذه القضية .
من ثم تمسك البعض بهذا الأمر ، ولكن هنا عند التنقيح عندما تتكلم عن النسخ فهناك ناسخ وهناك منسوخ ، أتقول أن آية السيف نسخت آيات الصبر والهدنة والصلح مع المشركين ، فلو كان الأمر المقصود به النسخ الذي يسبق إليه الذهب والمراد عند الإطلاق في اصطلاح الأصوليين فالطبيعي أنك تراجع الآيات الناسخة فتجد أن يقال أن هذه ناسخة لما قبلها ،وأن تراجع الآيات المنسوخة فتجد أنه يقال أن هذه الآيات منسوخة لا يعمل بها ، فإذا لم تجد ذلك فإذن المسألة لها إشكال اصطلاحي لابد من حده ، ونحن إذا راجعنا إلى كتب المفسرين الذين صرحوا بالنسخ وقالوا أن آية السيف ناسخة لآيات الصلح والهدنة والصبر والكف والإعراض ، ثم نظرنا في أقوالهم في آيات الصبر والكف والإعراض وما شابهها لوجدنا أنهم يقولون أن هذه خاصة بمن كان مستضعفاً .
نخلص من ذلك أن كلمة النسخ التي قيلت عند آية السيف لم تكن بالمعنى الاصطلاحي المعهود وهو رفع حكم شرعي سابق بخطاب شرعي متراخ عنه ، هذا هو النسخ في الاصطلاح ، ولكن كلمة النسخ في اصطلاح المتقدمين قبل استقرار علم الأصول كانت تشمل التخصيص والتقييد ونحو ذلك فكأن آيات المراحل الأولى من الصبر أو قتال من يقاتل فقط نزلت مطلقة ثم نزلت آية السيف فقيدتها بحال المستضعف فقط ، وهذا نوع نسخ ، لأنه عندما نزل قوله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج/39] لم يقال فيها أن هذا الحكم لأنهم ضعفاء وإلا لم يكن هناك أي باب لذكر كلمة النسخ ، لو أن الحكم نزل مقيد يوم نزل لم يكن هناك أي مجال بأن يقل هناك نسخ ، لكن كانت كل مرحلة تنزل دون إشارة إلى أنها ستقيد ، النسخ الذي هو النسخ أيضًا يكون الحكم مطلق ، { لا تقربو الصلاة وأنتم سكارى } هو مقيد بزمن ولكن لم يبين الزمن في الخطاب الأول وتبين الزمن في الخطاب الثاني حيث أن الخطاب الثاني أنهى زمن العمل بالخطاب الأول فصار القضية أن الحكم الأول مقيد بمدة إلا أن المدة بينها الخطاب الثاني ، هذا هو النسخ الذي هو الرفع بالكلية ، فهنا القضية مشابهة تماماً ولذا كان القدماء يسمونها نسخاً ، وهو أن الخطاب الأول مقيد بالمستضعف الذي لا يقدر على تنفيذ الخطاب الثاني ، ولكن لما كان الخطاب الثاني لم ينزل أصلاً كان هذا حكم عام للقادر وغير القادر لا يقاتل إلى من قاتله . ثم لما نزل الخطاب الثاني نزل لكي يقيد الخطاب الأول بأنه خاص بالمستضعف ، من الذي يبين ذلك ؟ السنة العملية والقولية من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما استقر عليه كلام أهل العلم في ذكر هذه السنة ومعرفتها ، فإذن كان هذا الخطاب ليس نسخاً ولا رفعاً للخطاب الأول وإنما تقييداً له بحالة المستضعف ، هذا نوع نسخ لأن الخطاب الأول إلى نزول آية السيف كان خطاب عام لكل المؤمنين ، فلما نزلت آية السيف خص بالمستضعف ، وهذا نحت له الزركشي إصطلاح وسماه النسء وأنكر على جمهور المفسرين أنهم يقولون أن آية السيف ناسخة لما قبلها فقال : " وهذا في واقع الامر ليس نسخاً بل نسئاً هو يعمل بالحكم الأول عند وجود سببه ويعمل بوجود الثاني عند وجو سببه " وفي الواقع القضية اصطلاحية ،والمفسرين الذين أنكر عليهم الزركشي الإصطلاح قالوا بمقتضاه ، من أي نعرف أنهم قالوا مقتضاه ؟ عندما نرجع إلى الآيات التي قيل أنها منسوخة ، لما أتوا إلى تفسيرها هل قالوا يبق لها حكم ؟ وهذا مقتضى قول من يرى أن قضية الجهاد إما أن يرى أن الشرع عموماً لا ينظر في تطبيقه إلى المصالح والمفاسد أو على الأقل يقول في قضية الجهاد أنه لابد من القتال لأن هذه هي التي استقر عليه تشريع الجهاد ولا عبرة للمراحل المنسوخة
نقول له ارجع إلى تفسير هذه الآيات وانظر ، كيف النسخ من قال بالنسخ ؟ .
اتفقنا على أن آية السيف ناسخة بصورة أو بأخرى ، لا نرد حشد النقول في أن آية السيف ناسخة لأننا متفقون من حيث المبدأ أنها نسخت ما قبلها بصورة أو بأخرى ولكن المخالف يقول أنها نسختها تماماً ورفعت حكمها ، ونحن نقول أنه قيدت حكمها بالمستضعف فالمحك هنا يظهر في تفسير الآيات الأخرى وكما قاله السلف في شأنها فإن قالوا أنها منسوخة لا يعمل بها أصلاً فيكون هذا حجة لصاحب هذا القول وأما إن قالوا أنه يعمل بها للمستضعف يكون حجة لما نقول .
يقول : " هذا الفهم غير صحيح وهو مخالف لما قرره أهل العلم "
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين اوتوا الكتاب والمشركين ، وأما أهل القوى فإنما يعملون بآية القتال للأئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عند يد وهم صاغرون "
من أين أتى العلماء بهذا الفهم ؟ من التطبيق العالم لقاعدة المصالح والمفاسد وعندما يجد أن الشرع تدرج في تشريع الجهاد مع تدرج القوة والضعف عند المسلمين ، فهم يعرفون أن هذا إعطاء كل مرحلة احكمها المناسب وأن هذه المراحل تعود وليس أنها تنسخ ، لأن هذا يتماشى مع قضية المصلحة والمفسدة والقدرة والعجز ونحوها .
أحياناً يلزمك البعض لما هو ليس بلازم ثم يفترض أنك قد التزمته ، وهذا من الخلل في المناظرة بمعنى أنه من الممكن في المناظرة أن يقول الإنسان قول فأنت تقول له يلزم من قولك كذا ثم تنتظر جوابه إما أنه يعترف بأنه يلزم من هذا القول ذلك اللازم وإما لا ، فإن اعترف إما أن يلتزمه وإما أن يتراجع ، وبالتالي يقول العلماء لازم القول ليس بالقول ، فأنت تستخدمه في المناقشة من باب أنه لو كان اللازم باطلاً كان هذا دليلاً على بطلان الملزوم ، ولكن فرق أن تستعمله في المناقشة وبين أن تفترض أن المخالف قد قاله .
هنا يقول المخالفون يلزم من قولكم هذا إبقاء المرحلية في كل الأحكام التي صار فيها تدرج مثل قضية تحريم الخمر .
هذا إلزام منهم فعليه الجواب منها ، فعليه أن ينتظر الجواب ولكنه يفترض أننا التزمنا هذا اللازم ، ويقول هؤلاء الذين يقولون بمرحلية الجهاد مرحلية الأحكام عامة ويطلق لنفسه العنان .
نقول لا ، بل هناك أحكام ونسخ تام وهو ما ذكرناه وهو أن الخطاب الشرعي المتأخر يقيد الخطاب المتقدم بأحوال مخصوصة فلا يكون نسخاً والضابط عندنا هو فهم السلف ، وبالتالي قد فهم السلف أن آيات الجهاد كلها معمول بها لاسيما وأنه ليس في أي منها تصريح بأن الأخرى غير معمول بها أو رفع حكماها ، فصار أنه لما كان حال المسلمين كذا نزل كذا ، اما التدرج في تحريم الخمل أو في غيرها فهو مما أجمع المسلمون على أنه نسخ فلا يجوز أن يقول به أحد ، والبعض أحياناً يصل في خياله ما هو أبعد من ذلك ويتكلم على أنه إذا كنت ستعمل بآيات المرحلة المكية في الجهاد إذن ستترك الصلاة أو الصيام أو تقول أن الحج ليس بواجب وكأنه يلزم أن تعود بكل الأحكام إلى هذا التاريخ وهو وهم مريض لا يقبل به أحد مطلقاً ، وكما ذكرنا أن القضية هنا هل تم النسخ أصلاً لكي يكون هناك كل هذه الأسئلة وكل هذه التلازمات التي يطرحها أم لا .
نقول أن هذه الآيات نزلت لم تتعرض واحدة منها بنسخ الأخرى صراحة ونزلت كل منها مع وجود تطور في أحوال المسلمين من حيث القوة والضعف ثم أن مع وجود الآيات ووجود النصوص التي تتكلم عن المصلحة والمفسدة والقدرة والعجز علم أن هذا كالطبيق العملي لقضية القدر والعجز ، بخلاف التشريع العام الذي لا يكون القضية فيه مراعاة للقدرة والعجز بقدر ما هو مراعاة لطبائع النفوس أو غيرها ، فهذا مما لم يقل أحد فيه بالمرحلية .
والمحك في النهاية هو فهم السلف ، وهذا هو فهم السلف لهذه القضية .
إذن علماء السلف قالوا أن آي السيف ناسخة لكنهم في ذات الوقت قالوا عن آيات الصفح والصبر أنها للمستضعفين .
يقول : والنسخ عند السلف يشمل التقييد والبيان والتخصيص ولا خلاف بين العلماء في العمل بمراحل الجهاد ، وإلا فالسلف لا يكلفون المستضعف من المسلمين الذي حاله مشابه بحال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بالقتال ، وإنما الواجب عليه أن يجتهد لكي يصل إلى حال قوة يجاهد فيها الكفار
يقول : وكيف يكون الجهاد واجباً على الناس وهم غير قادرين ولا مستطيعين ، فالواقع هو الذي يحدد أي الأحكام هو الأمثل في مراحل الجهاد وأن التطبيق بحسب الظروف الموجود ، فلابد من النظر بعين الاعتبار لحالة المسلمين وما هم عليه من قوة أو ضعف ، وقد تكلم العلماء في جواز مداهنة الكفار بمال عند ضعف المسلمين .
القضية ليست فقط مجرد جواز المهادنة ، جواز فداء الأسير كحكم شرعي مجمع على انه لم يتغير ، يدل على أن هناك مجال لتطبيق المصالح والمفاسد في قضية الجهاد ، وأنه يمكن بدلاً من أن تقاتل الكفار لانتزاع الأسير الذي عندهم وتجد أن هذا غير متيسر والقوة لا تسمح بهذا فتدفع لهم مال لكي تحصل على الأسير . فإذن هذا كله يدل على أن القضية بالفعل خاضعة لقضية القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ، وليست قضية نسخ تام كما يتصور هؤلاء .
يقول : وقد تكلم العلماء في جواز مهادنة الكفار بمال عند ضعف المسلمين
قال ابن قدامة : لا تجوز المهادنة مطلقاً بغير تقدير مدة ، لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية ، هذا هو أثر آية السيف على آيات المهادنة ، يعني لو لم تنزل آية السيف لجازت المهادنية بغير تقدير مدة لأنه ليس واجباً أن تقاتل الكفار ، ولكن لما صار من الواجب أن تقاتلهم صار من غير الجائز أن تضع أمام نفسك العراقيل التي تمنعك من هذا الواجب ، ولكن إن كان في المسلمين ضعف فهم بطبيعة الحال عاجزون عن قتال الكفار فجاز لهم أن يأمنوا أنفسهم بعهد مع المشركين ، لأن واجب قتال الكفار سقط بالعجز فجاز معه الهدنو وبالتالي الهدنة تكون مدتها وفق تقدير الإمام ، ما هي الفترة التي يحتاجها لكي يكون لديه القدرة على قتال المشركين .
ومن ثم اتفق العلماء على عدم جواز الهدنة المطلقة مع الكفار ولكنهم اختلفوا هل لابد من كتابة المدة صراحة مع المشركين أم يمكن أن تكتب لهم مدة مطلقة ، ولكن تضمر أنه متى وجدت القوة يغدر ؟ لا يغدر ولكن ينبذ إليهم العهد .
قالوا لو أنه غير ملزم ببيان المدة في العهد ، وهذا خلاف بين العلماء مع اتفاقهم على جواز عقد الهدنة ، وهذا يرد على من يقول أن آية السيف ناسخة ومع اتفاقهم على أن هذه المدة لابد أن تكون في واقع الأمر وفي حس المسلمين مقيدة وهذا يرد على الذين يقولون أنه يمكن ترك الجهاد مطلقاً حتى ولو وجدت القوة .
ولكن اختلفوا في طريقة تطبيق شرط التوقيت .
هل يلزم الإمام أن يضع مدة مع أعدائه حتى لا يلجأ إلى الغدر ، فهو لابد أن يقاتل متى وجدت القوة ، فقالوا يضع مدة وهذا هو مذهب الجمهور ، والبعض قال أنه يمكن أن يعقد العقد على مدة مطلقة على أساس أنه متى وجدت القدرة لديه خيار آخر غير الغدر ونبذ العهد هو أن ينسحب منه دون أن يحرك الجيوش ولا أن يتخذ الإجراءات إلى أن يصل هذا النقد إلى خصومه فيكونون هم والمسلمين في العلم والاستعداد لنقض العهد سواء { فانبذ إليهم على سواء } وهذا على خلاف الراجح ، والظاهر أن نبذ العهد إنما شرع مقيداً بأن يكونوا هم الذين بدأوا بمناوشة النقد وأن يكون بدر منهم ما يخيف المسلمين { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } [الأنفال/58] ولا يجوز أن يجعل هذا وسيلة لنقض العهد ولكن يجعل المعاهدة مؤقتة بمدة .
إذن أثر آية السيف على آية المهادنة هو أن آية السيف جعلت آية المهادنة مقيدة في حالة ضعف ، وتلزم الإمام عند عقد الهدنة أن يجعلها مقيدة بمدة .
قال ابن قدامة : لا تجوز المهادنة مطلقاً بغير تقدير مدة لأنه يقضي إلى ترك الجهاد بالكلية وتجوز مهادنتهم على غير مال بأن لا يدفع المسلمون ولا يدفعون هم لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال لهم ، ويجوز ذلك على مال يأخذه منه فإنها إن جازت على غير مال فعلى مال أولى ، وأما إن صالحهم ببذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغاراً للمسلمين وهذا محمول على غير حال الضرورة ، فأما إذا دعت إليه الضرورة وهو أن يخاف على المسلمين من الهلاك أو الأسر فيجوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال ، فكذا هاهنا إذا كان الأسير يجوز له فداء نفسه فإذا غلب على الظن أن يقع في المسلمين أسر فجاز أن يفدوا أنفسهم من قبل أن يقعوا .
قال : بذل مال وإن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغاراً أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية التي فضي سبيهم إلى كرهم .
هذا كلام يؤكد أن القضية برمتها خاضعة لحساب المصالح والمفاسد
الجديد في آية السيف أنه إذا وجدت القدرة للتقال وجب أن يقاتل ، لم يكن هذا موجود من ضمن الخيارات القدمية ، أما الخيارات القديمة كانت إلى أن يصالحهم على مال يدفعه لهم ، وهم النبي صلى الله عليه وسلم لكي يفرق الأحزاب أن يصالح بعضهم على بعض نخل المدينة أو بعض ثمر نخل المدينة ، إذن يجوز وهم به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن هم به شفقة على الأنصار أن تقتحم عليهم المدينة ولكن لما وجد منهم إصرار على القتال صبر معهم صلى الله عليه وسلم وأمضى لهم مشروتهم حتى نصرهم الله عز وجل .
ولكن هذا يدل على أن هذا كان من الخيارات المطروحة التي لم تنسخ وإنما تجوز عند حال الضرورة ـ لأن فداء الأسير مجمع على بقائه فهذا منه ـ ومنه أنه إذا غلب على الظن وقوع أسر في كثير من المسلمين ويمكن دفع ذلك بدفع المال حينئذ
يقول : وهذا الكلام من الأئمة الأعلام رد بليغ على التهور والاندفاع المفضي إلى الشر والفساد ، وقد بين أهل العلم أن العجز كما يشمل العجز الحسي كالأعذار المنصوص عليها في القرآن من المرض والعمى والعرج والضعف وعدم النفقة فإنه يلزم كذلك مسألة الضر روالهلاك الذي يغلب على الظن حصوله لضعف المسلمين ونقص قوتهم عن نصف قوة عدوهم قال تعالى { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } [الأنفال/66]
قال النووي رحمه الله : " إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام "
هذه قضية أخرى ـ أحد صور تبطيق قضية القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة في قضية الجهاد .
كما ذكرنا أن المخالف قد يخالف أن و ينازع في قضية تطبيق المصالح والمفاسد بصفة عامة أو قد ينازع في قضية تطبيقها في الجهاد بصفة خاصة .
نقول له ابتداءاً حكم عام تكلم العلماء على مراحل تشريع الجهاد وتكلموا على أن آية السيف ناسخة ولكن كلامهم بعد ذلك إذا نظرت في كلامهم على آيات الصلح وكلامهم في الفقه على آيات الصلح وجدت أنه مازال الصلح والهدنة لهما عند العلماء متسع إذا وجد الضعف ولم يستطيعون الجهاد . فدل على أن هذه المراحل معمول به وموجودة وليست أنها منسوخة ولكن قيدت بحال الحاجة أو الضعف وبقي الحكم الأصلي عند وجود القوة وهو مبادءة المشركين بالقتال .
أيضاً صوة أخرى لتقريب هذا الحكم تقريباً وهو لكلام على متى يجب على المسلمين قتال عدوهم أو متى يجب عليهم الثبات ومتى يجوز لهم الانهزام
حتى ولو بدأ القتال وهذا أشد من أنه لم يكن بدأ
بمعنى أنه بالفعل يلتقي الصفين فعندما يلتقي الصفان أيضاً هناك مزال تطبيق للقدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ، كما ذكرنا أن القدرة والعجز أولاً ثم المصلحة والمفسدة ثانياً
بمعنى أننا عندما نطبق القضية نقول أنه إذا وجد العجز سقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كنا نتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو سقط الثبات أمام العدو أو بدأ العدو بالقتال إذا كنا نتكلم في باب الجهاد سقط من الوجوب إلى الاستحباب بشرط وجود مصلحة وبشرط عدم تعدي الضرر لأنه في تعدي الضرر إلزام للغير بالمستحب وهذا غير مشروع ، وفي وجود مفسدة إذا لم توجد مصلحة مطلقة أي إذا لم توجد أي مصلحة فكأن الإنسان يتلف نفسه بغير فائدة ، فيأتي هاهنا تطبيق قضية المصالح والمفاسد .
العجز من أي يأتي ؟
بأنه إذا فعل ترتب عليه مفسدة كبيرة في النفس أو العرض أو المال أو غيرها ، وإذا كان كذلك سقط الوجوب وانتقل إلى الاستحباب بشرط أن تتحق مصلحة في هذا الثبات الذي يثبته وهذا التحمل الذي يتحمله بشرط ألا يتعدى الضرر . فإن تعدى الضرر لزمه أن يأخذ بالرخصة حتى لا يلزم غيره بعزيمه أعطاه الله عز وجل فيه رخصة وإن كان ثباته مفسدة محضة أيضاً لم يجز له حينئذ الثبات كأن يكون في القتال فيستأصل شأفته مما يقوي قلوب الكافرين لا العكس ، ولكن إن كان كما في غزوة مؤتة الثابت يلقي الوهن في قلوب المشركين ويحدث فيهم نكاية فيحنئذ يكون الثبات مستحب وبالتالي ثبت الجيش الإسلامي في مؤتة طالما أنه كان يحدث نكاية ، وعندما بدأت الأمور تتحول وتضعف قوى المسلمين بعد قتال طويل مع غير قوى غير متكافئة انسحب بهم خالد وأثنى عليه البي صلى الله عليه .
لذلك نقول إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام .
قال : " وإذا جاز الفرار نظروا إن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب لهم الثبات وإن غلب على ظنهم الهلاك ففي وجوب الفرار وجهان ، وقال الإمام إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعاً ، وإن كان فيه نكاية فوجهان "
يقول : وهذا الذي قاله الإمام النووي هو الحق ، وأصح الوجهين هو أن يجب الفرار ولكنه مستحب ، ومن هذا يتضح أن الجهاد بمفهومه الصحيح في واقعنا اليوم لم يقوم على أكتاف أفراد قلائل بلا قوة ، بل إن جهاد المائة والمائتين ضرره أكثر من نفعه .
هذا كما ذكرنا للتأكيد على أن قضية المصالح والمفاسد قضية مطبقة في الجهاد أكثر ما تطبق لا العكس ، فهم يفترضون قضية الجهاد كأنها عندما يقول منهم المصالح والمفاسد وكأنه يفترض أن قضية الجهاد مستثناه من أصل مراعاة المصالح والمفاسد ، بل هي قضية يطبق فيها المصالح والمفاسد أكثر ما يمكن أن يطبق لأن القضية هنا إما أن يحدث المسلمين نصر أو على الأقل نكاية وإما أن يحدث قتل في المسلمين وأسر ومفسدة وبالتالي لابد من المراعاة الدقيقة للمصالح والمفاسد .
أيضاً من جملة الشبهات التي تلحق بهذه المسألة ، فكما ذكرنا انهم كانوا ينكرون تطبيق المصالح والمفاسد أصلاً أو ينكرون تطبيقها في قضية الجهاد خاصة أو يقولون أن أعظم مفسدة هي الكفر بالله ، فيقولون إذا طبقت المصالح والمفاسد فستجد أنه دائماً أي عمل وأي مواجهة فيها إزالة لكفر وهذا أعظم من أن يقتل من فعل أو أن يحدث ما يحدث ، وحتى من يتكلم في تغيير المنكرات يقول نحن نتكلم على منكرات كبرى ، منكرات بعضها يصل إلى الكفر ، مع أنه ليس بالضرورة أن كل تغيير لمنكر من المنكرات سوف يتعلق بقضية تحكيم الشرع ،ولكن على الأقل هو يتكلم عن تغيير منكرات كبرى تتعلق بتحكيم الشرعية وتعاطي الخمور وتتعلق بإشاعة الفواحش ووجود أماكن اللهو والفجور .. إلى غير هذا ، وهذه إن وضعتها في كافتي المصالح والمفاسد ستجد دائماً أن كفتها أرجح .
في الواقع أن هذا فيه قدر من عدم رؤية الأمور رؤية صحيحة ، لأنه هو هنا يتكلم أن هناك كفر وهناك كفار لهم شوكة وقوة وكفرهم قائم ، فماذا سيحدث بعد مواجهة العدد القليل الذين يغلب على الظن ان يستأصلون ؟ ، يبقى الكفر كما هو ويزيد عليه ان هذه الفئة قد قتلت كلها وأسر منها بل ربما أسر وقتل غيرهم ، فإذن لا يقال " ليس بعد الكفر ذنب " أو أن الكفر هو اعظم المفاسد .
هو يفترض جدلاً على المنكر الذي تكلم على انه منكر كبير قد زال وهذا غير صحيح ، فهو لا يزول بل يزيد ، أحياناً بعض المنكرات في الأنظمة المدنية التي فيها قوانين يحمي هذه المنكرات ، أنت تحتاج إلى مجهود دعوي كبير لإسقاط هذه القوانين ، هناك قوانين توجد في بلاد المسلمين بفضل الله لا يكاد يعمل بها أحد . إلى الآن مثلاً نسبة من تحتمي بقانون الحرية الشخصية في الزنا ؟ لا تكاد تذكر بفضل الله ، بينهم في بلاد أخرى تكثر لأن الثقافة وغياب الدعوة جعل أن النساء يعتنقن هذا المذهب ويرين أن قضية التصرف في الزنا حرية شخصية وبالتالي إذا وجد من يتعرض لذلك استعملوا هذا القانون ضده .
لكن عندما يوجد الدعوة ويستقر في نفوس الناس أن الزنا جريمة تخجل من تفعله من أن تستخدم هذه القوانين في حمايتها وإن حدث يكون ممن أزداد فجورها ، فهذه القضية إن وجدها بالدعوة فعلى الأقل تقلل من آثارها ومفاسدها .
لكن إن واجهت هذا الذي يفعل الجريمة وهو يعرف أنها قانوناً ليست جريمة فيحتمي منك بالقانون ، فلا تقول أن هذا المكان الذي يبيع الخمور ما المشكلة في أن يقدم أي إنسان على إتلافه ويحتسب نفسه في سبيل الله ؟
أولاً غالب الظن أنه لا يكون نفسه فقط ، لأنه يفعل ويهرب فإلى أن يصلوا إلى الفاعل يكون قد ابتلي من ابتلي وفتن من فتن ، وهذا واقع مشاهد مجرب ، لا يفعل ويثبت ويقول أنا احتسبت عند الله أن أفعل هذه فأتحمل .
لا يوجد هذا في تطبيق هؤلاء .
الأمر الآخر وهو أنه إذا كان الصورة الأولى أو الثانية ماذا يكون ؟ صاحب المنكر يطالب مزيد من الحماية لأن موقفه قانوني فيطالب بمزيد من الحماية فيتمتع المنكر بمزيد من الحماية ، حتى صار الآن كل كاتب مغمور يريد أن يشتهر يدعي أن وصله خطاب تهديد بالقتل من الإسلاميين ، وهو لا يستحق أن تطلق عليه رصاصة أصلاً ، نعم يكون عنده من الانحراف ما فيه ولكن هو شخص لا يؤبه له فلا هو مؤثر وحتى باطله لا يسمعه أحد فإذا أراد أن يشتهر فأقصر طريق للشهرة أن يسب في الإسلام وهذا وحده لا يكفي للشهرة بل يجري ويصرخ أنقذوني من المتطرفين .
فلو كان هناك الدولة الإسلامية قائمة وإذا وجدت من يسب الإسلام وتحركت الشرطة لمنعه .
الآن ما زال في قوانين تهمة اذدراء الأديان ولكن الحرية الشخصية تبغى عليها ، ومتى يعتبرون الأمر اذدراء للدين ؟ لا أدري ، فهناك حالات كثيرة جداً يكون فيها بالفعل اذدراء ويكون التكييف أن هذا ليس اذدراءاً .
ولكن أنت تنظر إلى عاقبة الفعل .
نحن نعطي لهؤلاء الأقذام فرصة لكي ينتشر باطلهم ولا يكون في هذا إنكار ، ولذلك نقول ليس فقط إنكار المنكر باليد حتى باللسان وبالكلمة ، ليس كل ما يخرج إنسان سافل نرد عليه على المنابر وغيره ، بل لا نرد إلا إذا انتشر باطله .
هذا القني ما كان يعرفه أحد ، عشران السنين وهو في المزبلة ، لا اقول مزبلة التاريخ بل مزبلة الواقع ،ولكن لما انتشر باطله فأنت مضطر أن ترد حينئذن ، فهذا الانتشار ضرر في حد ذاته وبالتالي كان الإهمال قبل أن ينتشر هذا الكلام وهو الخيار الصحيح ، حتى قضية المصالح والمفاسد في قضية تغيير المنكر باللسان .
فإذن عندما يقولون أنه ليس بعد الكفر ذنب أو يتكلمون على بعض المنكرات التي يقولون أنها عظيمة يمكن أن يتحمل المفسدة إلى جوارها ، نقول : نحتاج أولاً أن ننظر في هل أن هذا الذي يتحمل المفسدة سوف يتحملها وحده أم لا ؟
وهي قضية جوهرية حتى لا يضر غيره ، بل هو الذي يهرب والذين لم يختاروا لأنفسهم أن يأخذوا بهذه العزيمة وعندهم رخصة من الله هم الذين يبتلون
الأمر ثاني هل بالفعل سيزول هذا المنكر ويقل أم تعلوا شوكة أهل الباطل وتزداد بأن يكتسبوا مزيد من الحماية ويتعين لهم حراس شخصيين إلى غير ذلك من الأمور ، فلابد من مراعاة ذلك .
أيضاً بعد الكلام على هذه الأمور يطرح البحث السؤال ، هل الجهاد هو الخروج على الحكام فقط ، لأن المخالف يحشد كل النصوص الواردة في أمر الجهاد ، وأولاً يجعل أنه ليس فيها مرحلية ولا مصالح ولا مفاسد ثم يصور أن الصورة والحيدة هي الخروج على الحكام ، مع أن الجهاد عند الإطلاق يراد به قتال الكفار .
هناك بعض من ينستبون للإسلام يقاتلون قتال البغاة وقتال الطائفة الممتنعة وقتال المرتدين .
وإن شاء الله تبارك وتعالى في المرة القادمة نشير على عجاله لأصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام .
ولكن الجهاد عند الإطلاق ينصرف إلى قتال الكفار .
ربما ذكرنا في تطور فكر جماعة الجهاد المصرية والجماعات المشابهة لها كانوا قديماً يقولون بردة الأنظمة الحاكمة ، ثم يقولون أن محاربة العدو الداخلي أهم من محاربة العدو الخارجي ، وكما ذكرنا انه طرأ على فكرة جماعة الجهاد تغير في أنهم قالوا أن محاربة العدو الخارجي أولى ، وهذا في حد ذاته تطور إلى الأحسن ، بمعنى أنه حتى وإن لم يغير نظرته إلى واقع مجتمعات المسلمين فعلى الأقل امتنع عن إحداث مفسدة فيه ،
كما ذكرنا ان مجمتعات المسلمين حتاج إلى الدعوة والبيان وال تحتاج إلى إراقة دماء وأحداث مفاسد ، ولكن القضية بدون تغيير في التنظير فالذي تغير فقط أن محاربة العدو الخارجي أولى وبالتالي انضموا إلى تنظيم القاعدة وأنشأوا قاعدة الجهاد والقتال وهذا من حيث المبدأ أمر حسن ، فأنا أقول أن الجهاد إذا وجدت شروطة صار جهاداً شرعياً ، وهذا كالقتال في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها ، ولكن يبقى أيضاً أنهم لم يطبقوا المصالح والمفاسد في قتال العدو الكافر ، لأنه لابد من تطبيق المصالح والمفاسد واستثارة الدول الغربية وغيرها بالاعتداء على سفاراتها أو نحو ذلك في بلادهم أو بلاد أخرى تعتبر بلاد محايدة ، أولاً يكون خلل في الإجراءات بأن يكون حاصل على تأشيرة والتأشيرة هي عقد أمان ثم يغدر وهذا لا يجوز .
الأمر الثاني أن هذه البلاد يكون فيها كثير من المسلمين لم يطلب أحد منهم أن يهاجروا لأنه لا يوجد دولة إسلامية تحارب الكفار وتنذر المسلمين أن يهاجروا وتوفر لهم الأرض الآمنة لكي يهاجروا ، بل كثير ممن يمثلون قاعدة لإمداد هذه التيارات الجهادية بالأفراد موجدين بهذه البلاد ، فماذا يحدث لو كانوا موجودين في هذا المكان في ذلك الوقت ، يقولون أنهم يبعثون على نياتهم ،وهذه نحتاج إلى ان نناقشها ، لأن كثير من العمليات التي يقوم بها هذه التيارات في الداخل أو في الخارج إذا قيل له أن عمل يتعرض لأن تقتل أنت بما وضعته من متفجرات بعض المسملين يقول يبعثون على نياتهم ، فهذه شبهة نحتاج إلى تناقش .
الأمر الثالث : الآثار ، هل هذا يرد أمريكا ؟ ، هل أحداث الحادي عشر من سبتمبر أو ما دونها في الأثر يرد أمريكا ، نحن ذكر الحادي عشر من سبتمبر كمثال لأن القاعدة تبنتها ولكن هل هي التي فعلتها أم لا ؟ فهذا موضوع آخر .
ولكن هل هذه الأحداث ردت أمريكا عن مواجهة المسلمين ؟ بالعكس وفرت المبرر والغطاء والضغط النفسي على بلاد المسلمين أن تشترك بنفسها في هذه المعركة بالتضييق على الدعاة والجمعيات الخيرية ، كل هذا له أثره ، بخلاف المواجهة في أرض المعركة في بلاد المسلمين ، لأن الواقع والأفهام المستقرة عند الناس لها أثر ، الناس يعتبرون أن هذا محتل وبالتالي يوفرون الحماية والإمداد حتى وإن لم يشتركون في الجهاد ، الخصم نفسه مهما بلغ من وقاحته وجبروته لا يكون في نفس درجة عندما يكون معتدى عليه في عقر داره .
فكما ذكرنا كانوا في وقت من الأوقات يحصرون الجهاد كقضية الخروج على الحكام ، ويعتبرون أن هذا هو أوجب الواجبات .
حدث تطور في فكر جماعة الجهاد وربما في معظم الجماعات المشابهة في العالم الإسلامي ، أنهم قالوا فلنبدأ في حمالات الاحتلال الجديدة التي تمارسها أمريكا في أنحاء العالم الإسلامي تحت ذرائع شتى .
وهذا كان في حدى ذاته تطور حسن ولكن ليتهم أيضاً داخل هذا الاختيار أخبضوعه لحساب المصالح والمفاسد والقدرة والعجز ، ولم يحاربوا الدنيا بأسرها في وقت واحد ، ورأوا أن استمرار الدعوة في بلاد المسلمين واستمرار الدعوة في بلاد الغرب أهم من هذا القتال ، يعني إذا اكن هو مشروع ولكن لا ينبغي أن يأتي على ما هو أصل له بالهدم ، لأنه إذا ضيق على هذه الدعوة ومنعت لن يوجد من يجاهد فضلاً أن يوجد من يبين الإسلام إلى غير ذلك .
فحدث تطور في هذه القضية ، لكن وقت كتابة البحث ربما كان الأمر المسيطر على فكر هذه الاتجاهات حصر مفهوم الجهاد في مواجهة الحكام .
في الواقع كما ذكرنا أن الجهاد عند الإطلاق يعنى به قتال المشركين في أرض المعركة .
وإذا عممته دخل في كل أنواع الجهاد من جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين وجهاد العصاة الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقتال من يستحق القتال من المسلمين ، لأنه من الممكن أن يوجد من يبغي على الإمام العدل فيستحق القتال ومن الممكن ان تمتنع طائفة عن استخدام شرائع الإسلام والحكم به فتستحق القتال .
فهناك أنواع من قتال المنتسبين للإسلام ، وأيضاً في هذه الأنواع يراعى القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة .
البحث هنا لم يتعرض لأنواع من يستحقون القتال من المنتسبين للإسلام لأنها بينت في بحث آخر وهو بحث الجهاد في سبيل الله .
إن شاء الله في المرة القادمة نذكر ملخص لأصناف من يقاتلون من المنتسبين للإسلام وأحكام قتالهم .
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

أبو عبد الله الفيومي
11-10-2010, 10:19 PM
بارك الله فيك ارجو الاكمال

ابن قمر المصرى
11-11-2010, 11:05 PM
الشريط الحادي عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في مناقشة التيارات التي ترى الصدام المسلح ، وذكرنا أشياء من ذلك ، كانت قطب روحها يبين أن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلاهما مرتبط بالقدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ، وبيان أدلة ذلك وتطبيق هذا في قضية الجهاد خصوصاً في مسألة بيان مراحل تشريع الجهاد وأن كلها معمول بها حسب الحاجة .
فإذن لو أننا تغاضينا عن توصيف الطرف الآخر من جهة مدى ما يظهره من مخالفات ، ولكن فقط أنه لديه القوة والقدرة العسكرية التي لا يتأتى لهؤلاء إلا المناوشة التي تترتب عليها كثير من المفاسد ، فسيكون المنع هاهنا لوجود المفسدة وسيكون العذر الذي يجعلهم يمسكون عن المواجهة أو عن تغيير المنكر حتى في الحالات التي يكون فيها الأمر كذلك أنهم غير قادرين وأنهم مع وجود هذا العجز لا يتأتى لهم أن يأخذو بالعزيمة لعدم وجود مصلحة أصلاً أو لأنهم متى أخذوا بالعزيمة تعدى الضرر إلى غيرهم .
يبقى أن نشير إلى أنه ليس هناك تلازم بين القتال وبين التكفير ، وذلك لأن من الآفات التي قد يبتلى بها بعض هذه الاتجاهات أنه يتصور أن أيسر تنظير للقتال أن يحكم على الفريق الآخر بأنه مرتد جملة وتفصيلاً ، فهذا يعطي له مساحة عالية في المناورة لا يحتاج لكل عملية إلى فتوى خاصة ، فهو يقاتل مرتدين فيقتلهم آحاداً ومجتمعات ويقاتلهم ويقتل منهم . وهذا جعل أن الميل إلى المواجهة المسلحة دائماً ما يتواجد معه الميل إلى التكفير فصارت مشكلة عقدية أخرى بخلاف مشكلة المصالح والمفاسد في التضيق على الدعوة وإلى غير ذلك .
هناك مشكلة عقيدة أخرى ظهرت في أنه يريد أن يوصف حال المخالفين بأنهم مرتدون ، بل الأمر قد يصل إلى أن يتكلم على ردة المجتمع ككل لأنه في كثير من الأحيان لا يستطيع إلا توجيه ضربات خاطفة ويكون هناك ضحايا غير الشخصية المستهدفة ، فالبعض قال طالما أنهم راضون فهم كفار ، وإذا سألته ما هو ضابط الفرق بين من ينتمي لمنهجهم ويسير في الطريق ، فهو يسير في الطريق مثله مثل غيره وهو منكر ويرتب العملية مثلاً وبين آحاد الناس ؟ لا تجد فرق ، ولكن عموماً ان كل من ليس معهم يكون مرتد لأنه إما فعل الردة وإما رضي بها ، والبعض قد يمتنع عن تكفير عموم المسلمين ولكن على الأقل يكفر الأنظمة ثم يقول في شأن عموم المسلمين يبعثون على نياتهم ، وكما ذكرنا أن هذه قضية تحتاج إلى مناقشة مستقلة .
نحن نقول لهم على الأقل حتى لو أنهم أصروا على اختيار المواجهة رغم كل ما بيناه من أدلة لا يلزم من المواجهة التكفير ، لأنه لا يوجد تلازم بين الكفر والقتال .
فمن تتمة ذلك أن نعرف فقه أنواع من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام ، ولأنه مثلاً الأمر يختلف ، نحن الآن نمنع من المواجهة المسلحة مع الأنظمة لم يترتب عليها من مفاسد ، وكأن هذا يعتبر فاصل مشترك بين كل الأحاوال أما حكم هذه الأنظمة يتفاوت ، ربما مثلاً في بلاد كأفغانستان كان هناك نظام ينتسب إلى الإسلام اسماً ولكن يصرح بأنه يدعوا إلى الشيوعية ويريد أن يجبر الناس عليها ، فالأمر تتفاوت تفاوتاً كبيراً جداً .
من هذا النموذج مثلاً النموذج الأفغاني وأول ما بدأت الحرب الأفغاني وبين النموزج السعودي الذي يسمى فيه الحاكم بأمير المؤمنين والمحاكم الشرعية تحكم بشرع الله مع وجود مخالفات للشرع خارج النظام القضائي لأن تطبيق الشرع ليس نظام قضائي وفقط ، بل هناك مخالفات في نظام الإعلام والتعليم ، الآن صار عندهم جامعة مختلطة وطبعاً يوجد من يريد أن يبرر هذه الجامعة بنوع من أنواع التلبيس من أن الاختلاط موجود في الحج والمساجد ، وهم يعرفون اختلاط الجامعات ما شأنه وما حله ولماذا يفعل ، فهذا تلبيس الحق بالباطل حينما يقولون بوجود الاختلاط بأماكن العبادة بمعنى أن في مكان واحد يوجد رجال ونساء ولكن مع ضوابط رغم أن المكان مكان عبادة وبعيد عن التهمة والشبهة إلا أن كان هناك ضوابط ، فإذا جئت في مكان تعليم على الأقل أطبق نفس الضوابط . وأن هذه الضوابط يصعب جداً تطبيقها في مكان التعليم ، هناك أوقات العملي التي لابد أن يتواجد الجميع على منضدة واحدة وهناك وهناك وهناك ، فكان اختيارهم إلى وقت قريب أن يوجد جامعات للرجال وجامعات للفتيات ، ما الذي جد لكي يقولوا نحن نريد أن نفعل الاختلاط في الجامعة كما هو في السوق وكما هو في المسجد .
وهناك نظام في بلد ما ينتسب إلى الإسلام اسماً ويريد أن يفرض الشيوعية على الناس كما في أفغانستان وكما في الشيشان وغيرها .
وهناك نظام يطبق جزء لا بأس به من الإسلام ويجعل النظام القضائي الذي يكون الانتباه إليه أولاً عندما يقول تطبيق الشريعة تنصرف الذهن إليه ويجعل نظام قضائي شرعي بينما عنده مخالفات وبينهما الكثير من الأنماط والأنظمة .
طبعاً الأمر في أفغانستان عندما يظهر الحاكم الردة الصريحة مثل أفغانستان مثلاً في حينها أو الشيشان أو يكون هو كافر كفر صريح كاليهود عندما كانوا يحكمون فلسطين كلها أو غير ذلك فأولاً درجة المفسدة من بقاؤه متسلط أعلى لأنه ليس مجرد أنه يطبق الشرع بمعاذير يذكرها ، فالحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ولكن إذا كان الأمر من جهة مسلم فيوجد مجال لأن تسأل عن إقامة الحجة وفي النهاية اسم الإسلام ظاهر بصفة عامة ،ولكن عندما يصلوا إلى الردة الصريحة تكون المفسدة في وجودة عالية جداً وعادة القدرة على مواجهتهم تعلو نتيجة وجود رغبة لدى الكثيرين في الانضمام للجهاد ووجود من سائر الذين لا يشتركون سيمثلون عمق حماية لمن يقاتلون الكفار ، وحتى عندما أتت القوات الأوروبية تحتل بلاد المسلمين وكان وقتها لدى هذه البلاد من أنواع الأسلحة التي لا تتناسب نهائياً مع ما هو يمكن أن يوجد مع الاتجاهات التي قامت لمواجهة هذا الاحتلال إلا أن المواجهة كانت مثمرة وأرغمت الاحتلال على التراجع ، وكان السبب الرئيسي وجود رغبة كبيرة عند عدد كبير من شباب المسلمين في هذه المواجهة وحتى الذين لا يشتركون يمثلون عمق رئيسي هؤلاء ويوفرون لهم طرق التنقل وطرق الحماية إلى غير ذلك ، ولذا كانت حركات الجهاد والتي يسمعونها بحركات التحرير وكان معظمها نابع من جهاد إسلامي ورغبة في الانتصار للإسلام ، وإن كان سرقت بعد ذلك ووجهت وجهة قومية ، والاحتلال عندما فكر أن ينسحب انتقى الذين يؤمنون بالفكرة القومية أو الذين يمزجون بين الإنتماء الإسلامي والإنتماء القومي وصدر هؤلاء وجعلهم هم الذين يفاوضونه على الانسجاب لكي يظهر للناس أنهم هم الذين قادوا مرحلة المواجهة فهم الذين يخوضون مرحلة التحرير ، بينما اختار الاحتلال اصحاب الأفكار القومية أو القومية الممزوجة بإسلامية فضلاً عن من هم أسوء من ذلك كأتاتورك وغيره ، وأيضاً النماذج متفاوتة ولكنهم في الجملة عندما انسحبوا حاولا ألا يكون الانسحاب لصالح الذين قاتلوهم ، فكان الانسحاب لصالح آخرين ربما كانوا موافقين أو متواطئين أو كانوا معارضين ولكنهم لم يكونوا أهل جهاد وشوكة وعقيدة .
على كل حال تتمة لفقه المسألة ولكي تضبط لابد أن نعرف أصناف من يقاتلون من المنتسبين للإسلام ولأنه قد تختلف الأحوال فيكون مثلاً المواجهة في بلد كأفغانستان أو الشيشان أو غيرها يوجه الحكومات كحكومات مرتدة بينما يمكن أن يوجد في وسط آخر وبيئة أخرى أن يكون التوصيف الأقرب أن يكونوا طائفة ممتنعة وقد يكون في معظم الأماكن يمنع المواجهة على النحو الذي بيناه .
يحتاج الأمر لمعرفة هذا ولو من باب معرفة تتمة الأحكام الفقهية ، لأنه كما ذكرنا لا يوجد تلازم بين القتال والتكفير ، ونحن عندنا ثلاث أمور :
القتال : وهذا أدناها ، ثم القتل ، ثم الكفر .وكل واحد يتضمن من تحته بمعنى أن الكافر يُقاتل ويُقتل ، يقاتل الكفار كجماعة ، إذا كان المسلمين كجماعة أمام الكفار كجماعة فيشرع قتال الكفار ، الواحد المقدور عليه من الكفار ممن لاعهد له ولا ذمة ولا أمان يجوز قتله إلا إذا كان عصم دمه بشيء غير الإسلام ، فالإسلام عاصم لدم صاحبه تلقائياً أما الكافر فلابد أن يكون معه شيء يعصم دمه من المعاهدة أو آمان أو عهد أو ذمة ، إذن وصف الكفر يتضمن جواز القتل وجواز القتال .
جواز القتل يتضمن جواز القتال وإن لم يلزم منه الكفر ، يعني إذا كان مجموعة حكم عليهم بالقتل في حدود في بعض من حكم عليهم بالمصطلح المعاصر ـ الإعدام ـ ففي أشياء شرعية قد يحكم على الإنسان بالقتل فيها كالقصاص والزاني المحصن فإذا كان مجموعة من هؤلاء المحكوم عليهم بالقتل فروا من تطبيق الحكم وصار معهم سلاح وقاتلوا الإمام فكونهم محكوم عليهم بالقتل كأفراد من باب أولى أن يقاتلوا كمجموعة لأنه أقصى ما سيترتب على القتال أن يقتل منهم من يقتل وفي واقع الامر هم يقاتلون لكي يستسلموا ويقتلوا ، فالقتل يلزم منه جواز القتال إذا لزم . أما القتال فلا يلزم منه جواز القتل ولا يلزم منه الكفر ، وهذا كقتال البغاة الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ، فيجوز للإمام أن يقاتلهم لكي يرد شرهم ، أما الواحد المقدور عليه منه إذا أسر فلا يقتل ، فإذن هناك من يستحق القتال ولا يستحق القتل ، وهناك من يستحق القتل ومن ثم يستحق القتال ، وأما الحكم بالكفر فيشمل هذا وذاك .
بالمناسبة اختلف الفقهاء في حكم تارك الصلاة عمداً على أقوال ثلاثة :
أنه مرتد
أو أنه يستحق القتل ولكنه غير مرتد
أو أنه يستحق القتال فقط دون القتل وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة .
كونه مرتد هذه رواية ف يمذهب الإمام أحمد ، وأنه يستحق القتل دون الردة فهذا مذهب الجمهور من أنه يستحق القتل دون أن يكفر ، ويفرع عليه شيخ الإسلام تفريع من أنه نعم يستحق القتل دون أن يكفر ولكنه إذا قدر عليه وقدم لإقامة الحد وفضل إقامة الحد على الصلاة حينئذ يحكم عليه بالردة ويقتل رده ، فأنت تطلبه لإقامة الحد ، الإمام يطلبه ليقيم عليه الحد ، وهو في هذه اللحظة لو مات من تلقاء نفسه يكون مسلم عاص . ما زال إلى الآن القتل عقوبة له على ترك الصلاة فإذا قيل له نحن نترك لك الفرصة لكي تصلي ونرفع عنك القتل فيفضل القتل على الصلاة فحينئذ يبدو أنه كان جاحداً ويقتل ردة وهذا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أو على الأقل يلزم به من يرى أن كفر تارك الصلاة تكاسلاً هو من باب الكفر الأصغر فيرى أنه ينبغي أن يقلبه إلى أكبر إذا فضل القتل على الصلاة لأنه حينئذ لا يكون تكاسلاً بل لا يكون إلا جحوداً ، لأن أي كسل الذي يدفع صاحبه أن يفضل القتل على الصلاة ؟
الإمام أبو حنيفة يرى أن الصلاة يقاتل تاركها ولكن الواحد المقدور عليه منهم يحبس ويؤذى إلى أن يصلي ، يعني لا يرى أنه يعرض على القتل أصلاً ، بل يقول أنه يحبس ويضرب ويؤذى إلى أن يصلي . إذن الإمام أبو حنيفة يحمل الأدلة مثل قوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } [التوبة/5] أي أنه إذا أسلم ولم يقم الصلاة يقاتل لأن من شروط تخلية السبيل أنه يسلم ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، ومن شروط الأخوة التي تعطيه حقوق المسلم في المجتمع المسلم وهذا هو معننى { فإخوانكم في الدين } أن يسلم ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، وإلا صار ليس له حقوق الإخوة لأنه سوف يقاتل إلى أن يقبض عليه ويؤسر فيحبس ويؤذى ، هذا على مذهب الإمام أبي حنيفة وطريقة تفسيره لهذه الآيات .
على كل حال ذكرنا قبل هذا أن ما نذكره نحن في قضية الجهاد في ثنايا هذا البحث موجود بصورة أوفى في بحث آخر نشر أيضاً في بعض أعداد مجلة صوت الدعوة تحت عنوان ـ فقه الجاهد ـ .
نخلص منه بسرعة ما ذكر تحت عنوان ـ أصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام ـ
يقول : " أصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلم ، وردت أدلة الكتاب والسنة والإجماع بالأمر بقتال عدة طوائف من أهل القبلة وهم أهل البغي فهذا صنف ، وقطاع الطرق ، ومن أبى قبول الفرائض والتزامها وامتنع عن شريعة من شرائع الإسلام وإن لم يخرج عن الدين كمانعي الزكاة "
أهل البغي وقطاع الطرق هذا صنف ، والطائفة الممتنعة .
الطائفة الأولى : هم البغاة :
الأصل في قتالهم قوله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } [الحجرات/9] ، قال ابن قدامة في المغني : " وفي هذه الآية خمس فوائد :
أحدهما أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان لأنه سماهم مؤمنين
الثانية : أنه أوجب قتالهم
الثالثة : أنه أسقط القتال إذا فاءوا إلى الله
الرابعة : أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم لأنه قال { فإن فاءت فأصحلوا بينهما } وبذلك يكون ما تلف هدر في سبيل وجود الصلح
الخامسة : أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقاً عليه ،لأنه جعل غاية القتال { حتى تفيء إلى أمر الله } "
فهذا أصل في قتال البغاه
يقول أيضاً الإمام ابن قدامة : " الخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة :
أحدهما : قوم امتنعوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فؤلاء قطاع طرق ساعون في الأرض الفساد يأتي حكمهم في باب منفرد ، فهذا قتال المحاربين أو قطاع الطرق بأن يخرجون عن قفبضة الإمام ويتظاهرون بسلاح ونحوه مقصودهم نهب الأموال وهتك الأعراض وما إلى ذلك دون شبهة ودون تأويل ، فهؤلاء يكونون قطاع طرق
الثاني من الأصناف الخارجين على الإمام : قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم كالواحد والإثنين والعشرة ونحوهم ، فهؤلاء قطاع طرق في قول أكثر أصحابنا وهو مذهب الشافعي ، لأن ابن ملجم لما جرح علي للحسن رضي الله عنهما إن برءت رأيت رأيي وإن مت فلا تمثل به فلم يثبت لفعله حكم البغاه . فهو جعل أن يلزمه الحد لكن نهاهم أن يمثلوا به ، وقال أبو بكر لا فرق بين القليل والكثير وحكمه حكم البغاة
فعندنا أن الذين خرجوا بدون تأيل يشترط لهم اجتماع شرطين عند الجمهور " التأويل بأنهم يطلبون حقاً شرعياً لهم أو للأمة كلل ، والأمر الثاني أن تكون لهم منعة وشوكة يحتاج معها الإمام أن يضطر إلى قتالهم وإلى أن يقبل منهم رجعوهم متى رجعوا ، أهم شيء أن يرجعوا ويهدر ما في هذا القتال الذي ظنوه أنه على الحق ، فإن انتفى شرط التأويل كانوا قطاع طريق بالإجماع وإن انتفى شرط الشوكة بأن خرج مجموعة صغيرة بتأويل ولكن بلا شوكة فالإمام يستطيع أن يعاملهم آحاداً بمقتضى أفعالهم ، فالجمهور أيضاً على أنهم يعاملون معاملة قطاع الطريق
فهؤلاء صنفين في النهاية : البغاة ، وقطاع الطريق وهم من يخرج على الإمام إما بتأويل أو لهم تأويل بلا شوكة .
فإذا وجد التأويل والشوكة صاروا بغاة ، وإذا فقد احد الإثنين صار هؤلاء قطاع طريق .
فهو ذكر صنفان يؤلا في النهاية على أنهم قطاع طريق
الثالث : الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عثمان وعلياً وطلحة والزبير وكثيراً من لصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم ، فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة حكمهم حكمهم ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث ، ومالك يرى استتابتهم فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم ، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين ، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئاً لا يرثهم ورثتهم من المسلمين .
وقال ابن المنذر لا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين ،
يقول الرابع : قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرومون خلعة بتأويل سائغ وفيهم منعة رحمه الله يحتاج في كفهم إلى منع الجيش فهؤلاء البغاة .
إذن الإمام ابن قدامة ذكر أربع أصناف منهم صنف البغاة الذين يجتمع لهم التأويل مع الشوكة والمنعة ثم ذكر أنه عند غياب التأويل يعتبرون قطاع طريق وعند غياب الشوكة يعترون قطاع طريق أيضاً عند الجمهور وإن كانوا يعتبرون بغاة عند البعض الآخر .
ثم ذكر الخوارج على أن هؤلاء صنف آخر وهذا يسميهم بعض الفقهاء يقول شر أنواع البغاة كالخواج ومانعي الزكاة ، كأنه في كتب الفقه المتقدمة كان موضوع الخوارج ومانعي الزكاة كأنها حالة استثنائية وجدت في التاريخ فصاروا يجعلونها كملحق بباب قتال البغاة يسمونهم شر أهل البغي ، لماذا يقولون عنهم شر أهل البغي ؟ لأنهم وجدوا أن الصحابة كلعي رضي الله عنه قاتل معاوية رضي الله عنه قتال البغاة بإجماع أهل العلم ، وأن علي رضي الله عنه اعتبر معاوية باغياً عليه وطبق عليه أحكام أهل البغي ، لأن المرجع الرئيسي في معرفة أحكام أهل البغي ما كان علي رضي الله عنه يراه في شأن معاوية رضي الله عنه ومن معه ، ولكن علي رضي الله عنه قاتل الخوارج بصفة مختلفة ومن قبله أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة بطريقة مختلفة فصاروا يقولون " وهؤلاء هم شر البغاة " ، إذن طالما أنهم كانوا من شر البغاة ، هم لهم تأويل ولكنه ليس كتأويل أهل البغي ، تأويل أهل البغي تأويل سائغ ، أما هؤلاء تأويلهم غير سائغ ولكن لهم شوكة ، فقالوا هؤلاء تغنم أموالهم .
إذن هناك فرق بين قتالهم وبين قتال أهل البغي ، والبعض قال هؤلاء مرتدين والجمهور كما في النقل هنا عن ابن عبد البر أن الجمهور لم يوافقه من ذهب إلى تكفير الخوارج ولكن اعتبروهم من البغاة ، وكثير من هؤلاء الجمهور يسمونهم أو يعتبرونهم قسم خاص من البغاة يطلقون عليهم وصف شر البغاة .
هذا التوصيف الذي لم يبلغ مبلغ الدقة التامة في التوصيف أظهره شيخ الإسلام ابن تيمية ونحت لهم مصطلحاً واستقرأ لهم أحكاماً استفادها من قتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة وقتال علي رضي الله عنه للخوارج ثم طبقها هو على التتار وصار هذا الأمر برمته ينسب لشيخ الإسلام ابن تيمية وأنه أول من نظر لما يسمى بقتال الطائفة الممتنعة ، وفي الواقع أن شيخ الإسلام أظهر هذا المصطلح وأظهر هذا القسم كقسم مستقل عن قتال البغاة واستقرأ الأحوال التي تمت في عصر الصحابة من قتال الخوارج ومن قتال مانعي الزكاة ثم قتال الخوارج واستنبط أن هناك نوع يستأهل أن يفرض بقسم عن قتال البغاة لأن له أحكام مختلفة وتوصيف أصحابه توصيف مختلف إذن فهو قسم مختلف .
فيحصل من هذا الكلام أن أصناف من يقاتلون من أهل الإسلام ثلاثة ، هذا بخلاف المرتدين لأن قتال المرتدين هو قسم من قتال الكفار ولكنهم يكونون كانوا منتسبين للإسلام أو ما زالوا يزعمون انتسابهم إليه ، فإذن نحن نصنف قتال المرتدين كنوع من قتال الكفار وليس من قتال أهل الإسلام ، ولا مشاح في الإصطلاح فلو أنك اعتبرته أنهم كانوا منتسبين إلى الإسلام ، قتال المرتدين أمر واضح فيمن ارتدوا عن الإسلام ردة صريحة ليس فيها تأويل ولا شبهة كأن يرجعوا إلى دين يخالف دين الإسلام أو ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة مما يستوي في علمه الخاص والعام أو نحو ذلك .
نتكلم على قتال البغاة كأصل وهؤلاء يشترط فيهم شرطان :
الأول أن يكون لهم تأويل سائغ
والثاني : أن يكون لهم شوكة ومنعة
إن فقد أحد هذين الشرطين صاروا قطاع طريق ، أو يقاتل من كان هذا شأنه قتال قطاع الطريق ، فهناك قطاع طريق في غاية الوضوح من أنهم يخرجون لنهب الأموال وهتك الأعراض .
ومن خرج بتأويل غير سائغ أو خرج بتأويل سائغ لكن لا شوكة له عومل معاملة قطاع الطريق على الراجح من كلام أهل العلم .
وأم إن كان هناك من له شبهة بتأويل غير سائغ ولهم شوكة ومنعة من أمور قد تخالف المجمع عليه ولكن فيها شبهات وليس مما يحكم بردة كل من ينتحل ذلك القول بلا إقامة حجة ولا غيرها .
الذي يرتد لدين يخالف دين الإسلام أو نحو ذلك تصير هذه الطائفة بأسرها مرتدين وينتهي الأمر ، ويقاتلون قتال المرتدين ، وأما من يمتنعون من شعيرة من شعائر الإسلام الظاهر فمن الوارد أن يكون عندهم شبهة ولكنها تأويل غير سائغ ليس من جنس تأويل البغاة فهؤلاء هم الطائفة الممتنعة الذين يتمنعون عن التزام بعض أحكام الإسلام الظاهرة .
ونتيجة أن يكون عندهم الغالب على هؤلاء في النماذج التي حصلت عبر التاريخ في مانعي الزكاة والخوارج والتتار أن تكون هذه الطائفة أخلاط شتى ، فيعامل كل فرض داخلها بحسبه وهذا أعدل بكثير ممن يريد أنه كلما اختلف مع طائفة أن يكفرها بالعموم .
إذا كان هناك امتناع عن شعيرة من شعائر الإسلام وهذا له شبهة وهذا ليس له وهذا يعرف وهذا جاهل وهذا عالم ، فهذه الطائفة إن كان هناك قدرة على قتالها كان القتال لأن هناك قتال لمن هو خير منها وهم البغاة ، فأمر القتال يسير إذا كان مرتبط بالقدرة والعجز والمصلحة والمفسدة . ولكن الواحد المقدور عليه لا يعطى الطائفة كلها حكم الردة وإنما يعطي كل طريق الحكم المساوي له .
فإذن هذه الأصناف ممن يقاتلون من المنتسبين للإسلام .
مع أن نافلة القول أن نشير أننا ابتلينا في هذا الزمان ببعض المنتسبين إلى الدعوة يوصف الأنظمة المدنية في الدول الإسلامة بأنهم ولاة أمور تجب طاعتهم شرعاً .
فنحن نقول دائماً ما ننادي بتحقيق مصالح المسلمين وعدم تعريض أموالهم ودمائهم ولا مصالح دينهم للفساد ومن ثم من الناحية العملية قد نكون نحن وهم على قدم سواء في عدم إثارة المشكلات ومنازعة السلطات ونحو ذلك ، ولكن اختلاف التوصيف ما بين أن هذه ولاية أمر شرعية أم أن هذا تحقيق لمصالح المسلمين .
نحن نقول أنه باستثناء نماذج قليلة جداً الأصل في الحكومات المدنية المعاصرة في كل بلاد المسلمين تقريباً إلا الندر اليسير أنهم يستنكفون أن يوصفوا بأنهم ولاة أمور شرعيين بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة ، يستنكفون أن يوصفوا بأن دورهم هو تطبيق الدين وسياسة الدنيا بالدين ، فإذن لا يوجد ادعاء أصلاً بوجود ولاية لكي تنظر هل هي مطبقة أم لا .
لكن هنا ولاية نابعة من أمر آخر يرونه ، والمسلم يريد أن يحافظ على مجتمعه وعلى دماء المسلمين وأموالهم وعلى مصالح الدعوة
الأكثر من ذلك لو تغاضينا عن هذه الجزئية ، ونفترض جدلاً أن هناك ولاة أمور شرعيين يقصرون في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب حينئذ أن يتعاون الناس فيما بينهم للأمر للقيام بهذا الفرض الكفائي الذي قصر فيه الولاة ، لكن العجب من هؤلاء الإخوان أنهم بعد أن هؤلاء ولاة أمور شرعيين يرى أيضاً أن هذا حق لا ندري من أين أتو به وهو لا مكن أمر بمعروف ونهي عن منكر إلا بإذنهم ، ومن ثم يرى أن من يأمر بمعروف وينهى عن منكر بغير إذنهم فهو خارجي .
العلماء يتكلمون فيمن خرج على الإمام العدل بالسيف بأن منهم بغاة ومنهم خوارج ، وهؤلاء يرون أن من تكلم بشطر كلمة أو من تعاون مع غيره على أداء الواجبات الشرعية خارجي قولاً واحداً ، حتى إنك إذا حضرت لهؤلاء درس أو خطبة عن الخوارج تكاد تنسى أصل الخوارج .
يعني قديماً إذا قيل خارجي يقال أن هؤلاء الذين يكفرون بالكبيرة ، الآن في حس هؤلاء الخارجي هو الذي يدعو إلى الله ويتعاون مع إخوانه على الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، فهم ينسون أصل الخوارج وأنهم يكفرون بالكبيرة ، وليس هذا فحسب بل ما داموا خوارج فهم يستحقون ما يفعل بهم ولو كان القتل ، حتى أن خطيباً من هؤلاء صار ملكياً أكثر من الملك كما يقولون فصعد المنكر يستنكر على ولاة الأمور عدم قتلهم للخوارج ، وهذا خروج وفق منهجه هو ولكن يبدو أن هذا خروج قانوني أو خروج مرغوب فيه ، فإذا كان أنت لو لم تتعرض لأحد أو تذكر أسم أحد ومجرد أنك تنكر المنكرات دون أنت تذكر أعيان من قام بها فهذا يعد عندهم خروج ، وهو يجيز لنفسه مثلاً أن ينكر صراحة على من يراهم ولاة أمور لأنهم مقصرون في قتل الخوراج ، وكأن هذا المنكر الوحيد الموجود في الدنيا وهو ترك قتل الخوراج الذين يدرسون العقيدة ويدرسون دين الله تبارك وتعالى ويدعون إليه ، وبعضهم يرى أن من يخوض الانتخابات ضد ولاة الأمور خواج ، فهذه مشكلة معضلة ، إذا كان ولاة الأمور دعوا إليها ؟ ، قال لا يطاعون في معصية ، فهم كانوا عصاة عندما دعوا غيرهم لكي يناوءهم ، فهم لا يطاعون في معصية وكأن هذه أيضاً هي المعصية الوحيدة التي عندهم ، فإذا كان هم لا يطاعون في معصية فهناك معاصي كثيرة تستوجب التنبيه ألا يطاعوا فيها ، لماذا إذا تكلم المتكلم أنهم لا يطاعون في تطوير التعلم ولا يطاعون في هذه الانحرافات يقال عليه خروج وهذا نوع من إثارة الناس على الحكام ، فلماذا تثير الناس ضد الديمقراطية التي يدعوا إليها الحكام ؟ يقول أنهم عصوا في هذا الجانب فلا يطاعون في معصية .
كلام جعل أصحابه مسار سخرية الجميع وإنا لله وإنا إليه راجعون .
على كل حال كنا نتمنى من هؤلاء الإخوة لو أنهم يبالغون في حق من يرونهم ولاة أمور ، على الأقل يجعلون من لا يخرج عليهم بالسيف ، وإنما غاية ما هنالك أن يتعاون ويتعلم العلم الشرعي يجعلونه بغاة مثلاً أو من أهل البغي ، فعندهم متسع بدلاً من أن يجعلونهم خوارج ، ولكن القضية عند هؤلاء يبدو أنها لا تقبل القسمة على اثنين ، فهم خوارج ولابد من قتلهم وينكر على ولاة الأمور تركهم للخوارج ولكن لا ينكر عليهم ما سوى ذلك .
أيماً ما يكن فليس هذا هو موضوعنا الآن ، وإنما كان المقصود بيان أصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام .
أيضاً من بعض النقول التي توضح هذه القضية قول الإمام النووي في روضة الطالبين : " الذين يخالفون الإمام بالخروج عليه وترك الانقياد والامتناع من أداء الحقوق ينقسمون إلى بغاة وغيرهم "
إذن وكأن وصف البغاة هو أكثر الأوصاف الانضابطاً فبدأ به النووي رحمه الله .
والغير هو من فقد الشرط بأن يكون تأويل سائغ وأن يكون لهم شوكة ، سيتفرع على ذلك وجود شر البغاة الذين لهم تأويل غير سائغ ، وهؤلاء سماهم شيخ الإسلام ابن تيمية طالما لهم تأويل غير سائغ مع شوكة يعطي أن هؤلاء طائفة ممتنعة أو في اصطلاح المتقدمين ـ شر أهل البغي ـ
إذا كان لا يوجد تأويل أو لا يوجد شوكة يأول الأمر إلى الكلام على المحاربين أو قطاع الطرق .
يقول : " الذين يخالفون الإمام بالخروج عليه وترك الانقياد والامتناع من أداء الحقوق ينقسمون إلى بغاة وغيرهم ، أما البغاة فتعتبر فيهم خصلتان :
إحداهما أن يكون لهم تأويل يعتقدون بسببه جواز الخرو على الإمام أو منع الحق المتوجه عليه ، فلو خرج قوم عن الطاعة ومنعوا الحق بلا تأويل سواء كان حداً أو قصاصاً أو مالاً لله عز وجل أو للآدميين عناداً أو مكابرة ولم يتعلقوا بتأويل فليس لهم أحاكم البغاة
وكذا المرتدون "
يعني الذين ليس لهم تأويل إما أن يكونوا قطاع طريق أو لو كان هناك تأويل بعيد سيكونون طائفة ممتنعة والمرتدون من يرتدون عن الإسلام بالكلية أو ينكرون معلوماً من الدين بالضرورة يستوي في علمه الخاص والعام .
يقول : " ثم تأويل البغاة إن كان بطلانه مظنوناً فهو معتبر وإن كان بطلانه مقطوعاً به فوجهان :
أوفقهما لإطلاق الأكثرين أنه لا يعتبر كتأويل المرتدين "
إذن هو عنده قتال من له تأويل مقطوع البطلان أن يكون كتأويل المرتدين ولكن لا يكون أصحابه مرتدين ، يكون صفة قتالهم كقتال المرتدين ، كل هذا كان تعبير بصورة ما عن من أسماهم ابن تيمية بالطائفة الممتنعة .
يقول : "
والثاني : أنه يكون لهم شوكة وعدد بحث يحتاج الإمام في ردهم على الطاعة إلى كلفة ببذل مال أو إعداد قتال أو بنصب قتال ، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بغاة "
يقول : " وشرط جماعة من الأصحاب في الشوكة أن ينفردوا ببلدة أو قرية أو موضع من الصحراء ، والأصح الذي قاله المحققون أنه لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر استعصاؤهم وخروجهم عن قبضة الإمام حتى لو تمكنوا من المقاومة وهم محفوفون بجند الإسلام فقد حصلت الشوكة "
هذا الكلام للإمام النووي نريد أن نخرج منه بفائدة جانبية ، وهو أن معظم العلماء اعتبر من شروط الشوكة الانفراد بأرض ، وبالتالي نحن نوظف هذا النقل في أنه عندما يريد أقوام أن يقاتلوا نقول أن هناك القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ثم أيضاً هناك توصيف الطرف الآخر فينبغي أن يدرج أنه في الأعم الأغلب من شروط القدر الانفراد بأرض ، من الوارد في أحوال نادرة أن تحصل القدرة دون الأنفراد بأرض ولكن هذا نادر جداً ، وبالتالي اعتبر العلماء من شروط الحكم على طائفة ما أنهم بغاة فهل يكون لهم قدرة ومن شروط هذه القدرة أن يفردوا بأرض .
فلابد حينئذ أن يستصحب الذين يريدون أن يقوموا بقتال خصومهم أن هذا شرط اعتبره الفقهاء مراعاة للواقع ، فلابد أن يراعوه هم أيضاً وأنه يندر جداً أن توجد قدرة بغير انفراد بأرض ، كما أنه يندر أن توجد قدرة بغير مطاع ، لذلك أيضاً تكلموا في البغاة هل يمكن يشترط لاعتبارهم بغاة أن يكون لهم مطاع ؟ أيضاً الصحيح أن هذا شرط أغلبي بمعنى أنهم غالباً لا تكون لهم قدرة إلا متى وجد ذلك المطاع .
هذا في توصيف أهل البغي وترفع عليه توصيف الأصناف الأخرى ممن يقاتلون من المنتسبين للإسلام .
وأما صفة قتالهم يقول النووي رحمه الله في المنهاج : " ولا يقاتل البغاة حتى يبحث إليهم أميناً فطناً ناصحاً يسألهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها فإن أصروا نصحهم ثم آذنهم بالقتال فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صواباً "
يعني لو طلبوا مهلة ينظر هل يغلب على ظنه أنهم في هذه المهلة يرجعون فإذن يعطيهم المهلة
لو غلب على ظنه أنهم يواصلون الاستعداد لا يعطيهم
يقول : " ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم واسيرهم لا يقتل ولا يترك "
فالأسير يحبس إلى أن تنتهي حالة الخروج على الإمام ، ولكن هو دمه معصوم
: " ولا يطلق وإن كان صبياً أو امرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم ، إلا أن يطيع باختياره "
يرجع عن بغيه ويغلب على الظن صدقه في هذا الرجوع .
قال : " ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم "
عصمة أموالهم لا تزول ببغيهم ، وهذا أهم الفروق بين قتالهم وقتال الطائفة الممتنعة أو قتال شر البغاة على حد اصطلاح متقدمي الفقهاء فإنهم تغنم أموالهم واسلحتهم .
قال : " ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرور كأن قاتلوا به أو أحاطوا بنا ولا يستعان عليهم بكافر ولا بمن يرى قتلهم مبدرين "
هذه كلها أحكام تتعلق بقتال أهل البغي .
إلى أن يقول في بحث فقه الجهاد : " مما سبق يتضح أن أهل البغي يقاتلون لدفع شرهم بعد إزالة شبهتهم ودعوتهم إلى الرجوع إلى الحق لقوله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } [الحجرات/9] فلا يبدأون بقتال قبل الإصلاح فإن قوتلوا لا يبتع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير عند عدم وجود فئة لهم باتفاق عامة العلماء ، وعند وجود فئة لهم كذلك عند الجمهور"
يعني حتى الأسير من الوارد أن يفر فلا يقتل عند الجمهور ، وأما الأموال والنساء والذراري فتحريمها باق بلا خلاف بين العلماء لأنهم مسلمون ، وأما نفوذ أحكامهم وقبول شهادتهم فالذي عليه الجمهور قبول شهادتهم وأنه ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام قاض أهل العدل ، فإذا تسلطوا على بلد وأقاموا فيها قاض صار له الحكم الشرعي .

قال : " وينقض منها ما ينقضي من حكم من حدود أقاموها وزكاة جمعوها وغيرها ، والجمهور على أنهم لا يضمنون نفساً ولا مالا مما يتلفوه حال القتال ولا يجب عليهم بعد توبتهم أو هزيمتهم قصاص ولا دية "
هذا بالنسبة لقتال البغاة ، أما قطاع الطرق فهو حد من الحدود ولكنه يختلف بأنه يسقط ، هذا من التيسيير على الناس أن هذا الحد يسقط متى تاب صاحبه قبل القدرة عليه . وهذا تهييج وترغيب لمن يتوب ممن هذا وضعه وآذاه أن يستسلم ، وأن معه سلاح يؤذي الناس بالمال ويؤذي أعراضهم ونحو ذلك فلو قيل له أنه لابد أن يقام عليه الحد ربما دفعه هذا إلى مزيد من الاستمرار حتى وإن حدثته نفسه بالتوبة فإنه يعان على التوبة بأنه متى تاب سقط عنه الحد ، أما إن ظل على حاله إلى أن قاتله الإمام وأسره ، فهذا يكون الإمام مخير فيه بأنواع من العقوبات مدارها على المصلحة ، فإن شاء قتل منهم من قتل أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو غير ذلك مما يكون مداره على المصلحة
وأما شرع أنواع البغاة باصطلاح المتقدمين أو الطائفة الممتنعة في اصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية ففيها قتوى التتار لشيخ الإسلام ابن تيمية وهي فتوى مليئة بالفوائد نتناولها مستقلة في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
سبحانك اللهم وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

د.أبو عمر
11-12-2010, 01:44 AM
ما لا يسع السلفى جهله


بارك الله فيك أخى النشيط :)

وحبذا لو كملت السلسلة

حفيد الصحابة (أبو حفصٍ)
11-12-2010, 02:00 AM
حفظ الله شيخنا الحبيب/ عبد المُنْعِم الشَّحات.
ونفعنا الله بعلمه. آمين.

جزاكم الله خيراً أخي الحبيب.
وباركَ الله فيكَ.

محبكم في الله.

ابن الجوزى
11-12-2010, 08:39 AM
جزاك الله كل خير
وبارك الله فيك
ونرجوا منك مواصلة التفريغ

ابن قمر المصرى
11-13-2010, 06:55 AM
الشريط الثاني عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
تكلمنا في المرة السابقة عن أصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام وذكرنا قتال البغاة وقتال المحاربين وأشرنا إلى قتال الطائفة الممتنعة ، وذكرنا أن بعض أهل العلم يدرج نماذج من قتال حصل في عصر الصحابة رضي الله عنهم ضمن قتال البغاة كقتال مانعي الزكاة وقتال علي رضي الله عنه للخوارج ، وجاء الشيخ الإسلام ابن تيمية في ثنايا كلامه على قتال التتال وبين أن هؤلاء قسم ثالث ، وكما أشرنا من قبل أن هذا موجود في كلام أهل العلم السابقين بينما أنهم لم يفردوا هذا القسم بالتصنيف وإنما كانوا يتكلمون على البغاة في الجملة ثم يقولون ـ وشر البغاة كمانعي الزكاة والخوراج لهم أحكام خاصة عن قتال سائر البغاة ـ فإن البغاة الذين يخرجون على الإمام بخلاف سائغ لا تغنهم أموالهم ولا أسلحتهم وبينما تغنم أموال وأسلحة الخوارج ومانعي الزكاة أو من اصطلح شيخ الإسلام رحمه الله على تسميتهم بالطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة .
تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على الطائفة الممتنعة في عدة فتاوى موجودة في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين ، منها نحو ثلاث فتاوى عن التتار بعضها مختصر وبعضها مطور ، وفتوى عن الروافض ، بالإضافة أنه أشار إلى ذلك في مواطن متعددة
سنذكر اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى بعضاً مما ذكره شيخ الإسلام في قتال الطائفة الممتنعة ، فهناك فتوى عن الروافض في الجزء الثامن والعشرين صفحة 468 ، كان السؤال عن الروافض الذين يكفرون الصحابة فهل يجب قتالهم ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا ؟
نص السؤال يقول : " سئل شيخ الإسلام تقي الدين عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي ابن أبي طالب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته وأن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه وأنهم كفروا بذلك فهل يجب قتالهم ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا ؟
فأجاب رحمه الله :
الحمد لله رب العالمين ، أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله .
إذن هو يبرز هنا هذا المصطلح ، مصطلح الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ، ويحكي هذا أن الأمة اجمعت على هذا الأمر ، وطبقوه في قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج ، وهو في هذه الفتوى على قتال الروافض وقتال التتار .
قال : فلو قالوا نصلي ولا نزكي أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ، فهنا الامتناع عن الأداء ، وإلا فالامتناع عن التصديق والإزعان كفر وردة ، فلو أنهم لا يعترفون بوجوب الصلوات الخمس أو لا يعترفون بوجود الجمعة فيكون هذا ردة ، ولكن لو أقروا بالوجوب وامتنعوا ؟!
الواحد المقدور عليه له حكمه ، فإذا كنا نقول في الصلاة يقتل أو لا يقتل فيكون الواحد المقدور عليه له حكمه ، أما لو أن طائفة ذات شوكة امتنعت فحينئذ يجب القتال .
لأنه كما ذكرنا قبل ذلك بأنه لا تلازم بين وجوب القتال ووجوب القتل ، الكافر يستحق القتل ما لم يعصم دمه بعهد أو أمان أو نحوه ، وبالتالي من باب أولى يقاتل المسلمون الكفار ، فالكفر يتضمن القتل والقتال ، إلا إذا وجد مانع من القتل بوجود عهد أو ذمة والمانع من القتال كذلك وكذلك وجود مفسدة ، وهناك من يقتل وهو الذي عليه وجوب تستوجب القتل فيقتل فلو أن طائفة ممن يستحقون القتل فروا وصار معهم شوكة يقاتلون من باب أولى ، لأنه أكثر ما ينتج عنه القتال أن يقتل أو يؤسر فإذا أسر سيقتل وينفذ فيه الحد الذي فر منه وإذا قتل قبل أن يؤسر فهذا هو الحد ، فإذن من كان يستحق القتل أو مجموعة يستحقون القتل صار لهم شوكة ومنعة وامتنعوا من أن ينفذ فيهم حق الله بالقتل يقاتلون ، فهناك من يقاتلون لأن لهم شوكة ومنعة حتى وإن كان أحدهم لا يستحقون القتل ولكن طالما أن لهم شوكة ومنعة وامتنعوا من جعل الدين كله لله ، وهذا هو الدليل الذي احتج به شيخ الإسلام بعد الإجماع والتطبيق العملي من الصحابة .
أمر الله عز وجل بالقتال وجعل للقتال غاية وهي أن يكون الدين كله لله ، فإذا امتنع هؤلاء إذن لم يطبق الدين كله ولم ينفذ الدين كله ، فيجب أن يقاتلوا حتى يلتزموا بما لا يريدون أن يلتزموا به ، فلو قالوا نصلي ولا نزكي أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة أو نقوم بمباني الإسلام الخمس فهم يقومون بالفرائض ، فلو قالوا لا نحرم دماء المسلمين وأموالهم أو لا نترك الربا ولا الميسر أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الصحيحة الثابتة عنه أو نعتبر أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين أو أن أهل القبلة كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة .
فهذه نماذج من الامتناع ، بأن يقولون نؤدي الفرائض ولكن نمتنع عن تحريم المحرمات ، أو يمتنعون عن اعتقاد عقيدة أن جيل الصحابة هو خير القرون بل يعتقدون أنهم كفروا إلا نفر قليل ، أو قالوا لا نجاهد الكفار مع المسلمين ، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما عليه جماعة المسلمين .
فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة وجاهوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الخرمي والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام .
نلاحظ هنا أنه أتى بمناذج من أهل البدع ينص هو على تكفيرهم ، لماذا ؟
لأن هذا القتال من باب واحد ، وهو قتال الممتنعين عن أن يكون الدين كله لله ، ولكن الواحد المقدور عليه يختلف كما سيأتي ، فإذن قتال الطائفة الممتنعة فالعبارة الدقيقة أن تقول أنه كقتال المرتدين سبباً وأحكاماً .
السبب الذي يقاتل من أجله المرتدين أن يكون الدين كله لله
السبب الذي يقاتل من أجله المرتدون عن بعض شرائع الإسلام كما يسميه شيخ الإسلام وأيضاً سيأتي في ثنايا الفتاوى الآخر .
فالممتنعون عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة هم مرتدون عن بعض الإسلام ، فإذن هذا القتال نابع من أنه ينبغي أن يقاتل من يمتنع من أن يكون الدين كله لله ، وهؤلاء ليسوا في حرمتهم كحرمة من يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ، فالآخرين يكون الغرض هو زجرهم عن الخروج عن الإمام ، فلا تغنم أموالهم ولا يستخدم سلاحهم في حربهم ونحو ذلك ، بينما هؤلاء يقاتلون ويغلظ في قتالهم فتغنم الأموال ويستخدم السلاح في حربهم ويكون الخطر منهم أكبر وبالتالي قد يكون هناك فرصة أكبر للإمام إذا رأى أن يقتل من أسراهم من يكونون خطر في تركهم .
ثم إن الواحد المقدور عليه منهم إذا كان أثناء الحرب فهو أسير ، فهناك في أمر البغاة الذين خرجوا على الإمام بتأويل سائغ لا يجوز قتل الأسرى بينهما هاهنا قد يكون الإمام مخير فيه حسب المصلحة فإذا انقضت الحرب وكان هناك من الأسرى من لم يقتله الإمام ينظر في حال كل واحد هل كان أنه مرتد فيكون حكمه حكم المرتد وإن كان يجب عليه حد يستحق في القتل ، فهنا يختلف أمر الطائفة عن آحادها .
ولكن الطائف اكتسبت حكم القتال بغض النظر عن كون أصحابها يستحق كل منهم القتل أم لا لأنه لا يوجد تلازم لأنهم يمتنعون من أن يكون الدين كله لله ، ولذلك قتال الباطنية وغيرهم من الطوائف المرتدة كقتال الشيعة والخواج وغيرهم من الطوائف التي امتنع شيخ الإسلام ابن تيمية عن تكفير أعيانهم ، فهو يكفر أعيان وآحاد الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم من الشيعة الغلاة كما سيأتي الكلام ، يقاتلون قتال المرتدين ، ولا يكفر آحاد الشيعة الإثنى عشرية ولا الخوارج ولكن يقاتلون كالمرتدين ،والدليل واحد في الأمرين لأن الله تعالى يقول في كتابه { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله في طائفة يتحصنون ويمنعون تطبيق شريعة من شرائع الإسلام وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله ، وقال تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة .
وقال تعالى { { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة/278] ، الحرب من الله بما يرسل عليهم من أنواع الضنق والشقاء وغير ذلك ، أما الحرب من رسول الله بمعنى أن الله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن من يمتنع عن تحريم الربا ويصر على التعامل به فإن كانوا جماعة لهم شوكة يحاربون من أجل أن يلتزموا الامتناع عن الربا ، أما الواحد المقدور عليه فيعذر ويهدد لأن الربا لا حد فيه ، يعذر ويؤدب إلى أن يمتنع ، إذن هناك حرب لمن لم يتمنعوا من تحريم الربا ، وكما ذكرنا أن من يقول أن الربا حلال يكون مرتد ، ومن يقول أنه حرام ولن يذر الربا مثل أهل قرية أو مدينة فيأتي الإمام يؤدب من يتعامل منهم بالربا فيستعين بعضهم ببعض ويتعاونون في منع الإمام من تأتيب الذين يتعاملون بالربا فصاروا هنا طائفة ممتنعة عن الامتناع من الربا .
يقول : " فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنتهي عن الربا فقد حاربت الله ورسوله ، والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه قبله آكد ، وقال تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة/33] ذكرنا أن هذا قسم مستقل لا هو من البغاة ولا هو قتال الطائفة الممتنعة وهو قتال قطاع الطرق ، هؤلاء الذين يسعون في الأرض فساداً ،
شيخ الإسلام هنا يقول أن الآية أعم مما بوب عليه الفقهاء بأن هذا باب قطاع الطريق الذين يسعون في الأرض فساداً لأن الآية تكلمت قبل على الذين يحاربون الله ورسوله ، وآيات تحريم الربا بينت أن من حرب الله ورسوله عدم الامتناع وعدم ترك ما بقي من الربا ، فإذن لو ضم قتال الطائفة الممتنعة مع قتال المحاربين وقطاع الطرق لكان أولى ، وبعض الفقهاء يجعل كل هؤلاء قسم واحد ويسميهم البغاة ويكون هذا هو عنوان الباب لأن الذي شغل الفقهاء جداً وكان كثيراً في زمانهم قتال البغاة ، وكان هناك حركات الخروج على أئمة الجور ونحو ذلك ، فكان هذا يأخذ قدر كبير من الاهتمام فكان ربما كثير من الفقهاء يرتب عنوان الباب ـ قتال البغاة ـ ثم يفرع ويقول وأما من شهر السلاح لنهب الأموال وهتك الأعراض فحكمه ما ذكر في قوله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله } وأما شر أهل البغي ممن ليس لهم تأويل سائغ كالخوارج ومانعي الزكاة فيمكن أن تغنم أموالهم ويحاربون بسلاحهم ويجهز على جريحهم ، إذن يكون في النهاية ذكر ثلاثة أقسام ولا مشاح في الاصطلاح .
هنا شيخ الإسلام يرى أن هذه الآية بغض النظر عن ثبوت حكم قطاع الطريق أو من اصطلح عليهم بالمحاربين فالآية أعم من ذلك يدخل فيها هؤلاء من كانوا كالخوارج أو غيرهم ممن يمتنعون عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة .
يقول : " فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله ، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة وهي أعم بكثير ويشمل كل هؤلاء الذين يستحقون القتال ، حتى تأول السلف هذه الآية على الكفار وأهل القبلة حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فساداً وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله .
وكأن شيخ الإسلام يرى أن دخول الطائفة الممتنعة تحت هذه الآية أولى من دخول قطاع الطرق ، فإذا كان الفقهاء استدلوا بها على قطاع الطرق فيكون من باب أولى يدخل معهم الطائفة الممتنعة .
يقول : " فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم " كالخوارج والروافض ، فالسؤال هنا على الروافض ، يقول الخوراج والروافض يعتقدون حل أموال المسلمين لأنهم يكفرونهم ، فإذا كان نطبق هذه الآية على قطاع الطريق الذين يقطعون الطريق وهم يعلمون أن هذه معصية فتطبيقها على من يستحلها وإن كان بتأويل من باب أولى ، هذا التأويل قد يمنع من التكفير كما سيأتي ولكن يجعلهم من شر أهل البدع ، لأنهم ما وقعوا في هذا التأويل إلا بكبرهم وغرورهم وسوء نيتهم إلى غير ذلك من الأسباب التي يقعون في مخالفة الأدلة المتواترة فيستحلون أموال المسلمين ودمائهم ، وحتى لو كان فيهم معذور ولو قدرنا عليه وحده علمناه وأما طالما كانوا طائفة فلا يمكن إزالة شرهم إلا بقتالهم ثم يكون المقدور عليه منهم يعامل كل بحسبه ، فإذن توصف الطافة بأنها تفعل عمل من شر الأعمال ومن أعظم المحاربة لله ولرسوله تستحق القتال ، فإن كان فيهم من هو جاهلاً معذوراً بجهله أو من هو مكرهاً كما سيأتي فكل يعامل بحسبه متى قدرنا عليه وحده ، وأما والأمر وأنهم طائفة فيعاملون على أنهم طائفة .
هنا يقول في باب أن الدخول الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة في آية الحرابة أولى من دخول قطاع الطرق لأن قطاع الطرق يقطعون الطريق وينهبون الأموال ويسفكون الدماء وهم يعلمون حرمة ذلك ، فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم أولى من أن يكون محارباً لله ورسوله ساعياً في الأرض فساداً من هؤلاء .
ثم يذكر قتال أبي بكر للمرتدين ومانعي الزكاة ويذكر قتال علي رضي الله عنه للخوارج
بعد أن ذكر شأن الروافض بطوائفهم الثلاث : المفضلة ، الإمامية ، والغلاة الإسماعيلية ، وذكر ان الغلاة مرتدين إجماعاً ، ثم قال : " وكل هؤلاء ـ الغلاة ـ كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين وقتل الواحد المقدور عليه منهم " لأنهم كفار فيقاتلون كطائفة والواحد المقدور عليه منهم يقتل .
قال : " وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة "
الفتوى من أولها تنظر لوجوب قتال الخوارج الغلاة والرافضة ، ولكن هاهنا استطرد في ذكر الغلاة وبين أن الغلاة الكفار يقاتلون والواحد المقدور عليه منهم يقتل وهذا هو موضع الفارق بينهم وبين الخوارج والروافض .
قال : " وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما ـ عمر وعلي ـ قتلهما أيضاً ، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء " إذن هناك نزاع في قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة لن يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين فإن القتال أوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به .
في الواقع أن هذه الفتوى طويلة فيها استطراد في حال الروافض وعقائدهم وبيان خبثها ولكن هذا القدر الذي اردنا أن نجتزأه منها لبيان كيف نظر شيخ الإسلام ابن تيمية لبيان الطائفة الممتنعة والأدلة التي استدل بها وكيف بين أن الرافضة من أول من يدخل في هذه الطائفة الممتنعة ، ربما في باقي الفتوى يبين أن الروافض هم من الخوارج بل هم أفحش أنواع الخوارج ، الخوارج يكفرون العصاة والرافضة يكفرون خيار الأمة من الصحابة ، فإذن الروافض أخطر من الخوارج وهم بهذا المعنى خوارج بل أشد ، من خرج على إجماع خير الناس بل خرجوا عليهم بالسيف وخرجوا عليهم بالأذى عندما كفروهم ونحو هذا .
ثم قال في نهاية هذه الفتوى بعد أن بين أقوال الروافض : ( وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضاً للعلماء قولان مشهوران " وكأن القول بقتل الواحد منهم فرع على القول بتكفيرهم ، وحكى في القول قتل الواحد المقدور علهي منهم قولان ، وحكى في التكفير قولان ، فكأن من رأى أنهم كفار بأعيانهم ألحقه بالشيعة الباطنية وهذه فتوى منتشرة الآن عند كثير من علماء الدعوة الوهابية والبعض يغلو فيحكيها إجماعاً ، نحن لا ننكر أن بعض السلف كر الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ، ولكن هذا ليس إجماع وكلام ابن تيمية واضح ، فمن وضح قول ينبغي أن يبين الدليل ولا يغلوا فيصور هذا القول على أنه إجماع . غير مسألة الإجماع وعدمه أيضاً لا ينسب إلى إمام قول لم يقله ، فالبعض إذا عدها إجماع تسأله عن مستند الإجماع يقول كلام ابن تيمية ، فابن تيمية حكى الخلاف فضلاً عن أن ابن تيمية يرجع عدم التكفير ، الذي ينسب دعوى الإجماع لابن تيمية وقع في أكثر من خلل والسبب أنه إما أن يأتي لمواطن يتكلم فيها ابن تيمية على الشيعة الغلاة على اعتبار أن كل أهل البدع غلاة ولكن هناك اصطلاحات لابد من مراعاتها ، فهو يقول الشيعة بطوائفها الثلات : المفضلة والغلاة والرافضة ، إذن هو فرق ، والأمر الآخر أن يتكلم ابن تيمية على القتال فيظنون أن هذا يلزم منه التكفير رغم أن ابن تيمية بين أن هناك فرق بين القتال وبين التكفير . الأمر الآخر أن يتكلم ابن تيمية على عقائد الروافض ويصفها على أنها عقائد كفرية فيرون أنه يلزم من هذا أنه يكفر الروافض وهذا كله غير صحيح .
نقرأ هذه الفقرة يتبين حقيقة مذهب ابن تيمية
نسب إلى السلف الخلاف في تكفير الروافض والخوارج .
قال : " وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضاً لعلماء قولان مشهوران ، وهما روايتان عن أحمد "
فحتى القول في أن الإمام أحمد يكفر الروافض قول يحتاج إلى تحقيق لأن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول أن للإمام أحمد روايتان .
قال : " والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم " إذن الكلام هنا واضح جدا ًعمن يتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ، تكلم عن الخوارج والروافض وأنه حكي الخلاف عن السلف في تكفيرهم .
يقول : " والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضاً ، وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع ، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه ، فإنا نطلق القول من نصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفصيل ولا نحكم بالمعين بدخوله في ذلك العام حتى يكقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له وقد بسطت هذه القاعدة في قاعدة التكفير "
طبعاً ذكرنا في دروس الإيمان والكفر أن كلام ابن تيمية في العذربالجهل مضطرد لا يكاد يتعرض لبدعة كفرية إلا وينص على هذا الكلام بهذه العبارات الواضحة "
إذن هو يرى ان دين الخوارج والروافض كفر وكذا المعتزلة ولكن هذه الأقوال فيها من الشبهات التي لا يمكن أن تجزم بأنه من قال هذا القول كافر ، ومن يقولون بهذه الأقوال لديهم أدلة ، هذه الشبهات قد تكون في حق البعض عذر تام إذا لم يحسن في حياته غير هذا ، وقد تكون في حق البعض مانع من التكفير وليس مانعاً من استحقاقه بالعقاب لأنه كان أمامه أهل السنة وذهب إلى أهل البدعة وتعلم منهم أو غير ذلك ولكن في الجملة صار الانتماء للخوراج أو إلى الرافضة لا يساوي الكفر ، طالما أنه لا يساوي الكفر فيكون كل من انتمى إليهم ممن لا تعرف حقيقته باقي على الإسلام وينطق الشهادتين وينتسب إلى الإسلام ويتلبس ببدعة لو إقيمت عليه الحجة فيها لكفر ، فعندما نقول أن رجل ينتمي إلى الإسماعيلية الذين يعقتدون أن صفات الإله تحل في بشر كافر بمجرد أن تعرف انتماؤه لهذه الطائفة ، لأن هذا من بديهيات الإنتماء لهذه الطائفة ، وهذا من معنى الإجالي لـ لا إله إلا الله ، فهذا لم يقل لا إله إلا الله أو قالها وهو ينقض معناها أيضاً فيكون كافر مرتد من ساعته ، فتقول كل من انتمى إلى الإسماعلية أو القديانية فهو كافر بعينه ، أما أقوال الروافض والخوارج فهي كفر لمن تأمل ولكن لأن عامتهم جهال فلا يكفرون ، إذن سيكون الأصل فيهم الإسلام حتى تقدر على واحد منهم فتقيم عليه الحجة ، ودائماً ما يستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الأمر بحديث الرجل الذي ذرى نفسه فيقول هنا ولهذا لم حكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر الذي قال إذا انا مت فأحرقوني ثم ذروني في اليم والله لإن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين مع شكه في قدرة الله ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة ، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وكثير من هؤلاء قد لا يكون بلغه النصوص المخالفة لما يراه ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك فيطلق أن هذا القول كفر فيكفر من قامت عليه الحجة ، فيطلق أن القول كفر ولكن يكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها دون غيره والله أعلم .
هذه فتوى في قتال الروافض أصل فيها بقتال الطائفة الممتنعة .
في الواقع نفس الكلام تقريباً قاله في فتاوى التتار على اختلافها ، فنذكر بعض جوانب منها :
فهناك فتوى للتار صـ 501 وهي مختصرة نسبياً وليس فيها زيادة على ما ذكرناه في فتوى الروافض ، وهناك فتوى صــ 509 مطولة نسبياً وفيها كثير من الفوائد ، ولكنها أيضاً في جملتها لا تخرج عما ذكرناه ، ولكن نذكر هنا نصه على أن قتال الطائفة الممتنعة نوع ثالث ، وهذا مذكور في فتوى التتار الثانية في صــ 518 يقول : " فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم بينما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين بمذهب مالك وأحمد وفي مذهب الشافعي أيضاً بكفرهم ، ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى : أحدهما أنهم بغاة والثاني أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداءاً قبل إرسال من يعظهم وقتل أسيرهم واتباع مدبرهم ومن قدر عليه منه استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل ، كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها ، وإلا لو كانوا لا يقرون بوجوبها فيكون قتال مرتدين إجماعاً ، على روايتين ، وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي للخوارج ليس مثل القتال مثل يوم الجمل وصفين ، فقتال مانعي الزكاة ليس كالقتال الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفاراً كالمرتدين عن أصل الإسلام لأن علي رضي الله عنه قال : " من الكفر فروا " ولكنه في ذات الوقت لم يعاملهم كما عامل البغاة .
فتكفير الخوارج فيها روايتين عن أحمد ولكن هنا أي الروايتين منصوص عليها عن أحمد نفسه ؟ عدم التكفير .
فيقول : " وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره ، وليسوا مع ذلك حكمهم حكم أهل الجمل وصفين بل هم نوع ثالث وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم .
فقتال الطائفة الممتنعة وسط بين قتال البغاة وقتال المرتدين .
وفي الواقع أن أحكام القتال كأحكام قتال المرتدين ولكن الواحد المقدور عليه منهم في قتال المرتدين يقتل وفي قتال الطائفة الممتنعة يعامل بحسبه .
قال في الفتوى الثانية في الكلام عن التتار :" الجواب يحتاج إلى معرفة حكم الله في حال هؤلاء وحكم الله في أمثالهم " فذكر حكم الله في قتال الطائفة الممتنعة بهذه الأدلة ثم أراد أن يبين أن التتار هم طائفة ممتنعة عن كثير من شرائع الإسلام .
فهو الآن بين من الأدلة من الكتاب والسنة إيذان الممتنع عن تارك الربا بالقتال والقتال حتى يكون الدين كله لله ، وقتال أبو بكر رضي الله عنه ومنهم من منعها بتأويل ولم يرتد عن الدين كله بل منعها بتأويل من جنس تأويلات الخوارج وغيرهم ، وقتال علي رضي الله عنه بالخوارج ، فأصل هاهنا لقتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ، وكما ذكرنا بين أنه ما لم يكن الأمر ردة صريحة لا تحتاج إلى إقامة حجة وليست فيها شبهة فيكون الواحد المقدور عليه يعامل بحسبه ، فخلاف الردة الصريحة فالواحد المقدور عليه يقتل .
فهنا يبين كيف أن التتار ينطبق عليهم التوصيف والتكييف الشرعي من أن طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة .
يقول في آخر صـ 519 : " وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم فقد علم أن هؤلاء القوم جازوا على الشر في المرة الأولى عام 99 وأعطوا الناس الأمان وقرأوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما يقال أنهم مائة ألف أو يزيد استحلال سبي المسلمين وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحة ونابلس وحمص ودارية وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله حتى أنهم سبوا من المسلمين قريباً من مائتي ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين بالمساجد وغيرها كالمسجد الأقصى وغيره "
يقول : " وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نرى في معسكرهم مؤذناً ولا إماماً وقد أخذو من أموال المسلمين وذراريهم وخرجوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله ، ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق إما ذنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن ـ كحال العلمانيين في زماننا ـ وإما من شر أهل البدع كالرافضة " هو لا يكفر الرافضة كما بين وهؤلاء جزء من هذه الطائفة سيقاتلهم والواحد المقدور عليه منهم فهناك من هو كافر أصلي وهناك من هو مرتد فيكون معهم من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ، " وإما من أفجر الناس وأفسقهم وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق وإن كان فيهم من يصلي ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ، وهم يقاتلون على ملك جنكيز خان ، إذن من أبرز صفاتهم أنهم يقاتلون على الملك والعصبية ، فمن دخل في طاعتهم جعلوه ولياً لهم وإن كان كافراً ومن خرج من ذلك جعلوه عدواً لهم وإن كان من خيار المسلمين ، ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار "
إذن إذا كانت الطائفة لها شوكة تجعل همها إعلاء ملك قوم ما فهذا يجعل هذا التوصيف في حد ذاته يجعلهم طائفة ممتنعة ، لأنهم امتنعوا عن تطبيق حكم الله بألا يرفع السيف إلا لإعلاء دين الله وليس لإعلاء ملك بني فلان أو ملك فلان أو أرض كذا .. إلى غير ذلك .
ويذكر جملة من الأمور من الاعتقادات والأفعال التي تدل أن عندهم من الكفر وعندهم من البدع وعندهم من الامتناع عن شرائع الإسلام الظاهرة على النحو الذي بيناه .
أيضاً الذي نريد أن نستقطعه من الفتوى للتتار الثالثة في صفحة 544 السؤال عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون أن فيهم من يخرج معهم مكرهاً وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا ؟
في الواقع أن الفتوى التي مضت لم نتناول منها الجزء الذي يوازن فيه شيخ الإسلام ابن تيمية بين التتار وبين المماليك وأنهم مع ما فيهم من الظلم هم يقاتلون لإعلاء دين الله تبارك وتعالى ، وهذا هو خلاصة الأمر لأن البعض أحيناً يطرد فتوى التتار بطريقة عجيبة فيقول أن شيخ الإسلام قال أن التتار والمماليك فوجب أن المماليك أقرب من الإسلام من التتار فأوجب القتال مع المماليك فإذن أي طائفتين يتقاتلان ننظر إيهما أقرب إلى الحق فنقاتل معها ومع هذا فيه إغفال عن النهي عن قتال الفتنة والعصبية وأن هذا من الهرج الذي يؤمر الإنسان فيه أن يغمد سيفه وأن يكون عبد الله المقتول ولا يكون عبد الله القاتل ، وإنما القضية أن التتار هم من الأمراء الظلمة ولكنهم لهم إمارة شرعية لأنه تولوا باسم الإسلام ولأنهم كانوا يقاتلون لصد التتار الذين يمتنعون من تطبيق شرائع الإسلام والذين يعتدون على أعراض المسلمين في الشام ، الممالك كان مقرهم الرئيسي مصر وخرجوا يقاتلون التتار في الشام فكان القتال من أجل رد ضرر التتار عن أعراض وأموال المسلمين في الشام فإذن كان البعض يتزرع بما عند المماليك من معاصي أو من ظلم في بعض الامور فبين شيخ الإسلام أن المماليك يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا والجهاد ماض مع كل بر وفاجر . إذن هذه القضية تختلف عن إذا وجد طافتان ممتنعتان فهذه تمتنع عن تطبيق لإسلام وهذه تمتنع عن تطبيق لإسلام ويتقتلان فلا نعين هذه على تلك ، وإن كان الإمام مالك يقول : " لا يعان الإمام الظالم على الخارجين عليه " ولكن هناك فرق فالإمام ظالم وهم خارجين عليه وليسوا خارجين على شريعة الإسلام ، قال : " دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم " فإذن فتوى الإمام مالك في أنه إذا وجد عليه إمام ظالم وخرج عليه بغاة لا تعاونهم ، عقوبه نزلت عليه من الله بظلمه ، ولكن إن كانت هذه الطائفة لا تخرج على الإمام وإنما تريد أن تمتنع من المحرمات ، فلو أن هذا الإمام الظالم يمنع الناس من الزنا وشرب الخمر فجاء هؤلاء في قريتهم أو مدينتهم يمنعونه من هذا المنع فلما ذهب يمنعهم قاتلوه صار هنا قتال طائفة ممتنعو فيعان هذا الإمام حينئذ لأن هذا من الجهاد الواجب { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فهو من القتال الذي يمضي مع كل بر وفاجر ، إذن قتال مع إمام ظالم لاسيما إن كان صار يرفع راية الجهاد ، يقل الظلم تلقائياً أو يكون مغمور في أنه الآن خرج لا لملكه هو وإلا لو كان يطلب الملك لما نازع هؤلاء في فجورهم أو امتناعهم من شرائع الإسلام أو سبهم لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذن إذا كان هناك إمام عنده ظلم أو جور ويخرج لقتال الطائفة الممتنعة فهذا يقال معه أن الجهاد ماض مع كل بر وفاجر ، لأن هنا الجهاد واجب شرعاً ، أما إن كان الإمام ظالم يخرج عليه طائفة وهم يخرجون عليه بتأويل سائغ ولا دفاع عن بدعة ولا دفاع عن معصية ولا امتناع عن تطبيق شرع فقال الإمام مالك " دعهم " لم يفتهم بالخروج ولكن لم يفتي الآخرين بأن يساعدوا هذا الإمام .
هنا فرق كبير بين الأحوال ، فإذا كان عندنا إمام عدل خرج عليه مجموعة بتأويل سائغ يجب معاونة الإمام العدل في محاربة أهل البغي مع أن يعتبر لأهل البغي حرمعهم على الوجه الذي ذكرناه كما قاتل علي رضي الله عنه معاوية رضي الله عنه ومن معه ، إذا كان هناك إمام جائر خرج عليه بغاة بغو عليه مع أنهم لم يكن يشرع لهم أن يخرجوا ولكن لا تقاتل في صفه فإذا كانوا هم مقصرين بالخروج فهو مقصر بالظم بل ينصح الطرفان بأن يترك هو ظلمه ويتركون هم خروجهم .
إذا كان الإمام ظالم أو عدل فيلكن إمام للمسلمين بأن يدعي أنه إمام للمسلمين أما أن يكون متغلب أو متسلط دون أن يدعي ذلك فهذا يعامل بقواعد المصالح والمفسدة ولا إشكال في هذا ، ولكن وصف الإمامة يثبت عندما يدعيه ابتداءاً ثم ننظر في الشروط بعد ذلك .
إذا وجد إمام للمسلمين جائر وأمامه طائفة ممتنعة إذن هو يريد مع جورة في خاصة نفسه في جانب من الجوانب فأراد أن حمل هؤلاء على الحق في جانب آخر فامتنعوا فيقاتل معه لحملهم على الحق ، كما أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية أن يقاتل مع المماليك أمام التتار مع أن فيهم ظلم قاصر على أنفسهم أو تعدوا على بعض الأموال العامة ليجعلوها لأنفسهم فهذا لا ينبغي أن يترك ، وبعد أن أخذوا من هذه الأموال أو غيرها وخرجوا بأنفسهم يقاتلون التتار الذين يعتدون على أموال المسلمين وأعراضهم ويريدون أن ينصروا ملك جنكيزخان فيأتي جنكيز خان ومعه اليهود والنصارى والروافض وكل هؤلاء يتمتكنون ، بينما إذا تمكن الممالك ربما اعتدوا على بعض الأموال العامة مع بقاء الراية العامة للإسلام وللسنة .
وبالفعل عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية في نهاية الفتوى المفصلة للتتار أنه قال أن هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام يقاتلون مع كل من هو أولى بالحق منهم ولكن لا يقاتلون مع من هو مثلهم ، لا تقاتل في صف طائفة ممتنعة عن تطبيق شريعة الإسلام أمام طائفة أخرى ممتنعة .

وإنما كان هنا الإمام وإن كان فيه نوع ظلم إذا قام يقاتل من امتنع عن تطبيق الشرع أعين على هذا لأن هذا هو الجهاد الواجب الذي هو ماض مع كل بر وفاجر .
هذا ما استقطعناه من الفتوى " فتوى التتار الثانية " وما استفدناه منها .
في الواقع فتوى التتار الثالثة صـ 544 والسؤال عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار . فهم أجناد من جنود المماليك تورعوا عن قتال التتار ويقولون أن فيهم من يخرج مكرهاً معهم ، ومن حيثية أخرى إذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا ؟
في الواقع الفتوتان السابقتان كان السؤال فيهم على أصل القتال ، التتار يتكلمون بالإسلام ، والتتار في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كانوا قد دخلو في الإسلام اسماً ومنهم من بقي يعتقد عقائد كفرية ونمهم من صار من المسلمين العصاة او من شرهم ومنهم من صار رافضياً كما ذكر ، بخلاف التتار في أول أمرهم ، فالتتار في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كانوا قد تكلموا في الإسلام وأظهروا الإسلام مع بقاء الغاية من قتالهم وهو ملك جنكيز خان .
ولذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اصالة لماذا اعتبر هؤلاء طائفة ممتنعة ، ثم ذكر جزء من العقائد الكفرية الموجود عند كثير من التتار رغم انتسابهم للإسلام أو عدم انتسابهم من تسويتهم لجنكيز خان وبين محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير هذا مما هو موجود بالفتوى .
فكأن الأسئلة الأخرى كانت تسأل التتار منتسبون الإسلام أو فيهم المنتسب للإسلام فهل يجوز قتالهم ؟
أيضاً كان هناك اشارة بأن الممالك كان فيهم نوع ظلم ، فأجاب هو عن هذه الإشكالات .
فالتتار حتى وإن لم يكونوا كفاراً كلهم فتوصيفهم حيث أنهم يقاتلون على ملك وعلى جاه ويتمنعون لا يطبقون فيمن هو تحت أمرتهم لا يحملونهم على أداء الفرائض ولا يمنعونهم من ارتكاب المحرمات ، بل ولا يتورع قادتهم عن أمر الجند بسبي المسلمين وهتك أعراضهم ، فهذا كل بل النذر القليل منه يجعلهم طائفة ممتنعة بغض النظر عن حكم أحدهم وهذه هي القضية المحورية في الكلام ، وأن الممالك خرجوا تحت راية قتال هؤلاء الممتنعين عن تطبيق الإسلام لحملهم عليه فصار معهم جهاد شرعياً لا يعطله وجود ظلم منهم في جانب آخر من الجوانب .
السؤال هنا أنه بغض النظر عن أنواع المنتمين للتار ممن هم من الكفار الأصليين وممن هم من الباطنية أو من أهل البدع والروافض أو غير ذلك فيوجد فيهم مكرهون .
والشق الثاني من السؤال عن اتباع المدبر .
وكما ذكرنا أن هذا مما يختلف فيه الحكم ، فبالإجماع لا يتبع مدبر البغاة وفر من المعركة إذا انسحب من خروجه على الإمام فانتهت الغاية من القتال فلا يقتل ، بينهم بالنسبة للطائفة الممتنعة يكون فيها خلاف ، فهناك من يسوي بينهم وبين البغاة والراجح جواز اتباع مدبرهم كما كانت سنة أبي بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة ، وكما ذكرنا مانعي الزكاة نستثنيهم من جملة حروب الردة ما لم يرتدوا عن كل الدين ، فإذا ارتدوا عن الزكاة فقط وكان لهم تأويل يعذر مثلهم بمثله لقرب عهدهم بالإسلام ودخول الشبهة عليهم وأن الله تبارك وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } قالوا لا حاجة لنا إلى صلاة أبي بكر ، وكأنهم ظنوا أن الزكاة كان الغرض والوحيد منها أن يدعوا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لا حاجة لنا بصلاة أبي بكر ، وهذا تأويل يعذر مثلهم بمثله ، وإن كان لا يعذر الناس بعد ذلك بعد استفاضة الإجماع على وجوب الزكاة .
إذن السؤال هنا في مسألة المكرهين من اللذين خرجوا من التتار ، هذه حيثية لم يتعرض لها في الفترتين السابقتين .
قدم شيخ الإسلام نفس الكلام الذي ذكره في الفتاوى السابقة من ما هي الأدلة التي يستند عليها في قتال الطائفة الممتنعة من الأدلة من القرآن
ثم يقول وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء وأول من قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وما زال المسلمون يقاتلون في صدر خلافة بني أمية وبني العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة ، وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم فكل أئمة المسلمون يأمرون بقتالهم ، والتتار وأشباههم أعظم خروجاً من مانعي الزكاة والخوارج من أهل الطائف الذين امتنعوا عن ترك الربا فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام وحيث وجد قتالهم قوتلوا وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين .
فإذن عندما نتكلم على طائفة استحقت القتال لا ينظر إلى الآحاد إلا بعد أن يقدر عليه .
يقول : " كما قال العباس لما أسر يوم بدر يا رسول الله إني خرجت مكرهاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما ظاهرك فكان عليك وأما سريرتك فإلى الله ) وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسر المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم وإن يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء ، وهؤلاء المسلمين إذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً ، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيداً ومن قتل وهو في البتر لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيداً ، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يغزوا هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم ، فقيل يا رسول الله : وفيهم المكره ، قال يبعثون على نياتهم ، فإن كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزوا المسلمين المكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين كما قال تعالى { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } [التوبة/52] ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين وكانوا هم على نياتهم ، فمن كان مكرهاً لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة ، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك أعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين .
في الواقع هذا الكلام من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في غاية المتانة .
قضية الجيش الذي يغزوا الكعبة فهذا أمر قدري إلهي ويجب أن ينتبه هنا إلى أنه لا يقاس فعل العبد على فعل الرب .
بمعنى أن الله تعالى يبتلي من يشاء بالأمراض ويقبض روح من يشاء ، ويأتي إنسان يعيث في الأرض فساداً ويقول الله يقبض أرواح من يشاء ؟!! هذا لا يصح ، فلا يقاس فعل العبد على فعل الرب ، ولكن قد يقاس قياس الأولى بمعنى أن الله تبارك وتعالى قدر إنزال عقوبة عامة ، فهذا الجيش يحتاج إلى قتال ولكن لم يوجد لدى المسلمين قوة على قتالهم ـ هذا الجيش الذي يغزو الكعبة ـ وأنزل الله عز وجل به عقوبة عامة مع قدرته على أن ينزل العقوبة على من يستحق فقط ويترك المكره ، فإذا قدر في المسلمين قدرة على قتال مثل ذلك الجيش كان في أنهم يجوز أن يقاتلوا الجيش ككل وإن كان فيهم المكره كان هذا من باب أولى ، فإذن يجوز القياس هنا من هذه الحيثية .
وكذلك تكلم المسلمون في مسألة الترس، فإذا كان الكفار لديهم أسرى من المسلمين فوضعوهم ترس ودرع بشري كما يقولوه بالمصطلح المعاصر ، بحيث لو أرد المسلمون أن يقاتلوا الكفار لابد أن يقتلوا المسلمين الذين في الصفوف الأمامية أولاً .
من فقه العلماء أنهم قالوا : ننظر في حالة الكفار المتترسين بأسرى المسلمين ، لو كانوا إذا تركوا نتركهم خوفاً على أسرى المسلمين الذي عندهم ، ولو كانوا إذا تركوا تقدموا وأخذوا الأرض وأخذوا مزيد من الأسرى فيقاتلون ويتقى الأسرى ما أمكن فإن قتل منهم من قتل بعث على نيته . هنا يكون موضع الاحتجاج بحديث ( يبعثون على نياتهم ) وأما إن كانوا متحصنين بحصن أي في موقف دفاعي قال الإمام مالك : فترك حصن يقدر على فتحه أولى من قتل مسلم ولو تحصنوا به سنين
إذن لو أن الكفار في موقف دفاعي ووضعوا المسلمين في الحصن يظل الحصار إلى أن يضطروا للإستسلام ولا يقدمون على فعل قد ينتج عنه قتل مسلم .
في الواقع هذا الكلام كان يأتي بعض التيارات المواجهة المسلحة كما أشرنا يوضعون ما يعم ضرره في طريق المسلمين ، فيضعون مثلاً شيء من أجل استهداف أتوبيس سياحي أو لأجل كذا فذكرنا هناك موانع تمنع من كل هذه الامور :
المانع العام في كل هذه التصرفات وجود المفسدة والتضيق على المسلمين والتضيق على الدعاة وإراقة الدماء وإلى غير ذلك .
يلي ذلك أن هذا المستهدف بعينه غالبا ًما يكون معصوم الدين بأن يكون كافر له عهد أمان ودخل البلاد بتأشيرة والتأشيرة عهد أمان ، فيقول أنا لا أعترف بهذه السلطان ،لكنك في ذات الوقت لم تنذر ذلك الكافر .
إن نازع في هذا تبقى الأولى . فإن نازع في أن التأشيرة عهد أمان أم لا تبقى الأولى ، لأن أي عهد أمان منهم يمنع ؟
الأمر الآخر أنه غالباً ما يعم الضرر فيصيب من آحاد المسلمين ما يصيب فيقول يبعثون على نياتهم ، وهذا تطبيق خاطئ للحديث :
أولاً لأن هذا الأمر غير شرعي ابتداءاً ، ثم لو افترضنا أنه غير شرعي فهو غير متعين .
لأنه متى يقال يبعثون على نياتهم ( جيش يغزوا الكعبة أنزل الله جائحة من السماء ، فموضع الشاهد لو قدرنا أن هناك جيش من المسلمين خرج لهم لجاز له أن يقاتلهم كجيش ، أو مجموعة من الكفار يتترسون بأسرى المسلمين ، إذن كل هذه المسائل لا تنطبق على رجل يختار هو مسرح العملية كما يقولون وهو يعلم أنه يوجد فيها من يوجد من المسلمين .
فإذن هذه الأمور خطأ من ثلاثة جهات تجتمع أحياناً وتنفرد بعضها أحياناً وأي واحد منها كاف والقاسم المشرتك في منع كل هذه الأمور هو ما يترتب عليها من مفاسد .
والأمر الآخر أنه غالباً ما يكون هناك من المسلمين الذين لا يمكون أن يطبق معهم قضية يبعثون على نياتهم فهذا فهم خاطئ وتطبيق خاطئ لهذه الفتوى .
هذا خلاصة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة في هذه الفتاوى
ونكون بذلك قد انتهينا من هذا الإتجاه ونشرع في المرة القادمة في ذكر اتجاه آخر .
سبحانك الله ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-13-2010, 07:37 PM
الشريط الثالث عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
انتهينا في المرة السابقة من تدارس فتوى التتار لشيخ الإسلام ابن تيمية والتي أصل فيها بقتال الطائفة الممتنعة ، وهذه الفتوى كما أشرنا من قبل توظف في غير سياقها من جهات عديدة وقد يقرأها كل طرف بطريقته الخاصة والبعض يسقطها على واقع ليس مساو للواقع التي سيقت فيه ,
ولكي نتذكر قوام هذه الفتوى فإن شيخ الإسلام ابن تيمية نص كما ذكرنا أن هناك عدة فتاوى تتعلق بالكلام على التتار من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهي فتاوى متقاربة في المعنى ذكر في إحداها على أنه لابد من معرفة الحكم الشرعي ولابد من معرفة واقع القوم المسئول عنهم ، وأما من جهة الحكم الشرعي فذكر الأدلة على أن كل طائفة امتنعت من تنفيذ حكم من أحكام الله تبارك وتعالى كانت ذا شوكة ومنعة بذاتها فإنهم يقاتلون عليهم ، وذكر الأدلة على ذلك والنماذج العملية من قتال أبي بكر رضي الله عنه من مانعي الزكاة وقتال علي رضي الله للخوارج وقبل ذلك الأدلة الشرعية في إيذان من لم ينتهي عن أكل الربا بحرب من الله ورسوله ، إلى آخر ما ذكرنا .
هذا ما ذكرناه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ذكره في الحكم الشرعي في الطائفة الممتنعة .
ثم تكلم على قتال التتار ووصف حال التتار ووصف حال المماليك الذين يقاتلون .
فوصف حال الممالك بأنهم وإن كان فيهم تقصير إلا أنهم يدافعون عن بيضة الإسلام عن أرض الإسلام وأمام التتار وغيرهم ووصف التتار بأنهم ممتنعون عن تحريم المحرمات وعن الإقرار أو الإلتزام بأن الجهاد لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله بينما هم يقاتلون لإعلاء ملك التتار وإنهم لا يلزمون جندهم بالفرائض ولا يمنعونهم من المحرمات إلى غير ذلك .
إذن هناك شق يتعلق بالحكم الشرعي الذي يمكن أن تعتبره غير متعلق بالتتار ولا بغيرهم . ذكر توصيف للطائفة الممتنعة وأن هناك من يمتنعون عن أداء أو عن الإلتزام ولي عن الاعتقاد ، لأن الامتناع عن الاعتقاد فالأمور متواترة باعتقاد فرضية من الفرائض المتواترة المشهورة أو حرمة المحرمات ، هذا يكون ردة ويكون من ضمن قتال المرتدين ، وأما هنا الامتناع من الالتزام مع تعارض هذه الطائفة بعضها ببعض فهؤلاء يقاتلون وهذا هو الأصل الشرعي كما ذكرنا .
ثم طبق هذا على قتال المماليك مع التتار .
البعض يريد أن يأتي إلى طائفتين لو وصفت حال كل منهما لوجدت أن كلامنهما ممتنع عن تطبيق شرع الله ، ثم يقول ننظر من أقرب إلى الحق ومن أقل شراً من الآخر، فيكون هؤلاء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية كأن هؤلاء الممالك وهؤلاء التتار فيجب القتال في صفوف الأقل شراً ضد الأكثر شراً فيقعون في إيجاب القتال تحت رايات جاهلية وتحت عصبيات جاهلية ، ويكون من باب القياس في مصادمة النص ، بل ليس قياس بل هو تخريج على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية يصادم به النص ، وهذا إغفال لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية بأن المماليك وإن كان فيهم ظلم إلا أنهم يقاتلون لحماية بيضة الإسلام والدفاع عن الأرض والراية راية شرعية وهي التي يقال فيها أن يقاتل مع كل بر وفاجر .
من صور الانحراف الأخرى أيضاً وهي كثيرة جداً أن البعض إذا قلت له حرمة الدماء وحرمة الأعراض إلى غير ذلك قالوا هناك قتال الطائفة الممتنعة وهؤلاء أمثلهم طريقة وإلا كما ذكرنا أن البعض يريد أن يختصر الطريق فيجعل أن أي معركة يخوضها هي من باب قتال المرتدين ، وذكرنا هذا ونحن نذكر الكلام على هذه المناهج ، لكن البعض الآخر إذا ما جئت أن تنكر عليه أمور يقول أن هناك قتال الطائفة الممتنعة ونسي أن القضية ليست مجرد وجود طائفة ممتنعة يساوي وجوب قتالها وأن هذا يسمى جهاد . لماذا ؟
لأنه يفتقر ابتداءاً إلى وجود طائفة مؤمنة أقرب إلى الحق من هذه الطائفة الممتنعة تستطيع أن تقاتل هذه الطائفة ، فإذن يسقط شروط كانت موجودة ضمنياً في الفتوى ، فالفتوى تسأل عن بعض الجنود الذين في صفوف المماليك يتحرجون ويظنون أن القتال بين المماليك والقتال ، لأن التتار تكلموا بالإسلام قتال فتنة ينبغي أن يمسكوا عنه ، إذن لم تكن الفتوى تتعرض للكلام على أمور هي حاصلة بالفعل ، لأن التتار لهم شوكة وقوة ولهم أرض ينطلقون منها والجهاد قائم بالفعل ، ولكن كان السؤال هل هذا القتال فتنة لأنه بين فريقين منتسبين للإسلام ؟
وكانت الإجابة أن المماليك يقاتلون لإعلاء كلمة الله مع ما فيهم من ظلم والتتار يقاتلون لإعلاء ملك جنكيز خان وهذا يجعل هذه راية إسلامية فيها نوع من الخلل والأخرى راية جاهلية ، ويجعل من يقاتل تحت الراية الجاهلية ممتنع عن تنفيذ حكم الله تبارك وتعالى وعن التزام حكم عز وجل بأن القتال في الإسلام لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله .
فالبعض يغفل هذا الجانب تماماً ويستدل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية على إسقاط ما تطرق من وجود مراعاة القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة مما سبق بيانه .
إذن إذا وجد طائفة ممتنعة ولا قدرة لأهل الحق بقتالهم ولا مصادمتهم فيكون حينئذ هذا القتال مما ينهى عنه لأنه يجر إلى الفساد ويجر على الاعتداء على الأموال والأعراض وعلى تضييع المصالح الشرعية .
وكما ذكرنا قاعدة مراعاة العجز والقدرة والمصلحة والمفسدة تستصحبها في كل أنواع المسائل وبالتالي ليست القضية فقط توصيف حال المخالفين إنما القضية توصيف حال أهل الحق .
حتى أنه مما يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى عليه السلام وينزل متبعاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فإذا خرجت يأجوج ومأجوج أوحى الله تبارك وتعالى إلى عيسى عليه السلام أن حرز عبادي إلى جبل الطور فإني قد أخرجت أقواماً لا يدان لأحد بقتالهم فيحرز عيسى عليه السلام من معه من المؤمنين ثم يرسل رسولاً ينظر خبر القوم فإذا الله عز وجل قد أهلكهم ، فهذا مما يدل على أن الأمر ليس فقط فداحة الخصم أو توصيفه وهل هو مستحق للقتال أم لا . ولكن القضية توصيف حال المؤمنين أيضاً ، وهذا لأنه كما أشرنا قبل هذا أن بعضهم يقول إذا كنتم تتكلمون بميزان المصالح والمفاسد فليس بعد الكفر ذنب وليس بعض الكفر مفسدة وهو الآن لا يجري موازنة ، أو يجري موازنة وهمية وكأن الخيار بين حالين : حال فيها الكفر وحال سيزول فيها الكفر مع تحمل بعض المضار فحينئذ يقال تتحمل هذه المضار ، وهذا ما يقوله أهل العلم في لماذا شرع الجهاد رغم ما يتضمنه من أنه ولابد أن يصحل فيه جراحات ويحصل فيه شهداء ، نعم يقال أن الجهاد شرع لحماية أهل الإسلام وتحمل هذه المفسدة بالإضافة إلى أنها مظنونة وليست مقطوع بها ، لا يلزم أن تحدث في كل مرة وهي أهون من مفسدة تسلط الكفار على بلاد المسلمين ، لكن أن يأتي في حالة يكون هناك الكفر وتستطيع أن تحرز المؤمنين وبين أن يخرج هؤلاء الطائفة المؤمنة فيصطلمون ويستأصلون عن بكرة أبيهم ويبقى الكفر مستأسداً منتفشاً .
قد يأتي سؤال : إذن قتال الطائفة الممتنعة له صورة في غاية الوضوح وهي أن يكون هناك إمام شرعي يطبق الحدود ويدعوا إلى دين الله تبارك وتعالى وتأتي طائفة أهل بلدة نائية أو لأي سبب آخر وليسوا آحاداً متفرقين بل طائفة لهم شوكة يمتنعون من تنفيذ حكم شرعي قطعي ويشترط أن يكون قطعياً ظاهراً وقد لا يشترك أن يكون واجباً لأنه ربما قال البعض أنه إذا جاء أهل بلدة وامتنعوا عن صلاة العيد بغض النظر عن كونها واجبة أو مستحبة ولكنها معلوم أنها من شعائر الإسلام الظاهرة فلو تواطئ أهل بلدة على تركها شرع للإمام حينئذا أن يقاتلها ، فإذن هذه الصورة الموجودة التي كانت موجودة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة ، يوجد الإمام والأمر مستقر ويأتي طائفة يمتنعون من التزام شيء من أحكام الإسلام الظاهرة فيحملهم الإمام عليها فيمتنع بعضهم ببعض ويقاتلون الإمام فيقاتلهم حينئذ على ذلك .
ايضاً لو كانت الصورة أنه يوجد طائفة ممتنعة وهي المتسلطة والمسيطرة ولكن توجد طائفة تطبق شرع الله تبارك وتعالى لها شوكة ومنعة تستطيع بها أن تلزم تلك الطائفة الممتنعة أن تعود إلى التزام شرع الله تبارك وتعالى ، هذه الصورة الآخرى يمكن أن تجد لها نماذج في جهاد نور الدين محمود وصلاح الدين رحمهم الله تعالى للإمارات التي كانت موجودة في زمن الصليبيين ، الخلافة كانت موجودة اسمياً وانقسم العالم الإسلامي إلى إمارات كل إمارة منها ما هي إمارة عدل ومنها ما هي إمارة ظلم ، وكانت إمارة عماد الدين زنكي إمارة عدل في أطراف بلاد العراق في المنطقة الوسيطة بين العراق والشام ـ الموصل وما شابهها ـ فكان عماد الدين زنكي له دوره في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى من إنشاء المدارس العلمية وكانت هذه هي البداية ، ولعل هذا موضوع آخر وكيف لم يوجد أي تغيير حقيقي إلا بدعوة وتربية وتعليم ، حتى عندما تكلمن على التجربة التركية والانبهار يزداد بها لاسيما ما حصل بالأمس من العدوان الإسرائيلي على قافلة الإغاثة وكان معظمها من الأتراك وبلا شك أنه شيء يبهج أن يعود الإسلام إلى بلاد الترك مرة ثانية وإلى بلاد العرب وأن يوجد من المسلمين من يكسرون أنف إسرائيل ويخبرونها أن تظهر بلطجتها الحقيقية أمام العالم ، بل وإن رد الفعل الرسمي التركي وإن كان ليس هو المطلوب بلا شك ولكن منذ زمن بعيد لم نر بلد إسلامي يتوعد إسرائيل صراحة .
كل هذه الأمور مبهجة ولكن لا تنسى أنه ما زال البون شاسع ، ليس هذا الذي يتوعد كأولى قراراته منع بروتوكلات تعاون ومناورات عسكرية مشتركة ومباريات كرة قدم ودية مشتركة بمعنى أنه كان منغمس في صورة من صور التعاون ويقطعها لحدث عارض .
دائماً نحن ما نقول لا نمنع أنفسنا من فرح بيما يطرأ من تحسن على الوضع الإسلامي الراهن ولكن لا تظن أن هذا هو المطلوب ، وهذا دون المطلوب بكثير ومازالت القضية فيها لغط كبير في هذا الباب .
نقول أن البعض يعتبر كل ما يحدث من تطور على الساحة التركية هو نجاح للحل البرلماني ، واشرنا قبل ذلك أن وجود هؤلاء الساسة هو ثمرة دعوة وتربية لبديع الزبادي النقراسي وغيره وأننا نرى أنهم لو استمروا في منهج الدعوة والتربية لحققوا نتائج أفضل مما يحدث الآن على أرض الواقع ، لأن الذي يحدث الآن على أرض الواقع أنه كما ذكرنا أنهم يضطرون إلى التعاون مع الأعداء ويضطرون إلى تطبيق العلمانية مع وجود أمور بلا شك أفضل بكثير مما صبروا ، ولكن ماذا لو صبروا حتى تتكون القاعدة الإسلامية أكبر بحيث لا يضطرون هم إلى أن يخالفون إسلامهم بأيدهم .
فإذا وصفت حال القائمة التركية الآن هي طائفة ممتنعة ، طائفة ممتنعة عن الإلتزام بتحريم الزنا وعن البراء من اليهود والنصارى ولكن نحن نعذرهم بالتويل ونعلم أنهم ينتقلون من حال إلى أحسن .
ولكن كما ذكرنا أن كل التجارب عبر التاريخ تقول أن فقرات الضعف لابد أن يبدأ البناء بعدها بالتربية والتعليم وإعادة صياغة الشخصيات وإلا لا يمكن أبداً أن يحصل التغيير المنشود بشخصيات ورثت مخلفات عصر الضعف والانهيار .
أيضاً جهاد صلاح الدين رحمه الله وهذا هو أشهر مع أن البداية من عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود ولك أن تتخيل في هذا الوقت الذي يدار الجهاد فيه على أشده أن يوجد أمير يوصي بأن يكون من يخلفه ليس من بني قومه أصلاً ، يعني عماد الدين زنكي وورثه نور الدين محمود رحمهم الله تعالى ، ولما وجد نور الدين محمود أن أنسب من يتولى الأمر بعده صلاح الدين أوصى به إليه ، إذن هذه تربية ونقلة نوعية مختلفة تماماً عن النوعية التي كانت موجودة .
عماد الدين زنكي كان له الإمارة وكان لها دور في حفظ السنة واستغابة شيعية صوفية باطنية هي التي مهدت الطريق للغزو الصليبي والحملات الصليبية ، ولما نزل الصليبيون إلى بلاد الشام انتقل عماد الدين زنكي بمدارسه إلى بلاد الشام .
الطبيعة السياسية والجغرافية في ذلك الوقت أتاحت لعماد الدين زنكي أن يشق لنفسه طريق وأن يوطء لنفسه موطئ قدم وأن يكون لإمارته مكان ينطلق منه في بلاد الشام أسس فيه المدارس العلمية في إحدى هذه المدارس تخرج صلاح الدين الأيوبي الذي قضى الشطر الأول من حياته كأي شاب في ذلك الوقت لا يجد من يأخذ بيده إلى طريق النجاه . ثم بدأ جهاده ضد الأمراء الذين يرفضون جهاد الصليبين . ما التكييف الشرعي لقتال عماد الدين زنكي ونور الدين محمود ومن بعدهما صلاح الدين لقتال هؤلاء الأمراء الذين يمتنعون من تطبيق شرع الله تبارك وتعالى ويمتنعون من نهي من تحت سلطتهم عن الخمر والزنا والفواحش التي كانت قد شاعت في ذلك الزمان ، كان هذا قتال من طائفة على الحق وإن لم يكن لها الإمارة العامة ولا الخالفة العامة ، كان قتال من طائفة على الحق تمتلق القدرة على القتال أمام فريق يستحق القتال لأنه ممتنع عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة ، ومن ثم كان هذا القتال قتال لطوائف ممتنعة عن التزام أحكام الإسلام .
بعد هذا القتال كان الضرور لقتال الصليبيين بحيث يجد الصليبيون صفاً إسلامياً واحداً ولأن وجود هذه الإمارات كان يعطي للصليبيين فرصة كبيرة للمناورة بعضها عن طريق المباغتة العسكرية لإمارات مترهلة ليست لديها أي قدرة على التصدي أو عن طريق البيع والشراء المباشر لبعض الإمارات أو بعض البلاد فيتخذ المسلمون منها قواعد .
فهذا نموذج . وأيضاً من النماذج التي تمثل ذلك دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فهو نشأ في بلاد نجد التي تمثل الآن الرياض وما حولها وتمثل منطقة صحراوية كبيرة ، لأنك لو نظرت إلى ما يسمى الآن بالمملكة العربية السعودية ستجد هناك إقليم الحجاز موازي لساحل البحر الأحمر ويضم بصفة رئيسية المدينة ومكة وما جاورهما ، وهذا الإقليم من الأقاليم المستقرة من قبل الإسلام وازاداد استقراره عبر عصور الإسلام المختلفة ، وكان لما تولت الدولة الإسلامية حكم العالم الإسلامي فرضت نفوذها على إقليم الحجاز وكان أمراء الحجاز يتولون باسم الخليفة العثماني .
أيضاً من الجهة المقابلة هناك الخليج العربي ودائماً السواحل البحرية تحتل مكانة خاصة لأنه يقوم حركة التبادل التجاري عليها . وكان في هذا الزمان ازداد ساحل الخليج العربي أهمية نتيجة أنه كان يمثل بدايات الغزو الغربي لبلاد الإسلام .
لأننا لآن ذكرنا عرضاً الحروب الصليبية والتي انتهت بخسارة مفجعة لأوروبا وعادوا بعدها ليقرروا أن الحرب القادمة لابد أن تكون مدروسة دراسة في غاية التأني ، وظهر حينئذ ما يسمى بالاستشراق ولعلنا تعرضنا حينئذ لهذا الموضوع من خلال رسالة الأستاذ محمود شاكر رحمه الله ـ الطريق إلى ثقافتنا ـ والتي حكى فيها قصة استشراق وكيف نشأ كرد فعل للحروب الصليبية وكيف أن هذا الاستشراق كان عنده نهم غير عادي لدراسة كل ما يدرسه المسلمون سواء من علوم دينهم أو من علوم الدنيا التي كان المسلمون حتى ذلك الوقت متفوقون فيها ، وعندما شعروا بقدر من الإطمئنان كانوا متواجدين في بلاد المسلمين على أيدي الدارسين ثم لما وجدوا الصحوة الإسلامية وكان أيضاً يزاملها صحوة مقاربة في بلاد اليمن وصحوة علماء الأزهر في مصر بدأوا يخاطبون العالم الغربي بأن الفرصة مواتية ومناسبة لكي يبدأوا الهجوم مبكراً قبل أن تستفيق بلاد المسلمين ، وكان بداية الأهتمام بأطراف بلاد العالم الإسلامي التي لم يكن فيها صحوة آنذاك ، ولاسيما أن هناك مصالح تجارية غربية في ذلك الوقت ، وبدأوا يقترون شيئاً فشيئاً ، وكان أول اقتراب لهم سواحل الخليج العربي ، وفي محاولة لإيجاد موطن قدم قريب من مركز الثقل في العالم الإسلامي ، فمنطقة الإحساء وهي أيضاً شريط ساحلي على ساحل الخليج العربي وكانت من المناطق التي يهتم الخلفاء بها والتي هتم الأعداء بها أيضاً ، تستطيع أن تقول أن نجد أقرب إلى الإحساء ، ومن المراكز الرئيسية في نجد الرياض والضلعية ونحو ذلك وقريبة من منطقة الأحساء ، وأن صحاريها تمتد إلى قرب إقليم الحجاز .
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نشأ في إحدى هذه البلاد التابعة لإقليم نجد وكان في ذلك الوقت قد انتشرت الصوفية انتشاراً كبيراً في كل أجزاء العالم الإسلامي وبلغت وجه انتشارها في الجزيرة العربية في مكة والمدينة وفي نجد وفي غيرها ، وبدأ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدرس ما ورثه في خزانات الكتب من الفقه الحنبلي كفقه ومن تراث ابن تيمية وابن القيم الذي يمثل تراث أوسع بكثير من أن يسمى فقهاً ، وانتبه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رغم أن أباه وقومه عموماً كانوا أهل علم يهتمون بدراسة الفقه الحنبلي ولكن لم يهتموا بجوانب الشاملة في فكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أو في منهج الإسلام عموماً ، وبدأ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الدعوة في بلده وهي تسمى حربلاء إلى أن أوذي فيها ولم يتمكن من استكمال دعوته فانتقل إلى العيينية .
أيضاً كما ذكرنا اأن القضية ليست مواجهة اليوم الأول ولا مواجهة غير محسومة العواقب ولا مواجهة من أجل المواجهة كما قد يظن البعض ، هنا أنت أمام واقع مليء بالبدع مليء بالمنكرات مليء بالشركيات ، جهاد الكلمة اوجب وأمضى ، لأن غايته أن الداعية يؤذى أو يسجن ، وهو لو احتسب أمره عند الله تعالى يجعل الله تعالى من أمره يسراً ، فإذا ماتركوه عاد مرة ثانية إلى الدعوة ، وغير ساحة دعوته من المكان المضيق عليه إلى مكان آخر فيه سعة ، وهذه ليست حال محمد بن عبد الوهاب وحده أو حال ابن تيمية وحده إنما حال جميع الدعاة ومن قبلهم حال النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة الاستضعاف ، ولابد من الانتباه لأن البعض قد يفقز إلى حال معينة دون أن يدرس الأمور المواهنة لها أو الأحوال التي بناءاً عليها قال هذا العالم بهذا القول أو تصرف بهذا التصر .
إذن نقول أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بعد دراسة لكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومنارات العلم في ذلك الوقت في مكة والمدينة والبصرة عاد إلى بلده في حربلاء لكي يؤسس دعوة ويدعوا إلى نبذ المنكرات ، لما ضيق عليه انتقل من بلد إلى بلد .
القضية هنا نحن نحتاج إلى دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء والمرسلين ونتعلم نهم كيف واجهوا الأحداث .
وأيضاً نحتاج إلى دراسة سير العلماء والمجددين لكي نتعلم كيف واجهوا الأحداث مع الفرق بأن الأنبياء معصومين وأن الدعاء قد يخطئون ولكن في الجملة انت تدرس أحوالهم وتتعلم من سيرهم ، ولكن لا تستطيع أن تجعل واقعك كواقع فلان .
وكان من الأشياء الطريفة التي كان يدلي بها البعض وليس على سبيل الدعابة ، فانتبه أن هذا الكلام كان يقال في معرض المناظرات في غاية الجدية ، إذا قلنا أن المرحلة مرحلة استضعاف وأنه لا يجوز أن يستجلب على الدعوة الأذى ونحو ذلك فيقول لا بأس نحن نوافق أنه كان يوجد مرحلة استضعاف وأحكامه قائمة متى وجدت ظروفه ثم يقول : مرحلة الاستضعاف كانت في مكة ثلاثة عشر سنة والصحوة الإسلامية في مصر وكل واحد له تأريخ مختلف لبداية الصحوة وعموماً على كل الاعتبارات مضت الثلاث عشرة سنة وانتقلنا من هذه المرحلة إلى ما بدعها ، كما ذكرنا لا تستطيع أن تنقل واقع ، يعني أنت تتعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا تستيطع أن تقول أنه يلزم أن يزول الوصف وصف الاستضعاف بعد ثلاثة عشر سنة وكما زال عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة عشر سنة ، إذا كنت تنظر في عالم من العلماء ، فإذا كان هو يعلم في بقعة من الأرض كبيرة يسمى إقليم نجد ، هذا الإقليم له استقلالية كبيرة عن السلطة المركزية عبر تاريخه ، هو إقليم غير مشجع فهو مليء بالصحاري ونحو ذلك ويوجد فيه ثلاث أو أربع بقع صغيرة للحضر يقيم فيها الناس وهذه الموقع على رأس كل منها أمير فدعا في هذه البلدة فلما وصلت الأبواب أمامه وجد البلدة الأخرى تبعد عنها حوالي ثلاثين كيلوا فساتقبلته ، وبدأ دعوته ، إذن هو تصرف بما يراه الواقع أمامه ، ونقول أنه بدأ الدعوة وصبر على الأذى ولكن لما بدت أن الانتقال لمسافة ثلاثين كيلوا سوف يوفر له قدر من الأمان ولأن الدعوة لا ينبغي أن تستجلب البلاء لأسباب عديدة : منها أن استجلاب البلاء مدح للنفس لأن الإنسان يظن نفسه أن قادر على البلاء كما في الحديث : ( لا تتمنوا لقاء العلدو فإذا لقيمتوه فاصبروا )
الأمر الآخر أننا نتكلم على دعوة وتأصيل منهج فهذا لابد له من هدوء ، لا يمكن تأصيل منهج حت قعقة السيوف ، البعض أحياناً يفرح بالتضيق ، لماذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من يحملني لأبلغ رسالة ربي ) فإذن عندما تتكلم عن دعوة وتأصيل منهج يكون من ضمن الأمور المطلوبة والتي يسعى إليها توفير بيئة آمنة لتبليغ الرسالة ، وطبعاً لن يكون هذا على حساب تحريف الرسالة ، لأن هذا يكون انحراف في الجانب الآخر ، والبعض لكي يصل إلى هذه الدرجة من الآمان يقول نترك كذا ونترك كذا ونرضي القوم بكذا ، فإذن هو لا يبلغ الرسالة ويجعلها مشوهة .
إذا وجدت الفرصة أن يوجد بيئة آمنة لتبليغ الرسالة فهذا هو الواجب .
هذه البئية الآمنة لتبليغ الرسالة تيسرت للنبي صلى الله عليه وسلم لما من الله عليه بإسلام من أسلم من مدينته المنورة ، حاول أن يجدها في الطائف لم يجدها ، وهو بذل الأسباب ، وهو موجود داخل مكة لم يكف عن الدعوة رغم وجود التضييق ونحو ذلك ، ثم وجد أن الطائف قد تكون مكان يوفر حماية جيدة لإبلاغ الدعوة ولكن لم يقدر الله تعالى ذلك وكتب الله عز وجل ذلك الفضل لأهل المدينة ، فلما وجد انتقل إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم تكون دائماً الظروف كما هي ، فضلاً عن التوقيتات الزمنية ، لأن البعض يقول لك أنتم تطالبون بعودة الخلافة ، نقول نحن ليس فقط نطالب نحن نثق ونوقن بأن الخلافة قادمة لأن هذا وعد الله تبارك وتعالى ولابد أن نثق به تماماً ، أقول إذن لابد لكل صاحب هدف من أن يضع خطة ولابد للخطة من جدول زمني ، فهذا الكلام في إدارة الشركات والمؤسسات ، أو في إدارة أي أمور جميع عاوملها الخارجية معروفة أو لها سنن كونية محددة ومع ذلك يحصل نوع من أنواع التغيير فهذا يحدد أن فرع الشركة الفلاني ينشأ في سنتين فينشأ في سنة ونصف أو ثلاث سنين ويعدل الخطة لكن عموماً كلها أمور خاضعة لأن تحسب وفق قياسات أغلبية يغلب على الظن أن الأمور تحتاج كم من الزمن وكم من النقود وسيوجد الأموال الازمة والوقت اللازم ، لكن لا تأتي في أمور تغيير قلوب العباد ، هذا يمكن أن يحدث في لحظة ويمكن ألا يحدث ، وانظر إلى نوح عليه السلام مكث في قومه قريباً من ألف سنة ، وليس عليه إلا أن يمتثل أمر ربه تبارك وتعالى ويبلغ دعوة ربه ، يونس عليه السلام بلغ قومه حتى يأس منهم ثم أرسله الله إليهم أو إلى غيرهم على كلام المفسرين فآمنوا من أول وهلة ، لكي تعلم أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن .
فلا نستطيع أن نضع خطة ولا جدول ولا أي شيء من هذا القبيل ، فقد نحن نقول أننا نتعامل مع واجب الوقت ، واجب الوقت أن تبين وأن تدعوا وأن تحرص على الوسائل التي تؤمن بلوغ الحق إلى الخلق وألا تتعجل مواجهات ومصادمات لا معنى لها ولا ينتج عنها إلا أنواع من الفساد والإفساد .
يقول كيف ستقوم الخلافة ؟
وما يدريك إذا استمر الدعاة هنا وهناك في أقطار البلاد الإسلامية المتفرقة الآن وظل كلمنهم يدعو والنظام قائم في كل بلد على أن هذه البلد بلد مستقلة وأن التشريع فيها قائم على قوانين موروثة من أيام الاحتلال الكفري ، فلا القوانين غيرت ولا الرغبة نقول كل هذا لا دخل لنا به لأنه فوق طاقتنا وفوق إدراكنا كيف سيغير الله تعالى هذ الأحوال ، فقط نحن ندعوا ربما تتغير القلوب .
نعود مرة أخرى في التجربة التركية ، فهناك شيء غامض وهو أن تركيا من البلاد التي ربيت تربية علمانية واضحة وليس أنه هناك كما هو الحال في سائر بلاد المسلمين قلة علمانية منحرفة ومعظم الناس يصلون وعلى الأقل يسمعون دروس العلم ، بل كانت التربية جميع فئات الشعب والآن غير الله القلوب بوجود توجه إلى الناس وكبير اتجاه للإسلام وهناك صفات وخصائص للشعب التركي معينة ، هذه الخصائص تمثل ضغط ما يجعل القيادة التركية تتجه في اتجاه الإسلام ، والجيش حامي حمى العلمانية فيسكت رغم أنه كان لا يسكت قبل ذلك ، الآن يوجه توجيه عسكري لإسرائيل ، والجيش قبوله بمبدأ توجيه عسكري إسرائيل يكون تطور كبير جداً جداً في الجيش التركي ، كيف تغيرت القلوب وكيف تحولت ؟ هذا امر يكون بقدر الله تبارك وتعالى وبما يشاء الله تبارك وتعالى .
فأن تتعامل مع الواقع الذي أمامك .
الآن تعامل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مع الواقع الذي أمامه فوجد أن أمامه بلدة أخرى على بعد ثلاثين كيلو من بلدته فيها نفس المفاسد وتحتاج إلى نفس الدعوة ولكنها قد لا ترفض دعوته بنفس الطريقة ، هاجر إليها . ذكرنا أن هناك مجازاً قلنا أن الجزيرة العربية فكان فيها ثلاثة أقاليم : إقليم الحجاز وهو موازي لساحة البحر الأحمر ، وإقليم العساء موازي لساحل الخليج العربي وبينهم إقليم نجد .
وكان أمراء الأحساء لهم اليد العليا على أمراء نجد والأحساء تابعة أسمياً للخلافة العثمانية ، ولكن كان لها قدر كبير من الاستقال .
بدأ هؤلاء يشعرون بالخطر ، والشعور بالخطر هذا الأمر أيضاً أمر لا تملكه ولا تملك متى يشعر الآخرون بالخطر ومتى لا يشعرون .
يعني كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن فيهاغ مصادمة لهؤلاء ولكن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب شعر بعض الشيء بأنه ممكن بعض الشيء بالعيينة نظراً لأن أميراها أطلق يدها فطبق الحد على امرأة زانية أتت تطلب أن يطبق عليها الحد لتطهيرها ، هذه أيضاً إحدى القضايا التي ينبغي أن يتوقف عندها ، يعني هذا امرأة جاءت تطالب بإقامة الحد عليها لتطهيرها ولكن من الذي غضب ؟ الآخرون الذين خشو أن يأتي يوم يطبق فيه الحد عليهم ، مع أنهم لم يطلبوا أن يطبق الحد لتطهيرهم ، هذه مسائل قد تثور في أماكن يوجد فيها دعوة ويوجد فيها انتشار بأن يأتي من يطالب بأن يقام عليه الحد ويطلب من إنسان غير ممكن ، متى يكون الإنسان مطالب بإقامة الحدود ؟ إذا كان ممكناً يستطيع أن يقيم الحدود على أهل المعصية قصراً ، فإذا كان لا يستطيع أن يقيمها على العصاة قصراً وجاء من يطلب أن يقيمها اختياراً فهو الآن غير ممكن وإقامة الحد إذا لم يبلغ السلطان الممكن جاز لمرتكب الذنب أن يتوب دون أن يقام عليه الحد ، وبالتالي تجد من ضمن الأمور التي قد تمثل فخاخاً أن يأتي ، فالعاصي هو الذي يطلب إقامة الحد عليه ولكن إذا نظرت في مآلات الأمور تجد أن هذا قد يحرم أمور ، مع أن هذا العاصي كونه أتى تائماً كان النبي صلى الله عليه وسلم من أتاه تائباً يعترف بذنب حاول أن يلقنه التراجع لأن الحد أقيم للزجر وهذا قد تاب ، ولكن إذا استكلمت شرائط الحد لابد من إقامتها ، وهذا يخاطب به الإمام الذي يقيم الحدود .
ولكن أقام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الحد على هذه الزانية وهذا حرك العصاة وأعوانهم إلى أن يمارس أمراء الأحساء ضغط على أمير العيينة لإخراج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من عنده ، فخرج إلى الدرعية .
إذن شيخ الإسلام رحمه الله طوف بأكثر من مكان بحثاً عن المكان الآمن للدعوة ، فلما وصل إلى الدرعية وجد عناية ووجد حماية ووجد فرصة للدعوة أخذ فترة كبيرة يدعوا إلى الله تبارك وتعالى ويراسل أمراء الأحساء وأمراء العيينة وغيرها مراسلة الند للند ، يأمرهم بأن يطبقوا الشرع في أهل طاعتهم وأن يزيل مظاهر الشرك والقباب وغيرها من بلادها وأن يحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيموا معالم التوحيد ويهدموا معالم الشرك ، ولما بلغ من وضوح الدعوة الغاية القصوى وتبين له عناد هؤلاء ووجد أن أمير الدرعية لديه العزم الكافي للقتال من أجل نشر دين الله تبارك وتعالى بدأ حينئذ قتال هذه البلاد ، هذا القتال توصيفه هو قتال لطائفة ممتنعة عن تطبيق أو عن إلتزام أحكام شرعية منها الالتزام بإزالة القباب وإلتزام بإزالة القبور وتطبيق الحدود والإلتزام بمنع الجند من إتيان المعاصي والفجور ، فهذا كان موجود في هذه البلاد فقاتلهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ونصره الله تبارك وتعالى عليهم حتى استطاعت الدعوة بعد ذلك ، وطبعاً حصل أنواع من القتال والمناوشات مع الدولة العثمانية ، وهناك خلاف كبير في رؤية شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب للدولة العثمانية .

البعض يقول أنه في المرحلة الأولى استبعد فيه الدولة العثمانية تماماً لأنها كانت غائبة عن هذه المنطقة من العالم الإسلامي ، ليست لها ولاية علها ولم تكن تلم مما يدور فيها إلى آخر ذلك مما يقال ، ولكن عندما يكون بوسعك أن تفعل ذلك ولكن لابد وأن تصتدم بأنه قد حصل في وقت ما مواجهة بين الدعوة والوهابية وبين الدولة العثمانية وأن الدولة العثمانية أرسلت جيوشها لقتال الجيوش الوهابيين على مراحل متعددة ، والظاهر والله أعلم من الخطابات المتبادلة بين شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وبين أمراء الحجاز وبالكلام الذي دار حول الخلفاء العثمانيين وغيرهم أنه أيضاً اعتبر هذه الجيوش العثمانية رغم أنها مرسلة من قبل السلطان العثماني أنها جيوش ممتنعة عن التزام الحق الذي يدعوا إليه وأنه قاتلهم ليردهم عن الدفاع عن وجود الانحرافات من وجود الأضرحة والقباب أو وجود المنكرات التي كانت موجودة في هذه البلاد ، ولشيخ الإسلام مراسلات كثيرة في هذا الجانب .
ننقل منها ما ذكره الدكتور علاء بكر في كتاب ـ ثلاثة قرون على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ وهو ينقل عن كتاب ـ حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ هذه الرسالة التي أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشريف أحمد شريف مكة .
يقول له : " المعروض عليك أدام الله فضل نعمه عليك حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين "
وكانت الخلافة العثمانية حريصة أن تترك حكم الحجاز لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم يلقبون بالاشراف وظل هذا الأمر إلى أن خضع الشريف حسين وانتزعت منه الدعوة الوهابية الحكم وبقي حكمه على الأردن والعراق وما شابهها ووعدته انجلترا بأنها تريد أن تعيد الخلافة إلى البيت النبوي لأنهم منزعجين جداً من أن يكون خليفة المسلمين عثماني وليس قرشي ، وهم يريدون أن يعيدوا الخلافة ليس إلى قريش فقط بل وإلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومخازي تبكي عليها بدلاً من الدموع دماً وكيف خدع هذا الرجل نفسه وأحياناً يكون الأمر مغري جداً لدرجة أن الإنسان يصدق ما لا يصدقه عقل ،وكان حتى هذه اللحظة حكام الحرمين من الأشراف والدعوة الوهابية في أول أمرها لم يكن لها غرض أن تنزع الحرمين من الأشراف ولكن إصرار الأشراف على إبقاء مظاهر الانحراف في بلاد الحرمين دفعت الدعوة الوهابية إلى قتالهم كما قاتلوا من قبلهم وأخذوا منهم الحرمين .
يقول : " المعروض لديك أدام الله فضل نعمه عليك حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين وأعز به دين جده سيد الثقلين "
هذا من فقه الدعوة ومحاولة استثارة كوامن الخير في المدعو وهي أمور واضحة جداً ولكن أحياناً يكون الطرف الآخر أغلق كل منافذ اتصال .
قال : " وأعز به دين جده سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم " الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأيد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها وعداوة من خرج ، وهذا هو الواجب على ولاة الأمر ، وهو كان يعتبر بولايته على الحجاز ويرغبه في أن يكون الكلام الحسن الذي أبدى فيه قدر من المرونة من أنه يريد أن يطبق الحق الذي يدعوا إليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب .
يقول : وقال في ختام رسالته : " فإذا كان الله تعالى أخذ ميثاق الأنبياء إن أدركوا محمد صلى الله عليه وسلم على الإيمان به ونصرته فكيف بنا أمته فلابد من الإيمان به ولابد من نصرته ولا يكفي أحدهما عن الآخر وأحق الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض به وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك يعلم الشريف أعزه الله للملكة من جملة الخدام ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته "
يعني كان هذا الخطاب الذي وجهه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لشريف مكة آنذاك يدعوه إلى امتثال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وإقامة معالم دينه دون أن يحاول أن ينازعه الأمر ، ولكن الأشراف أجمعوا أمرهم على محاربة دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وحصل بعد ذلك قتال بين الأشراف وبين أتباع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ودخل الوهابيون إلى الحجاز وأخذوا تعهد على شريف مكة بأن يلتزم شرائع الإسلام الظاهرة وأخذوا عليه العهد أن يعيدوه إلى سلطانه على أن يمنع ما كان موجوداً من المنكرات كشرب التبغ في المسعى وكلبس الحرير وعلى أن يبطل المكوس والمظالم وعلى أن يلازم الصلاة الجامعة وعلى أن يدفع الزكاة .. إلى غير ذلك وتعهد الشريف بالقيام بذلك كله فأعاده الوهابيون مكرماً ، وكان الوهابيون في هذه الفترة ما بين دخولهم الحرمين وما بين أعداتهم لشريف مكة قد أزالوا ما فيها من مظاهر الشرك ومنعوا البدع والمنكرات ورفعوا المكوس والمظالم عن الناس .
يقول : " ولكن شريف مكة لم يحافظ على ما تعهد به أمام الوهابيين وعاد إلى ما كان عليه من المظالم وسعى لاستعداء السلطان العثماني محمد علي باشا وقام بتسيير جيوشه إلى الحجاز وحصل القتال مرة ثانية إلى أن سيطر الوهابيون على الحجاز سيطرة كاملة كما ذكرنا .
هذه مراحل من مراحل الدعوة والقتال تبين أنه كيف يمكن أن يطبق قتال الطائفة الممتنعة في هذه الأحوال عندما يوجد طائفة تدعوا إلى الحق وتبينه وتستثمر كل الفرص في الدعوة إلى باب الحق وإظاهره ولا تتعجل المواجهات ثم في ذات الوقت يكون لديها قوة وشوكة تستطيع بها أن تلزم الطوائف الأخرى الممتنعة عند إلزام من تحت طاعتهم من شرائع الإسلام فتكون المواجهة حينئذ .
بهذا التطبيق العملي السريع أردنا أن نبين بعض الصور للتطبيق العملي لقتال الطائفة الممتنعة حتى لا يتهور متهور ويقول أن يطبق في كل ما يظنه أنها طائفة ممتنعة أنه يوجد قتال ، بل لابد من بقية أركان المسألة .
بذلك نكون قد انتهينا بفضل الله تبارك وتعالى من الكلام على مناقشة اتجاه المواجهة المسلحة ونشرع بإن الله تبارك وتعالى في المرة القادمة في الكلام على مواجهة أصحاب الحل الفردي .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ابن الجوزى
11-16-2010, 10:28 PM
بارك الله فيك
نرجوا المواصلة

ابن قمر المصرى
11-18-2010, 08:33 AM
الشريط الرابع عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
في الواقع معنا تتمة قصيرة في الكلام على من يرون حتمية المواجهة العسكرية لكي نكون مررنا على جميع البحث وإلا فهي قد جاء فيما في معناها في ثنايا الكلام على مراحل تفسير الجهة القضائية .
واتسع المقام أيضاً ، وقد نعطي تتمة أخرى قصيرة في الكلام على الحل البرلماني كتعليق على بعض المحاضرات التي طرحت مؤخراً في اتساع من هذا الاتجاه .
كنا انتهينا من بحث ـ السلفية ومناهج التغيير ـ والكلام على من يرون حتمية المواجهة العسكرية إلى قوله " هل الجهاد هو الخروج على الحكام فقط "
هذه قضية تكررت معنا عدة مرات وهي أن البعض يأتي في مسألة ما ويبالغ في أهميتها ، فإذا كانت مسألة من الدين فكل مسائل الدين هامة ، ولكن يأتي ليبالغ ، وهذه المبالغة تصيبه بخلل في إنزال الأمور منازلها .
كل أمور الدين هامة ، ولكن بعضها أعلى من بعض ، الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، فهذه تدل على أن جميعها أهم ولكن هناك ترتيب بين هذه الشعب ، فيأتي البعض يبالغ بين أهمية شيء ما فينزله فوق منزلته ، سيأتي هذه في السرد على امور أخرى .
الأخطر من ذلك أنه يحاول أن يوظف ذلك في الغلو وليس فقط في أهمية هذا الشيء بل الغلو في الفهم وفي تطبيقه ، يقع هذا كثيراً ممن يتبنون حتمية المواجهة العسكرية ويسمون كل مواجهة عسكرية جهاداً ، وليس كل مواجهة عسكرية تسمى جهاداً ، الجهاد له صراطه وسبيله الذي ينبغي أن يسلك كما سيؤكد في تتمة هذا البحث .
عند يغلوا إذا قلت له اضبط الأمر بالضوابط الشرعية يكون الجواب أن حاصل تطبيق هذه الضوابط ألا نجد مسرح ولا نجد متسع للجهاد ويسمونه الفريضة الغائبة ، ومن الكتب التي تمارس ضغط نفسي كبير على شباب الصحوة لكي ينضم إلى هذا الاتجاه كتاب ـ الفريضة الغائبة ـ ومسمى الفريضة الغائبة مسمى له واقع شديد على النفس ، نقول لو افترضنا لو أن هناك فريضة ما هي في الأصل فريضة ومقتضى تطبيق القواعد الشرعية يقول أنها يجب أن تترك الآن فيجب أن تترك الآن ، هذا امر واضح جداً ، وحتى لو ابتعدت عن الخلافات بين الاتجاهات الإسلامية وقلت الآن إذا عاهد الإمام من يليه من الكفار وصار بينه وبينهم معاهد فهذه المعاهدة يجب الوفاء بها ، يأتي إنسان يريد أن ينقض العهد ثم إذا كلمته يقول أن هذه المعاهد عطلت الجهاد والجهاد أصبح فريضة غائبة ؟ ، ليست غائبة بل هي فريضة موجودة ولها شروطها وإذا كان هناك من له عهد صار ممن لا يقاتل ، إذن هذا القتال الذي كنت تقاتل المعاهدين ليس جهاد .
حال وجود الإمام الشرعي الذي أعطاه الشرع سلطة تقدير المصالح والمفاسد في موضوع المعاهدة مع الكفار وعاهد الكفار فهل نسمي هذا أنها صارت فريضة غائبة ، وإذا كان كذلك فلابد من فعلها بأي ثمن من الأثمان ؟ ، لا .
وبالتالي يقولون أن الجهاد فريضة غائبة ، نقول إذا لم يوجد مجال لعمل هذه الفريضة إذن هي ليست فريضة بهذه الشروط ، هي فريضة بشروط معينة فإذا تخلفت هذه الشروط لم يعد الأمر فريضة ، وكما ذكرنا وجود أحيان يجب الفرار من أمام الكفار ، والثبات فريضة ولكن بشروط وبشروط معينة يكون الثبات مستحب وبشروط معينة يجب الفرار ، لا ينبغي حينئذ أن يأتي من يقول أين فريضة الجهاد وهل عطلتموها ؟
وأحياناً البعض يبالغ في المناقشة ، وهناك فرق بين مناقشة أهل الباطل والعلمانيين والملاحدة وغيرها وبين أن يناقش إخوانه في الله ممن يؤمنون بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويرجعون إليهم بفهم سلف الأمة ، الأمر يحتاج إلى نوع من الإنصاف والبعد عن الإرجاف ، وأنه هل متى نسخت و من نسخها وهل محوتموها من المصاحف ، أحياناً تجد البعض يحيط المناقشة بجو من الإرهاب الفكري لا يساعد مطلقاً على ضبط الأمور الشرعية بالضوابط الصحيحة ، بل تكون الأمور تؤخذ بهذه النبرة الخطابية التي لا تفيد كثيراً .
نقول أنه لو افترضنا جدلاً بوجود فريضة ما هي فريضة إذا كنت مستطيع وإذا عجزت يكون هناك أحوال من العجز تقلب فيها هذه الفريضة إلى الاستحباب ، مثلاً الوضوء فريضة وأحياناً يكون الإنسان جرح جرحاً لو أصابه الماء يتضرر ولو فعل هذه الفريضة يكون قد قتل نفسه فيكون هذا مما يقتل النفس ، فلابد من اعتبارات الأمور باعتباراتها الصحيحة .
مما يخفف واقع هذا الكلام على النفس أن تعلم أن الجهاد أشمل من القتال ، ومن يقاتلون أصناف كما بينا ، فهناك قتال الكفار وهناك قتال فئات معينة من المنتسبين إلى الإسلام ، وكل له شروطه وله أحواله ، وقد ذكرنا أنه في بلاد المسلمين حتى وإن وجد حكم بغير ما أنزل الله وحتى وإن وجد اضطهاد للدعاة في سبيل الله ونحو ذلك وغالباً ما يكون المصادمة لم تجعلها سفك للدماء ولم تجعلها وجود كثير من الشبهات ينتج عنها صد عن سبيل الله ولا ينتج عنها شيء من أنواع المصالح ، والناس منتسبون إلى الإسلام ويقبلون على الإسلام ، وهؤلاء الذين لا يطبقون الشرع مضطرون شيئاً فشيئاً إلى قبول درجة من تواجد الدعاة إلى دين الله تبارك وتعالى ووصول هذه الدعوة إلى الناس بدلاً من أن يأتي أحد ويقول حتمية المواجهة .
كلمة حتمية لا وجود لها عند المسلم ، لا وجود له أن يقول حتمية أمر قدري سيكون فيما بعد ، بل هو يتصرف وفق الواقع ولا يقول أن هناك مستقبل بشيء حتمي ، فهذا من سوء الأدب مع الله تبارك وتعالى .
قد يفتح الله تبارك وتعالى قلوب العباد في لحظة ، الذي يستبعد هذا يسيء الظن بالله تبارك وتعالى ، البعض يقول أنك تنتظر حتى يأتي الله بالخلق جميعاً والسنة الكونية أن يظل هناك تدافع ، نقول بل نستبعد كلمة حتمية من قاموس الكلام على المستقبل ، لا يوجد حتمية فعل كذا ، هناك واقع وهناك أحكام شرعية ونسقط الأحكام على الواقع وننظر أي واقع موجود نطبق الحكم الشرعي المناسب ، فلا نقول أن هناك حتمية مواجهة ، أنت الآن ترى الدنيا تتغير ما بين يوم وليلة ، الناظر في أحداث غزة الآن قد يوجد تحليلات سياسية ما وراء مواقف كل الدول ومواقف تركيا ومصر والأتحاد الأوروبي ، ولكن أنسب القول أن تقول أن الله تعالى يقدر الأمور وفق ما يشاء ، الأمور تتجه الآن في اتجاه ما مثلاً في أن فك الحصار بطريقة أو بأخرى ولماذا تفعل تركيا هذا ؟ ذكرنا أن هناك الجزور الإسلامية للحزب الحاكم الآن وهناك استجابه من الجيش واستجابه من الشعب ، يقولون هناك رد فعل استعباداً للاتحاد الأوروبي ، من الذي قدر وجود الاتحاد الأوروبي وأن الاتحاد الأوروبي يستبعد تركيا رغم كل ما قدمته ومن الذي قدر أن يرضى الناس بأن يكون رد الفعل محاولة مناصرة القضايا العربية ؟ كل هذه الأمور يقدرها الله سبحانه وتعالى ، ومن سوء الأدب مع الله أن نقول حتمية كذا ، ولكن نقول أنت الآن في أي واقع ادرسه وانظر ما يجب عليك بالفعل في هذا الواقع .
إذا جاء للنفس تتفنن وتظن أن المعجوز عنه هو أهم شيء في الدين وأحياناً يظن أنه الدين كله ، نقول : لا ، حتى ولو أنه مقدور عليه ومتاح شرعاً كان هناك متسع أن نقول من أحب هذا الباب سد هذه الثغرة وترك الثغرات الأخرى لغيره ، وهذا أيضاً جانب آخر ، هنا نفرق بين من يقدم مشروع دعوي متكامل لإحياء الأمة الإسلامة وبين من يقدم مشروع خاص ، فأحياناً البعض يعجب أو يقول شيء مقبول من الخير مثلاً خروج قوافل الدعوة لدعوة العوام في المقاهي أو غيرها ، ثم لو أن هذا سيسد ثغرة دعوة العوام تاركاً الثغرات الأخرى لغيره لكان الكلام منضبط ، ولكن أن يقال أن هذا هو الطريق الوحيد والأمثل ، فمن الذي يرد على العلمانيين ومن الذي يرد على الزنادقة ومن الذي يرد على المنصرين ومن الذي يعلم الأمة الحلال والحرام ومن يميز لهم البيع من الربا ، لو قلنا أن كل قضيتنا أن الذي يلتزم اليوم يخرج ويأتي بأناس معه يصلون وربما يكون صلاتهم فيها ما فيها من التخليط وتصوراتهم عن الأمور الشرعية فيها ما فيها من الجهل ، نقول أنه لو أنه كان هناك إنسان وجد أن يسد ثغرة شرعية صحيحة أكثر من غيره يكون في الأمر متسع ، كما نقول هذا الكلام الآن على من يجاهدون الكفار في أفغانستان وفي الشيشان وفلسطين وغيرها مع أنها تظل النصيحة أن كل بلاد المسلمين تحتاج أنواع من أنواع الجهاد فالموجود في بلد يسد الثغرة التي في بلد ، ولكن لو على الأقل أنه وجد نفسه أن هذا هو الباب الذي يتقنه بأن يساعد هؤلاء فإذا خرج منهم خرج وساعد هؤلاء نقول له جزاكم الله خيراً يسد ثغرة من الثغرات لكن في أبوابها الصحيحة .
أما أنه يأتي إنسان يصر لحبه لطاعة ما معجوز عنها في واقع الأمر ولا يجوز له أن يفعلها وفي فعلها مفاسد ويصر على أن يفعلها ثم يضيق بها حتى يصور أن الجهاد مثلاً لا يكون إلا بالسيف ثم لا يصور إلا أن يكون أمام الحكام رغم أن عنده أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسمى الجهاد بصفة عامة وأن عنده قتال الكفار له ساحاته إن كان مطيقاً للوصول إليها بدون مفسدة أيضاً وإلا كثيراً من الأحيان لا يصل إلا إلى حيث يؤتى ويبتلى دون أن ينفع إخوانه بشيء .
لذلك يقول هنا تحت عنوان الجهاد والخروج على الحكام فقط
يقول : " الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ولا ننصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد .
فهو كما يقول ابن القيم أربع مراتب
جهاد النفس ، جهاد الشيطان ، وجهاد الكفار ، وجهاد المنافقين .
فجهاد النفس مقدم على جهاد العدو ، فإنه إن لم يكن يجاهد نفسه أولاً بفعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لا يمكنه جهاد عدو بالخارج ، فكيف يكون جهاده جهاد والعدو الذي بين جنبيه قاهر له ومتسلط عليه لم يجهاده ولم يحاربه في الله ؟!!
إذن يوجد جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار والمنافقين
جهاد النفس مقدم على جهاد الكفار في الخارج من حيث الترتيب المنطقي للفعل وليس كما يظن البعض فيقول أن الحديث ضعيف السند ومعنى المتن مخالف لما في الأدلة الشرعية وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأصحابه بعد أن رجعوا من غزوة من الغزوات رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، كيف وجهاد الكفار يتضمن جهاد النفس وزيادة ، بل أعلى درجات جهاد النفس أن جعلها تترك ما لها وتجود بنفسها وتجاهد الكفار ، فجهاد النفس مقدم لأنه أصل وجهاد الكفار لا يكون جهاد صحيحاً مؤدياً لأغراضه إلا إذا كان نابع من جهاد النفس أولاً ، وإلا فقد يحدث للإنسان حمية أو شجاعة ولكن جهاد الكفار الشرعي لابد أن يكون معه جهاد للنفس ، بعثه من حيث المعنى المتحقق في نفس الإنسان ، وليس معنى ذلك لو افترضنا جدلاً ان هناك جهاد شرعي سواء جهاد دفع أو طلب ولاسيما جهاد الدفع فالعدو يأتي وتقول أنا مشغول بجهاد نفسي الآن .
القضية ليست مراحل متعاقبة بل هي مراحل متوازية ولكن من حيث البناء المنطقي تعرف أن جهاد النفس أصل ينبني عليه الجهاد .
حتى من ابتلي إذا كان هناك جهاد طلب وهناك من يعد نفسه للخروج عليه أن يكون من أهم جوانب الإعداد التي يحرص عليها إعداد نفسه ومجاهدة شهوات نفسه .
إذا هاجم العدو بلد وتدافع أهلها بجهاد الدفع ينبغي أن يعرف أنه إن كان فعل الواجبات وترك المنكرات واجباً عليه في كل وقت فهو الآن أوجب وهو يقاتل عدوه لأن المسلمون إنما يقاتلون بأعمالهم ، فهذا هو المقصود أن جهاد النفس نقدم على جهاد العدو في الخارج سواء الكفار او المنافقين .
يقول : " وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : الجهاد جهادان : جهاد الطلب أي طلب الكفار في عقر دارهم وجهاد دفاع والمقصود منهما جميعاً هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعلاء دين الله في أرضه وأن يكون الدين لله وحده "
ومن هنا تكون الدعوة إلى الله جهاداً شرعياً ، قال تعالى { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } [الفرقان/52] فجاهدهم بالقرآن ، فلا تطيع الكافرين في مناهجهم وشركهم وما يدعون إليه ولكن جاهدهم بالقرآن واقرأ عليهم القرآن واشرح لهم القرآن وما فيه من توحيد وما فيه من تشريع ، إذن الدعوة إلى الله سواء كانت موجهة للكافرين أو موجهة للمسلمين من باب تعليمهم أو موجهة للمسلمين الذين يستهدفهم الكفار لمحاولة إدخالهم في طاعتهم ، والآن أنواع من الجهاد للكفار ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمسلمين والكفار فهذا نوع من جهاد الكفار في القرآن { وجاهدهم به جهاداً كبيراً } يقول والآية مكية ، يعني هذا كان قبل مشروعة جهاد السيف ، ولكن كان المقصود هنا أن جاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً .
يقول : وعلينا أن ننظر إذا أتى الحاكم ما يستوجب العزل هل عندنا لعزله ؟ أم ابتداءاً ننظر هل اتى لما يستوجب العزل أم لا ثم ننظر هل توجد استطاعة أم لا وهل المصلحة متحققة بهذا العزل أم هذا منكر سيزول ويخلفه منكر أعلى وسيتجلب الشر على البلاد والعباد ويتسلط الكفار على المسلمين .
البعض يغفل فرق جوهري ، فأحياناً يتكلم على من يحكم بغير ما أنزل الله فيقول أنه مرتد والمرتد شر من الكافر الأصلي ، وهذا فيه نوع من الجمود في تطبيق النصوص ، أولاً أنكر قضية العرف بالجهل والتأويل وعامة هؤلاء يذكرون تأويلات تكفي شبهة مانعة من التكفير ، فهذا لابد من اعتبار هذا ، حتى لو أنك وصفت الفعل نفسه بأنه كفر أكبر ، طبعاً نعلم أن بعض الدعاة إلى الله تبارك وتعالى صاروا يتساءلون جداً في محاولة توصيف الأمر بين الكفر الأصغر ، هذا فيه خرق للإجماع لأنه نقله ابن كثير وغيره ، ولكن نحن نقول أنه كفر أكبر من حيث النوع وأما المعين فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة وبذلك يصطلح الجميع على قول فيه الانتصار للأدلة الشرعية وفيه مراعاة لواقع هؤلاء ، واقع انتسابهم للإسلام وأن الانتساب للإسلام يفرض درجة ما من التعامل مع دين الله تبارك وتعالى من السماح لنشر دين الله تبارك وتعالى ومن الشعور بأن الانتساب الإجمالي للإسلام رصيد دفاعي للأمة ، يختلف الأمر والأمرة تشاهد الحال عندما تسلط الكفار ، وانظر مثلاً إلى حال فلسطين وغيرها من البلاد العربية ، فإذا كانت هذه لا تحكم بما أنزل الله وهذه لا تحكم بما أنزل الله ، ولكن انتساب هذه البلاد إلى الإسلام وانتساب أهل السلطان فيها إلى الإسلام ودفعهم بتأويلات معينة وأعذار معينة عندما يطالبوهم بالحكم بما أنزل الله ، هذا كما ذكرنا تأويل قد يمنع من التكفير من جهة ، وهو كأمر واقع يجعل البلاد فيها قابلية لقبول الإسلام والدعوة إلى الإسلام ، وقابلية لأن عوام المسلمين العصاة يسمعون الدعوة إلى الله ويتسجيبون لذلك على النحو الذي ذكرنا .
فلا نزيل المنكر ونستجلب الشر والبلاء على البلاد والعباد ويتسلط الكفار الصرحاء الذين يحاربون وجود الإسلام بدرجة أشد شراسة .
يقول : " ومن المعلوم أن شرع الله مصلحة كله ولذلك لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن سلول رأس المنافقين وقال : ( فكيف تتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ) "
ثم يقول : " تحت عنوان الجهاد له سبيله وصراطه "
يقول : " حاجتنا شديدة لسلوك صراط الله المستقيم حتى ننقتل من ضعف إلى قوة ومن ذل إلى نصر ، ولابد من ذلك من اتباع السياسة الشرعية في حالة الضعف والقوة وهذه السياسة يجب أن تكون ربانية وعلى منهج الأنبياء ، والغاية لا تبرر الوسيلة ، بل الغاية والوسيلة كلاهم يجب أن تكون مشروعة لقضية في غاية الأهمية "
لقضية أن الغاية لا تبرر الوسيلة ، لكن الذي يوجد عندنا أن الوسائل المباحة إذا استعملت لغاية ما أخذت حكمها ، الوسائل المباحة لها أحكام مقاصدها ، فإذا كان هناك من في التعلم من مكبرات الصوت أو إحضارها أو استعمالها أوشراءها فهذه هي الوسيلة الأصل فيها الإباحة تستعمل في المساجد لرفع الأذان وخطب الجمعة ودروس العلم وتستعمل لأماكن اللهو والفسق وغير ذلك ، هذه الوسيلة الأصل فيها الإباحة ولها حكم مقصدها ، ولكن الوسيلة المحرمة لا تصير مباحة إذا ما قيل أنها يقصد بها أمر مشروع ، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة ، وتجد أن الشرع كله شاهد بالنهي عن وسائل يمكن أن تستعمل ويقال أنها يراد منها غايات مشروعة في الجهاد نفسه ، النهي عن الغدر قد يقال أن هذا وسيلة للانتصار على الكفار وهو غاية مقصودة ، ولكن الوسيلة إذا كانت محرمة لا يجوز أن تستعمل بزريعة أن الغاية مباحة ، الغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة .
يقول : " بل الغاية والوسيلة كلاهم يجب أن تكون مشروعة وليس التميكن في الأرض بغاية مقصودة لذاتها بل هي من وسائل الدعوة لتحقيق العبودية لله في أكمل صورها ، وهي في ذات الله منة من الله ليست بيد أحد سواه ، قال تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } [الحج/41] والواجب علينا أن نعيش علينا طاعة الوقت سواء مكن لنا أم لم يمكن ونحذر الابتداع والانحراف ، وأول ما بدأ به الرسل في دعوتهم الدعوة إلى الإيمان والتوحيد
"
هذا جانب آخر من جوانب الاستدلال ، بمعنى أننا استدللنا بالأصول الشرعية والأدلة وبيان مراحل تشريع الجهاد وأنه يعمل بكل منها بحسبه ، ثم أن هذه هي سنة الأنبياء والمرسلين عموماً وكأن السنة الكونية لا يأتي بتغير إلا بتغيير النفوس أولاً وتغيير نفوس طائفة كبيرة قادرة على قيام التغيير في الأمة وإلا فلا يكون واحد أو اثنين ويكون للناس جميعاً تصوراتهم ومنطلقاتهم التي ينطلقون منها ، بل لابد أن يوجد طائفة مؤمنة قادرة على أن تصبغ المجتمع بصبغته ، هذه الطائفة ترى على هذا المنهج .
يقول الشيخ الألباني رحمه الله : " الواجب هو العمل لأهم والأهم هنا هو إصلاح عقائد المسلمين وتزكية النفوس والدعوة على التصفية من البدع والدعوة على التوحيد ، ولابد لنا أن نتعلم أحكام الجهاد فلابد من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة ، وكما أن للصلاة شروطاً يحرص المسلم على تحقيقها كالطاهرة واستقبال القبلة وستر العودة ودخول الوقت ، فكذلك لا يصح الجهاد بغير شروطه ، والقتال إنما يكون بين معسكرين وجيشين وفريقين أحدهما مسلم والآخر كافر أو مستحق للقتال ، كما هو الحال في أفغانستان الآن ـ طبعاً هذا الكلام قديم أيام حرب الروس لأفغانستان وكانت الحرب بين المجاهدين وبين الروس ـ يقول : وأما عند الاختلاط فلابد أن تضيع دماء المسلمين وتحدث المفسدة ولا تحقق الغاية كما حدث في معارك سوريا مثلاً " مع أن الطائفة النصيرية والطائفة العلوية التي ينتمي إليها أهل الحكم في سوريا وطبعاً هم في الأصل علويين ، ولأنهم يعرفون أن أهل السنة يكفرون العلويين فقد استخرجوا اعتراف من إيران قبل قيام الثورة الإيرانية باعتراف من إيران في وقت حكم الشام بأن العلويين إحدى طوائف الشيعة الإثنى عشرية بحيث يتهربون من الحكم بالكفر الذي يحكم أهل السنة به على العلويين ويأخذون حكم الابتداع الذي يحكم به جمهور أهل السنة على الشعية الإثنى عشرية وإلا فهناك من يكفرهم كما الراجح ليس كذلك كما أشرنا من قبل .
مع أن هؤلاء من شر الناس ولكن تمكنهم وتكلمهم باسم الإسلام وعامة الإسلام يرون أنهم مسلمين وبالتالي يتعاون معظم الناس معهم كانت مذابح عندما حاول بعض الإسلاميون في سوريا الخروج على نظام الحكم هناك ، وهي مذابح ما زال يحكي عنها التاريخ إلى الآن ولم تحقق الدعوة هناك بل ما زالت الدعوة الإسلامية في سوريا من أكثر البلاد تأخراً من جراء هذا الصدام الدامي الذي كان بين نظام الحكم هناك وبين جماعة الإخوان المسلمين .
يقول : " لهذه الأسباب وغيرها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم جهاده بالدعوة وإعداد المؤمنين إعدادا روحياً وبدنياً لتحمل أعباء الجهاد بالسيف ، ثم كانت الهجرة حيث بدأ جهاده بالسيف وتوالت عليه أحكام الجهاد ، فينبغي علينا أن نتحمل سنن الجهاد حتى لا تتحول ديارنا إلى ساحة حرب بين المسلمين أنفسهم ، وحتى لا يكون حماسنا وطموحنا على حساب سنن الله في النصر والهزيمة ولا يدفعنا التهور إلى الوقوع فيما وقع فيه غيرنا ، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة في السنة السادسة عام الحديبية حفاظاً على حرمة المسلمين الذين كانوا سيقتلون مع من يقتل وتأخر بذلك الفتح سنتين علماً بأن مكة يومئذا دار حرب والكعبة كانت مليئة بالأصنام ولو حدث قتال يوم الحديبية لانتصر المسلمون على المشركين ، لذلك يقول الله تعالى { ولو قاتلكم الذي كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً } وكما أشرنا من قبل أنه لا يقاس فعل المخلوق على فعل الخالق إلا من باب معرفة العلل الشرعية فيعرف مقاصد الشريعة عموماً ثم تستصحب هذه المقاصد في الاستنباط ، وكما قلنا في الجيش الذي يغزوا الكعبة فيخسف الله بأولهم وآخرهم وفيهم من ليس منهم ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فقال : ( يبعثون على نياتهم ) احتج به البعض على أنه يجوز أن يضع ما يعم ضرره في طرقات المسلمين لكي يستهدف شخص معين أو مجموعة معينة ثم إذا قيل له هذه الأرواح المعصومة يقول يبعثون على نياتهم ، نقول هذا مصادم لموقف آخر أكثر وضوحاً وهو عام الحديبية وكيف أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع شدة شغفهم بأن يدخلوا المسجد الحرام معتمرين على الأقل ، وقد أخبر الله عز وجل أنهم لو دخلوه فاتحين لفتح الله لهم ولكن منعهم من ذلك وجود مؤمنين يكتمون إيمانهم ، فهذا أصرح وأوضح ويدل على ان الحفاظ على أرواح الؤمنين طالما أن القضية تأجيل نصر ما أو فتح ما يؤجل حفاظاً على أرواح المسلمين ، ولكن الذي نتعمله من قضية الخسف بأنه إذا استحق جماعة ما القتال ووجب قتالهم وكان في تأخير قتالهم مفسدة فلا يلزم حينئذ المؤمنين المقاتلين لهم أن يميزوا آحادهم وإذا كان الله تبارك وتعالى قادر على تمييز أحدهم وعمهم بالعقاب فالمسلم الغير القادر على تمييز آحادهم رغم أنهم يستحقون القتال ولو تركهم لزادت المفسدة ، ولذلك قول الإمام مالك رحمه الله في قضية الترس ، إذا تترس الكفار بأسارى المسلمين ذكرنا أنه إذا حدث وتترس الكفار بأسارى المسلمين نفرق من أنه إذا كانوا إذا تركناهم خوفاً على أن نقصد هؤلاء الأسرى فلو إذا تركناهم أخذوا مزيد من الأرض وأخذوا مزيد من الأسرى فإذن المفسدة تزيد ، ونحن نخشى من قتل عدد معين من الأسرى فهم يأسرون غيرهم ، ويعتدون ويأخذون بيضة الإسلام ، فحينئذ قال الإمام مالك : يقاتل ويتقي الأسرى ما أمكن يعني إن كان يستطيع أن يميز يميز ، وإن كانوا في حصن وفي موقف دفاعي ويتخذون هؤلاء الأسرى نوع من حجز المسلمين ومنعهم من فتح هذا الحصن ، قال : فترك حصن يقدر على فتحه أولى من قتل مسلم .
في الواقع أن هذا الكلام متين جداً وتستطيع أن تلحظ الفرق بين الحالتين أوتخرج الحالتين على قصة الجيش الذي يغزوا الكعبة في أنه لا يلزم متى صار القتال متلاحم أو مفروض لا يتمنع حتى وإن لم يمكن التمييز ، وأنه في حالة الذي يحدث هو تأخر نصر ما أو تأخر فتح ما فحينئذ يمسك عن ذلك .
يقول : " واليوم نحتاج إلى دعوى تزيد إمكانات العاملين لكي نحبس بها دماء المسلمين حتى لا نخرج من نكبة إلى نكبة ومن فتنة عمياء إلى أخرى أشد عمى ونكون كمن يلدغ من نفس الجحر ألف مرة "
في الواقع هذا ينطبق على الحل العسكري وعلى الحل البرلماني ، بمعنى أنه تتكرر دائماً التجارب ويلدغ المسلمون من نفس الجحر ، أقصد أن الحل العسكري بصورته التي زكرنا أنها صورة غير مشروعة ومع ذلك الحماس والاندفاع والرغة في تحقيق نتائج سريعة ، ويحكون في ذلك طرفة عن جحا ، ونحن نعلم أن هذه الطرف غالباً تكون غير صادقة ولكن أحياناً الذي يضعها يضعها كنوع من المثال لكي يبرز طريقة خلل ما في التفكير ، وهذا الخلل الذي تدركه هذه الطرفة خلل مستشري حتى عند خواص الناس :
يقولون أن رجلاً وجد جحا يبحث عن شيء ما ، فقال له : عما تبحث ؟ ، قال أبحث عن نقود وقعت مني هناك ، قال : ولما تبحث عنها هنا ، قال له : يا أحمق أتريدني أن أبحث في الظلام ؟! .
في الواقع هذا النموذج يبرز خلل يفعله كثير من الناس ، ولكن ليست في هذا الوضوح ، قضية مركبة معقدة ولكن في النهاية تجد أن من فرط تعقيد القضية وفرط غلبة التعجل ونحو ذلك على من يقيس الأمور ويتصرف بنفس هذه الطريقة ، فتقول له الآن لابد من الدعوة ولابد من التربية وأن سفك الدماء لا يكون إلا بفساد عريض وتأخير للدعوة ، فتجد دائماً الإجابة بأن أمامك رضح من الزمن وهذا أمر طويل .
في الواقع هو لا يطابق هنا بين مثلاً وسيلتين مواصلات يسيران في نفس الاتجاه إحداهما مسرعة والأخرى بطيئة وإلا كان كل العقلاء اختاروا المسرعة ، هذا ممكن يكون يختار بين وسيلة مواصلات بطيئة في الاتجاه الصحيح ووسيلة مواصلات سريعة في عكس الاتجاه ، فالسرعة ليست هي المعيار هنا ، بل حتى الوقوف وأنت متجه الاتجاه الصحيح أكثر بكثير من السير عكس الاتجاه ، لأن البعض أحياناً يتكلمون عن السلبية ويقول أنتم بهذه الطريقة تكونون سلبيين .
وكما ذكرنا أن هنا سطر نقرأه لننتهي من هذا ونعلق فقط على جزية السلبية كأحد عناصر التتمة التي ذكرنا أننا سوف نتكلم عليها في قضية الحل البرلماني .
يقول هنا : حتى لا مخرج من نكبة إلى نكبة ومن شدة عمياء إلى أخرى أشد عمى ونكون كمن يلدغ من نفس الجحر ألف مرة فالمنكر يخلفه من المنكرات والآثام والمصائب ما يتضاءل أمامه المنكر المزال ويقولون بذلك نخرج من بلاء أقل إلى بلاء أعظم وينفر الناس عن الدين الذي يرونه وسيلة للفتنة والقتل ، لذلك نقول قرأنا هذا البحث فيما يتعلق بأصحاب المواجهة العسكرية بتمامه ويبقى لنا في هذا البحث الكلام على من يرون الحل الفردي ولكن قبل هذا كما ذكرنا معنا تتمة في الكلام على الحل البرلماني :
في الواقع نأخذ طرف منها الآن فيما يتعلق بجزية السلبية ونعيد بتمامه في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى لأنه انتشر على المنتديات الإخوانية في الفترة السابقة تزامناً مع انتخابات مجلس الشورى 2010 ، شريط محاضرة للدكتور عبد الرحمن البر تحت عنوان " الانتخابات شبهات وردود " في الواقع أن كلامه أمثل من كلام غيره الذين انخرطوا في السياسية ، وطبعاً الدكتور عبد الرحمن البر الآن هو مفتي جماعة الإخوان ولكن للأسف هو يتكلم عن واقع آخر غير الذي نعيشه تماماً ، فمثلاً يقول في موقف الجماعة من الأحزاب : " ما المانع أن تقبل الجماعة بوجود الأحزاب التي قبلت الدستور الذي ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ، فإذن نحن قبلنا الأحزاب التي تقبل الشريعة "
كلام حسن جداً ولكن يوجد أحزاب تصرح أنها تريد أن تغير الدستور ، وتصريحاً تريد أن تغير لماد الثانية من الدستور ، وهذه الأحزاب يتعاون معها الإخوان ويتحالف معها حتى في انتخابات مجلس الشورى لم ينجح من الإخوان أحد ونجح أربعة من الأحزاب المعارضة في جميع أنحاء مصر أحدهم عضو عام جزب التجمع ، وقيل أن هذا فاز لأنه مدعوم من الإخوان وحزب التجمع من أشد الأحزاب رفضاً لذكر كلمة الإسلام في الدستور أصلاً .
فالمقصود أن كلام الدكتور عبد الرحمن البر حاول فيه ألا يدافع عن قضايا خاسرة شرعاً ، بمعنى أن يقول لا بأس في ذلك والحرية مقدمة على الإسلام والدعوة على الحرية مقدمة على الدعوة على الإسلام كما قد يقول غيره ولكنه في النهاية اضطر يوصف الواقع توصيف غير موجود ، وأنه الآن القبول بالأحزاب لأنها قبلت بالشريعة ، في الواقع لو كانت الأحزاب قبلت بالشريعة لكان أيضاً نصحنا الدعاة إلى الله أن ينشغلوا بالدعوة ويتركون هذه الأحزاب التي قبلت الشريعة هي التي تخوض غمار التجربة طالما أنها في النهاية تريد أن تطبق الشريعة ، لماذا ننافسها ؟ لأنه أيضاً في المقابل ذكر ضوابط الترشيح وهذا الضابط لا وجود له في النظام الديمقراطي مطلقاً ، وأن من الضوابط ألا يتشرع الإنسان أمام من هو أكفأ منه وأنه يحرم ـ طبعاً لو سمعوا الديمقراطيون هذا الكلام لضربوا كفاً بكف " في الواقع أن الدكتور عبد الرحمن بر في هذا الشريط وغيره من الأطروحات وأصحاب الحل العسكري كلهم يدندون حول قضية " لا تكن سلبيا ً" و " وجوب الإيجابة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " إلى غير ذلك من الأمور ، وتتخذ بصور مختلفة ، فبالنسبة للجهاد يقول أنتم جعلتم الجهاد فريضة غائبة ونسختم مشروعية الجهاد من تلقاء أنفسكم وأصحاب الحل البرلماني يقولون أن الانتخابات شهادة ولا يحرم كتمانها .
نقول : ما هي الإيجابة وأنتم تقولون بالإيجابية وتنهون عن السلبية إلى آخر هذا الكلام ، هل الإيجابة أن أسير عكس الإتجاه ، أنا الآن أسير في الطريق وأجد أمامي سد أحاول أن أزيله أما أن أسير عكس الاتجاه ، التنازلات والرضا بالعلمانية والرضا بغيرها هي سير عكس الاتجاه ، حتى ولو كان فيها بعض من المصالح ، فالآن البعض يقولون أن تركيا التي لا تعجبكم هي التي تدافع عن قضايا الفلسطينيين ، طبعاً نحن نقول أن الإسلاميين في تركيا قدموا أشد أنواع التنازلات أكثر من غيرهم ، فهل لو وضعنا في الموازنات أن الجمهور التركي الذي يسمع كل يوم احترام هؤلاء الإسلاميين للديمقراطية ؟ نحن نعلم أنا وأنت أن هذه تقية كما يقولون ولكن هل الشباب التركي الذي تربى على العلمانية وعلى تعظيم العلمانية يعرف أن هذه تقية ؟ بل يفسد له دينه ، نحن نريد أن ندافع عن مليون ونصف في غزة نفسد دين الملايين في العالم كله ؟ ، فبلا شك دور تركيا أدخل البهجة والسرور على الناس ، ولكن لو من الأول الاختيار لنا بأنهم يصلوا أو لا يصلوا وأن الثمن أن يقروا العلمانية ويدافعوا عنها لما قبلنا هذا الثمن مطلقاً ، فالإيجابة أن تتحرك في الإتجاه السليم وليس أن تتحرك عكس الاتجاه ويقال هذه إيجابة .
في هذه الطرفة التي نذكرها أن جحا يبحث في النور وهو كلام منطقي فهو لا يريد أن يبحث في الظلام ، احتمال أنه إذا بحث في المكان الذي ضاع الشيء فيه فهناك احتمال أن يجد الشيء مع وجود الظلام او على الأقل هو منتظر حتى يأتي النور أما أن يبحث في مكان منير فيكون منه عمل دؤوب وعمل وحركة وبحث حقيقي ولكن مستحيل أن يصل ، البعض أحياناً ينشغل بأن يعمل ويتحرك وأن يجري ، بالضبط كوسيلة المواصلات التي تسير عكس الاتجاه .
سنعود هنا أنهم عندما يقولون إيجابية أم سلبية فنقول أنتم تسيرون عكس الاتجاه فلا تكلمني في السرعة والحركة طالما أنك لا تسير في الاتجاه الصحيح ، فيقول بل هو في الاتجاه الصحيح فنعود إلى نقطة البداية . فإذن القضية ووصف الأمر بأنه سلبية وإيجابية لن يقدم أو يؤخر كثيراً ولكن يبقى ابتداءاً بأن بعد أن نتفق أن هذا هو الطريق الصحيح لك أن تستنفر المتكاسلين وتقول له لا تكن سلبياً ، فهذه نقاط لابد أن يعيها من يعلمها ، وإلا أيضاً خصوصاً في الانتخابات أو حتى في الحل العسكري فتجد أحياناً كما أشرنا في تاريخ الجماعات للمواجهة المسلحة وجماعة الجهاد المصرية رسمياً حتى الآن نعم منظرها الأول تراجع عن كثير من أفكاره لكن الجماعة رسمياً حتى الآن ما زالت على أفكارها ولكن أعلنت وقف العمليات من جانب واحد ، هل صار الجهاد فريضة غائبة في حسهم ؟ ،نحن كنا مغيبين لهم من وجهة نظرهم ، هم عندما أعلنوا وقف العمليات من جانب واحد هل صاروا مغيبيين أيضاً للجهاد ؟ أم أن الأمر مع من يختلف ؟ وإذا كان يختلف ما الفرق ؟ .
يأتي أيضاً أصحاب الحل البرلماني يقاطع انتخابات معينة من أولها أو يأتي أثناء سير الانتخابات وينسحب فمن الذي أعطاه حق الانسحاب ولماذا كان الانساحب أثناء العملية يختلف عن الانسحاب في أول الأمر ، إذن هناك معايير معينة ،تجده يقول لا فائدة وأن هذا تضييع للوقت وإهدار للطاقات وتجميل لعملية التزوير وديكور ديمقراطي ، فهذا الكلام كله يقال أحياناً ولكنه يمنع الآخرين من أن يكون هذا موقفهم الثابت ، في ظل أن المعطيات لا تتغير كثيراً من مرة إلى أخرى فهل هنا ينقلب الأمر إلى أنهم كتموا الشهادة أن أنهم أصبحوا سلبيين .. إلى آخر هذه القائمة من الاتهامات ، فهذه القضية لابد من مراعاتها متى نتكلم عن الإيجابية وعن السلبية وعن السرعة وعن البطء وعن .. وعن . . وعن عندما نتفق أن هذا هو الطريق الصحيح .
نكتفي اليوم بهذه التتمة على أن المرة القادمة إن شاء الله نعطي تتمة في مناقشة محاضرة الدكتور عبد الرحمن البر وتتمة في الجهات البرلمانية .
سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
11-22-2010, 10:54 PM
الشريط الخامس عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
كنا قد انتهينا في الكلام على مناهج الإصلاح المطروحة بين أوساط الصحوة الإسلامية من الكلام على أصحاب الحل البرلماني والكلام على من يرون حتمية المواجهة المسلحة ، ولكن في ثنايا ذلك تمت في مصر انتخابات مجلس الشورى 2010 وأيضاً في ثنايا ذلك كان هناك محاضرة تداولت بشكل واسع في المواقع الإخوانية الرسمية غير الرسمية للدكتور عبد الرحمن البر عنوانها "الانتخابات شبهات وردود " ولم تخرج في إطارها العام عما ذكرنا ، مع أن انتخابات مجلس الشورى جاءت محبطة تماماً للآمال حيث لم يفز من الإخوان المسلمين أي عضو وفاز أربع أعضاء على مستوى الجمهورية من الأحزاب المعارضة المختلفة إلا أنه أيضاً الآن لخوض انتخابات مجلس الشعب ونحوها .
يحتاج الأمر بأن نعرج بسرعة على محاضرة الدكتور البر على اعتبار أنها من أحدث الإصدارات الإخوانية التي تناولت هذه القضية ولأن الدكتور عبد الرحمن البر هو مفتي جماعة الإخوان المسلمين ، ولعلنا في مناسبة أخرى كنا رصدنا حركة انتخابات مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان والتي اعتبرها معظم المحللين صراع بين المحافظين والإصلاحيين ، وقيل أن الغلبة في النهاية كانت للمحافظن الذين لهم تحفظات كبير جدا على توسعات الإصلاحيين في موضوع الديمقراطية وموضوع التحالفات والانتخابات ونحو ذلك ، على الرغم أن أحد أبرز هؤلاء الموسومين بالإصلاحيين وهو الدكتور عصام العريان فاز في انتخابات مكتب الإرشاد وما زال له دوره باعتباره المسئول السياسي للجماعة ، لكن بلا شك اختلف الخطاب ، اختلف بدرجة واضحة منها على سبيل المثال أن أحد القضايا التي يحاول أحد الموسومين بالإصلاحيين يحاولون أن يقدموا الاعتراف الكامل بالديمقراطية ، حتى كانت العقبة الأخيرة التي وضعت أمامهم مسألة ولاية النصراني وولاية المرأة لرئاسة الدولة وبدأ هؤلاء يصرحون بأنه لا إشكال في ذلك . بمجرد فوز المرشد الحالي في انتخابات مكتب الإرشاد صاغ المسألة صياغة لا نقول أنها منضبطة مائة بالمائة ولكن نقول أنها أقرب للإنضباط الشرعي بمعنى أنه قال أن هناك حكم شرعي فقهي بعدم جواز تولي النصراني الأمر وأنه لا يمكن للجماعة كفتوى أن تغير ذلك الحكم ولكن الجماعة بصفتها فصيل سياسي يشارك في الديمقراطية لو أن الديمقراطية أفرزت حاكماً نصرانياً فسوف نلتزم به ديمقراطياً ونعارضه ديمقراطياً .وهذا الكلام بصياغة تكون اكثر انضباطاً من الصياغة التي قبلها ولكن في النهاية فيها أن المسلم يرضى ويسلم ويعترف لأن في النهاية النظام الديمقراطي يفرز حكم ستعارضه كما أنه يعارض الحاكم المسلم ، وهو كما ذكرنا حاولوا الترويج ، لأن فكرة المعارضة فكرة لا إشكال فيها وهي فكرة موجودة في الإسلام وثقيفة بني ساعدة حتى الدكتور عبد الرحمن البر نفسه استعمل هذه الامثال .
نحن الآن أمام ما سيمونه سيطرة ما يسمونه بجيل المحافظين .
نقول ما يسمونه بجيل المحافظين أو يسمونه بجيل الإصلاحيين لأن الإخوان أنفسهم ينفون وجود مسمى التيارات ، يقولون خلاف بين أفراد ولكن هناك مجموعة كانت متوافقة في قيادة قاطرة التصريحات السياسية للجماعة وهناك بعد الانتخابات صار الصياغة مختلفة بعض الشيء .
هذه الانتخابات الأخيرة لمكتب الإرشاد جاءت بالدكتور عبد الرحمن البر كمفتي للجماعة .
في الواقع كما ذكرنا كيف تعامل المرشد مع قضية ولاية الكافر ، حافظ قدر الإمكان على ألا يغير الحكم الشرعي وإن كان أعطى ضمانات أو اعترافات سياسية بأن الجماعة كفصيل سياسي سوف تلتزم بحكم الديمقراطية .
تستيطع أن تقول أن الدكتور عبد الرحمن البر حاول إلى حد كبير أن تكون صياغته للعملية الانتخابية وما يكون فيها من أمور حاول أن يلتزم قدر الإمكان بالحكم الشرعي ، ولكن للأسف أيضاً ان الدكتور عبد الرحمن البر وصف لنا واقعاً غير موجود أثناء ردوده على الشبهات أثناء المحاضرة التي بعنوان " الانتخابات شبهات وردود "
فأثناء ردوده على الشبهات وصف لنا واقعاً غير موجود ، ولو كان هذا الواقع موجود كان هذه الانتخابات أو الدخول فيها لحق بنطاق الخلاف السائغ ، وكما ذكرنا أننا نفرق نوعين من الممارسة البرلمانية : نوع لا يصطدم بالثوابت الشرعية وهذا خاضع لقياس المصلحة والمفسدة وحتى إن غلب على ظنك أنه لا مصلحة فيه أو أن المصلحة أرجح في غيره فسيكون الخلاف مع الآخر خلاف سائغ ولا يصطدم بالثوابت الشرعية .
ففي الواقع هنا أيضاً حاول الدكتور عبد الرحمن البر أنه يجعل الديمقراطية كمبدأ بغض النظر عن اضطرار الإسلاميين إليها حاول أن يجعل الديمقراطية كمبدأ لا غبار عليه طالما ضبط بالضوابط الشرعية ، ثم حاول أن يوصف واقع التجربة البرلمانية من التحالف مع الأحزاب العلمانية أو غيرها ونحو ذلك . يعني حاول أن يصوفه بأنه موافق للشرع .
ما هو الكلام هنا ؟
بدأ الشيخ بالكلام عن الأهداف العامة للانتخابات المعروفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاول القضاء على البطالة ومحاولة تيسيير سبل العيش للناس مع ملاحظة أنه ابتعد عن وضع قضية تطبيق الشريعة في الصدارة ، وكما ذكرنا أحياناً أنه عندما توضع الأهداف لابد أن توازن مقدار الجهد المبذور ومقدار الثمن الذي سيدفع فأحياناً يقول لك أن هذا هو الطريق الوحيد لتطبيق الشريعة ثم قد تجد أن البرامج الانتخابية خالية تماماً من ذكر تطبيق الشريعة وأن المسألة غير واردة ، أقصاها أن يقال تفعيل المادة الثانية من الدستور .
قضية تفعيل المادة الثانية من الدستور قضية قد تقل الضغط على هؤلاء القوم ، ولكن بلا شك أن المادة الثانية من الدستور وحدها لم تكن ولن تكون كافية لتطبيق الشريعة ، لأنه على الأقل أن المحكمة الدستورية العليا كانت قد انتهت إلى أن هذه المادة ملزمة فيما يستقبل من القوانين لا فيما مضى ، وبالتالي هذه الترسانة من القوانين في مسائل الجنايات وغيرها من الأمور لا يمكن أن تتغير في ظل هذه المادة ما لم يوجد من يتبنى هذه القضية ، فتبني قضية تطبيق الشريعة كما ذكرنا من قبل أحياناً يذكر في مقام المناقشة وأن هذا في مقام تبرير أو ذكر مصالح العملية البرلمانية وأحياناً لا يذكر واحياناً يذكر بدرجة خافتة .
فمنذ فترة طويلة كانت التجارب الأولى لدخول الانتخابات قضية الشريعة كانت حاضرة فيها بدرجة قوية سواء على مستوى الدعايا أثناء الانتخابات أو على مستوى محاولة فرض مشاريع لتطبيق الشريعة داخل المجالس البرلمانية ، ولكن الكلام هنا على التجربة المصرية ، منذ فترة طويلة صارت قضية الشريعة لا تكاد تأخذ حيذ من الكلام ولا الدعايا ولا الوضع في البرامج الانتخابية .
صارت البرامج الانتخابية تتكلم في قضايا حل مشكلات الناس التي يتشابه فيها الخطاب الإسلامي مع الخطاب الناصري مع الخطاب اللبرالي ... إلى غير ذلك من الخطابات دون أن يوجد خدمة لقضية تطبيق الشريعة بصوة واضحة .
بناءا ًعلى الأهداف التي سردها الشيخ وكلها تدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحن لن ننازع في أن هذه الأهداف حتى ولو كانت ليس منها تطبيق الشريعة أو لو كان تطبيق الشريعة موضوعة بصورة او بأخرى وليس فيها درجة الوضوح الكافية ، لا إشكال أن يعين الإنسان إخوانه المسلمين على معالجة قضية البطالة وعلى معالجة قضية الأسعار وارتفاعها بأي صورة من صور الأعانة ، لا غبار في ذلك ولكن الغبار فيما يأتي من ممارسات كما ذكرنا .
فخلص الشيخ من هذا إلى أن كان أهداف الإسلاميين من دخول الانتخابات هو إحداث هذه المصالح ومناوءة مفاسد كذا وكذا وكذا . وإذا كان الانتخابات نظام ارتضاه الناس في العالم كله بأن يختار الشعب ممثليه فإذن هي نوع من الشهادة ، ومن لا يدلي بصوته يأخذ إثم كاتم الشهادة ، وهذا كلام سبق وتكرر كثيراً وأجبنا عليه بإجابة مختصرة مباشرة وهي ان جماعة الإخوان المسلمين كفصيل إسلامي يخوض الانتخابات وأحياناً يظل الأمر معلق إلى آخر وقت ،وهل سيخوضون الانتخابات القادمة أم لا وبعد مشاورات ودراسة انتهوا في أكثر من مرة إلى مقاطعة الانتخابات لأسباب مختلفة وغالباً ما يكون مقاطعة الانتخابات عندما يقاطعونها نوع من أنهم يحتجون احتجاج سلبي ويقولون طالما أن النتيجة معروفة سلفاً فلن نكون ديكوراً ديمقراطياً .
فالسؤال هنا ، إن كان الانتخابات حكم شرعي شهادة من يكتمها فإنه آثم فلماذا تتخذ الجماعة قرار بالمقاطعة أحياناً ؟ ولماذا عندما تتخذ الجماعة قرار بالمقاطعة يرون أن القرار ملزم أيضاً لجميع إخوانهم ؟ بل المشكلة في اجتهادات جماعة الإخوان المسلمين ، ليس فقط يريد أن يدافع عنها بل يريد أن يجعلها ملزمة في كل الخلق ، وإذا رأى أن دخول الانتخابات فمن لا يدخل الانتخابات يكون آثم وكاتم للشهادة وخائن للأمانة .. إلى غير ذلك ، وإذ قرر أن يقاطع فالذي يخوض عنده يكون ممزق للصف الإسلامي ويعطي ديكور للظالمين .. إلى غير ذلك ..
نقول أنه ينبغي وضع الأمور في مواضعها حتى لو كان هناك اجتهاد بأن الانتخابات فيها مصلحة ، محاولة الضغط النفسي على المخالف لا تأتي بثمرة أو على الاقل ليست من الإنصاف الشرعي في الحكم ، لأنك أحياناً تقول أقاطع رغم أن هناك اتجاه عام بالمشاركة ، فأنت أحياناً تقول أقاطع الانتخابات فعندما تقاطعها لماذا حينئذ لا يقال أن هذا من كتم الشهادة أونحو ذلك .
وهنا شهادات كثيرة ،نحن نضرب الأمثلة لمجرد التوضيح :
فلو كان هناك مثلاً استفتاء كما تحدث استفتاءات كثيرة جداً على أفضل لاعب وأفضل ممثل وأفضل ممثلة فكل هذه شهادة ، فتقوم جهة ما بطلب رأيك في أمر ما ، وهذه الأمور بعضها من المعاصي المحرمة وأنت تمتنع لأن هذا الأمر أمر محرم بل كثير منها كذلك وبعضها مما لا يضر ، فلو اختاروا أفضل كاتب أو أفضل كذا أو كذا قد لا تنفع أو لا تضر .
فالمسألة فيها دور ، إذا كانت المحاضرة بعنوان " الانتخابات شبهات وردود " فينغي أساساً أن يثبت الأساس الشرعي التي قامت عليه الانتخابات ومدى جدوى هذه الانتخابات سيكون فرع على ذلك ، فمن اقتنع بالانتخابات أمر شرعي مطلوب وأنه وسيلة تغيير منكر مشروعة ينبني عليها هذا الكلام وليس العكس .
أيضاً من نفس الباب قال : أن حماية صناديق الانتخابات نوع من أنواع الجهاد ونوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه يجب حماية بكل ممكن ومستطاع .
في النهاية كله نقول أن هذا كله فرع على إثبات أن هذا الأمر مشروع وأن مصلحته راجحة ، وهذا هو الذي ننازع فيها .
وبالتالي كل ما يقال من أن هذا نوع من أنواع الجهاد وأن هذا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونوع من الشهادة . كل هذه الأمور فرع على إثبات أصل الحكم في المسألة ، ونحن ننازع في إثبات هذا الحكم .
في الواقع بعد أن مهد الشيخ في ذكر أهداف الانتخابات وبنى أن هذه الأهداف تجعله من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنى عليه أن التقصير فيه هو تقصير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وتقصير في باب الجهاد ، وكما ذكرنا أن هذا الكلام كله حسن لولا أن القضية هنا أنك تقول أن هذا المنكر الذي تدعي الانتخابات إزالته وهذا المعروف الذي تدعي الانتخابات إيجاده ويرجوا الإسلاميون إيجاده من وراء دخولهم الانتخابات ، لا يتأتى لهم إلا بفعل منكرات بأنفسهم ، بينما المنكرات التي يريدون أن ينكرونها لم يفعلوها هم .
فهنا القضية لا يقال فيها أي المفسدتين أغلب ، بمعنى أي المفسدتين أغلب عندما تكون أنت مضطر إلى إحدى المفسدتين ، ولكن لا تأتي إلى من يرتكب مفسدة وتقول له أشاركك فيها على أن تقلل منها . هذا لا يكون ولا يوازن فيه أصلاً بين المفاسد ، فضلاً أنك تكون في النهاية سوف تضطر لأنه لن يعطيك ما تريد ولن يقلل المفسدة أصلاً سيجعلك تشترك في المفسدة الأقل مع أنه مستمر في المفسدة الأكبر .
هذه خلاصة المسألة والموقف الرافض لهذا المسلك ومبناه على هذا الأمر .
في الواقع بدأ الشيخ يشرع الأساس الذي قامت عليه الانتخابات وبعض الشبهات الموجهة إليها فتكلم بسرعة على قضية الديمقراطية كقضية وعلى قضية الأحزاب كقضية وإن كان ليس بهذا الترتيب بل أنا اذكر ما نحتاجه بترتيبه بمعنى ما هو الموقف الصحيح من الديمقراطية بغض النظر عن اضرار الإسلاميين بالمشاركة فيها وما هو الموقف الصحيح الشرعي من وجود أحزاب ؟ ، فالمسلمون ينكرون وجود الأحزاب ويذمون وجود الأحزاب فإذا وصلوا إلى الحكم لن يسمحوا بوجود الأحزاب ، فتكلم الشيخ على الديمقراطية وعلى الأحزاب كأحكام شرعية فكان خلاصة كلامه أنه قال نقبل من الديمقراطية ما يوافق الإسلام وهو إبداء الرأي واختيار الحاكم ولا يهمنا المسميات .
في الواقع إذا قارنت بين هذا الكلام وبين كلام ما يسمونهم بمجموعة الإصلاحيين تجد أن هذا الكلام عاد بالأمر إلى صورة أفضل بالتصريح بأن الديمقراطية محكومة بالإسلام وأننا سوف نقبل منها ما يوافق الإسلام ، ولكن لا شك أن الدكتور أدرى بأنه داخل جيل الصفوة داخل الجماعة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور محمد حبيب والدكتور عصام العريان من بدأوا من هذه النقطة ووصلوا إلى قضية أنهم يطبقون الديمقراطية تطبيقاً شاملاً ، والكلام بلا شك معروف وموجود ومتداول بكثرة .
فإذن قضية نأخذ من الديمقراطية ما يوافق الإسلام فهذه القضية ما يلبس الإنسان أن يضطر إلى أن يأخذ الديمقراطية كاملة .
ونقطة الاختبار تكون إذا أفرزت الديمقراطية حكماً يخالف الحكم الشرعي لأن الديمقراطية هي حكم الأغلبية . الديمقراطية هي ليست إبداء الرأي وهذه قضية في غاية الأهمية ،والديمقراطية ليست فقط آلية في اختيار الحاكم أو آلية في محاسباته ، وربما أشرنا أيضاً في مناسبة أخرى أن الأستاذ وجدي غنيم حفظه الله أصدر إصدار صوتي حديث جداً في الرد على الدكتور عصام العريان الذي كتب سلسة مقالات في موقع إسلام إولاين نحت عنوان " نحو بناء ديمقراطية إسلامية " فرد عليه الأستاذ وجدي غنيم ببيان أن الديمقراطية والإسلام لا يلتقيان أبداً وأن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب وأن الإسلام يقول { إن الحكم إلا لله } فكيف يمكن أن يلتقي هذا وذاك ؟
أيضاً من لوازم الديمقراطية وركائزها الأساسية حرية الاعتقاد ، وهذه المسائل كلها ذكرها الأستاذ وجدي غنيم ، وفي الواقع كلام حازك جداً وفي الواقع يكون له قبول أعلى عند أفراد الإخوان أو نحوهم عندما يخرج من رمز إخواني كالأستاذ وجدي غنيم وتكلم عن أوجه الخلاف بين الإسلام والديمقراطية التي أبرزها أن الديمقراطية هي حكم الشعب بينما الإسلام يقول { إن الحكم إلا لله } وأن الإسلام يخاطب الناس بأنهم عبيد لله ملتزمين بشرع الله ، والديمقراطية قائمة على الحرية في حرية الاعتقاد وحرية التصرف في البدن وغيره ويترتب عليه حريات شرب الخمر والزنا والشذوذ ... إلى غير ذلك من الأمور .
فإذن لو أن أي أمرين اشتبها تطلق أحدهما على الآخر يصير هناك نوع اضطراب عظيم في الأمور .
فالديمقراطية فيها إبداء رأي بأي صورة ، والإسلام فيه إبداء رأي ولكن في الإسلام يجب أن يشتار أهل العلم والفضل ، وهذه قضية ركز عليها الدكتور عبد الرحمن البر جداً ولا أدري أين موقع هذا من الديمقراطية . الدين ابتداءاً لا يذكر فكيف لا يختلف الأمر ، وهذا حق مكفول للجميع ، ناهيك عن أنه ملتزم بدين الله أو غير ملتزم بدين الله فهذه قضية من الناحية الديمقراطية لا أثر لها مطلقاً ، لا يستطيع أن يعترض على ترشيح مرشح لأنه لا يصلي ، فهو له حق الديمقراطي الكامل مثله بمثله ، فالكافر له حق الديمقراطي والمسلم الملتزم والمسلم العاصي ، إذن ليست هذه الديمقراطية فأنت تعود وتقول أنا لا أقبل هذا ،ولكن هذا لا ينبغي طالما أنك ترفض أن يكون الحكم للشعب بإطلاق ، تقول { إن الحكم إلا لله } ولكن في المسائل التي لا نص فيها ، صار بأن هذا ليس الديمقراطية ، طالما أنك لا تقبل الحرية بإطلاق وإنما تقيدها بالأموار الشرعية فهذه ليست هي الديمقراطية ، طالما أنك ترى أن الشورى لها أهلها وليست المواطنة فقط تعطيه حق أن يكون من أهل الشورى ، فإين الديمقراطية وأين الإسلام .
فإذن هنا الدكتور عبد الرحمن البر ما زال يصر على أن هنالك مساحة مشتركة بين الإسلام والديمقراطية تجعله يقول نقبل الديمقراطية ، فلماذا نجعل الصدارة لكلمة الديمقراطية ولماذا لا نسميها الشورى ؟ ولماذا لا نقول عندما في الإسلام كذا وكذا وما وافقتونا فيه قبلناه ؟ فستكون الإجابة أن النظام المطبق نظام ديمقراطي وأننا لا نستطيع أن نصل إلى من خلال هذه المظلة .
إذن على الأقل يكون الكلام هكذا ، لا أن يقال أن الديمقراطية من الإسلام والدعوة إلى الديمقراطية والقبول بالديمقراطية ... إلى غير ذلك .
وهناك محكات ثابتة يختبر الديمقراطيون بها الإسلاميين ، يختبرون بها مدى ولاءهم ومدى صدقهم في الإيمان بالديمقراطية ، الآن صارت الديمقراطية لابد أن تؤمن بها إيماناًحقيقياً وإلا فلا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية .
إذا أفرزت الديمقراطية حكم غير شرعي ماذا أنت فاعل ؟
ويأتي أكثر الأمثلة إلحاحاً وحرجاً بالنسبة للإسلاميين ، إذا أفرزت الديمقراطية حاكم كافر وإذا أفرزت الديمقراطية حاكم امرأة ، وإذا أفرزت الديمقراطية موافقة شعبية على معاهدة السلام ؟
قضية الولاء والبراء ، وقضية أن تتكلم على اتجاه دعوي إسلامي أونحو ذلك ،وموقف الإسلاميين من قضايا المرأة ورؤيتهم بأن أحد أسباب فساد المجتمع فساد المرأة يجعل هذه القضايا قضايا لها حساسية بالغة .
ومع هذا لم يصمد الإسلاميون في الاختبار كثيراً ، وحصل أن تيار الإصلاحيين في الإخوان قالوا لو عرضت اتفاقيات السلام على استفتاء شعبي ووافق الشعب نقرها . إذن أنت تفقد دورك كموجه ومربي ودعاية تبين الحق ، أجاب من أجاب وتقاعص من تقاعص لأنك عندما تدخل الانتخابات ولو افترضنا أنك حصلت على الأغلبية تكون منقاد بالعامة والغوغاء ، تحاول أنت تبين لهم ، فإن كان هناك من استحوذ عليهم بشهوة أو بشبهة وصار رأي الأغلبية فيهم عمل شيء من ثوابت الاتجاهات الإسلامية ومن ثوابت جماعة الإسلام خاصة مناقدة اتفاقية السلام على طول الخط يقول حينئذ تكون معتمدة ، ولاية الكافر وذكرنا الحوار الذي دار فيها وولاية المرأة .
الدكتور عبد الرحمن البر لم يتعرض في هذه المحاضرة إلا لقضية المرأة وفي الواقع خرجها تخريج شرعي ، أو لم ينازع في عدم جواز ولاية المرأة ولكن قال أن مسألة أن المرأة تترشح وتكون عضوة في مجلس الشعب لا يتعارض مع النهي عن ولاية المرأة لأن مجلس الشعب عبارة عن وكالة لا ولاية .
وفي الواقع هذا تكييف فقهي غير منضبط ، لماذا ؟ لأن ما من ولاية إلا وهي وكالة من نوع خاص .
الإمام الأعظم نائب عن الأمة ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً عاماً فقال { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم } وقال { والزانية والزاني فاجلدوا } إذن الخطاب للأمة والإمام نائب عنها "
لأنه لابد من القدرة على الفعل ، وإنما القدر تأتي من قبل السلطان .
إذن ما من ولاية إلا وهي نوع وكالة ، تكون ولاية على أمر عام أو ولاية على بيت مال المسلمين أي يتصرف في بيت مال المسلمين وكالة عنهم ... وهكذا . فكل الولايات وكالة ، ولكن الوكالة الخاصة يجوز أن تتولاها المرأة ولا تتولى هذه الوكالة العامة لأن الوكالة العامة ولاية ، والولاية وكالة من نوع خاص .
فهنا وكأنه نوع من الخروج من الأزمة بدون مستند ، لأن ما يقال في عضوة مجلس الشعب يقال في الإمام الأعظم ، فلو كان هذا يخرج نائبة مجلس الشعب عن الولاية سيكون هو هو يخرج من تتولى الأمر العالم عن الولاية ويقال أنها وكالة ، بل هي وكالة وولاية في آن واحد .
ماذا يفعل عضو مجلس الشعب ؟ يراقب أداء الحكومة بناء على قناعته هو ، وليس بأنه يوكل بأن يؤدي شيء معين ، نعم انتخبه الناس ليكون ممثلاً عنهم ولكنه في النهاية هو الذي يراقب أداء الحكومة وهو الذي يدلي برأيه في الأصوات ،وهذا نوع المراقبة على الولاة .
ثم إن كل المبررات الشرعية التي منعت المرأة من التصدر العام أن التصدر العام يحتاج القيام بحقوق الناس ويحتاج التصدر ويحتاج البروز للناس ، وهذا كله ينافي طبيعة المرأة ، لماذا ننسى هنا التعليل ؟
أحياناً كثيرة تجد بعض الاتجاهات الإسلامية يبالغ في الكلام على التعليل ، عندما تقول له الحكم الشرعي كذا يقول انظر إلى العلة والحكمة أملاً في أن يستخدم التعليل في عدم الالتزام الحرفي بالحكم ، وأحياناً العكس بأن تجده في موطن آخر يغفل التعليل تماماً .
القضية ليست أنها لا تتولى بلا علة ، لا تتولى لأن الولاية بروز وظهور والأصل في المرأة القرار في البيت وأن المرأة لها حق الزوج وحق الولد... ونحو ذلك ، ولأن المرأة يعتريها من الأعذار ما يعتريها ... إلى غير ذلك .
فكيف يستدل بالرخصة في أن المرأة تخرج للبيع والشراء لحاجتها إلى أن تتحول أن تخرج إلى مؤتمرات انتخابية وهذا يقتضي خطابة وبروز ثم إنها تكون ممثلة عن الشعب فلتجعلها وكيلة عن الشعب ، تحتاج إلى أن يكون لها مكتب واثنان وثلاثة وخمسة وستة فتنتقل بين هذا وذاك وتكلم هذا وتكلم ذاك ، كل هذا ينافي طبيعة المرأة المأمورة بالقرار في البيت .
فإذن حتى لو نظرت من ناحية التعليل تجد أن الذي سماه الشيخ وكالة عامة وأنها وكالة وليست ولاية فيها مفاسد للولاية ولأن هذه ولاية والولاية نوع من أنواع الوكالة ولكن يكون الإنسان فيها مطالب بأن يؤدي هذه المصالح نيابة عن الأمة ، فوفق هذا التعريف لأداء عضو مجلس الشعب أو نحو ذلك أن يكون لابد أن يكون بارزاً للناس موجوداً معهم دائماً وتوجد أزمات وكوارث ولابد أن يكون موجودا ، كل هذا ينافي طبيعة المرأة تماماً .
ثم إنه دائماً عندما يتكلمون عن الديمقراطية يقيسونها بالشورى الإسلامية :
أين المرأة المسلمة وأين أفضل نساء المسلمات زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من ثقيفة بني ساعدة ، الحادثة الديمقراطية الأولى في تاريخ الإسلام على حد توصيف هؤلاء ، نعم كان لهم دور لا يتنافى مع طبيعتهم ، تعليم الدين وما وصل إليهم من الدين ، فهذا الأمر ليس له التزام وإنما يكون وفق الحاجة وليست أنه ولاية أو وكالة على حد تعبيرهم لأحداث لابد أن تتم في حينها وإنما طلب العلم يتم كما اتفق في الوقت الذي تكون مستعدة فيه أن تستقبل طلبة العلم وتعلم أوتخبرهم بما عندما من علم مع مراعاة الضوابط الشرعية خلاف الخروج للعامة ومخاطبة العامة وغشيان مجالس الرجال حتى لو كانوا من أخص أحوال الرجال .
أيضاً تكلم الشيخ هنا في معرض كلامه أو في معرض إجابته عن الشبهات على قضية الأحزاب .
في الواقع طبعاً تكلم الشيخ على عنوان المحاضة " الانتخابات شبهات وردود " وكان معظم الشبهات عن الشبهات التي يثيرها السلفيون على الإخوان في مدى مشروعة دخول الانتخاب ، لكن هناك شبهة واضح من صياغتها أنها كانت موجهة إلى العلمانيين الذين يثيرون مخاوف الناس من الإسلاميين في دخول الانتخابات من أنهم متى صاروا أغلبية سوف يلغون كل الأحزاب الأخرى لأنهم ينكرون الأحزاب ويرون أنها فرقة في الدين .
في الواقع أن إجابة الشيخ كانت أفضل كثيراً من إجابات الإصلاحيين الذيني يقولون أن كل اتجاه سواء يساري أو لبرالي له حقه في التعبير عن نفسه وفي سعيه إلى الحكم أو في غير ذلك ، لكن الشيخ قال أن هذا الموقف غير صحيح يقول لأننا نتكلم هنا عن أحزاب تكونت تحت مظلمة دستور ينص في مادة الثانية على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ومن ثم فكل هذه الأحزاب توافق على تطبيق الشريعة وإن كان كذلك فنحن لا ننكر عليها اختلافها فيما وراء ذلك من القضايا .
يوجد مادة في الدستور لكن يوجد أحزاب من أهم برامجها إلغاء هذه المادة ، وحتى الذي لا يتعرض لها فهل الأحزاب الاشتراكية واللبرالية تتفق على تطبيق الشريعة بكل برامجها المطروحة هذه ؟ ، في الواقع توصيف للواقع محاولة للقبول بالديمقراطية دون التنازل عن الثوابت الشرعية ، فصار هنا الحل هو توصيف الواقع توصيف مختلف في كل قضيةمن القضايا التي نتكلم فيها .
فالمرأة عندما تتشرح يقال نوافق على تشريحها لأن هذه وكالة لا ولاية ، وهذا توصيف غير صحيح للواقع لأنه كما ذكرنا بذلك تكون كل أنواع الولايات وكالات .
نأتي هنا للأحزاب فيقال أننا لا ننكر الأحزاب ولا نراها فرقة للدين طالما أن كلها متفقة على المادة الثانية من الدستور .
لو افترضنا جداً وأثناء فتح الامتحان الديمقراطي وانصار الديمقراطية يلحون في السؤال وراء الآخر ، البلاد التي ليست فيها هذه المادة في دستورها ، فمباذا يفتي الدكتور عبد الرحمن البر للإسلاميين فيها وماذا يكون موقفهم من الأحزاب الأخرى ؟
أيضاً هنا استدل الدكتور عبد الرحمن على ذلك بأن الدولة الإسلامية شهدت أحزاب في ثقيفة بني ساعدة ـ حزب المهاجرين وحزب الأنصار ـ وهذا ما كنا نود أن يتورط فيه الدكتور عبد الرحمن البر وفي أن يوصف هذه الحال بحالة الحزبية .
في الواقع لكي نفرق بين النظام الحزبي وبين الشورى الإسلامية ، وحتى لو افترضنا جدلاً ان هناك مجتمع إسلامي والشريعة مطبقة ونريد أن نضع آلية للشورى لا يجوز أن تكون الآلية بأن ينشأ كل جماعة حزب يتنافس مع الآخرين لأن هذا ينافي الوحدة الإسلامية وينافي قوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } ولأن كل حزب سوف يوالي داخل هذا الحزب ويعادي فيه ، ولكن المطلوب حينئذ في كل قضية تطرح من كان يرى رأيا عليه أن يبينه وينصح فيه وأن يقال حزب ويكون له آراء محددة من المفترض أنها قضايا شورى وليست قضايا فيها أحكام قطعية أو أحكام ثابتة ، فالامر لا يحتاج إلى إنشاء أحزاب وإنما إلى استشارة اهل العلم في كل باب من الأبواب ، مع أن يكون أهل العلم الشرعي حاضرين دائماً في كل الأمور كما ذكرنا لضبط الأمور الدنيوبة بالضوابط الشريعة ، فليست القضية تحتاج إلى أحزاب .
وكما أشرنا من قبل إذا أردنا أن نستشير في مجال الكهرباء والطاقة يأتي هذا الحزب ولا تجد فيه أي أحد يفهم في هذا الباب ، وهذا الحزب فيه واحد ولكن غير موجود ، فمن نستشير ، ويكون كل فريق يريد أن يحقق مكاسب حزبية ونحو ذلك .
الشورى الإسلامية تحقيق المصلحة بأقصر طريق وبلا تفريق للناس ، وإنما يجب على الإمام أن يستشير أهل الخبرة في هذا الباب ، وإذا كان هناك ضوابط شريعة يراعيها أهل العلم لدين الله تبارك وتعالى .
الذي حدث في ثقيفة بني ساعدة اختلاف في نصوص شرعية وفي بلوغ النصوص الشرعية للمهاجرين والأنصار والأمر لم يستغرق إلا هذه الجلسة خرج منها الجميع متفقون على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ، ولم يظل الأنصار حزب معارض ، فالمهاجرين صاروا هم حزب الأغلبية ومنهم الإمام ثم الأنصار يكونون هم حزب الأقلية ويحاولون أن يجيشوا الجيوش ويهيأون العدة لإعداد حملة إعلانية لمتلميع مرشع من جهتهم ، فهذا كلام غير صحيح بالمرة .
الديمقراطية كفكرة حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب فهذا أساس مناقض تماماً للإسلام .
الحزبية كإحدى أليات الديمقراطية أشد فساداً وإفساداً ونوع من النفعية لطبقة يسمون أنفسهم السياسيين يجتمعون ليتخذوا رؤية سياسية معينة ويكون دائماً عينهم على العامة الذين يعطونهم الأصوات .
فيأتي حزب يقول أن هناك عجز في موارد الدولة فنرفع الضرائب ، تجد الحزب المعارض بصورة مباشرة بدأ يقود حملة لأن هذا زيادة أعباء على المواطنين ونحو ذلك ، وكما يقولون دائماً معظم أحزاب المعارضة في الدولة الديمقراطية عندما تصل إلى الحاكم تفعل ما يفعله حزب الأغلبية .
القضية هنا أن الحزب الحاكم يكون موضوعي ومنطقي أكثر وأحزاب المعارضة تعارض من أجل المعارضة . هذا في أمريكا وأوروبا ، أما في دول العالم الثالث فالقضية لها حسابات أخرى تماماً .
فنحن هن نقيد الديمقراطية كما هي عند أهلها ، أحزاب تتناحر وتتنافس وتضيع المصالح التي هي مفترض ان يدافعوا عنها ، وهذا هو معنى الحزبية وهذا هو معنى وجود احزاب كل منهم يريد أن يصل إلى الحكم عبر أن يطرح السياسيات التي تروق للعامة ، حتى الحزب لم يطرح السياسات التي فيها المصلحة ، فحزب عنده خبراء ونحو ذلك وانتهى به الأمر إلى أمر معين والعامة ترفضه فيجد نفسه لابد أن يداعب العامة ودائماً تسمع في الانتخابات الأمريكية وغيرها من الذي سيفوز بأصوات الشواذ وبالتالي صار هناك في كل انتخابات حزب التنازلات حتى من سمونهم بالمحافظين لابد أن يظهر قدر من المرونة لأنه يجد الآخر يقول سوف نجعل الشواذ يدخلون الجيش ويفعلون ويفعلون ويتولون الوزارات فالآخر إذا كان محافظ يضطر أن يقول لن نتعض لهم ، فمن يفوز بأصوات المرأة ؟ ومن يفوز بأصوات السود ؟ ومن يفوز بأصوات المسلمين ؟ وطبعاً من يفوز بأصوات اليهود تكون قضية من الضرورات التي لا فكاك منها .
إذن لم يكن في الإسلام أحزاب وحادثة ثقيفة بني ساعدة انتهت بأن المناظرة الشريعة حسمت الأمر للمهاجرين ثم داخل المهاجرين طرح أكثر من إسم فطرح أبو بكر رضي الله عنه وكان طرح أبا عبيدة وعمر رضي الله عنها فحسم عمر القضية لصالح أفضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كل هذه مناظرات شرعية أو شورى داخلة انفضت بنافضاض هذا المجلس لم يعد هناك أغلبية ولا معارضة ولا أحزاب ولا نحو ذلك .
أيضاً يتعرض الشيخ لأكبر اعتراض يوجه من داخل الصف الإسلامي للإسلاميين الذين يخوضون الانتخابات وهي قضية التحالف مع الغير ، فقال الشيخ أن تحالف أكثر من فصيل إسلامي داخل انتخابات واحدة لا إشكال فيه وهذا لا إشكال فيه أيضاً ، قال : وأما التحالف مع غير الإسلاميين فهذا مما قد تحتمه الضرورة بشرط أن يكونوا ممن لا يعارضون بتطبيق الشريعة .
فالشيخ هنا يرى ابتداءاً القبول بوجود الأحزاب كوجود مقيد بقبولهم بتطبيق الشريعة وهذا حاصل كلامه ، ثم القبول بالدخول في أحلاف معهم مقيد بقبولهم بطبيق الشريعة ،وهو يرى ان هذا القيد موجود وبالتالي هم لا ينكرون وجود الأحزاب ولا يستنكف من التحالف معهم .
ونحن لدينا الآن يقولون أن مرشح حزب التجمع في دمياط نجح بدعم الإخوان ، فهل حزب التجمع الذي يرفض رئيسه لقاء وفد الإخوان ، وكان طوال عمره يفرض أي تحالف معارضة وينسحب منه احتجاجاً على أنه لا يقبل هؤلاء الذين يخالفون منهج حزبه ،منهج حزبه يرفض إدخال الدين في السياسة تماماً ، تحت ضغط الواقع اضطر للقبول ولكن ذهب وفد للإخوان في ترتيبات شورى 2010 إلى زيارة حزب التجمع ورفض رفعت السعيد أن يقابل ذلك الوفد وأصر على أنه يقول إن رغم قبوله بهذه الزيارة إلا أن ما زال مساحة الخلاف واسعة وكبيرة وفي قضية تطبيق الشريعة خاصة .
حزب الغد ـ أيمن نور ـ وتصريحه الدائم بأنه يريد أن يعود إلى الدستور العصر اللبرالي الذي كانت مادة الإسلام دين الدولة ، والنص على أن دين الدولة هو الإسلام وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي أحد مصادر أدلة الشريع ، فقال أن هذه كانت في الدستور وكان يريد عدم إعطاء صدارة لقضية المادة الثانية وأن الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، هنا في المادة الثانية تعطه قدر من الاعتراض ، فهو يعترض على ذلك ويكون النص على دين الدولة وليس المصدر ، النص على دين الدولة أن يكون هناك مادة متأخرة جداً من مواد الدستور بعد كل المواد التي تنص على حقوق المواطنة وعلى الحريات .
طبعاً البرامج السياسية للأحزاب واضحة ومعروفة والأمر لا يحتاج إلى كبير بحث لكي تعرف ما عليه هذه الأحزاب .
خلاص الأمر أن الدكتور عبد الرحمن البر حاول أن يجمل وجه المشاركة البرلمانية بالمخالفة في توصيف الواقع وفي توصيف ما هي الديمقراطية وفي توصيف واقع الأحزاب وفي توصيف واقع التحالفات التي تتم وهل فيها القيود التي ذكرها أم لا ، وفي توصيف دور المرأة في الانتخابات وهل هو ولاية أم وكالة .
طبعاً الاحتجاج الدائم بقضية حلف الفضول ، وأشرنا قبل هذا أنه يمكن بالفعل أن تتحالف مع الغير لتحقيق أهداف مشتركة يقرها الإسلام لتحقيق مصلحة للمسلمين ، وأما أن يكون هدف مشترك بينك وبين حزب علماني أن كل يأخذ حقه في الدعوة إلى منهجه وأن كل يأخذ حقه في بيان ما يريد للناس ، فإذن أنت تقر بحقه في إضلال الناس ، بل ومقتضى هذا الحلف الامتناع عن مهاجمته ، وكل يريد أن يأخذ حصة على حساب الحزب الحاكم ، وكأن القضية هنا صارت كما هو الحال في المعارضة ـ حكومة ومعارضة وليست حق وباطل ـ انت إذا كنت تريد أن ترفض العلمانية التي يطبقها الحزب الحاكم فمن باب أولى لابد أن ترفضها من أحزاب المعارضة ، فتوصيف ما يتم من تحالف بين الإسلاميين وبين غيرهم وأنه هدف مشترك ، فانظر إلى الهدف المشترك ، الهدف المشترك يقول الحرية للمتحالفين ، حرية التعبير عن الرأي وحرية الدعوة إليه وحرية نشره ومحاولة الوصول إلى الحكم وغير ذلك ، كل هذا عندنا تفصليه لحق كل فصيل من الفصيلين .
فحرية الإسلاميين في الدعوة إلى الإسلام وحرية الشيوعيين في الدعوة إلى الشيوعية والاشتراكيين في الدعوة إلى الاشتراكية واللبراليين في الدعوة إلى اللبرالية ،وأن يكون أمر حسن أن يصل الإسلاميين إلى قدر من الولاية وحصة داخل المجلس البرلماني على أنه قدر من الولاية فيكون أيضاً من المستحسن أن يصل الشيوعيين والاشتراكيين وغيرهم فهذا من التحالف الذي فيه مداهنة على الحق والذي فيه إقرار بالباطل وليس من التحالف الذي يكون على إقرار حق يقره الإسلام كأن يكون هذا الكافر يريد أن يمتنع من الظلم ، وهذا ضربنا له مسلم هنا لا يسعف المقام بتفصيله أن الكفار الذين تضامنوا مع قافلة غزة قالوا أنهم بحكم إنسانيتهم يرون أنه من الظلم أن يمنع هؤلاء البشر من الغذاء والدواء أو مما يحتاجو إليه فإذا انضم هؤلاء إلينا أن نمدح دينهم أو نثني على دينهم بل لا بأس أن نشكرهم على صنيعهم لكن لا نثني على منهجهم ، فهذا يكون حلف لرفع ظلم قائم أو لإيجاد حق مفقود ولكن أن يقال أنه يكون من مقتضى ذلك الحلف تمكين هؤلاء من نشر دينهم بين المسلمين أو الدعوة إليه . فهذا مما لا يجوز .
فالأحلاف التي تتم بين أحزاب المعارضة على أنه ينبغي أن تنال جميع حظوظها وحقها في إعلان برامجها واكتساب كوادرها .. إلى آخر هذا الكلام من المداهنة على دين الله تبارك وتعالى ومن الإعانة على نشر هذا الباطل وم التلبيس على عوام الناس كما ذكرنا .
فكان هذا تعرض لأهم ما ورد في هذه المحاضرة من ردود على الشبهات ، لم ترد في واقع الأمر عل الشبهات إلا بأمور ليست لها وجود حقيقي على أرض الواقع .
نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا إلى الحق فيما اختلفوا فيه بإذنه .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكن , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

روضة الحب
11-22-2010, 11:30 PM
اسال الله ان يجزيك خيرا ويجعله في ميزان حسناتك

nor el-din
11-23-2010, 10:03 AM
جزاك الله خيرا على هذا الجهد الطيب
ونرجوا تجميعها في ملف وورد
وفقكم الله

ابن قمر المصرى
11-25-2010, 12:45 AM
الشريط السادس عشر
إن الحمد لله نحمده وسنعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في الكلام على بحث السلفية ومناهج التغيير وانتهينا من الكلام على مناقشة من يرون سلوك الحل البرلماني ومن يرون حتمية المواجهة العسكرية .
والكلام اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى نشرع في الكلام على من يرى التركيز على العمل الفردي في الدعوة والتربية .
في الواقع هذا أيضاً موضوع متشعب له كثير من الفروع نتناول أولاً ما ورد في البحث بشأن مناقشة هذا الاتجاه ثم ننظر ماذا يمكن أن نزيده في مناقشة هؤلاء .
يقول : " يتبنى هذا المنهج بعض الدعاة الذي يرون أن الدور الأساسي للدعاة والعلماء هو إصلاح أفراد الأمة مع الاختلاف حول أوليات الإصلاح فالبعض يراه في إصلاح العقيدة ونشر العلم والبعض يراه في التربية على العبادة والذكر وفضائل الأعمال ، ويرون أن انتشار الأفراد الصالحون في مجتمع كفيل بإصلاحه تلقائياً "
فإذن نحن نتكلم عن الدعاة يرون أن إنتاج أفراد صالحين كاف في انتاج مجتمع صالح .
وي الواقع المسألة بين طرفين ووسط ، هناك من يرى أنه متى فرد على المجتمع نظاماً شرعياً من خلال الانتخابات أو من خلال حتى الأعمال العسكرية فإن هذا كاف في أن ينصلح أحوال الناس لأن الناس على دين ملوكهم . وهذا فيه اختزال للقضية .
وأيضاً هناك من يقول بل المجتمع ما هو إلا مجموعة أفراد إذا انصلح هؤلاء الأفراد انصلح حال المجتمع .
في الواقع أن الأمر يحتاج إلى الأمرين معاً ، ويمكن أن تضرب لذلك مثال بالبنيان المرصوص فلابد من لبنات صالحة ولابد من مواد لاصقة وتصميم وبناء في رص هذه اللبنات ، فمجرد وجود لبنات صالحة لا يساوي أن يكون عندك جدار وإذا أتيت بمواد البناء وشرعت تبني بلبنات فاسدة يساوي أنك تبني بناءاً هشاً لا يكاد يبنى كلما بنيت منه جزءاً تهدم قبل أن تبني الآخر .
وهذه هي القضية هنا وأنه لابد من إصلاح الأفراد ولابد من تطبيق التشريعات الجماعية التي تضمن وجود مجتمع صالح ،ومن نظر إلى دين الله تبارك وتعالى وجد ما يسميه العلماء بفروض الأعيان وفروض الكفايات وسنن الأعيان وسنن الكفايات ، بمعنى أن هناك أمور تدخل في نطاق التربية الفردية للأشخاص فتكون من باب أمور الأعيان ـ سواء كانت فروضاً أو مستحبات ـ يحتاجها الإنسان لكي يصير إنساناً صالحاً ، وهناك أمور يحتاجها المجتمع لكي يكون مجتمعاً صالحاً ، فهذه يسميها العلماء بفروض الكفايات أو باب المستحبات
هذه هي القضية المحورية وهي أن البعض يرى التركيز على الجانب الفردي . ربما يتفاوت أي فكر أو أي رؤيا ، ليس بالضرورة أن جميع من يراها على درجة واحدة فيها ، يعني هناك من يلحظ بعين الاعتبار فروض الكفايات ولكنه لا يقوم بالدور الكافي لإنجازها وإتمامها وهناك من لم يكاد يتلفت إلى فروض الكفايات وهناك من يصل إلى درجة أن أن يزهد الناس في إتمام فروض الكفايات ، فهناك درجات متفاوتة بين أصحاب هذا الاتجاه طالما أننا جعلنا أن الرباطة بينهن أنهم يركزون على الجوانب الفردية في التربية ولا يهتمون بالجوانب المجتمعية فإنه سوف يدخل تحت هذه التعريف أناس من أخلاط شتى متفاوتين في درجة استقطابهم ناحية الفردية ودرجة ابتعادهم عن تطبيق الفروض أو الشرائع المشروعة للأمة ككل من فروض الكفايات وسنن الكفايات .
أيضاً من باب آخر سوف تجد تفاوت كبير عند هؤلاء فيما هو مفهوم الفرد الصالح ، وإذا خرجت خارج نطاق من ينتسبون إلى المنهج السلفي في الجملة لأن بعض من يرى العمل الفردي ينتسب إلى المنهج السلبي في عقيدته وفي مراعاته للدليل فيما يتكلم في مسائل الفقه والأخلاق وغيرها ولكنه في هذا الجانب يركز على الجانب الفردي .
لكن أيضاً لو وسعت نطاق البحث ستجد أن هناك من ينتمي إلى المدرسة العقلانية الحديثة ، بعض الدعاة الجدد ـ كما يسمونه الناس كذلك ـ له رؤيا في إصلاح الأفراد يطبقها ، وهذا التطبيق يثمر بعض الفوائد ، وقد ينخضع الناس به ويظنون أن هذا هو غاية المراد ، بعض الدعاة يتكلم على الأخلاق وربما يستطيع أن يغزوا مجتمعات كالنوادي وغيرها ويصل إلى شباب مغيب تمامًا عن قضية الإسلام ، فيوجد هذا القدر من العاطفة الإسلامية وقدر من الإلتزام ببعض الآداب الإسلامية والأخلاق الإسلامية ، ويكون هذا القدر من الخير ولابد من الفرح به ولكن المشكلة أن يظن صاحب هذا المنهج أن منهجه صحيح مائة في المائة ومتكامل وأنه مجدد هذه الأمة ، تجد الأعداء يلتقطون الخيط مباشرةً ويحاولون أن يصنعوا هالة إعلامية حول من يكون هذا منهجه بحيث أنهم يقولون أنه من أكثر الشخصيات تأثيراً أو نحو ذلك لمحاولة تكريس لدى العامة وأنه إن كان لابد من تدين فليكن تدين على طريقة فلان ، وهذا يحدث حتى داخل الصف السلفي ، وللأسف قد تجد ظروف معينة تنسج لكي يكون إن كان لابد من سلفية فتكون بالطريقة الفلانية ، وذكرن قبل ذلك أن قاعدة المصالح والمفاسد قاعدة فطرية قبل أن تكون قاعدة شرعية وكل الناس يبطقونها ، فماذا يريد الأعداء من المسلمين ؟ { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ولكن هل هم يطالبون كل الأمة بهذه الغايات ؟ يكونون في غاية الغباء إذا فعلوا هذا ، ولكن إن كان ولابد من البقاء في الإسلام فليكن مع الجهل به ومع ارتكاب الكبائر والمحرمات وعدم معرفة شيء عن دين الله تبارك وتعالى ، وإن كان ولابد من عاطفة دينية فلتكن عاطفة دينية مستوعبة تماماً في نطاق الخرافة أو نحو ذلك كتدين الصوفية أو نحوهم ، وإن كان ولابد من درجة من التعقل والتبصر فليكن على طريقة من يرى أن جوهر الإسلام هو إلتزام بالأخلاق والمعاملات لاسيما القدر المتفق عليه بين البشر في الأخلاق من الصدق والأمانة ونحو ذلك ، وإن كان ولابد عمل من أجل دين الله تبارك وتعالى واهتماما بقضايا الأمة فليكن من خلال القبول بالمبادئ الغربية والضغط على من يعمل في ذلك لكي يقبل هذه المبادئ ويعمل بها ، وإن كان ولابد من درجة أعلى من الحب في دين الله ودرجة أعلى من طلب العلم ودرجة أعلى من طلب الدليل فليكن من خلال دعاة يشبعون هذا الجانب ولكنهم في ذات الوقت يغفلون بعض الجوانب التي تعطي للدعوة الإسلامية حيويتها وتجعلها قادرة على إنتاج النموذج الذي ينتشر بسرعة ويحقق التغيير المنشود في الأفراد والمجتمعات بالدرجة الكافية .
فإذن دائماً الأعداء حاضرون ، وكما ذكرنا أيضاً في مناسبة سابقة أن الأعداء هؤلاء يشملون إبليس عليه لعنة الله وجنوده ، وبالتالي الأعداء كثر ، وكل له اسلوبه في محاولة استثمار كل حدث وليس صنعه ، ليس بالضرورة أن الأعداء يصنعون الأحداث أو أن أنهم هم الذين يوحون إلى هؤلاء الدعاة بمناهجهم ولكن يستثمرون الأحداث ويتابعونها ويحاولون إيجاد المسارات الملائمة لما يريدون ، إذا كان الآن يأتي سيل منهمر وأنت تريد له أن يمر في أرض دون أخرى فتسارع بأن تحفر له الطريق لكي يمر يف المسار الذي تريده ، فهم يرقبون المظاهر في مهدها ويحاولون توجيهها التوجيه الملائم .
مما يستوجب درجة عالية جداً من درجات البصيرة والتوازن بين حسن الظن وبين البصيرة في دين الله تبارك وتعالى ـ فالبعض أحياناً يقولون حسن الظن في كل شيء ـ وحسن الظن لا إشكال فيه ولا نقول نتهم نوايا العباد ، ولكن في ذات الوقت عليك أن تعرف أن الشياطين من حولك ومن حول غيرك يحاولون أن يوجهوا تيار الصحوة الإسلامية ويحاولون أن يوجهوا كل تيار من تيارات في أهون مساراته بالنسبة لهم ، أنت على أن تحدد مسارك وفق الكتاب والسنة ، لو افترضنا جدلاً ان الله تبارك وتعالى استعمله في نصرة دينه فصاروا يقتنعون أن المسار الأمثل بالنسبة لهم هو المسار الموافق للكتاب والسنة لا بأس .
إذن كلام الأعداء مدحاً أن ذماً لا ينبغي أن يكون مؤثراً ، لأن البعض أحيناً إذا مدحه الأعداء يكون هذا دليل على أنهم يريدوننا أن نقع في هذا الشرك ، فإذا مدحوا سلكون معين أو فكر معين أو داعية معين فلا يلزم من ترك هذا كله .
والبعض يعتبر العكس تمامًا وهو أن الحق ما شهدت به الأعداء ، وبالعكس أن البعض يعتبر أن ذم الأعداء لفكر معين أو لعمل معين دليل على أنه يزعجهم ويرقهم ،والبعض يعتبر العكس .
القضية أننا لا نستقي مناهجنا من عند أعدائنا ، فلا نعطيهم أي فرصة لتوجيهنا لا بأسلوب المدح أو الذم ولا بأسلوب الترغيب ولا بأسلوب الترهيب ، نحن نحدد مسارنا فإن وجدنا أن العدو قد استعمله الله في أن يساعدنا في هذا المسار ويتوهم أن هذا الأمر حسن كما يحصل أحياناً في كثير من الأحيان تجد أن الخصوم يقولون لو وجد من يدعون إلى طلب العلم فليكن استيعاباً لطاقة الشباب أولى من أن ينفجروا ، هل نترك نحن هذا الخيار من أجل أن الخصم يراه ملائماً له ؟ بل هذا من فضل الله وهذا من رحمة الله .
إذن لابد أن تكون معايرنا نابعة من عندنا نحن ، لا نسمح للآخر أن يحدد مسارنا بأي اسلوب ، وأي تصرف من خصم من الكفار الذين يوعدون دين الله تبارك وتعالى بل ومن العلمانيين الذين يعادون الدعوة الإسلامية حتى وإن كانوا منتسبين للإسلام طالما أنه خصم للدعوة الإسلام فلا تحمل فعله إلا على التهمة ولكن في المقابل عليك أن تقيس أمورك بما يوافق الكتاب والسنة .
فإذن لدينا قطاع عريض جداً من الأفكار والمناهج التي يمكن أن تصنف حت هذا الاتجاه ، وأنهم يرون الاتجاه الفردي في الدعوة والتربية .
ثم تجد كل واحد منهم عنده مفهوم معين من التربية ، فهذا يركز على جانب الأخلاق والآخر يركز على جانب العقيدة والثالث يركز على جانب الفقه ... ونحو ذلك .
فإذن الصحيح في ذلك أن يكون هناك اهتماما بالأفراد بطريقة متوازنة متكاملة ثم أن يكون هناك اهتمام بأن يكون هؤلاء الأفراد يقومون بواجبات المناطة بالأمة ككل .
لكن كما أن الذين يهتمون بالجوانب الفردية يغفلون عن أهمية الجوانب الجماعية قد يغفلون داخل هذه الجوانب الفردية عن التكامل فيها فلا تخرج شخصية متكاملة . كما ذكرنا بعض من يسميهم الناس بالدعاة الجدد لا يمكن أن يخرج شخصية متكاملة مطلقاً ، بل يخرج شخصية يؤدي الصلاة أو الفرائض ويمتنع من المحرمات الكبرى المشهورة المتواترة وعنده درجة ما من درجات حسن الخلق ، ولكن تجد عنده منكرات وانخراط في الأغاني وفي الموسيقى وفي مشاهدة الأفلام والمسلسلات وتضييع الأوقات في الملاهي والمتنزهات وعدم وضوح العقيدة وعدم معرفة عقائد الولاء والبراء وعدم معرفة الحكم بما أنزل الله ويجهل الكثير من أصول الإيمان الستة ، وهذا يعتبر عند الناس منهج إصلاحي ولكنه منهج غير أنه فردي بل داخل النطاق الفردي منهج مبتور .
أيضاً مما ينبغي الانتباه لديه هنا أنه ماذا تعني كلمة سلفي .
فنحن نتكلم هنا عموماً عن مناهج الإصلاح ومنها مناهج موسومة بأنها سلفية ، أحياناً يكون الناس يسمون اتجاه ما بأنه اتجاه سلفي بناء على وجود سمات عامة مثل الاهتمام بطلب العلم أو مثل الاهتمام بالهدي الظاهر مثل اللحية والقميص والنقاب للنساء ونحو ذلك ، رغم أن بعض من تكون عنده هذه السمات يكون عنده خلل واضح داخل التربية الفردية ذاتها وليس التربية الجماعية فحسب .
خلل واضح داخل التربية الفردية كأن يوجد تهميش لجانب العقيدة ، كيف يمكن أن يوصف اتجاه ما بأنه اتجاه سلفي مع وجود تهميش كبير لقضايا العقيدة وهي تحتل جزء كبير جداً من الأهمية في هذا المنهج ؟
كأن يوجد اهتمام بدراسة الفقه ولكن بطريقة مذهبية فيها درجة عالية من درجات التقليد المرفوضة لدى السلفيين وفي الناهية السمت العام في درجة من الإلتزام بدين الله تبارك وتعالى
فلابد أيضاً من التركيز في هذه الجوانب كلها .
ولكن على كل حال كنوع من الاستعراض العام نقول : أن هناك بعض الدعاة يرون أن الدور الأساسي للدعاة والعلماء هو إصلاح أفراد الأمة داخل من يرون هذه الرؤيا تختلف نظراتهم في مسألة ما هو معيار الإصلاح الفردي في حد ذاته ، ثم يقول : ومن بين أصحاب هذا المنهج من لا يرون مشروعية العمل الجماعي ، أو على الأقل يحصرونه في صور محدودة لا يتعداها ، ويرون أن مدار الجماعات الإسلامية خاصة الحزبية والتعصب وكونها مستهدفة من الحكومات العلمانية أكثر من مناففه .
إذن معظم هؤلاء ينكرون العمل الجماعي على حجج مختلفة قد نتعرض لبعضها تفصيلياً ، ولكن البعض يقول أنها بدعة ابتداءاً والبعض يقول أن مفاسده أعظم وعلى رأس هذه المفاسد الحزبية .
ونحن نود ان نشير إلى أنه قد سبق أن تكلمنا عن هذا بالتفصيل في الكلام على العمل الجماعي أن العمل العمل الجماعي يقاوم الحزبية لا العكس ، لأن الفرد الذي ينتمي إلى مجموع يذوب ولاؤه في المجموع وبالتالي ينقلب ولاؤه للمنهج لا للشخص ،وراد أن يحصل تعصب للمنهج ولو أن هذا المنهج موافق للكتاب والسنة لكان التعصب له مطلوباً ولكن قد يحدث غلو فيجعل الأشياء التي يسوغ فيها الخلاف غير سائغة ونحو ذلك من مظاهر التعصب التي ينبغي إزالته ، ولكن العمل الفردي يوجد درجة حزبية أشد لأنه حزبية للأشخاص ، العمل الجماعي يذيب الولاء للأشخاص ويجعل الولاء للمنهج بدلاً من الولاء للأشخاص .
وهناك تجارب ربما يقع بعض الدعاة الذين لهم محبة في قلوب الناس ونحن نحب كل من يساهم في نشر الخير ونشر الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ويزداد هذا الحب كلما كان هذا الشخص أقرب إلى منهج السلف ، ولكن يوجد كما ذكرنا من الأتباع أن درجة الحب تصل إلى التعصب .
مقتضى الحب أنه متى أخطأ أن تنصحه وإذا كان الخطأ على الملأ فمقدار الحب للملأ للأمة ككل أن تنصح للأمة ككل وليس أن تنصح لشخص دون آخر ، البعض أحياناً تقعد قواعد من عند نفسه أو يخطأ في تطبيق بعض القواعد .
كنموذج : مسألة أن النصيحة تكون في السر .
يأتون إلى الكلام على أن المعاصي الشخصية التي يفعلها الإنسان مستتراً بها ، فلو أنت وجدت إنسان مسلم زل زلة فإذا كنت أنت حريص عليه فلا تفضحه ، وإذا كان النصيحة فالنصيحة ان تتحرى ألا تعلم من لا يعلم حاله فتنصح هذا سراً ، وأما أن يأتي إنسان فيخطأ في أمر شرعي على ملأ من الناس ثم تقول أن حقه عليك أن تنصحه سراً ؟ وماذا عن حق هؤلاء الناس ؟ لاسيما إذا علمت أن هذا المنصوح سوف يكون أمامه فرصة طويلة إلى أن يفكر في كلامك وقد يتراجع وقد لا يتراجع ، وبالتالي لابد حينئذ أن تنصح من سمع كلامه لاسيما إن كان متبوعاً .
انظر مثلاً إلا كلام ابن عباس رضي الله عنهما في نكاح المتعة ، بالغ الصحابة في الإنكار عليه إنكاراً شديداً حتى قال ابن الزبير رضي الله عنه : " جرب بنفسك ولأرجمنك بأحجارك "، وابن عباس له من العلم والفضل ، لأن البعض أحياناً نتكلم على فضائل إنسان فيعطيه حصانة من أمور لم يعطى مثلها للصحابة رضي الله عنهم ، فحين يتكلم على خطيب أو واعظ له مكانة حسنة عند الناس فهذا حسن ولكن هنا الصحابة رضي الله عنه ومع مكانة ابن عباس رضي الله عنه في العلم ومكانته في النسب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الإنكار جاء شديدا وعلى الملأ ، حتى لا يأتي أحد ويفعل هذه المعصية ويقول هذه فتوى ابن عباس ، فبفضل الله تبارك وتعالى حصل الإجماع على حرمة نكاح المتعة بعد موت ابن عباس رضي الله عنهما أو تراجع هو نفسه في آخر حياته ، فهل كان من المفترض أن ينتظر الصحابة بأن ينصحوه سراً إلى أن يتراجع هو في آخر حياته بعد أن تكون التفوى قد ملأت الآفاق ؟!
هذه هي آثار الحزبية التي توجد عند من يذوب في شخص ما ، فإذا أخطأ وجئت تنكر عليه فلو وجد أن الخطأ لا يقبل الدفاع تجد أحياناً تأويلات بعيدة حتى ولو تأولتها للمخطأ لم يفهم الناس هذا الذي يتأوله هذا المتأول ، فيأتي إنسان يقول بملء فيه ويقسم بأغلظ الأيمان أنه لا يخشى في الله لومة لائم كلام خطأ أنت تنكره عليه ، فيأت من يقول لعله أن يكون مضطرا ، فأين القرينة؟ فضلاً أن باب الاضطرار في باب البلاغ الذي يترتب عليه إضلال الخلق ليس فيه إكراه ، فالإنسان يمكن أن يعطي كلمة يفدي فيها نفسه لمن يطلبه بالسيف ، مثل إنسان يؤذي آخر لكي يقول له كلمة ترضيه فهذا لا يمكن أن يحتج بها عند الله لأنه أخذها بتهديد السيف ، فأنت لم تضله حينئذ ، وأما أن تأتي أمام الخلق جميعاً وتقول خوفاً من بطش باطش . الحقيقة الإنسان لا يجوز له أن يهتك عرض غيره إذا كان سيقتل ، لأنه لا يفدي نفسه بعرض أخيه ، كذا هنا لا يفدي نفسه بدين أخيه ، إذا افترضنا أن هناك إكراه وإذا وجد إكراه سيكون له دلائل ، فالإنسان يكون في غاية الأريحية ويقال إكراه ، ثم إنك لو تأولت هذا في حق إنسان ما إحساناً للظن به ألا يكون من المناسب هنا أن تنكر ومن المفترض في هذه الحالة أن يكون هو في غاية الرغبة في أن يوجد من ينكر نيابة عنه طالما أنه اضطر إلى أن يقول الباطل ، فإذن لا يمكن لأحد أن يأتي يدافع عن داعية يحبه أن عن شيخ يحبه بدعوى لعله أن يكون مكرهاً ، لو افترضنا هذا الاحتمال لكان الواجب ابتداءاً شرعاً هو الإنكار ولكان الواجب في هذه الحالة خاصة هو مزيد من الإنكار ولكان ينبغي على هذا الداعية وعلى كل من يحبه أن ينصح متى استطاع إلى ذلك سبيلاً وينصح الخلق أن يبالغوا في الإنكار عليه فينجوا هو من جهة ولا يضل الخلق من جهة أخرى .
نماذج من الحزبية الشدية وهذه متوقعة طالما كان هناك درجة من درجات الانبهار بشخص ما والذوبان في فلكه ونحو ذلك .
كما ذكرنا أن أبرز ما يحتجون به على عدم مشروعية العمل الجماعي مسألة الحزبية ومسألة أن العمل الجماعي مستهدف ، وفي الواقع أيضاً التجربة أثبتت أن الاستهداف لا يقتصر على العمل الجماعي وأن هناك موازين للقضية ، والموازين متعددة ، ولكن هناك فرق وهو أن العمل الفردي مهما تتضخك فإيقافه في غاية السهولة طالما أن محور العمل شخصية فإذا أوقفت هذه الشخصية وقف العمل ، ناهيك عن الواسئل الإلكترونية الحديثة كالفضائيات وغيره ، وهي بلا شك أبواب من أبواب الدعوة لابد من استثمارها ولكن لابد أن يكون هناك من ضوابط ومحاذير .
الأمر الأول : أنه لا ينبغي لا في هذه الوسائل ولا في غيرها مهما ظننا فيها من الخير أن نقدم أي تنازل ثمنًا للتواجد في هذه المساحة
الأمر الآخر : ألا نضطر ويقول الداعي مثلاً وهو يأتي إلى المسجد فيحضر له خمسة أو عشرة أو مائة أو ألف أو ألفين وأما القنوات الفضائية مشاهدوها بالملايين في القارات الست ، فإذن لنذهب إلى حيث الخير الأنفع .
هذه قضية بصفة عامة وأن الإنسان يحسن توظيف وقته وأنه إن كان يريد أن يبذل لدين الله تبارك وتعالى فليبحث عن أرجى الأعمال ، وهذا أمر لا غبار عليه إطلاقاً ، ولكن القضية ما هو الأرجى .
نعم قد يكون مشاهدي القنوات الفضائية بالملايين وفي القارات الست ولكن معظمهم بضغطة واحدة على ذر يأتي بقنوات الرقص والغناء ، فإذا كان بدلاً ان يكون كل استماعه إلى هذا الباطل يكون جزء من استماعه إلى الحق وهذه فيها مصلحة ، ولكن لا ينبغي تضخيمها أكثر من اللازم ، بلا شك أن الدعوة لابد فيها من التربية المباشرة ولابد من الاهتمام بمن يجعلون من ينتجون في حقل الدعوة لا بمن يستهلكون .
عامة مشاهدي الفضائيات مشتهلكون ، ونحن نريد أن نصل إليهم ونصل إلى غيرهم ، ولكن أنت الآن في مرحلة الأمة فيها في حاجة إلى جهود جبارة في كل الجوانب ـ جوانب تصحيح العقيدة وجوانب مجاهدة التنصير ومجاهدة التشيع ومجاهدة الدعوة إلى العلمانية والديمقراطية والدعوات التي تنتشر بين الناس وتصحيح العبادة وتصحيح المعاملة والكلام على الشبهات التشريعية والتشريعات المتلاحقة ـ فإذا كان يوجد عدد محدود من العاملين في الحقل الإسلامي سوف يوجهون جهودهم إلى شريحة عريضة من المستهلكين يوشك هؤلاء الدعاة أن يستهلكوا ولا يجد هؤلاء المستهلكون من يعطيهم شيئاً ، وبالتالي لابد أن يتوجه المجهود الأكبر إلى إفراز منتجين وإلى إفراز أفراد لديهم استعداد لطلب العلم وتعليمه .
أذا اختزلنا المسألة من باب التقريب : إذا كان داعية واحد سوف يستغرق مع هؤلاء المستهلكين ثم إذا مات انتهت القضية فلو أعطى ثلاثة أرباع وقته لإنتاج اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة مثله بحسب ما يمن الله عليه من طلب العلم وربع الوقت لهؤلاء المستهلكين لكان هذا إنصافاً ، لأن القضية تحتاج إلى جهود عظيمة كثيرة في أن يخرج من هم قادرين على تحمل المسئولية ومن هم قادرين على السد في هذه الثغرات لا المستهلكين لاسيما أن معظم هؤلاء المستهلكون يكون استجابتهم العملية بطيئة ، ولو كانت الاستجابة العملية عالية في النهاية لن يتحول إطلاقاً من خلال القنوات الفضائية إلى شخص منتج وإنما لا يتحول إلا من داخل المسجد .
لماذا نذكر هذا الكلام ؟
ليس تزهيداً في هذا الجانب ولكن وضعه في حجمه الطبيعي بحيث يحدث التكامل في نظرة من يقيمون الأمور بأن هناك أهمية كبرى لأن تستمر الجهود والتربية والشاملة التي تفرز من يعتنون بالعمل من أجل دين الله تبارك وتعالى ومن يتعلمون دين الله تبارك وتعالى ومن يقومون بأمر دين الله عز وجل .
أما من حثية الاستهداف فالكل مستهدف بدرجة ما ، بيد أن العمل الفردي متى استهدف أمكن القضاء عليه تقريباً والعمل الجماعي متى استهدف قدر يضعف ولكنه غالباً ما يعود أقوى مما كان لوجود روح العمل وروح الإنتاج وروح الإفراز للأفراد الجدد القادرين على تحمل المسئولية .
هذا خلاصة العرض السريع لهذا المنهج .
يقول : " ولقد حقق هذا النهج بعض الإيجابيات منها :
إيجاد أفراد ملتزمين
ونشر العلم ومبادئ الإسلام وأحكامه بين قطاعات من الأمة
وأيضاً التركيز على عدد محدود من الأفراد يمكن إعدادهم إعداداً جيداً من خلال المعاشرة الطويلة والمتابعة المستمرة "
وهذا البحث كان في وقت كان النموذج الأمثل للعمل الفردي هو مسجد ، وكان تجد أن الشيخ الذي يميل إلى العمل الفردي يكون له مسجد يلتزم به فهو الذي يأم الصلاة وهو الذي يعطي الخطبة والجميع مستمعون ، الآن صارت الصورة بأن أكثر من يتبنى هذا النهج تحول إلى القنوات الفضائية على اعتبار أنه لم يخسر شيء ، المسجد بالنسبة له كما لو كان هناك جاجز بن المنضدة التي يجلس عليها وبين الناس لا يختلف عن جاجز الهواء التي بين المنضدة التي يجلس عليها في القناة الفضائية وبين الناس ، وبالتالي وجد أن هذا أفضل .
ولكن بلا شك أن حتى العمل الفردي داخل المساجد كان هناك قدر من المعاشرة تجعل أن الجزء الذي يركز عليه في دعوته تجده بارزاً في أتباعه .
ربما الآن في القنوات الفضائية الأمر ليس كذلك أصلاً ، يعني حتى محبي الشيخ فلان لا تجد عندهم أي بصمة من بصماته إلا الحب والاستماع له ، قديماً إذا كانوا في المساجد إذا كان هناك شيخ يميل إلى العمل الفردي فكان البد أن يؤثر في أتباعه فإذا كان هو يجيد الوعظ تجد أن مسجده مليء بمن يجيد الوعظ . نعم لا يكادون يفعلون شيء في ظل وجود الشيخ ولكن يحبون هذا الجانب ويتقنونه ، إن كان يجيد جانب من أبواب العلم تجدهم يحبون هذا الجانب ويتقنونه ، وإن كان يحبون باب من أبواب العلم تجد أن الطلاب يتقنون هذا الباب ونحو ذلك .
وكان أحياناً تكون هذه الصورة صورة مبهرة ، أن يكون مثلاً متقن للقرآن فتجد كل من في المسجد يحفظ القرآن حفظاً جيداً وهذا بلا شك جانب عظيم جداً ولكن يكون هذه الجوانب من جوانب الإبهار قد تخفي غيرها من جوانب العور ، وبالنسبة لقضية القرآن خاصة لأن القرآن له شرفه المعروف ولكن مع هذا استغراق جهد الملتزم بعد إذ بلغ في حفظ القرآن وفقط تضييع لمعاني شرعية .
لو أننا الآن نملك أمورنا ونستطيع أن نكرس فطرة الطفولة في حفظ القرآن لكان هذا من أفضل ما تسديه إلى أطفال المسلمين الصغار ، ولكن عندما يأتي شخص بالغ يدخل المسجد ثم تقول له لابد من حفظ القرآن أولاً وتحفظ حفص ثم تدخل على باقي القراءات ، فهذا فيه تغيير في الأوضاع الشرعية لأنه يجب عليه أن يعرف عقيدته ويجب أن يحفظ من القرآن الفاتحة ، لكن يجب عليه أن يعرف عقيدته قبل أن يحفظ من القرآن ما زاد على ذلك ، وطبعاً لا نعني من ذلك أن يعرف عن أهل البدع والرد عليهم ولكن يحتاج قدر من العقيدة يعرفه وقدر من العبادة ولا ينبغي أن ينشغل بحفظ القرآن فقط وهو لا يحسن أن يصلي .
لو أنه يمكن تعليمه الصلاة من خلال التلقين وأن يرى جميع الناس يصلون صلاة صحيحة منضبطة لا بأس ، ولكن هذا غالباً لا يتم .
إذن لابد من التوازن في هذه الجوانب كلها حتى أفضل هذه الجوانب وأشرفها وهو حفظ القرآن .
يقول : " وكان الابعتاد عن الأحداث السياسية المعاصرة حتى بمجرد التعليق أثره الواضع في توفير قدر كبير من الحماية ضد ضربات الأعداء "
في الواقع هذه قضية أيضاً من القضايا الشائكة ، فماذا نختار في جانب التعليق على الأحداث التي يسميها الناس الأحداث السياسية ؟ ، نعن نقول أن واجب الدعاة إلى الله تبارك وتعالى توضيح الأحكام الشرعية وأنه ليس من الحكمة أن تبدأ وتعيد في مخاطبة الناس بما لا يقدرون عليه وبالتالي الطنطنة والدندنة الكثيرة حول تتبع آحاد التصرفات للساسة أو غيرهم مع تضييع أوقات خطبة الجمعة ودروس العلم وتحويلها إلى نشرة تفصيلية إلى تصرفات الساسة ونحوهم أمر يضيع أوقات العباد ولا ينفعهم في شيء ، لكن في ذات الوقت التشريعات في مجال الأسرة تشريعات رفع سن الزواج وتقييد سن الزواج ومنع الختان وكل ما يتم في هذه الجوانب أمور شرعية لا يسع أن تسكت عليها بدعوى عدم الكلام في السياسة ، بالعكس بل هذه التصرفات الشرعية لابد من بيان الحكم الشرعي فيها ، البعض يختار طريق التهييج وتتبع التفاصيل والجزئيات لأن هذا يكون فرع على اختياره للحل البرلماني ، وإذا كان هو اختار الحل البرلماني فلابد ان يكون لو معارضة فعالة ، والمعارضة الفعالة لابد أن تهييج الناس على الأغلبية .
ونحن ليس نرفض هذا المسلك ليس من باب احترام حكم الأغلبية لأننا لا نحترم الديمقراطية أصلاً ، ولكن من باب أن هذا تضييع لأعمال الناس فيما لا يفيد ، ولكن في المقابل لابد من نصيحة الناس فيما يتعرضون له من أمور ، حتى إذا ما سن قانون مخالف للشرع لابد من بيان مخالفته ونصيحة الناس ألا يتلزموا به ، الآن للأسف أن الكنيسة تسقط القانون وأسقطته بالضربة القاضية كما يقولون ، مع أن موقفهم في غاية الضعف من الناحية القانونية في موضوع الأحوال الشخصية للنصارى ، ولكن سبحان الله !! يمنع المسملين من اتخاذ موقف كهذا لا على المستوى الرسمي ولا غير الرسمي ، يعني هم يقولون أن القانون فرض عليهم شيء مخالف لشريعتهم فلن يقبلوه بأي صورة من الصور ومصرين على أنه ينبغي أن يتغير القانون ، وطبعاً الموضوع له فروع كثيرة جداً أهمهما أنهم لا يوجد عندهم شريعة ، فهم يعترفون أن الإنجيل حكم ومواعظ ، وهو بالفعل كان إنجيل عيسى عليه السلام ، فعيسى عليه السلام كان حاكماً بشريعة موسى عليه السلام ، لكن قضية الطلاق خصوصاً مما أحدثوه وبدلوه ونسبوا إلى عيسى عليه السلام مع أن عندهم أنه يقول : " ما جئت لأنقض الناموس ولكن لأتممه " ، ينسبون إليه بعض نواقض ومخالفات لشريعة موسى عليه السلام ، العجيب أنهم يذمون المسلمين بأنهم يقولون بالنسخ ، وهم يقولون بالنسخ ولكن لا يسمون هذا نسخاً ، القضية ليست في الاصطلاح ، فهو نسخ تمامًا ، ولذلك ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال : " من أجل غلظة قلوبكم قال لكم موسى من طلق امرأته فليعطها كتاباً وأما أنا فأقول لكم من طلق امرأته لغير علة الزنا فهو زان " فإذن هم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه حرم الطلاق إلا لعلة الزنا ، طبعاً المفترض أن يطالبوا بأن يحلو إشكالية موقفهم من النسخ وموقفهم من هذا النص ، فإما أن يقولوا بالنسخ وإما أن يتعرفوا أن هذا النص مقحم ، في الواقع معظم كنائسهم اضطرت فعلاً .
تخيل مدى الضرر البالغ الذي يقع نتيجة تحريم الطلاق ، إذا كان الرجل رزق بزوجة عقيمة وهو يستطيع أن ينجب وهذا كان وقع للملك هنري الثامن في انجلترا فاضطر يغير مذهبه من الكاثوليكية إلى البرتستاتينية لكي يستطيع أن يطلق ، إذا كان امرأته أصابها جنون أو مرض نفسي وعقلي ، فعنده لا يجوز الطلاق وأن طالما امرأته على قيد الحياة فهو متزوج ، والمرأة التي زوجها عنين أو غائب مفقود طالما أن زوجها لم تعلم وفاته فهي متزوجة ولا يجوز لها أن تطلق فضلاً أن تزوج ثانية ، ثم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال لهم : " ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان " ، طيب دعك من هذا : الزواج الموجود في شريعة موسى عليه السلام أن يتم بإرادة الزوجين على يد كاهن على ما يزعمون بأنه لابد يتمم مراسمه رجل دين ، الطلاق في شريعة موسى شرعه الله إذا أراد الزوج أو إذا طلبت الزوجة أو إذا كان هناك سبب سيتوجب لها الطلاق ويتم على يد رجل دين أيضاً ، لماذا ينسب الزواج إلى الله والطلاق إلى الإنسان ؟ فإما أن تنسب الاثنين إلى الله من باب التشريع وإما أن تنسب الإثنين من باب أنه رغب فيهم ، فكيف يمكن لعيسى عليه السلام أن يأتي بهذا النص العجيب الذي لا شك أن قائله لا يدري ماذا يقول ، يقول أن علة تحريم الطلاق أن ما جمعه الله لا يجوز أن يفرقه الإنسان ، النص نفسه يعترف بأنه كان يوجد طلاق في شريعة موسى عليه السلام ، فهل كان الزواج في شريعة موسى عليه السلام من جمع الله أم من جمع الإنسان ، والطلاق الذي كان يتم كان من تفريق الله أم من تفريق الإنسان ؟ ، هل هذه القاعدة العجيبة منطبقة على الزواج والطلاق في الشريعة اليهودية أم أنه فقط في الزواج والطلاق في الشريعة النصرانية ؟
معظم الكنائس اضطرت في ظل الظلم البالغ الذي يمكن أن يقع على الناس في أنهم ليس عندهم تعدد زوجات وليس عندهم تعدد طلاق فإذن لابد أن ينتظر حتى يموت الطرف الآخر حتى يمكن أن يتزوج ، فبدأوا يشرعون الطلاق في صور وفي أحوال بعضهم يضيقها وبعضهم يوسعها ، جاء رجل نصراني واقتبس من الشريعة الإسلامية الأسباب التي يجوز للمرأة أن تطلب فيها الطلاق وجعلوها عموما هي الأسباب الوحيدة للطلاق ـ الزنا أو عنة الزوج أو غيابه مدة طويلة أو فقره ـ والأمر بالنسبة للزوجة قريب من هذا ، وجاء النصارى في بلادنا وأخذوا هذه التشريعات ووضعت في كتبهم الدينية إلى أن تم وضعها قانوناً فيما يعرف بلائحة 1938 وهو أنه عندما وضعوا القوانين المدنية قالوا أن الأحوال الشخصة تستقى من الشرائع الدينية للناس فطالبوا من الكنيسة أن تضع لهم تشريع فوضعوا عشرة أسباب للطلاق وظل الأمر متغاضين بالفعل عن النص الإنجيلي الذي يقول لا طلاق لعلة الزنا ، لأن هذا النص في حد ذاته نص مشكل جداً :
أولاً : لأن هذا النص فيه نسخ والكنيسة لا تعترف بالنسخ
الثاني : أن هذا أمر في غاية العسر لا يكاد يطيقه أحد من البشر لاسيما في الأحوال المذكورة
فتغاضت الكنيسة عن هذا النص الإنجيليل وعملت لائحة 1938 والمعمول بها قانوناً إلى الآن .
الآن بدى لشنودة الثالث أن هذا مخالف للإنجيل ولا يجوز أن يحترم بل ويعاقب من يطبقه ـ رغم أنه موظف حكومي في الدولة ـ يعني ليس فقط أن يمتنع بل يعاقب أي قسيس يطبقه بالإقالة التي يسمونها بمصطلحهم الكنسي " الشلح " ، ثم يقول المخرج أن يعدل القانون لا أن تلزم الكنيسة بأن تحكم بشيء يخالف الإنجيل مع أن أربع أشخاص تعقبوا على هذه الكرسي وهم يطبقون هذا اللائحة قبله .
إذن القانون إذا وجد عصيان ممن يطبق عليهم يسقط ، في الواقع أن الكنيسة تفعل ذلك وأسقطعت القانون وبالفعل يعدون القانون الجديد عملياً ، لم تطبق القانون منذ تولي شنودة منصبه إلى أن جاء أحدهم ورفع عليه قضية تلزمه بتطبيق القانون ، فلما حكمت المحكمة بإلزامه بتطبيق القانون طالب بتغيير القانون حتى لا يلتزم بهذا الحكم ، قد تكون الحسابات مختلفة ونحن ندرك ذلك تماماً ، ولكن هناك بعد هام جداً وهي أن القوانين التي لا يقبل الناس عليها ولا يتحاكمون إليها تسقط وتموت بخلاف ما يهرع الناس إليه وينفذونه .
الكنيسة لها موقف آخر في موضوع الميراث ، فهم يقولون أنه لا يوجد ميراث في النصرانية ، وهذا الموضوع له أسبابه ، ذلك لأنهم في التوراة أن الميراث يأول إلى الأبناء الذكور بالسوية فإن لم يكن ذكور يؤول إلى البنات ، فلو أن الكنيسة عملت بهذا النص تفقد أحد أبواب طعنها في الإسلام ، يقولون أن الإسلام إعطاء الأنثى نصف ميراث الذكر ، والتوراة لا تعطي البنت ميراث طالما وجد ابن ، ولو ابن واحد على عشر بنات ينفرد هو بالميراث ، الزوجة في شريعة التوراة " نحن ليس لدينا نصوص قطعية عن الميراث في شريعة موسى عليه السلام " لكن التوراة الموجودة الآه ليس فيها ذكر للزوجة في الميراث ، فهناك واقعة ترويها الأناجيل أن شاب أتى إلى عيسى عليه السلام وقال له اقسم الميراث بيني وبين أخي فاستنكر عليه وقال : " من أخبرك أني أتيت قاسماً " وهذا أيضاً من النزعات العلمانية في الاناجيل مما يثير الشك ، لماذا رفض عيسى عليه السلام أن يقسم الميراث بالشريعة وأنبياء بني إسرائيل وهو أحدهم كانوا يأتون يجددون شريعة موسى عليه السلام ويقضون بين الناس فيها ولكنه امتنع عن قسمة الميراث ، فاستدلت الكنيسة على ذلك بأنه لا يوجد ميراث ولا يوجد طريقة لتقسيم الميراث في النصرانية ، فإذا سئلوا ما هو البديل ؟ قالوا يقسم بالحب والتراضي والتفاهم ويعطى الأحوج ، وكأننا نعيش في عالم آخر ، فهذا كله لا إشكال فيه ولكن لابد من مقاطع حقوق ،ولماذا لا يجعلون الطلاق بالتراضي والتفاهم ؟! ، فلابد من حدوث شجال ونزاع ولابد من وجود حكم وقضاء ، فكل الكنائس تحيل إلى القوانين المعمول بها عند ذي السلطان من باب " دع ما لله لله ومال لقيصر لقيصر " ، الميراث أحد أهم الجوانب التي تطبق فيها النصرانية إحالة الأمر إلى القانون ـ أي قانون إن كان ـ ، النصراني لما يعيش في أي بلد يبحث عن من يقسم له ، لذلك تجد في أوروبا وأمريكا قوانين ميراث عجيبة جداً ليست لها علاقة بأي شريعة .
بالنسبة لبلادنا ينص أن الأمور التي ليس لها تشريع خاص عند أتباع دين ما يحكم بالشريعة الإسلامية ، فالنصارى إذا ما تحاكموا إلى المحاكم في قضايا الميراث أعطي للذكر مثل حظ الإنثيين ويقبلونه !! ، لما فيه من حظ لأنفسهم ، ولذلك خرج عليهم أحدهم وقال لهم من يتحاكم إلى القانون في قضية الميراث والقانون يحكم بالشريعة الإسلامية فهو كافر بالمسيحية ، يعني إذا تحاكم من قانون يكون مستمد من أي شيء آخر لا يوجد مشكلة لأنه لا يوجد أحكام تفصيلية في النصرانية لكن إذا تحكام إلى القانون في الأبواب التي يستمدها من الشريعة الإسلامية فهذا كفر بالنصرانية ويدعوا إلى أن يذهبوا إلى أي عاقل يقسم بينهم بالتراضي أو حسب الأحوال ، يعني بلا شريعة ، ولكن هذا الدعوة لم تصمد أمام أنهم يذهبون إلى المحاكم ويطلبون قسمة الميراث وفق شريعة الإسلام لأن غالباً إذا وجد ذكور ذهبوا ليأخذوا هذا الميراث لأن لهم فيه حظ .
إذن تحاكمهم إلى الشريعة في الميراث لم يسقط لحاجتهم إليه ، ولكن في مسألة الطلاق هم يرفضونه فإما أن يسقط عملياً وإما أن يسقط عملياً ونظرياً ، فهذه قضية في غاية الأهمية وهي لابد من تعريف الناس بما يخالف شريعتهم حتى لا يتحكاموا إليه .
يقول : " ويؤخذ على هذا الاتجاه قصور النظر إلى نوع واحد من الواجبات الشرعية وإهمال واجبات أخرى نص عليها الكتاب والسنة وأجمع أهل العلم على فرضيتها ووجوب السعي على إقامتها مع كون الكثير من هذه الواجبات يمكن القيام بها أو بشيء منه على الأقل إذا اجتمعت الجهود وتضافرت إذ أن جهود الكفاية من التعلم والتعليم والحسبة وسد حاجات الفقراء والمساكين والأرامل وغيرهم وفصل الخصومات وفق شرع الله وإيصال الحقوق إلى أصحابها والسعي إلى إقامة الخلافة والجهاد ، وغير ذلك من فروض الكفاية المضيعة التي استفاضت أدلة كل منها كتاب وسنة لا يمكن أن يقام إلا على وجه الاجتماع والتعاون والملزم وليس المطلوب إقامته في جزء صغير من الأمة بل الواجب شرعاً إقامة كل ذلك في كل مكان وزمان يمكن إقامته فيه وفي كل القطاعات من المجتمع وعلى أوسع نطاق ممكن في المسجد والمدرسة والجامعة والمصنع وأصحاب المهن وغير ذلك . وهذا الكلام يأتي تفصيله في ثنايا الكلام على الجزء الأخير من البحث من الدعوة السلفية والتغيير "
قال : " كما يؤخذ على كثير من أصحاب هذا الاتجاه ترك الإنكار على المنكرات التي تتبناها الحكومات وتنشرها بين الناس كقضية الحكم بغير ما أنزل الله ومسائل الولاء والبراء ونشر الغزو الفكري والتبعية لمبادئ الوضعية للغرب "
يقول : " ولا يصح التعلل بتوفير الحماية للدعوة فإن الدعوة تفقد هويتها إذا رأت الناس يقعون في الضلال بل في الشرك وهي لا تحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد ، كما يؤخذ على أصحاب هذا النهج المبالغة في تضخيم سيئات الجماعات الإسلامية والإجحاف بمنافعها ومحاسنها فجعلت علاج المريض قتله أو إيقاف قلبه إذ أن جماعات الصحوة الإسلامية هي قلب الأمة الإسلامية النابض بالحياة بعد أن فقد الجسد كله مظاهر الحياة ، وكم كانت هذه الجماعات الإسلامية سبباً لهداية الشباب والشيوخ والنساء والأطفال وعودتهم إلى دينهم "
هذا ما ذكره البحث في شأن هذا الاتجاه ويبقى في البحث الكلام عن الدعوة السلفية والتغيير ولكننا قبل أن نخوض فيه لعلنا نتناول بعض النقاط التي تتعلق بالكلام على العمل الجماعي وموقف الرافضين له ببعض التفصيل ثم نأخذ بالكلام على الدعوة السلفية والتغيير .
نكتفي بهذا القدر سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

ah_agaba
11-26-2010, 10:19 AM
هذا رابط للتفريغ حتى الشريط السادس عشر بصيغة الوورد
http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v (http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v)
وجزاكم الله خيرا

nor el-din
11-26-2010, 08:53 PM
هذا رابط للتفريغ حتى الشريط السادس عشر بصيغة الوورد
http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v (http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v)
وجزاكم الله خيرا

جزاك الله خيرا
سبقتني

الشربينى احمد
11-27-2010, 08:04 AM
ما شاء الله ...جزاكم الله خيرا

ابن قمر المصرى
11-29-2010, 05:23 AM
الشريط السابع عشر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم .
أما بعد ،،،
ما زلنا في الكلام على مناهج التغيير أو مناهج الإصلاح المطروحة على الساحة وكنا قد انتهينا في المرة السابقة من العرض الإجمالي لمنهج من يركزون على العمل الفردي في الدعوة والتربية وقلنا أن هذا الكلام قد يقودنا إلى الكلام على ما يسمى بالعمل الجماعي ، حيث أن هذه الاتجاهات تأخذ موقفاً رافضاً أو متحفظاً على الأقل من مسألة العمل الجماعي ، ومنهم من يرى أنه بدعة ومنهم يرى أن ضرره أكبر من نفعه ... إلى غير ذلك من الإطروحات .
في الواقع أن هذا الأمر له أثر كبير على تأخر الدعوة الإسلامية وعدم استفادتها من تضافر الجهود ومواجهة التحديات لاسيما وأن الخصوم كل الخصوم من المنصرين ودعاة العلمانية يتجهون إلى العمل الجماعي وغالباً ما يكون لديهم حرية أكبر من التحرك .
الآن تجد أن مجموعة صغيرة جداً من الشباب حديثي السن يؤسسوا حركات ويستعملون الإنترنت في التواصل بينهم ، وعندما يتأمل الإنسان في حال أمثال هؤلاء الشباب يتأسف غاية الأسف على وجود الطاقات المهدرة ، فهؤلاء الشباب الذين يتحركون وينشطون في مجالات الحرية أو حقوق الإنسان وغيرها أي أنه ما زال لديهم طاقة ، وهناك قطاع كبير من الشباب مغيب في الشهوات وفي غيرها ولكن هؤلاء عندهم طاقة في اتجاه آخر ، ولكن نتيجة وجود تواجد إعلامي للتيارات المنحرفة استهلكت طاقة هؤلاء الشباب وجذبتهم نحوها .
نحن نحتاج إلى أن نذكر الأدلة على مشروعية العمل الجماعي ونناقش أهم ما يحتج به هؤلاء على المنع منه .
من الأدلة على مشروعية العمل الجماعي:
قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } فهذا أمر عام بالتعاون على البر والتقوى ومن آكده التعاون على الدعوى إلى الله والتعاون على نشر العلم وتعاون على دعوة الناس لحضور مجالس العلم وعلى نشر كتب أهل العلم وعلى نشر الأشرطة ، فهذه هي صور العمل الجماعي التي نقول بها ، لأنك ستجد هنا أن البعد يضع تعريف ما على قضية العمل الجماعي ثم يقضي عليه حكم ولا يترك للآخر فرصة أن يبين ماذا يعني بكلمة العمل الجماعي .
أنا أقول أن العمل الجماعي هو تعاون المسلمين في مكان ما على القيام بفروض الكفايات سواء في حال وجود إمام مقيم لفروض الكفايات أو في حال وجود إمام مقصر في فروض الكفايات أو في حال شغور الزمان عن الإمام وعدم وجود إمام شرعي يدعي أن دوره هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين .
فهذه أحوال مختلفة كلها ينطبق فيها قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }
يعني في أفضل عصور الدولة الإسلامية وفي زمن الخلافاء الراشدين كان هناك الصحابة يتصدون للتعليم والإفتاء دون أن يوظفوا من قبل الخليفة ، فإذن يمكن عمل تعاون على فروض الكفايات في ظل وجود إمام عدل ، تزداد الحاجة جداً في ظل وجود إمام مقصر لأن الإمام العدل يقوم بفروض الكفايات على اعتبار أنه وكيل عن الأمة ونائب عنها في القيام بفروض الكفايات ويقوم بها غالباً على أكمل وجه وهذا لا يمنع أن بعض هذه الفروض التي لا يوجد مفسدة من أن يتناولها آحاد الناس كالعلم وتعليمه والإفتاء والقضاء بين الناس ، يعني في ظل وجود قضاء شرعي تكلم العلماء على أنه يجوز للخصمين أن يتراضيا على محكم يحكم بينهما في كتاب الله طالما كان هذا المحكم لديه أهلية الحكم ، فما بالك إذا كان القضاء المتاح أمام الناس قضاء وضعي مخالف لشريعة الإسلام ، أنت تنادي الناس أن يتحاكموا فيما بينهم بشرع الله تبارك وتعالى .
وما هو السبيل ولا يوجد أمامهم إلا محاكم تحكم بغير شرع الله ؟
يتعين هاهنا أن يوجد من طلبة العلم من يتعلم أبواب الفقه لاسيما أبواب المعاملات وبالقضاء وكيف يقضي بين الناس ، بحيث أنه متى وجد خصمان في مسألة ما لديهما من الإيمان ما يكفيهما لأن يلتزما بحكم الشرع يذهبا إلى محكم ، وإن كان أحد الخصمين لديه ذلك الوازع والآخر ليس لديه حينئذ يذهب الطرف الذي يريد أن يحكم الشرع ويعرض قضيته على طلبة العلم وأهل العلم ليعرف حقه الشرعي فقط حتى إذا اضطر للوقوف أمام المحاكم الشرعية فلا يطالب إلا بحقه الشرعي لا أكثر ولا أقل .
فإذن قضية التعاون على البر والتقوى أمر عام يشمل التعاون على البر والتقوى في أحوال مختلفة في ظل وجود الإمام العدل وفي ظل تقصير الإمام أو انقطاع الصلة كما يأتي في غزوة مؤتة مثلاً كمثال أو عند شغور الزمان عن الإمام ، لأن البعض أيضاً يقول أن مشكلته في قضية العمل الجماعي أنه مبني على قضية شغور الزمان عن الإمام .
نقول كيف تقولون بغشور الزمان عن إماما ؟ ونحن هل نحن الذين ادعينا شغور الزمان عن إمام ؟ هل يوجد مدعي يدعي أنه هو الإمام ؟ ، لا يوجد مدعي ، وذكرنا هذا مراراً أنه وجود سلطان مدنية يتحتم احترامها احترام وجود هذه السلطة وإلا تضيع مصالح المسلمين ، وإلا إذا أغفلت أن هذه السلطة هي التي تنظم أحوال الناس وتنظم معايشهم وتنظم أعمالهم وطرقهم ، فإغفال هذا يضر بمصالح المسلمين ، وبالتالي لابد من مراعاة هذا من هذا الباب ، ولكن إسقاط نصوص الخلافة أو الإمامة على سلطان مدنية تتنصل غاية التنصل من وصف الإمامة ، ولذلك كما أشرنا قبل ذلك أن من يرى هذا يقع في تناقض خطير جداً .
يعني السلطان المدنية في عامة بلاد المسلمين تنتهج النهج الديمقراطي على الأقل من الناحية النظرية ، والنهج الديمقراطي يقول أنه لابد من تداول السلطة وأنه يمدح رأس السلطة إذا كان يسمح بالانتخابات بل يجب أن يكون في أصل النظام وجود الانتخابات وأناس تتنافس مع بعضها بما في ذلك من هو في السلطة .
تجد عندنا أناس عندهم أن هؤلاء ولاة أمور وبالتالي من يترشح أمامهم خارجي ، وتقر الإشكالية هنا ، كيف يكون خارجي وعلى من خرج وإذا كان هم الذي يأصلون هذا النظام ؟ !
تجد البعض يقول أن من يترشح ليس بخارجي لأن الإمام هو الذي دعا إلى الانتخاب ، فيقول الآخر لا بل نحن نطيع في المعروف فقط وإذا دعا الإمام الناس للخروج عليه فيكون عاصياً بذلك فلا نطيعه في هذه المعصية .
هذه الأضحوكات العجيبة تنشأ من الخطأ في توصيف حال هذه السلطان المدنية . ولكن على كل حال نحن نقول أن مشروعية العمل الجماعي لا تلازم بينها وبين مسألة شغور الزمان عن الإمام ، لأن العمل الجماعي كان موجود في أزمنة أفضل الأئمة وازدادت الحاجة إليه في أزمنة الضعف التي وجدت في الأمة الإسلامية وصار هناك تقصير من الأئمة في فروض الكفايات ، وهي الحاجة إليها أشد وأشد عند شغور الزمان عن الإمام ، ولا يتصور أن يكون أناس في بقعة كبيرة من الأرض لا حاكم لهم ، ولكن هل توصيفه أنه إمام شرعي أو توصيفه أن بيده مقاليد الأمور تكون هذه مسألة لابد من الانتباه إليها .
كما ذكرنا عندما ننظر للأمور هذه النظرة نستطيع أن نفرق إذا كان متسلط كافر وهو معلن بالكفر
البعض لما جعل الشرط الوحيد للإمامة هو التسلط وصل لشيء عجيب جداً هو أن يقول أن الكافر اليهودي أو النصراني متى تسلط صار إماما تجب طاعته .
فهو فقط لا يهدم الثوابت الشرعية ، بل الثوابت عند عامة الخلق الذين قاتلوا المحتلين وغيرهم ، فهذا يكون محل إجماع من العقلاء .
ولكن البعض لما اختزل شروط الإمامة في التسلط صار عنده أن اليهودي والنصراني إذا تسلط صار إماما شرعياً تجب طاته وبالتالي تستأذنه في إقامة الجمعة ونشر العلم ومتى منع يمنع .
إذن لم يكن الرسل يستطيعوا أن يدعوا إلى شيء ، يبعث الرسول وهو رجل واحده مع وجود سلطة متسلطة ومستقر لها الأمور من كل الجهات وليس فقط أن تكون هذه السلطة مستقرة سياسياً ودينياً فهي تحكم ناس يدينون بنفس دينها ويخرج الأنبياء على هؤلاء يدعونهم إلى دين الله تبارك وتعالى وينظمون شئون أتباعهم إلى أن يمكن الله تبارك وتعالى لهم .
في الواقع أن الاستغراق في هذا التوصيف الخطائ يؤدي إلى نتائج في غاية الشناعة
نحن نقول أنه لا يوجد تلازم بين قضية العمل الجماعية وبين قضية شغور الزمان عن الإمام ، فضلاً عن التلازم بينه وبين اللزمة المشهورة عند بعض من يتعرض لهذه القضية ويقول العمل الجماعي التنظيمي السري القائم على التكفير والخروج ... إلى آخر هذه الأمور التي في النهاية قد تسلم أن ما كان كذلك فهو منهي عنه ، ولكنه منهي عنه لأي اعتبار ؟ هل لكونه جماعياً أو لكونه تنظيمياً أو لكونه يدعوا إلى الخروج أم لكونه يدعوا إلى التكفير ؟؟
في الواقع نحن نقول أن العمل الجامعي الذي نعني به هو التعاون على البر والتقوى .
متى وجد تعاون على معصية أو على بدعة ، فالبدعة محرمة سواء صدرت من فرد أو من جماعة ، والمعصية محرمة سواء صدرت من فرد او من جماعة ، وبالتالي التعاون عليها يزيدها إثماً كما أن الطاعة مطلوبة من الفرد أو من الجماعة والتعاون عليها يزيدها فضلاً .
فلا ينبغي لأحد أن يزج بأمور غير لازمة لوصف العمل الجماعي ، بمعنى أنه يتكلم ويفرض جدلاً لأن الأمر ممكن بل وواقع وجود عمل جماعي كل ما فيه هو التعاون على البر والتقوى ، ثم يضيف أن من كان لهم عصبية جاهلية وعندهم حزبية ماذا سيكون الحكم ؟ من كان عنده هذا الاجتماع على مذهب بدعي ماذا سيكون الحكم ؟ .. إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تؤثر على الحكم ، إذن يحصل الاستدلال بقوله تعالى { وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعداون } وهذا المعنى ورد في منهج جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت وأقره وراجعه الشيخ ابن باز والشيخ الألباني رحمه الله تعالى .
أيضاً قد يعترض على هذا الدليل بقولهم أن هذا دليل عام ، وهذا اعتراض لا يليق أن يقال في مجال البحث العلمي بمعنى أن العموم معمول به عند عامة أهل السنة ، فنحن الآن مثلاً عندما نسأل عن حكم التدخين نقول حرام والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) فإذن اللفظ العام يشمل جميع أفراد جنسه التي كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والتي وجدت بعده ما لم يخصه مخصص ، فمجرد الاعتراض على دليل ما بأنه دليل عام هذا أمر غير موافق لقواعد البحث العلمي إطلاقاً ، ولكن يمكن الاعتراض مثلاً بأنه دليل عام خص بمخصص ما ، فعنئذ يسمع لهذا الكلام وننظر هل ورد مخصص أم لا ؟ ، أما أن يكون الدليل عام وينطبق على القضية موضوع البحث ثم يحتج محتج بأنه لا يسلم بهذا الدليل لمجرد كونه عاماً فهذا مما لا ينبغي أن يطلق بأي حال من الأحوال .
وعلى كل حال إذا كان الدليل عام فإن هناك أدلة أكثر خصوصية وورادة أيضاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ) هذا الحديث فيه وجوب التأمير في السفر ، يمكن أن يقال أن هذا الدليل ليس في محل النزاع ، نقول بل هو في محل النزاع بطريق قياس الأولى أو على الأقل بطريق قياس المثل أو نفي الفارق ، وممن استعملوا واستعمل دلالة قياس الأولى فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ، استعمل دلالة قياس الأولى على هذا الدليل بوجوب نصب الخليفة ، فقال : " إذا كان هذا في الاجتماع القليل العارض " ، يعني اجتماع أقل خطراً من اجتماع الناس في القرى والأنصار من جتهين :
أنه قليل ـ ثلاثة ـ ، والناس في القرى والأمصار يكونون بالآلاف والآن بالملايين وبعشراتها ومئاتها
ثانياً : عارض ، يعني سفره ينتهي ومع ذلك وجب فيه التأمير ، فدل هذا على أن ما وفوقه من الاجتماعات الكثيرة العدد المستقرة الطويلة الأمد لابد فيها من هذا التأمير .
فإذا كان الشرع راعى مصلحة انتظام السفر لثلاثة في سفرة واحدة .
تعالى نتخيل ما هي المفاسد التي تترتب على أن ثلاثة في سفر لا يكون عليهم أميراً :
ربما عرض لهم عارض فهل يستريحون الآن أم ينتظرون عند نقطة ما ؟ فإذا اختلفوا كل الناس تطرح حل التشاور وكأن أي مجموعة من الناس يتشاورون ويتناقشون لابد وأن يصلوا إلى حل ، هذه الصورة السطحية الساسجة تسبب كثير من المشكلات خارج هذه القضية .
فعندما نقول للزوجة أن تسمع وتطيع لزوجها تقول أن الحياة شركة وقائمة على التشاور ، فلا بأس ولكن في النهاية في معظم الأحيان لا تثمر المناقشات الوصول إلى رأي موحد .
فانظر في قضية السفر : هل تنظر هنا أم تنزل عند أقرب استراحة أخرى ، هي قضية ليست قضية قطعية فيها أدل من الكتاب والسنة ولا هي قضية قطعية من ناحي الحس بل هي قضايا خاضعة للاجتهاد وللترجيح للمصالح والمفاسد وبالتالي من الوارد ومن الطبيعي أن يختلف الناس فيها ابتداءاً ومن الطبيعي أن يستمر الخلاف حتى بعد المناقشة ، من الوارد أن المناقشة تزيل الخلاف ومن الوارد أن لا تزيله ، إذن لابد من طريقة لحسم الخلاف ، وإلا انفكت عروة هذه الجماعة وهذا نزل في هذه الاستراحة والآخر أمضى الطريق ففقدت مصلحة اجتماعهم في السفر ، ومصلحة اجتماعهم في السفر فيها تعاون على البر والتقوى وفيها مزيد من الأمن من الأعداء وفيها مزيد من الأمن من الفتنة ، فإذا كان ثلاثة في طريق قل أن يتعرض من يعرض عليهم معصية أو تتعرض لهم بغي أما إذا كان الإنسان وحده تكون الفتنة قريبة منه ، لذلك حرص الشرع أنه طالما أنهم في طريق يجعلون عليهم من يحسن مواطن الخلاف ويعودون إلى هذا الذي أمروه في هذا السفر .
إذن هذا الحديث استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية بقياس الأولى على وجوب نصب الخلافة ، ونحن نستدل به بقياس الأولى أو بقياس المثل على الأقل على ما يسمونه بالعمل الجماعي أو التعاون على البر والتقوى لأن الناس يجتمعون في مساجدهم وفي مدارسهم وفي جامعاتهم ، ويوجد في هذه الأماكن من المصالح الشرعية ما لابد من القيام به ، يوجد في المساجد من القيام بالآذان والصلاة وخطبة الجمعة وهي من الواجبات ونحن لا نكاد نعلم عن أشد المانعين من العمل الجماعي تطرفاً إلا أنه لابد أن يكون له مسجد ولابد داخل المسجد من ترتيب الآذان والإقامة وخطبة الجمعة على الأقل ، بل غالباً ما يكون مزيد من دروس العلم ، ما الفرق بين هذه وبين أن يزيد الأمر إلى أمور أخرى .
أيضاً الناس تتواجد في أماكن العمل وفي المدارس والجامعات وتوجد منكرات تحتاج إلى إنكار . لا يوجد الشخص الذي ستطيع أن يمر على آلاف الطلاب في مكان دراسته لكي ينكر الغناء وجلهم يسمع الغناء أو ينكر التبرج على النساء ، فلا يستطيع أن يفعل هذا ، وإذا فعل ربما فتن من الحوار المباشر مع المتبرجة ، فضلا ًعن الأمور التي غالب الظن أنها موجودة حتى إن لم تراها أمام عينيك ، فهذا غالباً لا يعرف عقيدته وغالباً ما يكون عنده أنواع من الشرك الأصغر وأنواع من الجهل بالتوحيد ... إلى غير ذلك .
كيف يمكن لشخص بمفرده أن يقوم بهذا وكيف يمكن أن يوجد من يستطيع أن يعالج هذه القضايا كلها ، فإذا تعامل الناس مع بعضهم البعض فوجد فيهم المدرس الذي يدرس في المسجد كما يوجد مدرس يدرس في المساجد يوجد من هؤلاء الطلاب من لديه الأهلية فيتعاونون معه على أن يمكنوه من إعطاء درس في مسجد المدرسة أو الكلية وأن يوجد من يعلق بعض النصائح أو الفتاوى فهذا يكتبها وهذا يعلقها وهذا يعطيها إلى زملائه فيحصل بهذه التعاون قدر أكبر من الإنكار والبلاغ مع أنه غالباً لا يكون متناسباً مع عدد الناس ولا كم المنكرات ولا كم المخالفات ولا كم الجهود التي يبذلها المخالفون الذين يتكلمون على المنع من العمل الجماعي لا يرون شيئاً على أرض الواقع وكيف يتحرك المنصرون الآن علانية في المدارس والجامعات يختلسون صور العمل الجماعي التي وضعها الإسلاميون ولديهم قدر من الأمان في التحرك وقد يوجد منهم من هو طالب واحد لسن لقم الشبهات والآخرون يصطادون له الفرائس ثم يأتون بها إليه وهذا يفعل وهذا يفعل وهذا يفعل وأما أهل الحق فيوجد من يفتيهم بأن عليهم أن يلتزموا الصمت انتظاراً لما يسمونه بإذن الإمام ، والقضية هنا ليست إمام بل القضية سلطات متشعبة موجودة ونحن نركز دائماً أن ننصح أحداً يوما ما أن يحدث مفسدة بأن يستجلب على نفسه أو على غيره مفسدة ولكن أن يتعامل مع الواقع ، الواقع أن الجميع يتحرك طالما أن هناك إذن ضمني وطالما لم يكن هناك مفسدة من العمل وإلا هناك المعوقات كثيرة وهناك عدة جهات لو أنك أردت أن تستأذنها لأمضيت حياتك في طلب الإذن ولما وجدت هناك شروط منطبقة على أي حالة من حالات الإذن أو غيرها ، والمخالفون يتحركون ويعملون إلى غير الله .
نقول أن هذا بقياس الأولى اجتماع الناس في مساجدهم والمساجد لها وظائف لابد أن تقوم بها وفي مجتماعاتهم بصفة عامة مع شيوع الجهل بالدين ومع وجود المنكرات ومع وجود المناوئين لاسيما قديماً كنا نقول المناوئين أهل البدع من الصوفية وغيرهم ، فالآن القضية ازدادت خطراً بوجود التنصير واضحاً علانية ويوجد من يقع فريسة لهذا كما ذكرنا .
استدلالنا بهذا الحديث أن يغلق أمام من يسيء الظن أبواباً منها :
أننا لا نزعم إذا كان تكييف السلطات المدنية أنها سلطات موجودة لا ينبغي أن تصادم ولكن لا نتعبد لله تبارك وتعالى بطلب الإذن الصريح في كل أمر إذا وجد مساحة لعمل الخير لا تسبب مفسدة فإذن الشرع مقدم على إذن أي أحد ، أما إذ وجدت مفسدة فالامتناع يكون من أجل المفسدة ، ولكن في ذات الوقت نحن لا نأتي مثلاً إذا جعلنا إمام للمسجد لا نجعله إماماً عاماً للمسلمين ولو أن مجموعة المساجد التي تتفق مع بعضها في المنهج لها إمام فوق هؤلاء الأئمة لم نجعله إماماً عاماً للمسلمين ، إمام المسجد كإمام السفر دوره وحدوده مسجده ، يرتب الآذان والإقامة والإمامة والصلاة والخطبة والدرس ونفقات المسجد وفرش المسجد وفتح المسجد وغلق المسجد ولكن لا يقول لهذا تزوج ولهذا طلق ولهذا بع بيتك ، وحتى الإمام العام ليس له دخل في ذلك ولكن عموماً كل من يقوم بمصلحة دعوة نحن نقيسه على إمامة السفر وهي إمارة مقيدة بموضوعها ، وبالتالي نقول التعاون على البر والتقوى في مكان عمل او في مكان دراسة والناس تجتمع وتتفق على من يرجعون إليه ، يرجعون إليه في حدود المصلحة التي اجتمعوا عليه ، وهذا يرد على طابور طويل من الشبهات التي قد يطرحها المخالفون ويقولون أنتم جعلتم إمام عام على الناس دون أن يكون له شوكة ودون ودون ودون ، نقول : لم نجعل هذا .
ولكن البعض أحياناً يتذاكى ويقول : أنتم جعلتم إمامين : الإمام العام الذي اتفقت الناس على إمامته ثم تجعلون إمام خاص بكم ، فكون أن من لوازم العمل الجماعي أن تنزل صلاحيات الإمام العام على من يتولى قيادة العمل الدعوى سواء في منطقة جغرافية صغيرة أو كبيرة أو قطاع دعوي صغير أو كبير فهذا لا نقر به ولا نقول به وإن وقعت فيه بعض الجماعات ، ولكن أين هذا الإمام العام الذي يدعون أنه موجود ، نحن نتمنى أن يكون موجود ، وكما ذكرنا لا يوجد مدع لهذه الإمامة العامة إلا في خيالهم هم .
يعني من جملة الأمور العجيبة أن دكتورة في جامعة الأزهر استدرجت وانضت لحزب الوفد وحزب الوفد حزب علماني من أكثر الأحزاب لبرالية وهو من الأحزاب التي ترى أن النظام الحالي فيه قدر من التدين ينافي النظام المدني ، يعني هم يريدون محو كل ما يمكن أن يشير إلى أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام أو أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ، ومع ذلك دكتور في جامعة الأزهر انضمت إليهم .
مزيع في قناة يمتلكها رجل نصراني والرجل النصراني عنده مليارات ومع ذلك قدراً المزيع استضاف هذه والآخر بجوار التلفزيون ويشاهد حتى يتصل وهذا يدل على أن الأمور مرتبة ، فالمزيع سألها على أنها تنضم لحزب الوفد وحزب الوفد لبرالي ويرى أنه يريد تطبيق الدولة المدنية بكل أمورها وهذا قد يتعارض مع توجهها كأزهرية فعلى سبيل المثال هي كتدكتور في الأزهر ما هو رأيها بشأن توليى المسيحي رئاسة الدولة ، فتكلمت الدكتورة على سجيتها بأنه لا يمكن أبداً التولي وطبعاً هي اجترت التي تحفظه دون أن تفكر في الكاميرات المسلطة ، وقالت لا يوجد أن يتولى كافر الإمامة لقوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } وطبعاً الآخر على التليفون وطبعاً اتصل ولم يكن هناك انقطاع كما يحصل لو اتصل أحد آخر ، وأخذ يكيل لهذه الدكتورة القدح والذم ، وقال أنت وشأنك فيما تفهمين دينك ولكن نحن في دولة مدنية ولا ينبغي أن تسمي النصارى كفار ولا ينبغي أن تمنعيهم حقهم في التشرح لرئاسة الدولة ولا يجوز لك أن تنتمي إلى حزب وأنت تخالفين مبادئه ، فاضطرت أن تدافع وقالت كلام حسن ، قالت : لو تعارضت مبادئ الحزب مع الشرع فأقدم الشرع ولا يستطيع أحد أن يلزمني بما يخالف الشرع ، وانتهت القضية وقامت حملة إعلامية كبيرة وراء هذا الموضوع فخرجت هذه الدكتورة وهي تقول أنا قولت أنه لا يجوز لنصراني أن يتولى خلافة المسلمين ولا يوجد الآن خلافة فنحن نتكلم على رئاسة دولة مدنية فيصلح لها المسلم والكافر .
إذن في النهاية كان المخرج أنها تتكلم على سلطة مدنية يترشح لها المسلم والكافر
وبعض إخواننا الذين يتصورون وجود إمام وأن الإمام أخذ على الناس بيعة ولا ندري متى تمت ، وأين هذه البيعة حتى نبايع
يقول " أتجعلون بيعتين في البلد ؟ !! " نقول أين البعية الأولى .
الأمر الآخر نفترض أنها بيعة ضمنية كما يقولون فلا يوجد أحد يريد أن يتورط هذه الوارطة ، ولا يوجد من يدعي أنه إمام ولا من يأخذ على الناس بيعة ولا من يطالب الناس بأن يعاملوه بهذه المعاملة ، ولما يكون إنسان يجد من يعطيه فروض الطاعة والولاء المجانية المفتوحية هكذا فقد يسر ولا يوجد أحد أن يرفض مثل هذه العروض ، ولكن توصيف الواقع غير هذا ، توصيف الواقع يوجد سلطات مدنية حتى الذين يتكلمون باسم الدين فئة يريدون أن يفتحوا الباب على مصرعية من باب أن الشروط الموجودة في كتب الفقه تتكلم عن إمام للمسلمين أو خليفة ونحن الآن نتكلم عن رئيس مدني لمجموعة من الناي يسير لهم مصالحهم ، فإذا كان هذا هو الطرح المطروح لماذا يتطوع البعض بنقل هذا ؟ .
ولكن نحن نقول أن تنظيم الدعوة لا يلزم منه ولا يجوز أن ينزل على من يرتب الدعوة في أي مكان توصيف الإمام العام لأن هذا يخالف الشرع أيضاً لأن الإمام العام لابد أن يكون ممكناً قادراً على مصالح الناس .
الأمر الآخر : أنه لا يجوز بناء على هذا أن تؤخذ له بيعة التي هي بيعة الإمام العام ، ولكن مصطلح البيعة أشمل وأعم من بيعة الإمام العام لأن البيعة ما هي إلا عهد وميثاق .
نقول من كان يأخذ أناس يتعاهدون عهد خاص على أمر مشروع فلا بأس به ، ولكن من الناحية العملية نحن لا نتعاطى بيعة عامة لأنها غير شرعية ولا بيعة خاصة لأنه يساء فهمها ويساء توظيفها ومن أراد أن يتعاون على البر والتقوى يكون دافعه الذاتي كف للتعاون ، ومن يريد أن يترك طريق الدعوة عموماً أو منهج فئة معينة خصوصاً لا تمنعه البيعة من ذلك ، يعني مثلاً جماعة الإخوان هي الجماعة الرئيسية التي معروف عندها بيعة والبيعة عندها لا ينكرونها وهذا لا يمنع من حدون انشقاقات متتالية في تاريخ الإخوان لأنه عندما يحدث أن الإنسان يخالف المنهج الذي بايع عليه تكون البيعة في حد ذاته غير ذات مضمون وبالتالي نحن نرى أننا نؤكد أن البيعة ليست من لوازم العمل الجماعي بل نرى أنها غالباً ما تستجلب الضرر وأن البيعة التي تجعلها الناس ويجعلونها من الناحية النظرية أو العملية كبيعة الإمام العام فيها محاذير شرعية وإن لم تكن كذلك ففيها محاذير واقعية كما أشرنا من قبل .
أيضاً من الأدلة على ذلك غزوة مؤتة ، وفي هذه الغزوة أمر النبيى صلى الله عليه وسلم ثلاثة قواد فقتلوا جمعياً رضي الله عنهم ثم اتفق الناس على تأمير خالد رضي الله عنه فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فدل هذا على أنه متى احتاجت مصلحة من مصالح المسلمين اجتماع على كلمة فلابد من انتداب من يجتمع المسلمون على كلمته .
هنا البعض يذكر فروق بين غزوة مؤتة وبين ترتيب أعمال الدعوة إلى الله تبارك وتعالى في زماننا الحالي ، وهي فروق عليهم لا لهم .
فأما الفرق الأول يقولون أن هذا في زمن وجود الإمام وأما في غيابه فلا ، ونحن هنا سنقف عند إشكالية وهي ما تكييفهم للواقع الآن أيوجد إمام أم لا يوجد ؟ لأن البعض أحياناً يقول بوجود إمام فإذا أتينا نحتج بغزوة مؤتة قالوا هذه كانت في زمن الإمام فكيف تحتج بها غير وجوده فيكون هذا تناقض ، يقولون أن هؤلاء كانت غزوة وانتهى الأمر وأما أمر الدعوة فمستقر ودائم ، نقول أن هذا من باب أولى ، فلو أن الصحابة رضي الله عنهم رجعوا بعد مقتل قواتتهم لكانت المفسدة هي في عدم إتمام غزوة فيعودون إلى الإمام ينصب عليهم أمير ثم يعودون وأما إذا كان هناك مصالح شرعية مفقودة من طلب العلم وتعليمه والإفتاء والقيام على حقوق الفقراء والمساكين والتصدي للتيارات البدعية وتيارات إخراج المسلمين من دينهم .. إلى غير ذلك ، وهذه لا تتأتى إلا بنوع تعاون فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم لم يتركوا غزوة وكان بوسعهم أن يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأمر عليهم أميراً إلا أنهم بفققهم واجتهادهم علموا أن هذه المصلحة لا تضيع لمجرد عدم وجود الإمام أو نائبه ، ولكن يمكنهم أن يتفقوا على واحد منهم .
بل كدليل إضافي لغزوة مؤتة ويوضح الأمر بقوة وبتضدها تتميز الأشياء ما رواه أبو داوود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فسحلت رجلاً منهم دابته فلما رجع قال : لو رأيت ما لامنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : أعجزتم إن بعثت رجل منهم فلم يمضي لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري ؟
إذن هنا القائد أصيب أو حدث له ما حدث فرجعوا حتى يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً آخر فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم إلى أنه كان عليهم أن يؤمروا عليهم أحداً .
هذا فيما يتعلق بالأدلة أو ببعض الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية ذلك الأمر وأما فعل وقول السلف فلا يحصى كثرة ، حتى في الأزمنة الخيرية التي كان الأئمة فيها يقومون بكل الواجبات وجد من تصدى للتعلم والتعليم والإفتاء ونحو ذلك دون أن يكون هذا بتوظيف من الإمام فدل هذا على أن العمل الجماعي مشروع حتى في ظل وجود الإمام العدل وإن كان بلا شك تزداد الحاجة إليه حينما يوجد التقصير ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً مطلقاً كقوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا } " هاهنا يؤصل شيخ الإسلام ابن تيمية للمسألة من جزرها بأن الخطاب في الأصل للأمة والإمام نائب عنها فإذا كان هذا الإمام لم يقم بذلك أو لم يوجد لم يعفي هذا الأمة من أنه مازال الخطاب موجه إليها وبالتالي يرجع بالأدلة التي خاطبت الأمة بأمور هي واجبات الإمام بإجماع المسلمين ، فدل هذا على أن الواجب الأصلي مخاطبة به الأمة
قال : " وقوله { والزاني والزاني فاجلدوا } وقوله { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فجلدوهم } وكذلك قوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً } "
اجلدوا ، لا تقبلوا ، الخطاب كله موجه للأمة .
قال : " ولكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادراً عليه والعاجزون لا يجب عليهم ، وقد علم أنه فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد ، فقوله { كتب عليكم القتال } وقوله { قاتلوا } وقوله { إلا تنفروا } ونحو ذلك فهو فرض على الكفاية من القادرين ، والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة السلطان على ذي السلطان ونوابه ،والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة خرجت على ذلك لمعصية من بعضها وعجز الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام ان يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزاباً لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعته ، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم ، وكذلك لو لم يتفرقوا ، ولكن طاعة الأمير الكبير ليست طاعة تامة لأن ذلك أيضاً إذ سقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إطاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه ، وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل "
إذا كان السلطان قادرين فاعلين بالعدل وكلت إليهم الأمور والأمور التي تعاطي أحاد الناس لها مفسدة كالحدود وأما ما سوى ذلك فحتى مع الإمام العدل طالما لم يتضمن هذا خروجاً عليه ولا إخلالاً بما رتبه هو بل إضافة ومعاونة ومؤازرة فلا يمنع من هذا .
قال : " كما يقول الفقهاء الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فإذا كان مضيعاً لأموال اليتامى أو عاجزاً عنها لم يجب تسلميها إليه مع إمكان حفظها بدونه ، وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود أو عاجزاً عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه ، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتاج إلى اثنين ومتى لم تقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها " وهذا هو الضابط ، وهذه هي القضية التي يلتزم بها في كل الأحوال ، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه ، والله أعلم .
فإذن هذا كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة وأيضاً سيرته العملية معروفة في تعاونه هو تلامذته على إنكار المنكرات واشتراكه في الجهاد هو وتلامذته إلى غير ذلك من الأمور المعروفة عن شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا كلام من وصف الشيخ أبو زهرة رحمه الله لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية فيه حكاية هذا السلوك عن ابن تيمية مع الإقرار والإعجاب به ، فالشيخ أبو زهرة لا يكاد يوجد من المعاصرين الأزهريين من يدانيه في علمه وهو ليس من أتباع ابن تيمية بل هو من خصومه على الأقل في مسألة العقيدة حيث أنه أشعري العقيدة ولكنه في الجملة كان منصفاً لشيخ الإسلام ابن تيمية في أمور كثيرة وله دراسة مستقلة عن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر ملخصها في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية وتكلم على ابن تيمية تحت عنوان " من محراب العلم إلى ميدان الحرب والسياسة " وعهد الناس العلماء في عصر ابن تيمية عاكفين على العلم قد أنحلتهم المقاعد وحنت عضلاتهم وتقوست عظامهم يرون قوة العلم كلها في فكره ورأسه فهو من الأمة رأسها لا عضلاتها وقوتها البدنية ولعل ذلك أتى إليه من الفلسفة الهندية أو الديانة البرهامية التي تقول إن العلماء في الدين خلقو من رأس برهامة وأن الجند خلقوا من ساعديه ، هذا ما كان عليه العلماء في عصر ابن تيمية وقبله وبعده ولذا كانوا يفرون من التتار كلما دخلوا بلداً يتركونه فارين إلى أقرب مصر إليها ففروا من بغداد إلى دمش ومن دمشق إلى القاهرة ولكن عالماً من هؤلاء العلماء لم يرضى هذه القاعدة لأنه رأى السلف الصالحين من الصحابة كانوا علماء وكانوا مجاهدين مدبرين لشئون الدولة فأبو بكر كان عالماً وفقيهاً واعظم مدبر للدولة وأعظم عابد رآه التاريخ بعد النبيين ، يقول : " وأما علي هو باب مدين العلم ، حديث ضعيف "
ولكنه يمدح الصحابة لجمعهم بين العلم والعمل .
قال : " وهو أفضل الصحابة وهو كذلك وكان فارس الإسلام حقاً وصدقاً كما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "
يقول : " كان الشيخ تقي الدين في درسه يلقي العلم ويرقب الحوادث ومجرى الأمور ويستعد للدخول في القتال ، وقد جاء التتار إلى مصر سنة 669 هجرية ولم تكن حاميتها كافية لصد غاراتهم ففرت تلك الحامية إلى مصر وفر معهم العلماء والقضاة وغيرهم من كبار الدولة حتى صار البلد شاغراً من علمائه وحكامه " إذن يوجد حالة يقال فيها شغور الزمان عن إمام ، بلا شك التسلط هنا حصل للتتار ، والتتار في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كانوا ينتسبون إلى الإسلام وكانوا قد أظهروا الدخول في الإسلام ودخلوا فيه من حيث الجملة وكانوا من العصاة ولكن صار هذا شاغراً من الحكام الذين تولوا باسم الخليفة وصار هناك متسلطين سفاكين للدماء ناهبين للأموال لا يمكن حينئذ أن يقال أنهم يطاعون في ذلك .
قال : " وكان ذلك قبل أن يدخل التتار ولكن عالماً واحداً أبى أن يترك البلد فوضى لأن له قلباً يحول بينه وبين الفرار وله إحساس يمنعه من أن يترك العامة من غير مواس في هذه البأساء وقد رأى بعض أهل الذمة التتار أخذوا يلقون الخمر في المساجد ويعلنون الفساد والسلب والنهب ورأى الشطار يخرجون من السجون ويهربون ويعيشون في المدينة فساداً ، لذلك جمع ابن تيمية أعيان المدينة الذين لم يتمكنوا من الفرار واتفق معهم على ضبط الأمور واتفقوا أن يذهبوا إلى قازان قائد التتار وملكهم وكانوا قد دخلوا في الإسلام كالأعراب ولم يدخل الإيمان في قلوبهم وهو رابع ملك مسلم فيهم "
إذن شيخ الإسلام لم يستسلم لسلطة التتار رغم انتسابهم للإسلام فضلاً عن من يأتي ويقول إذا أتى عدو يعلن بانتسابه يهودي أو نصراني وتمكن يكون ولي أمر يطاع ويستأذن في طلب العلم وتعليمه فضلاً عن الجهاد ، ولا يمكن أن تستأذنه في جهاده .
يقول : " ذهب الشيخ على رأس الوفد والتقى بقازان القائد الفاتك الذي صارت بذكره فتك الركبان فقال الشاب العالم للمترجم قل لقازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وشيخ ومؤذن كما بلغنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت ، وعندما قدم للوفد الطعام امتنع ابن تيمية عن الطاعم فقيل له لما لا تأكل ؟ قال كيف آكل من طعامك وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه مما قطعتم من أشجار الناس ؟ "
يقول الشيخ أبو زهرة : " كان الشيخ يتكلم وهو يحس أن الله يؤيده لأنه يؤيد دينه ويرفع أمره ويدفع عن خلقه ،والله فوق كل جبار عنيد ، لذلك لان قازان لما وقع في قلبه من كلامه حتى أنه كان يقول إني لم أرى مثله ولا أثبت قلباً منه ولا أوقع من حديث في قلبي ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه "
يقول : " قال الطاغية العتي للعالم التقي وأخذا يتحدثان في المقصد الذي جاء إليه واستطاع الشيخ أن يؤجل غزة التتار لدمشق وهو يعلم أن التأخير سيعقبه من بعد ذلك الاستعداد للقتال ، وحمل الشيخ قازان على أن يفك الأسرى الذين أسرهم ففك القائد أسرى المسلمين ولم يرد أن يفك وثاق الأسرى من أهل الذمة من اليهود والنصارى ولكن الشيخ عارضه وأبى أن يعود إلى دمشق إلا ومعه أسرى النصارى واليهود أيضاً وكأنه يفي بكل واجبات الإمام الذي فر ، حتى أنه يجادل عن أسرى أهل الذمة "
إلى أخر الكلام الطويل في واقع فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في جهاده ضد التتار بعد ذلك وفي موقعه مع السلطان في مصر إلى غير ذلك من المواقف العظيمة .
فهذا ملخص للأدلة التي نستدل بها على هذه القضية في مناقشة من ينحى المنحى الذي أشرنا .
وللحديث بقية في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

أسد الدين
11-29-2010, 09:00 AM
ما شاء الله ...جزاكم الله خيرا

ابو نور الدين
12-03-2010, 11:21 PM
جزاك الله خيرا علي هذا المجهود الرائع

ولكن لي اشتفسار هل ما تقوم بتفريغه هي نفسها المحاضرات الموجودة علي موقع صوت السلف ام انها غيرها خاصة وانك تسبقها بمحاضرة فهل عندك المجموعة كاملة في شرح اخر للشيخ ام ماذا؟

http://www.salafvoice.com/sndlib/show_series.php?id=244

ابن قمر المصرى
12-04-2010, 02:07 AM
أخي الحبيب بارك الله فيك ..

الشيخ أتم هذه السلسلة وهي مرفوعة كاملة على هذا الرابط

http://www.anasalafy.com/catplay.php?catsmktba=1584

ابن قمر المصرى
12-08-2010, 01:24 AM
اللهم فك أسر شيخنا عبد المنعم الشحات

ابن قمر المصرى
12-08-2010, 05:44 AM
الشريط الثامن عشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم .
أما بعد ،،،
ناقشنا في المرات السابقة من يرون الاختصار على العمل الفردي وذكرنا أن معظمهم له موقف سلبي من قضية العمل الجماعي ثم بينا بعض أدلة مشروعية العمل الجماعي وعضدنا ذلك بمواقف عن السلف ومن أبرزها موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ،ونستكمل اليوم الإشارة إلى بعض فتاوى العلماء المعاصرين ومناقشة من يرون عدم مشروعية العمل الجماعية .
في الواقع للشيخ ابن باز رحمه الله وللجنة الإفتاء في السعودية برئاسته وبعضوية آخرين من العلماء المعروفين لهم فتاوى متعددة في مشروعية العمل الجماعي بل فيما أعمق من هذا وهو التعاون مع بعض الجماعات التي عندها انحرافات والتعاون معهم فيما عندهم من الحق .
هذه فتاوى كثيرة جداً منها مثلاً هذه الفتوى في مجموع فتاوى الشيخ ابن باز رحمها لله :
يقول السائل : " هل يجب على كل مسلم أن يكون له فرقة إسلامية ويكون لها أمير جماعة مع أن هذا يؤدي إلى تفرق أمر المسلمين وتفتيت وحدتهم وتنازعهم "
فكان الجواب : الواجب على المسلم أن يتبع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً واعتقاداً وأن يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله وأن يحرص على ان يكون أقرب الناس إلى الحق بقدر استطاعته وبالله التوفيق .
فإذن هنا السؤال رد السائل إلى مرجعية الكتاب والسنة وأن يكون أقرب الناس إلى الحق مع أن صيغة السؤال فيها قدر من التهييج ، يعني السائل وكأنه يقول له أن هناك جماعات ونزاع ونحو ذلك ولكن طالما التزمت بالكتاب والسنة فهذا هو الواجب عليك .
طبعاً هناك أسئلة أكثر توضيحاً وتفصيلاً منها هذا السؤال :
يقول السائل : أنا طلب جامعي أعيش في دوامة من الآراء والأفكار بين الجماعات ، كل واحدة منها تنسب لنفسها الأفضلية وتعمل كل ما في وسعها لكسب أنصار مثل جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ صحابة الخروج أربعين يوماً أو أربعة أشهر وجماعة أنصار السنة المحمدية والجماعة الإصلاحية لعبد الحميد بن بديس ، وعليه أرجوا وأطلب منكم أن توجهونا إلى الطريق الصحيح الذي فيه سعادتها وسلامة الإسلام من كل ما يجعله يتأثر بالتيارات الخارجية التي تنهش عظامنا ونحن لا ندري ؟
فكان الجواب : الواجب عليك التزام الحق وما يشهد له الدليل دون التحيز لجماعة بعينها ، وأولى الجماعات بالتعاون معها من حافظ على العقيد الصحيحة التي كان عليها أئمة السلف رضوان الله عليهم والإلتزام بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونبذ ما حدث من البدع والخرافة .
أحياناً يكون السائل ركز بدرجة كبيرة على وجود عصبية وحزبية والتعصب للجماعة فتأتي الإجابة بالنهي عن العصبية والحزبية فالبعض يأخذ هذه الفتاوى ويظن أنها نهي عن التعاون على البر والتقوى .
كما أشرنا من قبل أن العلم الجماعي هو التعاون على البر والتقوى لا يلزم منه الحزبية ، لو كا ن لابد إذا وجد العمل الجماعي وجدت حزبية كان حينئذ لا بأس بأنه كلما سئل عن العمل الجماعي كانت الإجابة عن الحزبية ولكن يتصور عمل جماعية بحزبية ويتصور عمل جماعي بلا حزبية ، أتصور عمل فردي بحزبية وأتصور عمل فردي بلا حزبية ، بل اشرنا قبل ذلك إلى أن انتشار داء الحزبية في العمل الفردي أكثر بكثير من انتشار داء الحزبية في العمل الجماعي ، وهذا له ما يبرره ، أولاً هو مشاهد من حيث الواقع ، فتجد الآن مثلاً قناة فضائية منسوبة لداعية شهير خرج بعض الدعاة في هذه القناة وأخطأوا أخطاء فادحة جداً والمشرف على القناة مر يوم واثنان وأربعة وأسبوع وأسبوعان ولم يعلق فكان لابد من النصيحة ، والنصحية هنا غير متعلقة بالتي أخطأ وحده ، بل النصيحة متعلقة بكل هؤلاء السامعين ، فعندما نصح من نصح تجد الحزبية على أصولها بأن هذا هدم للإسلام وهذا طعن في أعراض الدعاة وهذا تحميل للمشرف على القناة ما لم يقله ، مع أنه من الممكن يكون الناصح طالب هذا المشرف بأنه يصحح أخطاء الآخرين ولم ينسب إليه الأخطاء ولكن ناشده أن يصحح أخطاء الآخرين وتجد حرب دروس ، وبعدها خرج المشرف على القناة واعتذر أن هناك أخطاء ، فصار الآن من كان يقول أنه لا يوجد أخطاء قال أرأيتم أن هناك أخطاء ولكن الشيخ تراجع عنها ، وهم أولاً كانوا يقولون لا يوجد أخطاء وهي ليست أخطاء بل هي مصالح ومفاسد ، فتجد درجة شديدة جداً من التمحور حول شخصية ويمكن في لموقف الواحد طالما أنه سكت إذن هو موافق إذن لا يوجد أخطاء !! ، ولو اعترض إذن يوجد أخطا ، والذي أنكر أولاً مخطئ لأنه يظن أن هناك خطأ ولو صبر وانتظر لكان الشيخ صحح الأمر بنفسه ، وهل التصحيح حكر على فلان أو فلان ، وإلا متى تنتظر إذا كنت انتظرت يوم أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو أسبوع وأسبوعين وثلاثة ، إلى متى تنتظر ؟ ، ولكن لما صار أنه اعترف الشيخ الذي يحبونه ،
وكما ذكرنا أن الحب في الله قضية لا تقبل النزاع فأنت تحب أهل الخير لاسيما من يسهمون في الإرشاد للناس وإرشاد الملايين ولكن نحن نتكلم عن داء الحزبية والعصبية ، ولابد أن يكون كلامه صح وإن كان هناك خطأ فهو الذي يصححه بنفسه وبالطريقة التي يراها ، فإذا رجعت وقلت أن الشيخ قال كان هناك أخطاء ونحن ننتظر منه تفصيل هذه الأخطاء .
قال : أنتم لا يعجبكم شيء ويكفي أن الشيخ قد اعتذر .
فهل يكفي في دعوة العوام الذي نقول أن القنوات الفضائية تخاطبهم لا يعرفون شيء عن دين الله وأدخل عليهم من مشايخ لهم وضعهم وتقديرهم ويقال أن الإسلام يحض على الديمقراطية ويحرص عليها وأننا لا نعادي اليهودي ليهوديته ولا النصراني لنصرانيته ونناشد المسئولين الذين اعتنوا بالمنتخب القومي حتى نصره الله أن يعتنوا بالقنوات الفضائية المصرية حتى ينصرها الله .
أمور من هذا كله ثم يكون التراجع عن ذلك أن يقال أن فلان وفلان أفلتت منهم عبارات نستغفر الله منها ونتراجع عنها ؟
هذا المشاهد هل عرف أي أخطاء ؟
المشاهد الذي يرى أن الإعلان الرسمي يقول نحن لا نعادي اليهودي ولا النصراني أصلاً ، فلا يمكن أن ينصرف ذهنه أن الخطأ أن الشيخ قال نحن لا نعادي اليهودي ليهوديته ولا النصراني لنصرانيته ، ولا الذي يجد الدنيا كلها تسبح بحمد الديمقراطية لا يمكن أن ينصرف ذهنه أن خطأ من أخطأ أنه قال أن رسالة القناة ترسيخ الديمقراطية والدعوة إليها .. إلى غير ذلك .
فإذا قلت أن هناك خطأ فسينصرف ذهن السامع إلى أنه لعله أخطأ في عبارة ولعله كذا وربما يظن أنه خرجت كلمة عنيفة فيكون هذا الخطأ ,
ولا يجزء في مقام الدعوة وفي مقام الخطأ العام إلا البيان والتوضيح ، وهناك أناس كثيرين يخلط بين الخطأ الشخصي وبين الخطأ المبدأي العام الدعوي ، سواء في مبدأ كيف يمكن أن تتم النصيحة أو سواء في مبدأ كيف يتم التراجع عن الخطأ ،لو أن إنسان كان يفعل منكرات لا حصر لها سواء رآه الناس أم لا ولكنها منكرات معروف أنها منكر فيكفيه أن يتوب ، وأنا لو وجدت إنسان يفعل منكر ستره الله عليه فالأولى أن أستره عليه وأنصحه فيما بيني وبينه إلا أن يكون قد تمادى ويحتاج الأمر إلى رفع الأمر إلى السلطان وليس إلى مجرد التشهير أيضاً ، وأما الخطأ المنهجي فلابد فيه ابتداءً أن يحتاج أن تنصحه ويحتاج أن تنصح من بلغهم هذا الأمر ، فكيف يمكن أن يختصر الأمر على نصيحة صاحب الخطأ ، لو أن الأمور تحتمل أن تصاحب صاحب الخطأ ويرجع بسرعة تفصيلياً بحيث لا تنسب أنت إلى الإقرار على منكر فلا بأس ولكن هذا لا يتأتى غالباً ، غالب الأحوال الأمر يحتاج وقت وبذل مجهود لإثبات أن هذا خطأ إذا كان ، وممكن البعض لا يتراجع ، فيرى أن عنده شبهة بأنه معذور وأنت لا ترى ذلك ، تلزم بهذه الرؤيا وتقر على منكر .
ليس هذا موضوعنا الآن ولكن الموضوع الذي نريد أن نشير إليه إلى أن داء الحزبية والعصبية داء يوجد في البشر عموماً وعلاجه التأكيد على مرجعية الكتاب والسنة ، وهذا ما فعله الأئمة الكبار مع أتباعهم ، ومع ذلك لا يوجد التقليد الأعمى في الطبقة التالية للأئمة الكبار .
فتجد محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى يخالف إمام المذهب في ثلث المذهب تقريباً ، الأحناف المتأخرين في غاية التعصب للمذهب ويتعصبون ويقولون إذا كان رأي الإمام لا بأس أو رأي أحد صاحبيه فهذا مذهب وهذا مذهب ، فإذا كان ابرز تلاميذ الإمام أبي حنيفية ساغ لهم أن يخالفوه حتى صاروا وكأنهم أصحاب مذهب مستقل وصاروا يذكرون رأي الإمام أبو حنيفة كذا وأما رأي صاحبيه فكذا ، وربما ذهب كل واحد منهم إلى رأي ، فلماذا وصل المتأخرون من الأحناف إلى هذه الدرجة الشديدة من العصبية وغيرهم من المذاهب الأخرى .
الأئمة الأعلام حرصوا حرصاً شديداً على تأكيد مبدأ مرجعية الكتاب والسنة ،وفي ذلك القول المشهور للإمام مالك رحمه الله : " كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إذا لم يتم معالجة الحزبية والعصبية في أي كيان ولو في مسجد صغير .
فمن الممكن تجد أحياناً مسجد صغير وله إمام وخطيب والذين يحضرون لا يرون من الدنيا إلا هذا الإمام وذاك الخطيب ، حتى الأمر غير مرتبط بالشهرة فقط .
فالأمر مرتبط بكيفية التربية ، وهذا المرض من ضمن الأمراض التي تحتاج إلى علاج والتأكيد على مرجعية الكتاب والسنة .
نحن نريد أن نؤكد على وجود انفصال بين قضية العمل الجماعي وبين قضية الحزبية .
لا يوجد أي ارتباط ، يوجد عمل جماعي بحزبية ويوجد عمل جماعي بلا حزبية ويوجد عمل فردي بحزبية ويوجد عمل فردي بلا حزبية .
والأمر راجع إلى القادة سواء كان عمل جماعي له قادة أم لا .
الشخص الذي يقوم بالعمل الفردي كيف يربي أتباعه وكيف يوجههم وعلى أي أساس يربي ولاءهم .
أيضاً عندما نأتي إلى المقارنة لابد أن تقارن النظرية بالنظرية والتطبيق بالتطبيق ، لأنه أحياناً يقال أن العمل الجماعي يورث حزبية ويأتي بنماذج عملية ، نقول له هذه أخطاء نعالجها ونحتاج إلى علاج ، ونقول : وماذا عنك ؟ ، يقول : أنا دائماً ما أنبه على عدم الصعبية والحزبية ، نقول : أن المقارنة بهذا تكون عادلة لأننا أيضاً ننبه على عدم الحزبية والعصبية ، فأولاً ننظر حجم هذه القضية كنظرية هنا وحجمها هنا ، ثم ننظر مدى النجاح في التطبيق هنا ومدى النجاح في التطبيق هنا . سنجد أن العمل الجماعي إذا كان من أصوله عدم الحزبية فهي واضحة ولما تقارن بينها وبين العمل الفردي تجد أنها تقال وأحياناً لا تقال .
أما عند التطبيق نقول مما يعين على التطبيق في العمل الجماعي تعدد القيادات والكفاءات ، فهذا التعدد في حد ذاته يمنع من الذوبان في شخصية قائد واحد أو شخصية آثرة واحدة ، بخلاف العمل الفردي فإنه لا يكاد يوجد فيمن يتربون داخل بيئة فيها قائد واحد لا يكادون يتخلصون من داء الحزبية والعصبية ونحو ذلك ، حتى بعض الدعاة الذين ليس من طموحاته إطلاقاً قيادة أتباعه ، كالأستاذ عمر خالد مثلاً : فانظر حكم العصبية البالغة من أتباعه تجاه أي نقض موجه له ، رغم أن من ممكن أن يكون معظمهم حديث عهد بإسلام ولكن يعرف أنه مسلم يتعلم إسلامه من خلال فلان ، وظل طوال عمره أن فلان هو قائده وأستاذه وموجهه وسبب هدايته ... إلى آخر ذلك .
بلا شك أن العرفان أمر حسن ولكن هذا سوف يشجع على الذوبان داخل شخصية محددة
الشاهد هنا من هذه الاجوبة أن كلها تحيل إلى مرجعية الكتاب والسنة وتنصح السائل أن يتعاون مع أقرب الاتجاهات إلى الحق .
سؤال آخر في نفس القضية يقول : الجماعات والفرق الموجودة الآن أقصد بها جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ وجماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية والسلفيين ومن يسمونهم بالتكفير والهجرة وغيرها قائمة بمصر ، أسأل ما موقف المسلم منها ، وهل ينطبق عليها حديث حذيفة رضي الله عنه : ( فاعتزل تلك الفرق كله ) ؟
فالإجابة : كل من هذه الفرق فيه حق وباطل وخطأ وصواب وبعضها أقرب إلى الحق والصواب وأكثر خيراً وأعم نفعاً من بعض فعليك أن تتعاون من كل منها على ما معها من الحق وتنصح لها فيما تراه خطئاً ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك .
في الواقع أن الأسئلة كثيرة ، وتقريباً أنها تدور في هذا المعنى .
منها : السؤال : في هذا الزمان عديد من الجماعات والتفريعات وكل منها يدعي الانطواء تحت الفرقة الناجية ولا ندري أيها على حق فنتبعه ونرجوا من سيادتكم أن تدلونا على أفضل هذه الجماعات وأخيرها فنتبع الحق فيها مع إبراز الأدلة ؟
الجواب : كل من هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية إلا من أتى منهم بمكفر يخرج عن اصل الإيمان ولكن تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطأه في فهم الأدلة والعمل فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً فاعرف وجهة نظرهم وكن مع أتباعهم للحق وألزمهم له ولا تبخس الآخرين أخوتهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق ، وإذا كان عندهم خطأ وصواب فلا ترد الصواب الذي عندهم بمجرد أن عندهم خطأ بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل فالحق رائد المؤمن وقوة الدليل في أن يكون لها أصول علمية راسخة في قلوبنا .
أيضاً هناك موقف أوضح بكثير للشيخ ابن باز رحمه الله فيما يتعلق بجماعة الإخوان ـ فهناك جماعة سرية تسمى جماعة الإخوان أو كانت موجودة في وقت من الأوقات غير جماعة الإخوان المسلمين وهي جماعة أمر بالمعروف والنهي عن المنكر متطوعة ـ فكانوا يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ظل وجود هيئة أم بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية وكان في ذلك الزمان كان لها وضع أفضل بكثير من الآن ، وكانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحكومية كانت أفضل بكثير جداً من الآن ، ولكن وجدت هذه الجماعة المتطوعة جماعة حسبة موزية ، كانت تمارس دور أكبر وأشمل وتركز على المنكرات التي ربما تتغاضى عنها أو لا تصل إليها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الرسمية ، فكتب بعض الصحفيين رسالة في نقد هذه الجماعة وكان محور نقده أن وجود جماعة حسبة معينة من قبل الإمام يمنع من مشروعية وجود جماعة حسبة متطوعة ، وفي الواقع أيضاً الشيخ ابن باز كتب رد طويل جداً منشور في مجموع فتاواه في الرد على هذا الصحفي والدفاع عن هذه الجماعة وإنكار أن يكون مجرد وجود جماعة حسبة معينة من قبل الإمام مانعًا لمن أراد أن يتطوع من القيام بالحسبة من التطوع بها .
وهذا كلام في غاية القوة في ظروف كانت تحتمل الكلام الذي قاله الصحفي ، بمعنى أن هناك جماعة أمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة وموجدة وهذه الجماعة موازية وفي ذات الوقت نسب إليها شدة أكثر مما ينبغي ، والشيخ ابن باز كان خلاصة كلامه أنهم حتى لو أخطأوا يصوب لهم خطأهم ولا ينفى عنهم أصل المشروعية ولا يقال لهم بعدم المشروعية ، وبالتالي أن المشروعية العمل الجماعي أيضاً منفكة عن قضية شغور الزمان عن إمام ، وبلا شك أنها تتأكد ولكن في ظل وجود إمام عدل يوظف جماعة حسبة يشرع وجود جماعة حسبة متطوعة طالما أنها ملتزمة بالشرع ، وإذا كان الإمام مقصر ازداد الأمر خطورة وأهمية ، فإذا كان لا يوجد إمام شرعي سواء وجدت سلطة مدنية يترأسها مسلمون أو كان المسلمون يعيشون في ديار الكفر فالحاجة إلى العمل الجماعي اشد وأشد ، وفي الواقع ولعلنا تناولنا هذا الموضوع بتفصيل أكبر ، ونذكر بأهم ما سبق أن ذكرناه على أساس يكون عرضنا لقضية مناهج التغيير في قدر من البسط لمعرفة آراء الآخرين وكيف نرد عليهم ، ربما تعرضنا قبل ذلك في قراءة مقتطفات كثيرة من كتاب الدكتور بكر أو زيد حول الجماعات وهو أحد الكتب التي يستند إليها القائلين بعدم مشروعية العمل الجماعي ، وكنا بينا آنذاك أن الكتاب حجة عليهم لا لهم ، مع وجود قدر من الخلاف بيننا وبين الدكتور بكر أو زيد ، ولكن الخلاف في حالة نظرية وبالتالي لا يوجد خلاف عملي بيننا وبين الدكتور بكر أبو زيد رحمه الله ، لأن الدكتور بكر أو زيد يرى أنه في حالة وجود إمام يحكم بشرع الله ويدعو إلى السنة ويوظف علماء ومفتيين ودعاة وهيئات أ مر بالمعروف والنهي عن المنكر تدعو إلى السنة وتطبقها يقول : فإن وجود جماعات حسبة أو جماعات دعوة يحدث منه مفسدة تمزيق وحدة الأمة فلا حاجة إليها ، وله عبارة شهيرة يقول فيها : " إذا كان عندك السفينة الماخرة فلماذا اللجوء إلى الزوارق الصغيرة "
في الواقع نحن نقول أن هذا الكلام من الدكتور بكر أبو زيد يخالف ما ذكرناه عن الشيخ ابن باز في تأكيد مشروعية عمل جماعة حسبة في ظل وجود مرتب لجماعة حسبة ، وهذه كانت نقطة الخلاف الرئيسية بيننا وبين الدكتور بكر أبو زيد ولكن ليس هذا هو الواقع ، فلا توجد السفينة الماخرة وبالتالي إذا لم توجد إلا الزوارق الصغيرة فلا يمكن أن يغرق الإنسان ويقول لن أركب الزوارق الصغيرة ، فهذه هي القضية .
الدكتور بكر أبو زيد عندما ألف كتابه كان يرى أن الواقع السعودي يطبق فيه الشرع وجماعات حسبة موجودة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وأن التجربة أثبتت أن وجود جماعات دعوة تفتح باب للعصبية والحزبية وأن الصورة كما ذكر أن عندك سفينة ما خرة وعندك زوارق صغيرة فلا تترك السفينة الماخرة وتركب الزوارق الصغيرة .
لا ندري لو أن الدكتور بكر أو زيد طالت به الحياة إلى أن رأى الجامعة المختلطة في قلب السعودية وإلى أن وجد تمكين للفتاوى الشاذة التي تخرج كل يوم وإنشاء هيئة موازية لهيئة الإفتاء ، المستشار الديني في البلاط الملكي ،
مدرسة مختلفة تماماً عن مدرسة الإفتاء الموجودة هناك ، لعل المفتيين الذين نشتكي منهم في بلادنا أحسن حالاً كثيراً منهم ومن شذوذاته وآرائه الفجة ، ومدعوم ويقول أنهم معين من قبل الإمام وأنه لا تمتلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا هيئة الإفتاء ولا هيئة كبار العلماء أن تحاكمه لأنهم يكتسبون مشروعيتهم من نفس الباب الذي يكتسب هو منه مشروعيته وهو تعيين ولي الأمر ، وهذه خطورة الإحالة على قضية ولاة الأمور ، المشروعية تكتسب من الكتاب والسنة وكل من خالفهما فهو مردود .
الآن هذا الرجل يشذ في العبيكان وغيره لأن ينضم إليه ويتعاون معه أحد القرأء الذين افتتنوا فجأة وترك ما أعطاه الله من قراءة القرآن وانضم إلى هذا الحزب العجيب .
الدكتور بكر أبو زيد كان وجهة نظره أن المجتمع السعودي فيه سفينة ماخرة فلا حاجة إلى الزوارق الصغيرة ، وهذه نقطة خلاف لكن غير واقعية لا يترتب عليها حكم في معظم البلاد الأخرى بل ولا في السعودية بعد التطور الذي حدث عندهم .
ثم قال الدكتور بكر أبو زيد أن البلاد الإسلامية الأخرى التي فيها علمانيين يدعون إلى العلمانية والقومية ونحو ذلك فلا بأس لأهل السنة في هذه البلاد أن يجتمعوا ويتشاوروا من أجل مواجهة هذا .
أيضاً يظل أن عبارة الدكتور بكر أو زيد فيها قدر من التحفظ ، فلا خسارة ولا يوجد سفينة ماخرة ويتركها الناس إلى الزوارق الصغيرة ، فليتحد دعاة السنة في مواجهة ذلك .
ثم رفع درجة أعلى ، قال : " وأما المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفر فعليهم أن يؤسسو الجمعيات الخيرية والهيئات التي تكفل لهم توفير إقامة الشعائر ونشر الدين ودفع الشبهات .. إلى غير ذلك .
وبالتالي فالشيخ بكر أبو زيد ليس له موقف الذي قد يتصوره البعض من قضية العمل الجماعي إذا حللنا موقفه من خلال الكتاب الذي عول عليه .
أيضاً الشيخ الألباني فتاواه كثيرة جداً لمن تتبعها ولكن المشكلة أن البعض يقتصر على الفتاوى التي فيها نفي الحزبية ونحو ذلك ثم يفهم هو من عند نفسه أن الحزبية تساوي العمل الجماعية والعمل الجماعي يساوي الحزبية بينما فتاوى الشيخ الألباني في النص على التفريق بين هذا وذاك موجودة في فتاوى كثيرة جداً أشرنا إلى بعضها في السلسلة التي أشرنا إليها .
لعل من أبرزها وأوضحها أنه دائماً ما يذكر من تاريخيه أنه كان يحكي في آخر حياته أنه تعاون مع الإخوان في سوريا والأردن كثيراً وأنه ما زال عنده استعداد للتعاون إذا كانوا يسمحون له بأن يكون ما يدين لله تبارك وتعالى به ولا يفرضون عليه أن يوافق ما يملونه عليهم .
وذكر أنه عاش دهراً طويلاً في سوريا يخرج معهم معسكراتهم ويتولى الجانب العلمي فيها ويدرس لهم المناهج العلمية ونحو ذلك وهذا أمر مشهور جداً من سيرته رحمه الله .
فهذا باختصار معظم كلام العلماء في هذا الباب .
نعرجع بسرعة كبيرة على أهم الشبهات التي يتمسك بها المخالفون :
وأهم شبهة أنهم دائماً يقولون فتاوى العلماء رغم أن مناقشة الدليل من المفترض أن تكون مقدمة على فتاوى العلماء وقد ذكرنا فتاوى العلماء في هذا الباب وأنها بحمد الله كلها متفقة على هذا الجانب .
في الواقع أن البعض يرى عدم مشروعية العمل الجماعي كحكم بغض النظر عن الحزبية أو العصبية أو غير ذلك ، يرى أن هذا بدعة لم يقل بها أحد من السلف .
والجواب : أنه قد قدمنا الأدلة على أنه مشروع وبالتالي سقطت هذه الشكوك .
الأدلة قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } [المائدة/2]
وغزوة مؤتة
وفعل الصحابة رضي الله عنهم في زمن أئمة العدل والخير وفي زمن الخلفاء الراشدين بوجود من تصدى للتعليم والإفتاء وكان له تلاميذ وأعوان حتى مع وجود الإمام العدل الذي يقوم بالحقوق فكيف عند غيابه
وفعل الأئمة عند غياب أو تقصير الأئمة كفعل شيخ الإسلام ابن تيمية وفعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم ، فثبت من هذا أن هذه القضية عليها أدلة من الكتاب والسنة وفعل السلف والعلماء على مر العصور ، فلا يمكن الادعاء بأنها قضية بلا اصل ،
على أنه من باب التنزل في المناقشة نقول أن الراجح في قضية وسائل الدعوة أنها ليست توقيفية ولكن يقال أن الوسائل المباحة لها أحكام المقاصد فإذن كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم اتخاذ الدواوين وكتابة أسماء الجند في الدواوين والعمل بالتقويم ونحو ذلك ووجد بعد ذلك ترتيب العلوم وتأليف الكتب ، ثم وجد في الأزمنة المعاصرة استعمال مكبرات الصوت ووسائل الاتصال الحديثة ، فكل هذه الأمور الأصل فيها الإباحة .
فإن أعانت على طاعة دخلت في الطاعات وإن أعانت على معصية دخلت في المعاصي وإلا بقيت على إباحتها ، فإذن حتى لو قلنا أنه لا يوجد دليل شرعي فالباب من لباب الوسائل لا من باب المقاصد ، والوسائل الأمر فيها واسع يشترط فيها الإباحة أو المشروعية ، يعني خطبة الجمعة وسيلة دعوية مشروعة بالنص أما توزيع الشريط أو الكتاب أو نشر الخطبة على الإنترنت فهذا كله من الأمور المباحة الأصل ولكنها لما أعانت على الطاعة دخلت في الطاعات ، وهذه الأمور لا تتم إلا بعمل وترتيب .
فإذن دعوة عدم وجود نص دعوة غير صحيحة ، والصحيح وجود النص ، ثم على فرض عدم وجوده فيبقى أن الباب من باب الوسائل والوسائل المباحة لها أحكام المقاصد .
البعض أحياناً يقول بل : هناك نهي ، والقضية ليس أنه لا يوجد أمر ، بل يقول أنه يوجد نهي وهو حديث حذيفة رضي الله عنه الذي يقول في أوله : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، وذكر في آخره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة على أبواب جهنم، فقال : إنا كنا في جاهية وشر فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : ( نعم ) قال : فهل بعد هذا الشر من خير : ( قال نعم وفيه دخن ) قال : فهل بعد هذا الخير من شر ؟ ، قال ( نعم ، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) يقول : قلت يا رسول الله ماذا تأمرني إن أدركتهم ؟ قال : ( فالزم جماعة المسلمين وإمامهم ) قال أرأيت إن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ ، قال : ( فاعتزل تلك الفرق كله ولو أن تعض على أصل شجرة فتموت وأنت عاض عليها ) .
فالبعض يرى أن هذا نص في النهي وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوجود الجماعات ووصفهم بأنهم دعاة على أبوب جهنم وأن من أجابهم إليها قذفوه فيها وأمر باعتزال تلك الفرق كلها .
نحن نقول من باب الاختصار وإلزام المخالف بأن يطرد قوله في المسألة حتى يتضح أن هذا القول فيه من الاضطراب ما فيه .
من يفهم هذا الحديث على أنه الآن هناك دعاة على أبواب جهنم وأن الواجب ( فاعتزل تلك الفرق كلها ) لماذا لم يعتزلها ؟ ولماذا لم يذهب إلى أصل شجرة ويلحق بشغاف الجبال ؟ .
إذن هذا يدل على أن تأويل هذا الحديث لا يفعله أحد بهذه الصورة ، فلا بد أن يكون هناك خلل في الفهم ، وإلا كان الواجب عليه إذا كان هذا هو زمان الدعاة على أبواب جهنم وأنه يعتزل فيعتزل الدعاة على أبواب جهنم فيعتزل العلمانيين والديمقراطيين أم يعتزل الدعاة الإسلاميين ثم يقول الديمقراطيين يدافعون عنا وهم الذين ينصرونا ، فهل هذا هو اعتزال تلك الفرق كلها ؟ أو يتصل بالبرامج العلمانية برامج تطعن في دين الله تبارك وتعالى فتجد رجل برنامجه زائع الصيت فبعض الدعاة إذا اتصل له في مداخلة يكيل له المدح والثناء ، لماذا هذه المداهنة ؟ لعله يسمح للدعاة يقولون كلمة حق في منبره ، هذه الكلمة ستقال مرة في العام وتجد هذا الرجل بعد أن حل على ثناء من هذا ومن ذاك وأن برنامجه برنامج هادف الآن يقود حملة على صحيح البخاري ، هل من أثنو عليه على الهواء مباشرة ـ فهل هم الآن يشعرون بالخجل ويقودون حملة ضده لهذه الزندقة وهذه الحرب المعلنة على دين الله تبارك وتعالى وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
نقول فاعتزل تلك الفرق كلها ، أين الاعتزال ؟
فإذا كان الذي يتأول ذلك الحديث على الجماعات الإسلامية لا يعتزل الحاية فإذن هو لا يطبق الحديث وهذا واضح .
ولكن تأويل الحديث هو لم يطبقه لأن زمن الحديث لم يأتي ، فالحديث ذكر دعاة على أبواب جهنم ورغم وجودهم يمكن أن يوجد للمسلمين جماعة وأمام فإذا وجد فالزمهم بحيث أن جماعة المسلمين بقيادة إمامهم ترد هذا الباطل وتأخذ على أيدي هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم فإذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام فلا تجد على الخير أعواناً فاهرب من هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم ولو أن تعض على أصل شجرة .
هناك حالة بين الحالتين وهي أن يوجد لهم جماعة بلا إمام ، ودور الإمامة يمكن الاستعاضة عنه بدور العلماء وهذه هي قضية شغور الزمان عن إمام التي ذكرها الإمام الجويني في بحثه القيم غياث الامم ، وهم يجعلونها منكراً من القول وزورا على أساس أنه يوجد إمام ، فإذا كان يوجد إمام لماذا تتطبق حديث حذيفة ؟ والحديث يقول : ( فإن لم يكن جماعة ولا إمام )؟ ، فالتناقد العجيب في فهم الحديث وفي إسقاطه على الواقع ، فالحديث يتكلم عن وجود دعاة على أبواب جهنم ، والحديث فيه حالتين والحالة الثالثة مسكوت عنها فإما أن تؤخذ من فحو الخطاب أو أن يرجع فيها للأدلة الأخرى ، مع وجود الدعاة على أبواب جهنم يمكن أن يوجد جماعة للمسلمين وإمام فتلحق بهم أو لا يوجد لا هذا ولا ذاك فتفر لأنه لا يبقى أمامك إلا الدعاة على أبواب جهنم فتفر إلى الصحاري والجبال ، وإذا وجد جماعة بلا إمام
غزوة مؤتة ، وفعل شيخ الإسلام ابن تيمية وفعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وفحو هذا الخطاب وفحو حديث حذيفه أنه متى يكون الفرار لأن الأصل ليس الفرار ، فلما جعل الفرار أنه عند عدم وجود الجماعة ولا الإمام دل على أنه إذا وجدت الجماعة بلا إمام أمكن لهذه الجماعة أن تفعل كما فعلت جماعات أخرى عبر التاريخ فتستعيض بأهل العلم فيهم عن دور الإمام وهذا هو تأويل هذه الحديث ، وقد ذكرنا من فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله عند سؤال عن الجماعات الإسلامية بعضها فيها بدع ولكنه ذكر أنهم لا ينطبق عليهم حديث حذيفة وهناك أكثر من فتوى ، وهناك فتوى منهم نفى أن يكونوا هؤلاء دعاة على أبواب جهنم وهناك فتوى حوار مفصل ذكر فيه أن تأويل هذا الحديث إنما ينطبق على دعاة القومية والعلمانية وغيرهم ، وهذا أيضاً ما صرح به هو في كتابه نقض القومية العربية حيث ذكر أن تأويل هذا الحديث إنما ينطبق على هؤلاء ، والعجيب الآن أن البعض بعد أن رفع راية " فاعتزل تلك الفرق كلها " أمام اتجاهات الصحوة الإسلامية والتي منها اتجاهات سلفية خالصة بفضل الله تبارك وتعالى ، ومنها اتجاهات فيها دخن ، فرفع أمامهم راية " فاتعزل تلك الفرق كلها " ثم هو يطرق أبواب العلمانيين والديمقراطيين ويثني عليهم ويثنون عليه وإلى غير ذلك من الأمور مما يدل على خلل في فهم هذه القضية .
فالذي يعنينا هنا أن حديث حذيفة رضي الله عنه لا ينطبق باتفاقنا واتفاقهم على حالة الأمة الآن ، لأن منهم من يقول بوجود إمام ، ولأن معظم من ينكر العمل الجماعي أو كلهم لا نعرف أحد منهم اتبع شغاف الجبال واعتزل المجتمع كله على اعتبار أنه مجتمع لا أمل فيه استولى عليه الدعاة على أبواب جهنم ولم يبق للخير فيه داع .
أيضاً هناك البعض غير مسألة البدعية التي يقول أن العمل الجماعي بدعة لعدم وجود الدليل والتي أجبنا عليها وغير شبهة حديث حذيفة ، يقول : بدعة العمل الجماعي لابد وأن يكون معه أمور ، هذه الأمور محرمة أو ممنوعة فبالتالي نمنع منها
منها : الحزبية والعصبية
وقد ذكرنا عدم التلازم بين العمل الجماعي وبين الحزبية والعصبية
ومنها : البيعة
وقد ذكرنا عدم التلازم ، وذكرنا أنه إذا كان بعض الجماعات تأخذ بيعة كبيعة الإمام العام فهذا غير مشروع ، وأما إذا كانت بيعة خاصة كعهد التعاون على الطاعات فلا بأس بها والأولى عدمها لوجود مفسدة وسوء ظن ، وهناك فتوى عن شيخ الإسلام ابن تيمية في الصوفية وما يأخذونه من عهد وما يجعلون خرقة علامة على هذا العهد وما يأخذون من الأوراد والأذكار .
والسؤال يجعلك تقول قولاً واحداً أن هذا باطل وضلال ، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية بطريقته المعهودة أبى إلا أن يفصل بأن الأذكار والأوراد البدعية محرمة وأن اتخاذ شعار خاص محرم وأن هذه البيعة والعهد إذا كان للموالاة على العهد والباطل والنصرة في الباطل فمحرم ، وأما العهد الخاص على الطاعات والاجتماع على ذلك فأمر مشروع ، مع أنه تكلم على صورة مركبة الخلاصة أنها ممنوعة ومليئة بالمفاسد ، ولكن حتى لا يظن أن كل جزئية من جزئيات هذه الصورة المركبة ممنوعة ولو انفردت فصل الكلام فيها وقال : إذا كان كذلك فهو ممنوع وإذا كان كذلك فهو مباح .
فإذن لا تلازم بين الحزبية والعمل الجماعي.
والبيعة أيضاً لا يوجد تلازم .
السرية :
نحن دائماً ما نقول أن اختيارنا للعمل الدعوي في بلاد المسلمين التي فيها سلطات مدنية مستقرة أن الدعوة العلنية أفضل وأثمر وأن السرية لها مضارها ، السرية تجعل هناك شكوك ، والشكوك تساوي تعقب وابتلاء ومنع من الدعوة ، والدعوة الأصل فيها العلانية ، كلمة دعوة تساوي العلانية .
إذن السرية استثناء ، لا نقول من باب التخلص من التهمة أن السرية محرمة ، لماذا ؟ لأن الكلمة تبقى سنوات وسنوات والله أعلى من سينقلها وهل ستموت الكلمة بموت قائلها أو ستعيش سنوات أو دهوراً ؟
فهل المسلمين في روسيا أيام الحكم الشيوعي أكان يحرم عليهم حفظ القرآن سراً ؟
لم يبقى الإسلام في روسيا بفضل الله تعالى إلا بوجود أناس استسروا بإسلامهم ، وكان إذا أراد الرجل منهم أن يحفظ القرآن أو يحفظ الناس القرآن إما أن يذهبوا إلى أ حد الغابات يسيرون على الأرجل عشرات الكيلوامترات أو يصنعون مخابئ تحت الأرض في بيوتهم ، فهل تأتي أنت الآن بفضل الله في عافية وموجود في بلد شعارها الإسلام وحتى لو حدث قدر من التضييق على الدعوة لا يجعل أنت كرجل عاقل تريد لدعوتك أن تنتشر أن تسر بها ، حتى لو كان في أذى أو ابتلاء ، ففي الأصل أنت متمكن من نشر الدعوة ، وبالتالي نحن لن نسلك طريق السرية .
البعض يقول أنت الآن لا تختار السرية فلماذا لا تقول أن السرية محرمة ؟
الدين دين ولابد أن نفرق بين الحكم والفتوى ولا ينبغي أن نصدر حكم يلزم كل الناس في كل زمان وفي كل مكان ، القضية أن السرية لجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا كانت العلانية صار أن من يستعلن سوف يستأصل وتموت الدعوة فيستسر حينئذ ، لكن طالما وجد متنفس للإعلان فالدعوة إعلان ، فلا يجوز اللجوء إلى السرية في هذا الأمر .
إذن لا يوجد تلازم بين العمل الجماعي والسرية .
أيضاً يقولون مثلاً الخروج على الأئمة ونحو ذلك :
ذكرنا أن موقفنا من السلطات المدنية المسيطرة على بلاد المسلمين المنتسبين للإسلام ويتكلمون باسم الإسلام مع أنهم لا يحكمون بالشريعة ، نحن ندعوهم إلى الحكم بالشريعة ونبين لهم أن الحاكم المسلم يجب أن يحكم بحكم الله تبارك وتعالى ، ونبين لهم خطورة الحكم بغير ما أنزل الله وأن حكمه يكون كفر أكبر إذا كان تبديلاً لشريعة الله تبارك وتعالى ، وقد يصل الصوت وقد لا يصل وقد توجد شبهات وقد يوجد من يظن نفسه مكرهاً وبالتالي نحن ننمتنع عن تكفير المعين ، ولكن يظل تقرير الأحكام الشرعية واضحة وصريحة لا نملك تغييرها ، ويظل أن التعاون على إتمام الممكن من الصالح الشرعية .
فالبعض يقول أنكم تقولون بعدم وجود الإمام ، ثم إنك عند ما تريد أن تجمع الناس لصلاة العيد تذهب إليه وتسلم له خريطة صلاة العيد .
نحن نقول أنه لا يوجد إمام ادعى أنه لا يحكم بالشرع ونحن نبين أن بشروط الإمام أن يحكم بالشرع وأن يتولى الإسم الشرعي ، وفي ذات الوقت نحن نتعاون مع من بيده الأمر فعلياً لتميم مصالح المسلمين الممكنة ، وبالتالي من الناحية العملية لا نحن نخرج ولا هم يخرجون ، ولكن أيضاً سيكون الفرق في التنظير ، نحن لا نملك الآن أن نغير شروط الإمامة ونجعل أنه لا يلزم أن الحكم بشرع الله أو نلزم أن الحكم بما أنزل الله أمر ثانوي أو لا نجعل الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر كما هو الإجماع الذي نقله ابن كثير وغيره ، فنحن لا نملك شيء من هذا ، ولكن نملك أن نطبق النصوص على الواقع وأن نفرق بين الحكم والفتوى وأن نجعل أن هناك تطبيق الحكم على المعين يحتاج إلى شروط أونحو ذلك ، وأن هناك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع من هم مصرحين بالكفر : ( والذي نفسي بيده لا يعطونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها ) وبالتالي فمن الناحية العملية لا يلزم من العمل الجماعي الخروج على السلطات المدنية القائمة ، بل نحن نجعل من ضمن اختياراتنا الرئيسية في الظروف الحالية التي تعيشها بلاد المسلمين السلمية ولكن لا نجعله أصل نصدره إلى المسلمين في أفغانستان ولا المسلمين في فلسطين وإنما نحن نقول أن بلاد المسلمين التي تحكمها هذه السلطات المدنية التي يتولاها مسلمون عندهم جهل بمسألة تطبيق الشريعة وعندهم أعذار يذكرونها فهذا هو اختيارنا فيها وهي سلمة الدعوة ولكن لا يعني هذا أن نحذف الجهاد من الإسلام ، فلا نملك هذا ، أو نلزم به من يواجهون كفار مستعلنين بالكفر .
القضية لا تحتمل حينئذ ويستطيعون بفضل الله تبارك وتعالى أن يواجهوا هؤلاء كما سبق بيانه .
هذا بعض المناقشات مع من ينكرون مشروعية العمل الجماعي .
وبذلك قد انتهينا من مناقشة أصحاب اختيار الدعوة الفردية ، ونشرع في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى في الكلام على رؤية الدعوة السلفية للتغير .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك واتوب إليك .

ابن قمر المصرى
12-08-2010, 05:49 AM
الدرس التاسع عشر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في الكلام على السلفية ومناهج الإصلاح ، وقد تعرضنا لأبرز ثلاثة اتجاهات موجودة على الساحة بجوار الدعوة السلفية ، تكلمنا على من يسلكون السبيل البرلماني وتكلمنا على من يرون حتمية المواجهة العسكرية ، وتكلمنا على من يفضلون العمل الفردي .
وهذا في حد ذاته إذا كان قد نقضنا هذه الاتجاهات الثلاثة فيمكن أن تخرج استنباطاً من هذا بأن الدعوة ترى أن الإصلاح في البلاد التي اسم الإسلام فيها ظاهراً وغالب أهلها مسلمون ويحكمهم من هم من المنتسبين إلى الإسلام الذين يصرحون بأنهم مسلمون ويحبون الإسلام ويحترمون الإسلام ، حتى وإن كانوا قد نحوا الشريعة أو طبقوا العلمانية وغيرها فإن هذا من ناحية الحكم عليهم توجد شبهات في غالب الأحيان تمنع من تكفير الأعيان ، ومن جهة الإسلوب المثالي في بيئة كهذه وهي بيئة غالب أهلها مسلمون هي الحفاظ على دماء المسلمين وأموالهم وهي البيئة المتاحة لقبول الدعوة نتيجة أن الناس معظمهم على الإسلام بفضل الله تبارك وتعالى ، ومنهم من يحتاج إلى ثقل فهمه بالإسلام ليلتزم به ومنهم من يحتاج إلى أنواع من الدعوة والبيان .
إذن فالخيار ليس هو خيار المواجهة المسلحة لعدة اعتبارات سبق ذكرها ومجملها أن هذا اعتداء على أموال المسلمين من عوام المسلمين بل وممن يترأسون على المسلمين في هذه البلاد ممن لم يثبت في حقه تكفير الأعيان لوجود شبهات ، ولاسيما مع وجود أن غالب هذه المواجهات لا تؤدي إلا إلى حمامات دم بلى وجود دعوة فتتوارى الدعوة وتختفي إلى نوع من عمليات الكر والفر ، ويغيب ما يسمى الدعوة ذاته ، الدعوة هي البيان والإرشاد والتوضيح ، والمظلة الآمنة للدعوة في بلاد المسلمين حتى وإن وجد تضييق فإنها تظل أفضل بكثير في حالة سلوك الدعوة للمسلك السلمي عن سلوكها لمسلك المواجهة .
وسبق التنبيه أننا نقول أننا نختار في بلاد المسلمين أن تكون الدعوة سلمية ولكن البعض أحياناً يبالغ في طلباته من باب أنه يريد أن نعطيه الأمان أو نعطي للعلمانيين الأمان بأن نشطب على مسمى الجهاد من قاموسنا
نقول أن هذا لا نملكه ، أي لا نملك هذا الخيار لأن الجهاد موجود في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولأنه خيار مطروح ومقتضى قياس الأمور الشرعية هو الفتوى التي يفتى بها المسلمين في فلسطين وأفغانستان وفي العراق والشيشان وغيره ، ونحن لا نتكلم كلاماً محلياً ، بل نتكلم عن دين الله تبارك وتعالى ، فنذكر الحكم كحكم ثم نطبقه على الواقع ، فالحكم أن الجهاد موجود له صراطه وسبيله وله شروطه ومقتضى تطبيق هذه الشروط أن نقول أن البلاد التي ذكرناها لما فيها من استعلان الكفر وظهوره ووضوحه وعدم وجود هذا الاختلاط أو اللبس أو الشبهة فنقول أن الجهاد هو السبيل الشرعي في هذه البلاد .
في بلاد المسلمين الأخرى نقول أن السبيل المشروع هو الدعوة إلى الله تبارك وتعالى .
إذن فنحن نختار الجانب السلمي الذي لا يتضمن تنازل عن أصول عقدية ، لأننا ذكرنا أن الجانب البرلماني إذا دخلته فلابد أن تقر بأن الديمقراطية من الإسلام ولابد أن تداهن في قضية الولاء والبراء وقضية ولاية الكافر وقضية المرأة وقائمة طويلة من التنازلات لابد من تقديمها ، فإذن نحن نختار سبيل الدعوة السلمية بالأساليب التي لا تتضمن مداهنة حتى وإن كانت أقل ظهوراً وأقل وضوحاً لدى الناس كصوت ، ولكن كمنهج ستكون أكثر وضوحاً ونقاءاً وتربية للناس على دين الله تبارك وتعالى .
فإن هي دعوة سلمية بعيداً عن الطرق التي يفرض على من يسلكها الإلتزام أو الإقرار أو الاعتراف بما يخالف شرع الله تبارك وتعالى ، وهي في ذات الوقت دعوة علنية ، ونحن نقول ونؤكد أن الدعوة علنية ، وهذا الاختيار نابع من أن مسمى الدعوة يعني الإعلان ، فلابد أن صاحب الدعوة أن يعلن عن نفسه وأن يصدع { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } فلابد لصاحب الدعوة أن يصدع بها وأن السرية عارض استثنائي إذا ما كانت الدعوة متى ظهرت استئصل الداعي فلا يوجد داعي ولا دعوة .
إذن نحن نقول أن الدعوة سلمية علنية كاختيار لواقع بلاد المسلمين الآن .
أيضاً لا نستطيع أن السرية جريمة نحذفها من تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم ، نقول أن هذا اختيار كان يفتى به السملين في روسيا أبان الحكم الشيوعي وقد يفتى به المسلمون في أي مكان حال كان الداعي ليس فقط عرضة لقدر من الابتلاء أو التضييق وإلا فإنه يجب عليه أن يتحمل هذا الأمر في سبيل أن يصدع بالدعوة ، ولكن قد يكون الأمر أنه غير مسموح مطلقاً في بعض المجتمعات بمجرد القول بأنه مسلم أو غير مسموح أن يحفظ القرآن أو أن يتعلم القرآن .. إلى غير ذلك من الأحوال
نحن دعوة سلمية علنية كنوع من تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع الذي نعيشه .
تتجنب الإملاءات التي تملى على الدعاة للتنازل عن شيء من دين الله تبارك وتعالى ، فأي مجال يمكن أن يتصور أنه مجال للدعوة لكن هناك جواز مرور بالتنازل فنقول أن الدين دين الله وهو ناصره .
ذكرنا أن خلاصة النقاش مع بعض الجهات الإسلامية التي تتبنى الحل البرلماني تجد أن هناك نوع من الدور في الكلام
عندما نقول لهم ما دليلكم على دخول الانتخابات البرلمانية ؟ يقولون : مجال من مجالات الدعوة ويأتون بالأدلة العامة في أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الدعوة إلى الله . نقول لا بأس ونحن لا نرى أن وسائل الدعوة توقيفية ، بل أي وسيلة مباحة ، فهذا هو القيد ، لأن بعض الاتجاهات السلفية ترى أن وسائل الدعوة توقفية ولكننا نقول أن أي وسيلة مباحة يترتب عليها مصلحة دعوية هي من وسائل الدعوة الشروعة التي يشرع للدعاة أن يأخذوا بها وجوباً أو استحباباً بحسب الأحوال ، ولكن نقول نحن متفقون على وجوب الدعوة إلى الله في الجملة ، ولكن الخلاف في وسيلة ما من وسائلها التي هي الانتخابات البرلمانية ، فنحن نقول أن هذه وسيلة طالما أنه سيشترط علينا قبل أن ندخلها أن نتحالف مع الأحزاب العلمانية ، وسبق أن أشرنا إلى الفرق بين أن تتحالف مع غير المسلم على حق شرعي وبين أن يكون الشيء الذي تتحالف معه بالنسبة لك أنت حقاً شرعياً ولكن بالنسبة له منكراً وأنت تعينه عليه . فهم يقولون نحن نتحالف للحصول على حرية الدعوة وهذا من الحقوق الشرعية ، فهنا يوجد قدر من اللبس ، فعندما يتحالف مع الأحزاب العلمانية من أجل حق شرعي وهو حرية الدعوة ، فأنت تحالفت على أن تحصل أنت حرية الدعوة للإسلام وأن يحصل هو على حرية الدعوة إلى الشيوعية أو الاشتراكية أو اللبرالية ، فإذن هذا الحلف سينتج منه أنك تدعوا وتدعم وتفرح عندما تحصلا معاً على حق الدعوة والتي من المفترض ان يكون من برنامج الإسلاميين منع الدعوة إلى الاشتراكية والديمقراطية وإلى كل ما يخالف دين الله تبارك وتعالى .
فنقول أن هذه الوسيلة التي يسلكها هؤلاء الإخوة ليست وسيلة مباحة لأنها تتضمن المداهنة في الدين ولأنها تتضمن الإقرار بالباطل والتعاون على المنكر إلى غير ذلك مما سبق ذكره مفصلاً ، فنحن نقول أن الدعوة سلمية علنية كاختيار وفق هذا الواقع ترفض وسائل الدعوة التي تتضمن مداهنة وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية وترى وجوب إقامة ما يمكن إقامته من صور المجتمع المسلم .
وهذا يخالف من يرون العمل الفردي ، بمعنى أن من ضمن الأهداف التي نسعى إليها محاولة إيجاد الصورة التي ندعوا إليها قدر الإمكان فيما نطيق أن نوجده ، نحاول أن نجعل المسجد أو أي مكان نتواجد فيه أقرب ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً من الصورة الإسلامية التي كان ينبغي أن تكون .
فيكون المسجد تقام فيه الشعائر على السنة ، وهذا يحتاج إلى ترتيب وإعداد .
فهذا لو أنك أخذت بطريقة أنه طالما أننا قد أخذنا من ثنايا ما طرحناه في المناهج الأخرى أنه سيكون الاختيار يسير في هذا الطريق .
فعرض هذا الاختيار قد يختلف ويتفاوت حسب طريقة العرض .
وصار البحث هنا أن المنهج الذي نراه يتضمن تربية الأفراد وإقامة ما يمكن إقامته من صورة المجتمع المسلم إلى أن يمن الله تبارك وتعالى على الأمة بأن يكون المجتمع الكبير الذي نعيش فيه تحكمه شريعة الإسلام في جميع نظمه وأحواله .
إذن هناك أهداف بعضها وسائل متاحة وبعضها وسائل بقدر الله تعالى .
الأهداف ثلاثة أهداف :
على المستوى الفردي إيجاد الفرد المسلم
ثم على المجتمع في هذا الظرف الراهين محاولة إيجاد الطائفة المؤمنية وإيجاد صورة أقرب ما تكون قدر المستطاع إلى صورة المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة الإسلام وتحكمه تصورات الإسلام .
فإذن هذا يكون من الآن والدعوة تسير في طريقها تريد أن يكون المسجد شيء أساسي وصورة مما ينبغي أن يكون عليه المسجد الملتزم بدين الله تبارك وتعالى يسد الثغرات الممكنة داخل المسجد وفق السنة من إقامة الشعائر ومن تعليم دين الله تبارك وتعالى وفض المنازعات بين الناس والقيام على حقوق الفقراء والمساكين وأن تقوم جميع المساجد بهذا الدور الذي تستطيع أن تقوم به ، بالإضافة أن تكون الحياة بصفة عامة محاولة تقليل الشر والفساد في جميع مظاهر الحياة .
إذن نتكلم على إيجاد الفرد المسلم وإيجاد الطائفة المؤمنية
الأمر الثالث : أن الهدف الذي هو محصلة الهدفين الأولين أن يتحول المجتمع ككل إلى مجتمع يعتمد هذا المنهج ويكون من ضمن أهدافه إخراج أفراده وفق هذه المعايير وان تحكمه الشريعة الإسلامية في جميع مناهجه وتصوراته على الأمر الذي ذكرنا ، والعمل بالهدفين الأولين هما السبيل إلى الوصول إلى الهدف الثالث بلا خطة زمنية ولا اشتراط على الله تبارك وتعالى .
هذا هو العنصر الثالث لأن البعض أحياناً يكون مولع بالكلام على التخطيط والإدارة ، وهذا كلام لا بأس به بل هو من جملة الوسائل ولكن البعض ينقل أمور عن الكفار وهو لا يدري أنها لا تناسب المسلمين ، والبعض ينقل أمور عن الأنشطة التجارية وهو لا يلتفت إلى أنها لا تناسب أمور معتمدة على هداية من الله تبارك وتعالى وعلى تغيير القلوب ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد )
فهذه القضية لا يستطيع الدعاة إلى الله بل ولا الأنبياء أنفسهم أن يتوقعوا متى سيحصل قبول عام لدين الله تبارك وتعالى .
هذا الحديث نحن نحتج به أنه لا يمكن للداعي أن يتوقع خطط للاستجابة .
وحتى من يخطط للأمور الدنيوية وارد أن يجد بعض الصعوبات ، ولكن في الجملة هي أمور قابلة للتوقع والحساب لأنها أمور مادية في الجملة .
لكن هنا أنت تتكلم على تغير القلوب واستجابة القلوب التي يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها ويمكن ألا تحدث أصلاً كالنبي الذي يبعث وليس معه أحد .
بل أننا بفضل الله تبارك وتعالى معنا وعد من الله تبارك وتعالى من نصرة هذا الدين وهناك بعض الوعود التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لا تنطبق على حالات الفتوحات الإسلامية الأولى مما يؤكد أن زمنها لم يأت بعد ، فإن هذا مما نستبشر به في الجملة ، رغم أن الداعي إلى إلى الله من ضمن الاختيارات الممكنة أنه لا يستجيب له أحد لا يجز له أن يتوقف ولا أن يغير مصار الدعوة لأنه يعامل الله تبارك وتعالى ، فالدين دين الله ، وكل إنسان له نفسه في النهاية ، فهل الدعاة إلى في النهاية ينظرون إلى أنفسهم ؟ نعم ، فأنت تنظر إلى نفسك أنك ستسأل هل بلغت غيرك أم لا ولكنك لا تسأل هل غيرت قلبه أم لا .
فإذن في النهاية كل إنسان سيقف أمام الله وحده ، ولكن ليس بالنظرية التي يقولها البعض أنه يقوم بالعبادات التي تخصه ولا شأن له بالآخين . بل لا شأن لك باستجابة الآخرين ، ولكن الشأن في عملك أنت . ودعوة الآخرين هو عملك ، ودعوة الآخرين خطاب شرعي موجه إليك أنت .
وإلا فمن المسلمات في دين الله تبارك وتعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ومن المسلمات أن الخطاب الشرعي موجه إلى المكلف في فعله . وهذا ما ندرسه في أصول الفقه أن المحكوم عليه هو المكلف والمحكوم فيه هو فعله .
فإذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخرج ولا يشذ عن هذه القاعدة التي هي أنك مكلف بأمور تريد أن تقوم بها ولو أنك مخاطب بها على سبيل الاستحباب فهذا داخل في التكليف . إذن هذا مجال لمجال الثواب والعقاب فأنت تريد أن تحصل عليه ولا علاقة مطلقاً لذلك بفعل الآخرين .
هذه الصورة العامة لهذه القضية .
ننظر ماذا يقول لنا البحث :
يقول : وقبل أن نطرح تصورنا في التغيير نقرر أن واقعنا لا يزال أصغر بكثير من منهجنا وأن حالنا أبعد مما نعلم أنه يلزمنا أن نكون عليه لكن الواجب النصيحة والأمر أن يكون الجميع على الطريق المستقيم ولو كان سيره بطيئاً لا خارجاً عنه ، المهم أن يكو الجميع على الطريق المستقيم ، فلو أن الخيارات بين السرعة والبطأ على الطريق المستقيم فنختار السرعة ، ولكن إذا كان تسير في الاتجاه الصحيح ببطء أم تنحرف بسرعة فنختار السير ببطء ، بل لو أن الاختيار بين الوقوف على الصراط المستقيم أم الانحراف ببطء نختار أن نقف على الصراط المستقيم ، وهذا دائماً ما ننصح به ونقول لو أننا افترضنا جدلاً أن داعية ما أو نشاط دعوي ما مخير إما بالتوقف تماماً وإما بالتحريف والتبديل فالتوقف هو الخيار الوحيد الذي لا يقبل التردد ولا الشك .
والأمور تحتمل كثير من البسط ليس هذا مجاله .
يقول : " والأمل في أن يكون الجميع عل الطريق المستقيم ولو كان سيره بطيئاً لا خارجاً عنه وهو الذي يدفعنا إلى هذا الطرح .
فمنهج الدعوة السلفية يمكن تلخيصه في الآتي :
أولا : الدعوة إلى الإيمان بمعانيه وأركانه كلها في معرفة الله بأسمائه وصفاته والتعبد له بها وتوحيد الربوبية والإلوهية والكفر بالطاغوت ومحاربة الشرك في كل صوره القديمة والحديثة من شرك القبور والخرافات وشرك الحكم والولاء وغير ذلك وكذا الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد في الصحابة ومسائل الإيمان والكفر وتحقيق الاتباع للسنة ومحاربة البدعة وتقرير مناهج الاستدلال وتحقيق التزكية عبادة وخلقاً ومعاملة ، السير في طريق الدعوة وإقامة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض وكل هذه على وفق منهج أهل السنة والجماعة إجمالاً وتفصيلاً .
إذن نتكلم أولاً في إيجاد الفرد المسلم :
قد يكون هذا الهدف ـ إيجاد الفرد المسلم ـ هدفاً مشتركاً بين جميع الاتجاهات الإسلامية حتى الاتجاهات التي ذكرناها ممن نخالفها ، ولكن يبقى التفاصيل تحت هذا العنوان ، وهي تفاصيل في غاية الأهمية أن ندركها وأن ندرك الفروق الجوهرية في المثال الذي يراد أن يوصل إليه ، وبعض الأمور لها متعلق بالبعض ، فيمكن أن يكون اختيار في قضية ما يؤثر على اختيار في قضية أخرى ، فاختيار طريقة التغيير يؤثر بلا شك أن اختيار منهج التربية الفكرية ، فالذي يختار الحل البرلماني قد يكون الصياغة الفردية عنده هي الشخص القادر على تنفيذ هذا الحل ، وأي اتجاه سوف تجد أنه لا يمكن أن يسوي بين الدعاة وبين المدعويين ، ولكن في النهاية سيظل الهدف الحاكم لاختيار الشخصية وطريقة تربيتها نابع من الاختيار الكلي للاتجاه ، فمثلاً أصحاب الحل البرلماني سيكون عنده طموح عام يطالب به الجمهور وعنده إعداد خاص لمن اقتنع بمنهجه وصار فرد عامل في هذا المنهج يوظف طاقاته من أجل نشر هذا المنهج .
أصحاب الحل البرلماني عندما يحدثون العوام يريدون منهم أن يكونوا ذوي عاطفة إسلامية فيفعلون الفرائض ويتجنبون الكبائر ويؤمنون بالحل الإسلامي في الجملة ، بالتالي ستأتي إلى قضية وهي أن هناك تفاصيل كبيرة جداً في حياة الناس يشق عليهم تركها .
ما هو التصرف الأمثل في هذه القضية ؟
ستجد أن أصحاب الحل البرلماني يرون عدم مصادمة الناس بهذه التفاصيل ومحاولة استخراج أعذار أو رخص أو تتبع رخص العلماء من أجل عدم تعسير الالتزام على الناس .
ونحن نقول أننا نتبع دين الله تبارك وتعالى ودين الله هو اليسر وما زاد عنه في إلزام الناس بما لا يلزم تشدد ، وما نزل عنه تسيب ، فإذن لا يصح هاهنا بحال من الأحوال بأن الدين يسر أو بأن خير الأمور الوسط .
فالذي يأتي ويقول لا داعي للكلام على ستر الوجه والكفين لا وجوباً ولا استحباباً حتى لا تعسر على الناس .
نقول أنه بنفس المنطق يوجد من يقول له ادعو إلى الحشمة إلى أن نصل إلى من يرون أن ملابس البحر أفضل من العراة
فطالما أن القضية ليست قضية لباس البحر من عدمه طالما أن هذا مقيد في مكان يستحم فيه الناس والمبرر واضح ، فليس المبرر إغراء ولا دعوى إلى رذيلة طالما أن المبرر واضح ، ويقول إن كان الغرض هو تعريض الأجسام للشمس والاستمتاع بها وكل في شأنه ...
فكل هؤلاء سيرفع نفس اللافتة ، وبالتالي لا يجوز أن نحول الثوابت إلى أمور نسبة كل يراها من زاويته .
فإذن ستجد أن الذي اختار الحل البرلماني سيكون من ضمن ما يضعه نصب عينيه في هذه المسألة محاولة الترخص حتى لا يظلم الناس ، لأن العلمانيين يستعملون سلاح أن يقولون للعوام لو اخترتم هؤلاء المتطرفين عندما يكونون أقلية يقدمون الخدمات وغيرها ولكن إذا كانوا أغلبية فيستطيعون بهذه الأغلبية أن يفرضون الحجاب وأن يمنعون السنيما وأن يمنعون الموسيقى والأغاني ، فكان البديل لن نمنع شيء من هذا
فيأتي لطائفة معينة ويقول أننا لن نستعمل سلطتنا متى وجدت لمنعها ، وهذا إخلال بواجبات الإمامة الشرعية ، وأنت تقول أنك تريد الولاية الشرعية ثم تعد الناس أنك متى حصلت عليها لن تلزم العصاة بالامتناع ، ويقول على مجموعة كبيرة من التصرفات أنها ليست منكرات أصلاً فليس في النية منعها بأي صورة من الصور ، ثم تجد أنه من باب تقديم حسن النية مبكراً البدء في تطبيقها وهم ما زالوا أقلية ، ولذلك أحيان كثيرة يسدد الإسلاميون فاتورة شيء لم يحصلوا عليه قط ، وهي التنازلات التي تتم في قضية الولاء والبراء وقضية تحكيم الشريعة مع العلمانيين وقضية أن الإسلاميين سوف يرضون بل يرضون بنشر رواية " أولاد حارتنا " ونشر كذا وكذا ، فكل هذه فاتورة تسدد بلا مقابل .
بل حتى العوام الذين منحوك ثقتهم ، فلو قلت لهم أن الأغاني المرتبطة بموسيقى ستكون حرام جزماً لأن الحرمة تأتي من جهة الموسيقى ، وأن الأغاني الغير مرتبطة بجهة الموسيقى ينظر فيها . فلو قلت لهم على الاقل سيبقى من يفعل منهم المنكر وهو متأثم فلما يأتي شهر رمضان يمنع المنكر وعندما يذهب إلى الحج فتتحرك نفسه فيمتنع ، ولكنك قلت له لا بأس بكذا وبكذا فأنت قطعت عليه طريق التوبة ، وهذا الكلام يأتي ممن منحهم ثقته ويعرف أنهم يتحملون في سبيل الدعوة ويبتلون .. إلى آخره مما لا يوجد لديه مجال لأن يناقش هذه الأفكار مع نفسه .
فإذن تجد أن هذا اختيار في التربية الفكرية للشخص البعيد .
فنحن نريد منه أنه طالما مازال بعيداً أن يكون عنده عاطفة إسلامية مجملة .
فلو افترضنا أننا نتكلم في أهداف الدعوة ندعو البعيد إلى المنهج الذي فيه ترخص في الفتوى أما إذا اقترب من العمل يأخذ نوعية أخرى من الفتاوى .
فكان في وقت من الأوقات تجد بعض الاتجاهات الإسلامية تقريباً كل نساءهم منقبات ، والغير منقبة ترتدي ثوب سابع بلون داكن بخمار يضرب من الرأس إلى الجيب إلى غير ذلك مع تغير الفتوى التي تقدم إلى الجمهور البعيد من تحريك الشروط المتعلقة بقضية الحجاب التي بدأت تتحرك حتى داخل أوساط الدائرة القريبة لأن الذي يدخل الدائرة القريبة ما هو إلا شخص سمع لهذه الدعوة أو لغيرها واقتنع وبدأ يطبق ثم اقتنع بأنه لا ينبغي أن يقف عند هذه النقطة وينبغي أن يسعى لنشر هذا المنهج الذي اهتدى إليه وحينئذ لن تجد نقطة فاصلة فتقول عندها تخلص من فتاوى الترخص القديمة وخذ هذه الفتاوى الجديد ، لاسيما والدنيا فتوحة الآن ، ربما كان يسع قديماً لو أردت أن تتكلم في صحيفة فتقول أن هذه تصل إلى عامة الناس وإذا تكلمت داخل المسجد تقول أن هذه تصل إلى الجالسين في المسجد وإذا كتبت كتاب سوف ينشر في مكتبة كذا وسوف يذهب الإخوة المعنيين إلى مكتبة كذا ويشترون الكتاب . أما الآن أن تتكلم في المسجد حتى ولو كنت تتكلم أمام اثنين أو ثلاثة فيسجل الأمر ويوضع على شبكة الإنترنت وكأنك تكلم الدنيا بأسرها .
إذا ما نشرت كتاب فأيضاً تجد أن يتداول ولا يطلع عليه الأتباع فقط ولكن الأتباع والخصوم والمنتقضين إلى غير ذلك من القضية بدرجة لا تسمع باذدواج الخطاب .
اذدواج الخطاب مرفوض لديناً تماماً ، ولكن بعض الاتجاهات كانت تجد في اذدواج الخطاب مخرج لمواجهة الضغوط ، فخطاب يوجه للأتباع فيه ولاء وبراء وقضية الحاكمية والاهتمام بها ومخاطبة بدرجة التزم قوية ورزينة لأن الأخ العامل لا ينبغي أن يتنازل عن هذه الدرجة ، وخطاب آخر موجه للعامة فيه نوع من أنواع التراجع على كل هذه الأصعدة ، فالكلام في الولاء والبراء يكون مغلف دائماً بالعدواة المادية مع اليهود ومع ترك النصارى لفطنة السامع .
وبالتالي اختار معظم أصحاب هذه الاتجاهات إلى أن يختار أقل الخطابات ويعممها ، وهذا التعميم يصل حتى إلى الأتباع ، وهذه قضية في غاية الخطورة .
نقول أن التربية الفردية عندما نقول لماذا تعد الفرد المسلم ؟ وسواء في الكلام على الفرد البعيد أو الفرد الذي يراد له أن يتنمي بعد ذلك ويعمل .
نقول بصفة عامة لابد أن يحدث قدر من الثقل والتربية الخاصة ولكن سيكون البعيد يأخذ فتاوى ترخص ويقال له طالما وجدت العاطفة الإسلامية فهذا هو غاية المراد مع القيام بالفرائض واجتناب الكبائر ومحاولة استخراج أكبر قدر من الرخص في المقابل أن تربية الفرد العامل سوف تكون على الكفاءة المتعلقة بتحقيق الهدف الأكبر وهو هدف المنازلة في الانتخابات البرلمانية ولها وسائل وطريقة إعداد ، فطالما وضع أن هذا على رأس قائمة الأولويات سيوضع في طريقة إعداد الفرد على راس قائمة الأولويات إتقانه لهذا العمل .
إذا نظرت مثلاً إلى اتجاهات المواجهة العسكرية تجد الأمر في منتهى الفداحة ، لأن التربية الفردية عنده تكون أحياناً يصل بها الأمر إلى أن يكون الأشخاص المستهدفة للاتجاهات التي طرحت مثل المواجهة العسكرية ، فأين تجد بيئة دعوته ؟ تجدها في الأفراد الذين يجيدون المشاجرات واستعمال الأسلحة ، وهذا دائماً ما يكون نوع من الخلل مرتبط بمنكرات وجرائم وبروح عدوانية بصفة عامة ، وهذه النوعيات من الأفراد تجد لديها نقطة ضعف كبيرة وهي الشعور بأنه منبوذ ، وبالتالي إذا وجد من يحترمه ويدعوه ربما يستجيب استجابه سريعة ولكنها سريعة ظاهرياً أيضاً ، يعني ما زال لا يستطيع أن يتخلى عن السلاح الشخصي في جيبه ـ مطواه أو غيرها ـ ولا يستطيع أن يحل مشكلة بالتفاهم ولا يستطيع أن المشكلة الشخصية يكون رد العدوان بمثله والعفو يكون أفضل .
وبالتالي تجد حدوث مفاسد كبيرة جداً من جراء اعتبار نمط التربية الفردية .
وهذه الاتجاهات نفسها أنّت من هذا المسلك ،ولو كنا نتكلم عن الاتجاه الجهاد حتى قبل مراجعات الدكتور سيد إمام التي لم تحظى حتى الآن بقبول عام لديهم ، فهم قرروا إيقاف العمليات قبلها لأن الاتجاه كان دائم الإنشطار على نفسه ودائماً السيف هو الحكم في أي خلاف فقهي أو إداري لأن هذه طبيعة الأشخاص .
فالتربية الفردية عنوان يتكلم عليه الجميع كأصل ، ولكن ما هي مقوماته ؟ ، مقوماته تختلف حسب الهدف العام .
إذا ذهبنا إلى الاتجاهات التي ترى العمل الفردي في الدعوة والتربية فسنجد نظرة أكثر تكاملاً لتشخصية الفرد ولكنها في ذات الوقت في جوانبه الفردية لا يحصل الفرد على أي تحفيز أو إضافة أو ثقل خبرات في إدارة الحوار أو في الأنشطة الدعوية المختلفة ، بل حتى في الجوانب الفردية أيضاً وكأن الفردية نزعة أثرت داخل الاختيارات . فبدل أن إعداد النماذج وأفراد صالحين هو غاية المراد صار عند معظم أصحاب هذه الاتجاهات مقومات الفرد المسلم غير مكتملة ، فالبعض يعتني بالعقيدة دون العبادة ، والبعض يعتني بالعبادة دون العقيدة ، والبعض بالأخلاق ، حتى عندما نأتي إلى العلم نجد هذا يتكلم عن الفقه وهذا يتكلم عن المصطلح ، ووجد نماذج غير مكتملة ،
وبالتالي نحن نقول بعد العرض الشامل الذي ذكرناه حول الاختيارات العامة في كل الاتجاه نقول أولى مراحل ما نراه كمنهج للإصلاح إعداد الفرد المسلم وإيجاد الطائفة المؤمنة ، فهذان الأمران يؤديان بإذن الله تبارك وتعالى لأن يكون المجتمع ككل مجتمع تحكمه شريعة الإسلام وتنبع تصورات أفراده مما هو في دين الله تبارك وتعالى بالطريقة التي يقدرها الله تبارك وتعالى للأمة ، وربما يحدث ذلك بين عشية وضاحها وربما يطول إلى ما شاء الله لها أن تطول .
إيجاد الفرد المسلم :
نحن نقول أننا نريد الشخصية المسلمة المتكاملة .
فربما هذا التتطواف مرة أخرى على الاتجاهات رغم أننا أشبعنا الكلام عليها قبل ذلك ولأننا نريد أن ننبه أن هذا هو عصب المنهج ، ليس إيجاد الفرد كنوع من التوظيف السريع في مواجهة عسكرية متلاحقة لا يكاد يوجد فيها وقت للاتقاط الأنفاس ولا هو إنتاج أفراد لملاحقة برلمانية متلاحقة ولكن هو إنتاج الأفراد لكي يمثل هؤلاء الأفراد نواة المجتمع المسلم وبالتالي إنتاج الأفراد هنا مطلوب فيه أن يكون إنتاجاً دقيقاً متقناً متكاملاً .
نكرر مرة أخرى ما سبق أن ذكرناه في ثنايا مناقشة أخرى دائماً ، نريد أن نفرق بين النظرية والتطبيق
بمعنى أن لو كان هناك من مذهبه النظري محذوف منه العقيدة في التربية الفردية أو محذوف منه العبادة الصحيحة والحذر من البدع أو موجود هذا ومحذوف الآخر ، فهو ابتداءً عنده خلل منهجي ، فنحن نقول أن البعض لديه تصور قاصر عن مقومات الشخصية المسلمة ، لأن القضية أنك تمتلك نموذج تحاول أن تصل إليه عبر وسائل معينة ، فلابد أن يحصل انحراف وهذا الانحراف قد يأتي لقلة عدد المستجيبين أو طبيعة الناس ولكن لابد من التأكد من مطابقة الأصل النظري للسنة وهل استغرقت وسعك في الأخذ بجميع الوسائل المتاحة المباحة . أما النتائج ليس عليك بها طالما بهذا القيد .
لكن أحياناً كثيرة يكون الانحراف في النتائج يرجع أن النموذج النظري غير منضبط أو تم تراخي كبير في تطبيقه وبالتالي حصل انحراف ، فهذه هي القضية .
فعلى طول الطريق وطول الخط لابد من المحاسبة والمراجعة ، وكل المبادئ التي نقولها على المستوى الفردي مطلوبة على المستوى الجماعي
فكان الإنسان يحاسب نفسه هل صلى الصلوات الخمس أم لم يصلي وهل غض البصر أم لم يغض ، وعلى المستوى الجماعي هل حصل بالفعل تنمية على الأفراد وتطبيق للمنهج أم لم يحصل ، وإذا كان حصل خلل في جانب ما فما هو السبب ، وهل من وسيلة إذا اعتبرنا أن هذا مرض فهل من وسيلة في علاج هذا المرض ؟ ،
ولأن المناقشات قد يحصل فيها جانب من جوانب الانتصار للنفس أو نحو ذلك فتجد البعض عندما تقول له نحن ندعوا الآخرين إلى أن يعيد توصيف صفات الشخصية المسلمة التي يريد تكوينها ، فمثلاً اتجاه مثل اتجاه التبليغ نقول له أنك تذهب إلى إنسان مسلم عاصي يجلس على مقهى وغرضك أن تدخله المسجد فدخل المسجد وانتقل من ترك الصلاة إلى الصلاة وترك بعض المنكرات الظاهرة ، فالخطوة الثانية مباشرة أن يدعوه إلى الخروج معه ليمارس هذا الدور مع غيره . فإذا استجاب كان هذا هو غاية المراد . فهذا الشخص تجاوز كل مراحل التربية وأهدافها لدى جماعة التبليغ ويمكن أن يظل طوال عمره تسأله أين الله يقول في كل مكان ، ويمكن أن يظل طوال عمره لديه أموال يدخرها في بنك ربوي ، ويمكن ويمكن ويمكن ... إلى آخر ما تتصور . ف
النصيحة الموجهة لهذا الاتجاه أن ما يضعونه كأسس لإنتاج الشخصية المسلمة الصالحة من وجهة نظرهم غير كافية بل أقل من المطلوب بكثير ، سواء على المدعو أو مستوى المدعي العادي ، فالمدعو عندهم ينتهي أمره إذا دخل المسجد ، والفرد العامل يضاف على المدعو أن يوافق على أن يخرج يدعو
فإذا قلنا أنه سيكون عندكم من عنده جهل بالعقيدة ومن عنده خلل في المعاملات قد تصل إلى التعامل بالربا أو كذا أو كذا ، فيكون الإجابة أوليس عندكم من سرق أو من فعل ، فهي أمور داخلة في نطاق المعاصي أو حتى أمور داخلة في نطاق أنه لم يتعلم بعد ، فنقول له أننا لا ندعي أن كل من انتسب إلى هذا المنهج صار معصوماً أو حتى صحت نيته في الحرص على اتباع هذا المنهج ، ولكننا نضع أصل نظري ونحاول جاهدين إيجاده ، فطالما أن عندنا أصل نظري بالاهتمام بالعقدية والعبادة والأخلاق وستجد دروس تغطي هذا الجانب ودروس تغطي الجانب الآخر وهناك متابعة من إمام المسجد والمربي الذي يربي الشباب لهذه الجوانب ، فهناك طرق في الموعظة العامة أو خطبة الجمعة لجانب السلوك والأخلاق ، وأساس نظري ومنهج لتطبيقة وتتفاوت استجابة الأفراد .
وهذا قدر لا يمكن أن يدعيه إنسان أن هذا أمر داخل في قدراته ، وهذا يختلف تماماً على ألا يكون هذا الأمر مدرجاً أصلاً بل يكون هناك ذم على إدراجه ؛ فبعض إخواننا خرج مع بعض هذه المجموعات ، فكان الأخ المربي لهذه المجموعة يعبر عن منهجه وأنك كنت عاصي فهداك الله فلا تضيع أي لحظة في غير أن تذهب إلى الناس ولو في أقصى بلاد الهند لكي تخرجهم من المقاهي إلى المساجد ، ويمكن هذا بعد أخرى ، ولا شك أن هذه الروح روح عالية جداً ، ولكن لماذا يجعل السفر مقصود لذاته ، فالكفاءة واحدة ومع ذلك ننقل من في الأسكندرية إلى القاهرة ومن في القاهرة إلى الأسكندرية ثم ننقل اثنين إلى الهند . فكان الخطاب على أنك كنت عاصي وعرفت طريق المسجد فلا تضيع أي لحظة في أي شيء ولا في طلب العلم لأن طلب العلم أنك تدرس باب الطهارة وتتقنه ثم تدرس باب الصلاة فتنسى باب الطهارة ثم تدرس باب الزكاة فتنسى الطهارة والصلاة
وأين العلماء وطلبة العلم ؟ وهل كل الناس على هذه الهيئة ؟
قال القائل أنه مر بهذه التجربة ثم تعرض لمسألة للصلاة بعد أن قطع شوطاً في الفقه فاضطر إلى أن يأتي بالكتاب مرة أخرى ويبحث في المسألة حتى وجدها فعرف حكمها ، فقال طالما أن الأمر عبارة عن الرجوع إلى الكتاب فليكن الكتاب من أول الأمر بلا استهلاك للوقت في الدروس وليكن الوقت كله موظف للدعوة .
نقول أن هذا قاس الدنيا كلها بتجربة شخصية ثم أنه أغفل لولا أنه درس الباب وعرف أن هذه المسألة جديرة بالسؤال وعرف أي جزء من الكتاب يفتح وإلى أي مسألة يصل رغم أنه لو كان إمام في الصلاة لم يسعه الأمر أن يجهل سجود السهو ، وفي النهاية كان طلبه للعلم قطع له ثلاثة أرباع المسافة .
فنقول أن في النهاية هناك إطار نظري ووسائل لتطبيق هذا الإطار ثم هناك نتاج عملي وقياس لمدى الانحراف بين النتاج العملي والأساس النظري .
عندما نتكلم مع الآخرين الذين عندهم نموذج نظري غير مكتمل لا ينبغي أن تأتي المقارنة بأن النموذج النظري غير المتكمل يوجد بعض الأفراد المنتمين للدعوة يكون تطبيقهم العملي هو صورة من هذا المجتمع لأنه عندما يطرح هذا النموذج الغير مكتمل يجد كل الأفراد كذلك ، فلابد من تعديل هذا النموذج ، ثم أنه يمكن أن يوجد نموذج مع عدم الأخذ بالاسباب الكافية لتطبيقه ، وهذا أيضاً يحتاج لتصويب .
فلعلنا نعتبر هذه المرة مقدمة عامة في الطريقة التي نظرت بها الأمور فيما ينبغي أن يكون من أهداف الدعوة على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي
نشرع إن شاء الله تبارك وتعالى في المرة القادمة في الكلام على هذه العناصر الثلاثة :
إيجاد الشخصية المسلمة وعناصر تكاملها بإيجاز
إيجاد الطائفة المؤمنة كهدف موجود وقائم وليس مؤجل إلى أن يشاء الله ويحدث في المتجتمع ككل
والهدف الثالث أننا نوقن بأن هذين الهدفين ينتج عنهما بإذن الله وفضله وتوفيقه إيجاد للهدف بأن يكون المجتمع كله تحكمه شريعة الإسلام وتطبق فيه أحكامه ويربى أفراده عبر وسائل التربية العامة في المجتمع وليس وسائل التربية الخاصة لاتجاه أو لجماعة دعوية أو نحو ذلك على الإسلام .
نكتفي بهذا القدر
سبحانك اللهم وبحمك
أشهد أن لا إله إلا أنت
أسغفرك وأتوب إليك





اللهم فك أسر شيخنا عبد المنعم الشحات

ابن قمر المصرى
12-08-2010, 10:32 PM
الدرس العشرون
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات إعمالنا
إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
شرعنا في المرة السابقة في عرض منهج الدعوة السلفية في الإصلاح والتغيير وذكرنا أنه ينبغي العمل على تربية الأفراد تربية إسلامية صحيحة شاملة متوازنة والعمل على أن يتعاون هؤلاء الأفراد على القيام بما يطيقون من فروض الكفايات بحيث يوجودون قدر الطاقة وقدر الممكن والمستطاع صورة من المجتمع المسلم ولو مصغرة بحث تكون هناك محاولة لأن تكون مساجد المسلمين فيها طلب العلم وتعليمه والإفتاء وفض المنازعات بين الناس وفق الشرع وأن يكون أصوات المسلمين وشوارعهم ومدارسهم وجامعاتهم فيها إنكار للمنكر وأمر بالمعروف .. إلى غير ذلك .
وأن يتحول المجتمع الكبير إلى مجتمع يطبق أحكام الإسلام وأن يكون النظم التربوية أو المحاضن التربوية في المجتمع الكبير كلها تعتمد المنهج الإسلامي في التربية أو أن يحدث النصر والتمكين ؛ فهذا كله فرع ونتيجة للعمل بهذين الأمرين يمن الله تبارك وتعالى به على المؤمنين متى شاء وكيف شاء ؛ ولكن الواجب عليهم أن يعملوا بالممكن والمستطاع في هذا الأمر .
نذكر اليوم بعض تفاصيل في الجانب الأول وخلاصة القضايا التي ينبغي أن يتربى عليها الأفراد .
يجب الانتباه هنا إذا قلنا " الإسلام " فالإسلام دين كامل شامل . فإذا كنت تتكلم عن مقومات الشخصية المسلمة فلابد أن تتكلم على كل جوانب الإسلام ، إذا كنت تتكلم عن مؤهلات الداعية فلابد أن تتكلم على كل جوانب الإسلام ... وهكذا . ولكن الذي يلزم العاملين في الدعوة إلى الله بصفة عامة أكثر مما يلزم العوام ، لأن البعض أحياناً يبتدأ يسأل ويحدث عنده تداخل ، فنحن نقول هناك تربية فردية على معاني معينة وبعض هذه المعاني هي من جملة فروض الكفايات وبالتالي لا يلزم كل أحد أن يعرفها ولكن إجمالاً لابد أن تكون مدرجة في المناهج التربية ، ولا يكاد يوجد باب لا يحتاج إليه المسلم ، ولكن ربما تختلف القضية في درجة العمق بين ما يلزم العامي أن يعرفه من أركان الإيمان الستة ، فإذا تكلمت على العقيدة مثلاً تجد أن العقيدة هي أركان الإيمان الستة يحتاجها الطفل ذو السبع سنوات ويحتاجها الرجل والمرأة من عوام المسلمين الغير متصادين للدعوة ويحتاجها من يتصدى للدعوة ويحتاجها من يصنف على أنه يسد ثغرة طلب العلم في صفوف الدعوة ويحتاجها من يصنف على أنه يسد ثغرة الدفاع والرد على الشبهات وبيان هذه الأمور الفكرية . ولكن كل واحد يحتاج القضية بعمق مختلف .بل البعض أحياناً يسيء فهم بعض القضايا الجوهرية ، بمعنى أنه يظن أنك عندما تقول أهمية العقدية فأنت تلزم جميع الناس أن يتعلمون الفرق والشيعة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والخوارج ، رغم أننا الآن قد أمسكنا ولم نشغل العوام بأسماء الفرق ولكنك تعرض منهج العقيدة الصحيحة في ثنايا الدرس ونحو ذلك ، والآن جاء من يشغل العوام بقضية الأشاعرة ويوجد من يقول أن لا حل لأزمات الأمة إلا بالعودة إلى المنهج الوسطي الأشعري وترك الفقه المتشدد ، وهلا كلام فيه من الخلط ما فيه ، وكأن الآن يكون المسئول عن أكبر جامعة إسلامية لا يرى التنصير الذي يتخطف أبناء المسلمين من كل جانب ، قديماً كنا نقول التنصير في أفريقيا وشرق آسيا ، فالآن التنصير في قلب بلاد المسلمين وكأنه لا يرى في ذلك خطر .
الفسلفة الوافدة التي تشكك الناس في دين الله تبارك وتعالى والمناهج التكفيرية والاعتزالية والعقلانية التي تطعن في دين الله تعالى ، والطاعنين في السنة الذين يزيدون يوماً بعد يوم ورائحة العمالة تزكم الأنوف ، فقديماً كنت تتشكك فيمن يتصدون لمثل هذه الحملات وهل هم مخدوعين أم عملاء ، ولكن الآن الأمر صار واضح ففلان يعمل في القناة الفضائية الفلانية ويتقاضى راتب شهري كذا ولا هم له إلا الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فالقضية في غاية الوضوح ، ثم لا يشغله من ذلك كله وكأن سر تأخر المسلمين انتشار ما يسميه هو بالفقه المتشدد الوهابي وأن الحل هو العودة إلى وسطية الفكر الأشعري
فهل هذا الرجل الذي قتل الركاب الذين معه في السيارة وهذا الذي يصدر إعلامياً ثم يتضح أنه زان وشارب للمخدرات وتحت تأثير هذين الأمرين أن يقتل زوجته ، فهذه هي البيئة والمحاضن التربوية الموجودة في المجتمع
ويأتي بعض الجامعات الرسمية عندما تفيق من الثبات العميق الذي هي فيه يكون الإفاقة أنه يكتشف فجأة أن الذي ضيع هذه الدنيا وأنه لا يوجد في الدنيا أزمة إلا أنه في غيبة الفكر الوسطي انتشر الفكر المتشدد على حد زعمه .
ولو افترضنا جدلاً أن الأمر هكذا فهل كل قضايا الأمة اختزلت في هذه القضية .
ولم يحفظ الله تبارك وتعالى بلاد المسلمين إلا بوجود الصحوة الإسلامية وما كانت الدنيا في ظل اعترافه بأن المؤسسات وهذه الجامعات انسحبت من الساحة وكان الساحة حينئذ خالية للعلمانيين والشيوعيين والمنصرين ، وإذا جاء يفيق لا يفيق لمواجهة هؤلاء .
إذن أحياناً يفرض عليك تسمع العوام أسماء فرق ،ولكن إذا تكلمنا على هذه العناصر وهي مطلوبة للجميع ولكن يلزم كل واحد منها بحسب موقعه وبحسب ما يتصدى ليه .
يقول : فمنهج الدعوة السلفية يمكن تخليصه في الآتي :
أولاً : الدعوة إلى الإيمان بمعانيه وأركانه كلها .
إذن الأساس الذي نيبني عليه هو العقدية وهذه هي إحدى القضايا الجوهرية في البناء التربوي ، وهذا له أدلة كثيرة لعل من أشهرها حديث معاذ حينما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله ) رغم أنه أرسله إلى قوم أهل كتاب يعني عندهم معرفة الله تبارك وتعالى ولكن معرفة لا تنفع ،قال تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ، ولأن بعض من يحارب السلفية عندما يسأل عن أهل الكتاب يقول هم من جملة المؤمنين بالله واليوم الآخر ، فهو تلبيس وكل إنسان يفهم بحسب ما يفهم ، فمن الإيمان ما لا ينفع .
فلو آمن بكل شيء ثم كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر بالإجماع .
العجيب أن من سئل عن اليهود والنصارى يعرض ويدلس ويلبس وإذا سئل عن المسلم الذي ينكر نبوة عيسى عليه السلام فنحن وهو وكل المسلمون يقولون كافر بالإجماع . وهو نفسه عندما يسأل عن من عندهم أنواع من الكفر لا حصر لها من تبديل كتب الله والكفر بالله والشرك بالله ونسبة الصاحبة والولد إلى الله ثم يعرض ويلبس ويدلس ويقول هم من جملة من يؤمن بالله واليوم الآخر . فهل ينفعهم هذا ؟ بل هذا إيمان لا ينفع ، لأنه لم يحصل الحد الأدنى من الإيمان الذي ينفع صاحبه عند الله تبارك وتعالى .
العقيدة هي الأساس :أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقال : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله ، فإذا هم عرفوا الله ) إذن هم لم يوحدوا الله ولم يعرفونه المعرفة الصحيحة ، بل هم يعرفون إلهاً هو ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة ، ولكن الذي يدعوهم إليه المسلمون أن يعرفوا إلهاً واحداً فرداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوراً أحد ، إذن هم لم يعرفوا الله ولم يوحدوا الله ، والدعوة يجب أن تبدأ بهذا : ( فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله ، فإذا عرفوا الله فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... ) إذن التوحيد هو الأصل الذي ينبغي أن يبنى عليه غيره .
وليس معنى هذا تقف به إلى أن تعلمه التوحيد فترة من الزمن ثم تعلمه الصلاة .
فهنا بيان للترتيب والأهمية ، فلابد من الشروع في أن يتعلم المسلم الدين كله مع إعطاء أهمية نسبية للعقيدة .
فالأهمية الأولية هو أن يدخل الإسلام بمعرفة مجملة للتوحيد ، وهذه القضية لا يقدم عليها شيئاً البتة . وهذا هو الموضوع الرئيسي الذي تدعو إليه الكفار . وهو الإذعان للمعنى الإجمالي لشهادة أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله . رغم أنه لا مانع من دعوة الكفار لبيان محاسن التشريع الإسلامي ولكن لاستخدام هذا دليل على أن التشريع من عند الله إذن هذا القرآن من عند الله إذن يؤمنون بهذا الدين .
الموضوع الرئيسي هو الدعوة إلى التوحيد واستخدام الجوانب التشريعية في التدليل على أن هذا من عند الله .
فالآن كثيراً من النصارى إذا ظهرت قضايا كان يعتم عليها إعلمياً ظهرت معها أمور عجيبة ، فالنصارى دائماً يطعنون في الطلاق في الإسلام وكأن الطلاق سبة ، وأيضاً كأن تعدد الزوجات سبة ، ثم تفاجئ أنهم يكتوون بنار هذه العجرفة من الأحبار والرهبان الذين يقولون لا زواج إلا بامرأة واحدة ولا يتزوج بعدها إلا أن تموت ثم يختلفون هل يصنع شيئاً آخر ؟ والبعض يضع أسباب أوسع ، وهم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال لهم : أن ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان ، وبناءً عليه لا يوجد شيء اسمه طلاق ، رغم أنهم مقرين أن عيسى عليه السلام قال لهم أن موسى عليه السلام شرع لهم الطلاق ولكن قال من أجل غلظة قلوبكم شرع لكم موسى الطلاق .
فلو افترضنا جدلاً أن شريعة موسى عليه السلام بشهادتهم كان فيها طلاق من أجل غلظة القلوب فما المبرر لنسخ هذا الأمر ؟! ، إذا كانت الغلظة مازولت قائمة في زمن عيسى عليه السلام ، ففي زمنه قتل يحيى عليه السلام وهموا بقتل زكريا وهموا بقتله عليه السلام بل قال النصارى أنهم قتلوه ، يعني الذين قتلوا عيسى عليه السلام وصلبوه على الهيئة التي يزعمونها والناس كلهم ما بين قاتل له وبين مسلم له ، حتى الحواريين أسلموه إلى عدوه في حد زعم الأناجيل ، فهل الجيل السابق يشرع له الطلاق من أجل غلظة القلوب وهذا الجيل ينتهي فيه غلظة القلوب ؟ وهل الأجيال الحالية فيها غلظة قلوب أم لا ؟
الحاصل أنك تفاجئ أن الإنسان منهم يتزوج امرأة ثم تكون عقيماً فلا يحرمونه من نعمة الولد مع قدرته عليها أبد الدهر ثم تمرض مرضاً يمنعها تماماً من قدرتها على الاستمتاع مثل البرص والجزام لا يطلقها لأنه كيف يفرق زواج جمعه الله فلا يفرقه الإنسان ، فما المانع أن نعتبر الزواج والطلاق من باب واحد ، فلو اسندوا الطلاق والزواج إلى الله فيكون جمع الله وتفريق الله ، ولو أسندوا إلى فعل من سعى إلى الزواج ومن سعى إلى الطلاق نعتبرهم من نفس الباب .
فلماذا هم اعتبروا أن الزواج من فعل الله والطلاق من فعل الإنسان ولذلك لا يصلح ؟
مثال آخر : لو أن امرأة زوجها عنين ومن أول يوم في الزواج طرأت عليه العنة ، وهي تزوجته وجمع الله بينها وبين هذا فلا أمل له ، ففي المقابل أنها إذا زنت ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه دافع عن الزانية وقال : من كان منكم بلا خطيئة فيرجمها بحجر ، فهم يقرون أن شريعة التوراة فيها الرجم ولكن يقولون أن عيسى عليه السلام احتال وجاء إلى الذين يقيمون الحد فقال من كان منكم بلا خطئية فيرجمها بحجر ولا أحد منهم بلا خطئية فالكل فر ... أليس هذا عبث .
ومع ذلك يقولون أن النسخ هو أحد الأمور التي ينكرونها في الإسلام .
وهل وجود الطلاق ومنعه في زمن عيسى لا يعتبر نسخاً ؟
وهل الذين كانوا يقيمون حد الرجم في زمن موسى عليه السلام كانوا كلهم بلا خطيئة ؟
فلماذا وضع هذا القيد هنا لكي يعطل به الحد ؟
فهل يصح كل مرة أن نأتي بالزاني والزانية ونجتمع لإقامة الحد ويقال من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر وينصرف الناس ومن رأى نفسه بلا خطيئة يرجمها ؟ فكل الناس انصروا وتركوا عيسى عليه السلام وعيسى عليه السلام بلا خطيئة فلماذا لم يرجمها ؟
المهم من ذلك أن باب الزواج مغلق وباب الزنا يسير جداً .
فإذا زنى رجل امرأته ليس لديه القدرة على الجماع وزنى وأراد أن يلحق ولد الزنا بنسبه قيل له لا بأس لأن الأب الذي في السماء تبنانا جميعاً وبالتالي من حق أي حد يتبنى أي حد .
فلو أن الأب الذي في السماء تبنى الجميع ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ أليس من غير اللائق ومن سوء الأدب أن يأتي واحد ويبحث عن من يتبناه من البشر وهو متبنى من الآب السماوي على حد زعمهم .
ولكن القضية أن باب الزواج مغلق وباب الزنا مفتوح ، فهو يعترف للراهب أو القسيس فيغفر له .
فمن تزوج لا يريد الزنا يبقى حياته محروم من نعمة الولد مع قدرته على ذلك أو يبقى حياته محروم من الزواج الحقيقي .
والأعجب من ذلك أن ممثلة وزوجها اختلفوا وطلبوا الطلاق فمن المحاباة لهذه الممثلة أعطيت حكم طلاق وتزوجت . إذن هم فرقوا بينها وبين زوجها ، ثم لما أتى هو ليتزوج قالوا له ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان وأنت لك زوجه .
فلما تتفجر هذه القضايا يقول الناس أن شريعة الإسلام هي من عند الله وهي فيها تحقيق مصالح الناس .
فالقضايا التشريعية لها دور في دعوة الكفار من باب بيان محاسن الإسلام .
الدعوة إلى العقيدة في معناها الشامل يشمل دعوة الكفار ودعوة المسلمين ، ولكن الفارق أنها بالنسبة للكافر تكون هي النقطة المطلوبة ، بينما للمسلم فعليه تكليفات ، فبمجرد أن يسلم عليه الصلاة التي أسلم في وقتها . إذن تعطى العقيدة أهمية نسبية في التعليم ولكن ليست هي الأمر والوحيد ويبنى الجميع عليها .
إذن العقيدة أصل ينبني عليه العمل
فانظر مثلاً إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما وكيف يربى الغلمان على معاني الإيمان بالله وعلى معاني العقيدة وعلى معاني الإيمان بالقدر ، فالعقيدة أصل ينبني عليه غيره .
وكما في الحديث أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان .
فإذن إذا كان هناك أهمية نسبية فنحن نعلم أن أعلى شعب الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله .
فالمحور الأول الذي تتم عليه التربية الفردية هي الإيمان بمعناه الشامل .
فلابد هنا أن أول مراحل الاعتقاد هي العلم ، وبالتالي عندما نقول الاهتمام بالعقيدة أي تعلمها ثم التخلق بها ووجود آثارها في القلب ، فقد تختلف طريقة التعليم من العوام إلى طلبة العلم إلى من سيتصدى للرد على المخالفين . فكل واحد منهم له طريقة في التعلم ولكن لابد أن يكون هناك محور رئيسي في التربية وهو العقيدة .
تربية العوام لا يلزم أن يتعلمون من كتاب اسمه كتاب العقيدة بل لو أن الواعظ أو الخطيب مدرك لمسائل الإسلام إدراك جيد ويتكلم في تفسير الآيات القرآن ، فهذه هي العقيدة من مصدرها الأصلي الذي فيه عرض العقيدة بالطريقة المثلى التي تخاطب العقل والقلب معاً هو القرآن .
والحالة المثلى في تعليم الدين بصفة عامة أن نتعلم تفسير القرآن ونتعلم شرع السنة ، ولكن هذه طريقة مرهقة جداً لا يكاد الإنسان يحصل إلا بعد عمر وجهد جهيد ، والصحابة متوافرون بدأت بدايات ترتيب العلوم ، فالصحابة عندما أتوا إلى تعليم التابعين بدأوا في التهذيب واستخلاص الأمور المعينة لتعطى مركزة للمتعلم ومن هنا نشأ علم التفسير وعلم الفقه وعلم العقيدة وسائر العلوم بعد ذلك .
فطالب العلم يتعلم بطريقة منظمة تنظم له أفكاره بسرعه ثم يرجع لدراسة تفسير القرآن وشروح كتب السنة لكي يجتر هذا في دعوة أمام العوام فنأخذ كتاب في فرع ما ويرتب الفرع ترتيب جيد ولكن بلغة تناسب العوام أو الاعتماد على المصادر الأصلية ، والاعتماد على المصادر الأصلية أمر لا غنى عنه ، لأن كل المصادر الأخرى ما هي إلا وسيلة للتحصيل ولكن يبقى طريقة العرض المثالية عرض قضايا الإسلام كما عرضت في الكتاب والسنة ، وبالتالي الداعي الذي يكثر من الاستشهاد من نصوص الكتاب والسنة يكون أقرب من روح الإسلام الحقيقية ، بل يجعل النص القرآني أو النص النبوي ويدور في فلكه توضحياً وتعليقاً ونحو ذلك .
الدعوة للإيمان بمعانيه وأركانه كلها بمعرفة الله بأسمائه وصفاته والتعبد له بها وتوحيد الربوبية والإلهية .
وكما ذكرنا أركان الإيمان الستة ـ الإيمان بالله وملاكئته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ـ
فإذا لاحظت ستجد أن الإيمان بالله ،وملائكته ، فهناك إيمان عائد على الركن الأول وهو الإيمان بالله ، وكأن أركان الإيمان الستة لو أردنا أن نختذلها نقول الإيمان بالله واليوم الآخر . وكثير من آيات القرآن جاءت بالإيمان بالله واليوم الآخر على اعتبار أن الإيمان بالملائكة والكتب والرسل لمن آمن بوجود الله ، فلا يكاد إنسان يؤمن بأن الله تبارك وتعالى موجود ولا يؤمن بأنه أرسل رسله .
ولكن اليوم الآخر جاء التنبيه عليه كثيراً لأن كثيراً ممن يؤمنون بوجود الله لا يؤمنون باليوم الآخر كحال مشركي قريش .
فالمحور الرئيسي إذا تكلنا على قضايا الإيمان يكون أهم ركن فيها الإيمان بالله ، وهو الذي يسمونه التوحيد لأنه مظهره على اعتبار أن الله تعالى واحد في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته ، وكل جانب من هذه الجوانب له أثر كبير جداً وله أهمية شرعية ثم له أثر بالغ في سلوك المسلم .
هذه كل جوانب العقيدة ، فلها جانب إيجابي وجانب سلبي ، أي أنها عبارة عن جانب يجب أن تفعله وجانب آخر يجب أن تتركه . فهناك أفعال وتروك ، يوجد ولاء وبراء ، فلابد الاهتمام بالجانبين ـ لا إله إلا الله ـ عبارة عن نفي وإثبات ـ لا إله ـ نفي الإلوهية عن الجميع ثم تثبتها لله فقط ـ لا إله إلا الله ـ ، فقضايا الإيمان كلها لابد فيها من الاهتمام بالجانبين
أيضاً الكفر بالطاغوت ومحاربة الشرك في كل صوره القديمة والحديثة من شرك القبور والخرافات وشرك الحكم والولاء وغير ذلك ، وهذا إشارة لنزاع نشأ بين بعض الاتجاهات الإسلامية ، فبعضها يقول عندما نعتني أكثر بمظاهر شرك القبور لكون كثير من مجددي الإسلام ومصلحيه لاسيما شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية اهمتوا بهذا الجانب ، وفي الحقيقة أن دعوة شيخ الإسلام بن تيمية دعوة شاملة شمولاً نفياً وإثباتاً فتكلم في الإيمان بمعانيه الشاملة وتكلم في تصحيح العبادة وتكلم في أصل الاتباع وحارب البدع من الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة والصوفية والقبورية ، وفي الميدان العملي حارب التتار وأنكر المنكرات . فهي كانت دعوة شاملة جداً
في الواقع سواء شرك القبور أو شرك الحاكمية ينبغي العناية بكل هذه القضايا ، فنحن نقول أن أعلى شعب الإيمان هي شهادة أن لا إله إلا الله فلا ينبغي حينئذ أن نأتي فيما يناقض هذه الشعبة ثم نقول هذا خطير وذلك أقل خطورة ، لاسيما أنه لا يكاد توجد مخالفة ولا بدعة إلا وهي موجودة في جميع الأزمنة تقريباً .
وحتى لو قلنا إذا اشتدت بدعة ما وكثر دعاته احتاجت إلى بيان أكثر وتركيز أكثر فلا بأس بذلك .
ولا شك أن مظاهر شرك القبور موجودة وتنتشر ، والعجيب الآن أن الغرب كان يدين بدين النصرانية المحرف وهو دين مغرق في الخرافة ، وهذا الدين أعاق نمو المجتمع في دنياه لأن الأحبار والرهبان زعموا أنهم يحسنون الكلام في كل شيء وياليتهم اكتفوا بذلك بل زعموا أن روح القدس يأتيهم فيقرهم على هذا ، فحينما أخذوا النظريات العلمية الموجودة في زمانهم وتبنوها ثم اكتشف خطأها وقفوا أمام العلماء التجريبيين ومنعوهم من تعليم هذه النظريات فضلاً عن تطبيقاتها ، فحدث الثورة العلمانية في أوروبا وكفروا بهذا الدين ، وإن كان رجعوا له مرة أخرى بعد أن تبينوا أن هذا الدين المحرف المبدل بدأ في أول تحريف له بدأ علمانياً ، فبولس عندما ذهب إلى أوروبا ليبشر بهذا الديانة التي فعلها والتي أخذ بعض ما دعى إليه عيسى عليه السلام وزاد عليه الشركيات والغلو في عيسى عليه السلام فاخترع لهم ونسبوا إلى عيسى عليه السلام أنه قال " دع ما لله لله وما ليقصر ليقصر " ، والآن حدث أخيراً أن أوروبا علمانية نصرانية بالمفهوم النصراني الذي لا يتعارض مع العلمانية . وانتهى الأمر بحيث يحافظون على تاريخهم وعلى إرثهم وعلى الدافع والمحرك لعداوتهم للمسلمين وهي العلمانية .
في بداية انتشار المد العلماني صدروا العلمانية إلى بلاد المسلمين لاسيما بعد انهيار الخلافة ، وهم الذين سعوا إلى انهيارها وفي أواخر عهدها بدأوا يدعون إلى دعاوى علمانية منها القومية وإنكار مبدأ الخلافة والدعوة للدولة المدنية والدعوة لفصل الدين عن الحياة والاستهزاء بنظم الحكم .. ونحو ذلك . فصدروا العلمانية إلى بلاد المسلمين من باب أن المنتصر يود أن تسود أفكاره ، فهو لا يعطيك السلاح الذي انتصر به ولا الأسرار العسكرية ولا الأسرار التربوية إن كان هناك أسرار ولكن يريد منك أن تكون تابعاً لأفكاره ومناهجه بحيث لا تجد فرصة أن تخرج فصدروا العلمانية إلى بلاد المسلمين ، وعندما أتوا ليصدروها لابد من استنساخ التجربة ، فهو دين خرافي يعوق تقدم الحياة ، والحمد الله دين المسلمين ليس كذلك ، فاستغلوا انتشار الصوفية وقالوا هذه خرافة من تمسح بالقبور ومشايخ الطرق الصوفية وتسلطهم على رقاب العباد وأموالهم وبدأت المعركة ضد الصوفية وكانوا ينظرون أن القضاء على الصوفية ينهي الإسلام ولكن ظهرت الصحوة الإسلامية بفضل الله تبارك وتعالى ،وظهرت الصحوة الإسلامية وتستطيع أن تقول أنها سلفية في الجملة بغض النظر عن التفاصيل ، يعني تخلصت من هذا الإرث كله وتحاول الرجوع إلى الكتاب والسنة فهناك رجوع للمصادر الأصلية في الدين وظهر للناس جميعاً أنه لا تعارض بين الإسلام الذي أنزله الله وبين العلم .
العجيب الآن أن الغرب يدعم الصوفية ويصرف الملايين ويتبرعون لمولد البدوي ، وهناك دعم سياسي وصارت وسائل الإعلام الخاصة المدعومة غربية تنقل مولد السيد البدوي ومولد السيدة وأبو العباس وكذا وكذا لأن الغرب يريد للصوفية أن تعود تحارب السلفية .
الغرب الآن يمارس أعلى درجات الاذدواج ، والدعوة بالتمدين والتحضر وازدراء ما يسمونه بالفكر الغيبي ، فهنالك ثلة من الصحفيين أمثال نصر أبو زيد وغير نصر أبو زيد مدعومين من الغرب ليطعنوا في الإسلام على أنه فكر غيبي وأن العقل المستنير عليه ألا يقبل إملاءات لوجود يوم آخر ، رغم أن هذه أمور غيبية لا يمكن إدراكها إلا من قبيل الوحي أصلاً ولا دور للعقل فيها . وفي ذات الوقت تجد الغرب هو هو الذي يدعم المغرقين في الخرافة وليس الفكر الغيبي الثابت شرعاً بل المغرقين في الخرافة لأنه يريد أن يحاصر السلفية .
الغرب الآن يؤز الجماعات الإسلامية ويطلب منهم أن يدافعوا أمام السلفية ، ولذلك نحن نقول لهؤلاء لا بأس أنكم أشاعرة ولن نقول لكم أن منهجكم صحيح ولن نداهن فهناك خلاف بيننا في كثير من القضايا ، ولكن الأشعرية حركة حاول بها الإمام أبو الحسن الأشعري أن يقدم الفكر السلفي الحنبلي وحاول يشرح عقيدة الإمام أحمد بن حنبل فشرحها بطريقة ليست بطريقة الإمام أحمد بن حنبل ولا هي منهج المعتزلة ، ثم رجع الأشعري إلى منهج السلفي تماماً والذي كان يمثله بالجيل الذي قبله مباشرة الإمام أحمد ، وليس أن الإمام أحمد هو واضع هذا المنهج ، فلو تغاضينا أنهم لا يقرون بهذا التراجع فالأشاعرة حركة طورت في الفكر الحنبلي ،
لماذا طورت فيه ؟
لكي يحارب المعتزلة ، والمعتزلة نشأوا كي يحاربو الفلاسفة فياتي يداهن الفلاسفة ويهادنهم والمعتزلة فضلاً عن النصارى وغيرهم ويجعل العدو الأول هو السلفية ، فهذا لا يمكن أن يكون دوافعه أنه ينتصر للمنهج الأشعري ، بل هذا جزء من الطوق الذي يفرض على السلفية من كل جانب .
فنقول أن قضايا شرك القبور وقضايا شرك الحكم وكل هذا موجود ويحتاج إلى بيان وتوضيح .
الصوفية الآن في حالة هياج غير عادي من موالد وخرافات وخزعبلات وكذا وكذا ، وفي المقابل تجد العلمانيين الذين يقولون أن القرآن نص بشري موجودين بكل درجاتهم ولابد من الاهتمام بهذا كله .
نؤكد مرة أخرى أن كل هذه القضايا سواء الجانب المطلوب وجوده أو الجانب المطلوب نفيه يجب أن تكون واضحة لدى جميع المسلمين ولكن عندما نتكلم مع طلبة العلم لابد من درجة عمق معينة حتى يستطيع أن يواجه الناس ويكون عنده قدره على مخاطبة الجميع .
بالإضافة إلى أن الذي يتمكن من قضية ما كلما كان أكثر تمكناً كلما كان أكثر قدرة لتبسيطها للناس . فالقدرة على التبسيط ليست نابعة من أن الشخص نفسه أخذ القضية بهذا اليسر ولكن نابعة من التمكن ، وأنا دائماً أضرب لذلك مثل : فلو أنك سألت إنسان على مكان معين ، فهناك شخص يصف لك السير في هذا الاتجاه وبعد حوالي مسافة كذا تنحرف يميناً أو يكون من الممكن أن سوف أذهب معك ، فهو يستطيع أن يذهب إلى المكان ولكن سوف يتذكر التفاصيل شيئاً فشيئاً ،وهناك شخص آخر وهو جالس مكانه يصف لك وكأنه يرى المكان . فهذا المتمكن هو الذي يعطي الإجابة الشافية .
فكلما زاد تمكن طالب العلم بمسألة ما يستطيع أن يخرجها عدة إخراجات ويضمنها درس تفسير ويضمنها درس حديث ويضمنها حديث عابر وهو في وسائل المواصلات بخلاف الغير المتمكن من المسألة .
فكل هذه القضايا قضايا نعنون لها أنها قضايا ينبغي أن يتربى عليها الأفراد فنتكلم هنا على الأفراد بجميع توصيفاتهم من أول الطفل الصغير والرجل العامي إلى المتمرس في طلب العلم ولكن كل بحسبه .
هذا بالنسبة للإيمان بالله الذي هو الركن الأول من أركان الإيمان وكذا الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد في الصحابة . وهذا الفرع إذا تشعبت تحته بإتقان الأحداث التاريخية التي حدثت والتي يستغلها الأعداء ومعرفة الأدلة التفصيلية في فضل الصحابة ثم الأدلة التفصيلية بفضل واحد واحد منهم ثم قول المخالفين لأهل السنة في هذا الباب ورد شبهاتهم ، فكل هذا يدخل تحت هذا العنوان ولكن على الأقل نحتاج في تربية العوام إلى تذكيرهم الدائم بفضل الصحابة وشرفهم ورد الشبهات عنهم ، وهذا من مسائل الإيمان والكفر ومعرفة بما يصير الكافر مسلماً وبما يخرج المسلم من الإسلام ، فالآن مثلاً نصر أو زيد ينص في كلامه على أن القرآن نص بشري وبالتالي خاضع للنقض بل يطالب صراحة بالتحرر منه وبالتالي كفرته المحكمة ومع هذه يوجد من يصرون على أن من يكفره يكون متطرف . فلابد من معرفة بماذا يدخل الكافر في الإسلام ومعرفة أبواب الردة وما يخرج المسلم من الإسلام .
وتحقيق الاتباع للسنة ومحاربة البدعة أصل لابد من تربية الجميع عليه امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ) وقول الإمام مالك رحمه الله : " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "
وأيضاً تقرير مناهج الاستدلال والبعض الآن يطالبنا بالمرجعية لمواثيق الأمم المتحدة ، والبعض يطالبنا بالمرجعة للفكر العلماني وهذا غاية في العجب إذ الإنسان يناقش قضايا الإسلام بمرجعية علمانية فيقول هذا من حقوق الإنسان هذا كذا وهذا كذا ، فكيف تتم المناقشة ، والبعض يناقش بمرجعية إسلامية منقوصة ، وبالتالي يدخل في الإسلام ما ليس منه كأن يعتبر القرآن فقط أو يعتبر القرآن والسنة مع إعمال التأويل دون التزام بفهم السلف ، وبالتالي مهم جداً ترسيخ لدى الجميع أن المرجعية هي الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة لأن هؤلاء هم الذين جعل الله تبارك وتعالى إيمانهم ميزاناً لإيمان من بعدهم فقال { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } [البقرة/137]
إذن الدعوة إلى الإيمان بمعانيه الشاملة ، تحقيق اتباع السنة ومحاربة البدعة ، تقرير ووضوح مناهج الاستدلال ، تحقيق التذكية ، فهذه هي جوانب الشخصية المسلمة ، وكل المسلمون يحتاجون هذه الجوانب على اختلاف درجة العمق التي يمكن أن تعطى من إنسان لآخر .
تحقيق التذكية عبادة وخلقاً ومعاملة ، فهذا الجانب في غاية الاهمية
تناقلت وسائل الإعلام خبر عجيب جداً يقولون أن فتاة في إحدى محافظات الصعيد كانت تستحم في الوقت الذي اندلعت فيه النار في منزلها الريفي الموجود فيه أشياء كثيرة قابلة للاشتعال وأبت أن تخرج وهي عارية حتى احترقت رحمها الله وتقبلها عنده في الشهداء .
وبلا شك هي كان عندها رخصة ، فهل هذا من المواطن التي يستحب فيها الصبر أم كان الأولى والواجب أن تأخذ بالرخة ؟ فهي مسألة محتملة .
فبلا شك أن من أكرهت على الزنا معها الرخصة ولكن يستحب لها الصبر ، ولكن هنا الأمر أخف وهو كشف العورة ولكن بغض النظر عن الحكم الفقهي والتي نظنها لم تكن تعرف شيء عن هذه الأحكام ولكن الذي نريد أن نشير إليه أن هذا هو الخلق ، هي هيئة راسخة في النفس يتصرف الإنسان بمقتضاها بسهولة ويسر .
فيتحول خلق الحياء مثلاً إلى هيئة راسخة أقوى من الخوف والنار والهلع والفزع ، فهذا هو المفروض أن نصل إليه في جميع الأخلاق وهو أن الخلق يطبع في الإنسان فيجد أن تصرفاته تلقائياً نابعة من هذا الخلق .
وطبعاً من لم يكن كذلك فالعلاج هو التخلق " إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم " ولكن الإنسان الذي يسعى في تربية نفسه إذا فقد التخلق فليبكي على نفسه .
إذا وجد نفسه عند الغضب ترك نفسه لشيطانه فلا هو حليم طبعاً ولا هو متحلم ، فالذي إذا غضب أفلت ذمامه يكون هذا خارج عن نطاق التربية ولم يتربى التربية الصحيحة .
ومن إذا غضب تحلم ، يعني يجد أنه مندفع بدوافع الغضب ولكن يحتاج إلى مجهود لكي يذكر نفسه أنه الواجب أن يتحلم فهذا على طريق النجاة . ولكن عليه أن يكون هدفه النهائي أن يكون حليماً ، ومعنى ذلك أن يكون القائد والدافع الذي يدفعه عند دوافع الغضب الحلم لا الغضب .
فكما أن دافع الحياء عند هذه الفتاة منطبع فكان أغلب من الدوافع المضادة مع أنها في غاية القوة .
إذن قضية تحقيق التذكية قضية في غاية الصعوبة وقد تكون سهلة من جهة القول ولكن صعبة من جهة الفعل ، وهذا جزء نعاني منه أحياناً من باب نقض الذات ، فالآن ظروف الصحوة الإسلامية أن معظم الناس تلتزم في مرحلة الثانوي أو الجامعة وربما ما بعد ذلك ويكون قد انطبعت فيه صفات كثيرة ، ثم إذا كان التزم لا يوجد فرصة للمعايشة الكاملة في المساجد بل الأمر يكاد يختصر على درس أو درسين أسبوعاً مع المشقة ، والذي لا يزال في كفالة والديه يجد الحرج في طلب الإذن ، والذي يعول نفسه يجد أن عمله يستنذف معظم الوقت .
ففي ظل هذه الظروف تجد اضطراراً يتم التركيز على مسألة العلم وتوضيحه ، لأن العلم أصل لكل ما وراءه ، نحن نريد الأخلاق الفاضلة فلابد أن نتعلمها ثم نعمل بها ونجاهد أنفسنا على العمل بها ، ولابد أن نتعلم العقيدة ثم نتخلق بها ونتفقد آثارها في قلوبنا ، فتجد أن جانب العلم يطغى على جانب التربية لأن الوقت المتاح ضئيل . وجانب العلم في القضايا المشكلة يطغى على جانب العلم في القضايا السلسة ؛ على اعتبار أن كل شخص مكلف أمام الله تبارك وتعالى ويدرك خطورة أن يحصل وأن يصل بنفسه إلى أن تكون نفسه شخصية إسلامية سوية متكاملة فيحصل تقصير .
طالما أن الجوانب التي لا يحدث لها تنشيط تدمر فيعتبر هذا من ضمن القصور العملي ، ولابد أن نذكر من الحين والآخر أن إذا كان ضيق الوقت يجعل التناول التوجيهي في الجانب العلمي بل في الجوانب المشكلة منه أكثر ، فهذا لا يعني أن يغيب عن ذهن كل أحد المنهج المتوازن المتكامل .
التحلم لا يحتاج إلى مدرس ولكن يحتاج إلى شخص سمع الحديث مرة ونقشه في قلبه : ( إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ) وسمع وصية النبي صلى الله عليه وسلم ثم يطبقها في الصغير والكبير فإذا به حليماً ، فهذا الجزء لا يحتاج إلى كبير شرح ولكن يحتاج إلى كبير تطبيق .. وقس على هذا .
فطريقة تحقيق التزكية عبادة وخلقاً ومعاملة ، هذا أمر من أهم الجوانب .
وكما ذكرنا هناك جوانب تربية فردية لكي يوجد الأشخاص الصالحون ثم يصاغ منهم المجتمع وبالتالي قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضية واجب الدعوة أحد الجوانب التي ينبغي أن تغرس في كل متربي ؛ لأن هذا هو الجزء الوسط بين جانب التربية الفردي وجانب التربية الجماعي وهو أن الفرد يكون مهيء ومدرك أنه جزء من أمة وأن عليه أن يبحث في باقي واجبات الأمة بعد هذه الواجبات الفردية .
فإذن من جملة عناصرة الشخصية المسلمة أنها تدرك أنها جزء من أمة وأن هناك واجبات كفائية لابد أن يلتفت إليها ، فبيان هذا الأمر في الجملة هو جزء من التربية الفردية ثم تطبيقاته المختلفة وهذا نحن نذكره في الجانب الثاني وهو إيجاد الطائفة المؤمنة .
تحقيق التزكية عبادةً وخلقاً ومعاملة والسير في طريق الدعوة وإقامة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض على وفق منهج أهل السنة والجماعة إجمالاً وتفصيلاً .
يقول : نقرر أن الدعوة إلى الإيمان بهذا المفهوم الشامل هي أصل دعوة الرسل وهي الطريق الذي صار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ؛ فهذا المنهج هو أولى الأوليات في العمل .
إذن مع نقضنا لك من قدم أولويات أخرى نقرر أن هذا هو الذي قدمه جميع الأنبياء والمرسلين ، فلا يتحقق أي واجب بعده بدون هذا الواجب الأول .
فكوننا ندفع أناس لا يفهمون المنهج لكي يقيمونه فأي منهج سيقيمون .
فلو افترضنا أن هناك مجموعة من قادة العمل الإسلامي اكتفوا بفهمهم هم فماذا بعد موتهم وماذا في حياتهم في التطبيقات المختلفة في العمل ، فماذا إذا فتنوا كما حصل في بعض الاتجاهات
وتجد بعض الاتجاهات الإسلامية لا يكاد يوجد فيها من يحسن التصدي لكل ما نحكيه من معارك إلا أفراد قليلين .
من الممكن أن يتكلم هذا وينشر له الباقي بوسائل النشر المختلفة فلا بأس من ذلك ، ولكن حينما تأتي في المحك داخل الجامعة تجد المنصر موجود وجهاً لوجه ، فهل تقول له انتظر حتى آتي بفلان ؟ ، وأيضاً تجد الشيوعي موجود وجهاً لوجه واللبرالي موجود وجهاً لوجه ، فلا يغني داعية مهما بلغ قدرة أن يكون هو الوحيد الذي يفهم والباقي يأخذون إنتاجه يدفعونه لمن يسأل ، لأن الباقي يؤكدون النظرة التي يحاول خصوم الدعوة أن يلصقوها بأبناء الصحوة أنهم لا يفهمون ما يدعون إليه وأنهم يحركون إلى غير ذلك .
نريد من الجميع أن يفهم بدرجات وأن يؤدي الرسالة بنفسه في المكان الذي هو فيه ولا بأس أن يوجود من هو متميز قد يعتبر أنه يؤدي الأمر عن الجميع أن يحاول نشر إنتاجه فلا بأس من هذا كله ، ولكن لا يمكن أن يقوم الأمر بغير أفراد يفهمون الدعوة ويفهمون الجوانب المطلوب وجودها ويجيدون التصدي للأمور المطلوب عدم وجودها .
يقول : وهذا المنهج تجب الدعوة إليه بكل الطرق وتربية الناس عليه بالوسائل العامة كالخطبة والدرس والجامع والكتاب والنشرات العامة وقوافل الدعوة وغير ذلك من الوسائل الخاصة كالدرس الخاص والمعاهد العلمية والمجموعات التربوية وغيرها ، وقد نعرج على هذين السطرين مرة أخرى ونحن في ثنايا الكلام على الجانب الآخر من جوانب منهج الدعوة السلفية في الإصلاح .
فهذا هو الجانب الأول : الدعوة إلى الإيمان بمعانيه الشاملة ، أو تربية الأفراد على هذا المنهج الشامل المتاكمل المتوازن
المنهج الثاني إيجاد الطائفة المؤمنية ونذكرها في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى
سبحانك اللهم وبحمدك
نشهد أن لا إله إلا أنت
نستغفرك وتوب إليك

أبو علاء السلفي السكندري
12-09-2010, 01:33 PM
بقي درسين بارك الله فيك ونحن بانتظارك يا شيخنا المبارك

اللهم فك أسر شيخنا المربي الحبيب عبد المنعم الشحات

وقيض لدينك رجالا يقومون على نشره ليل نهار ولا يخافون فيك لومة لائم

ابن قمر المصرى
12-09-2010, 01:45 PM
الدرس الواحد والعشرون
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فال هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في الكلام في منهج الدعوة السلفية في الإصلاح بعد أن ذكرنا بعض المناهج الأخرى ، وذكرنا أن منهج الدعوة السلفية في الإصلاح يقوم على محورين : المحور الفردي والمحور الجماعي .
إيجاء الأفراد الصالحين ثم بناء المجتمع المسلم من هؤلاء الأفراد .
فهذا الفهم أو هذا المنهج قائم على الفهم الصحيح للإسلام من أن الإسلام دين ينظم حياة الفرد والمجتمع ، وهذا مما لا يكاد ينازع فيه أصحاب الاتجاهات الإسلامية ، ولكن كنا ذكرنا بعض الخلاف مع أصحاب المنهج الفردي في أنهم ربما يؤجلون الكلام على إقامة الإسلام في المجتمع أو على إقامة فروض الكفايات إلى أن تقوم الدولة الإسلامية . وهذا مخالف لما أمر الله تعالى به ولما ورد في الكتاب والسنة من مخاطبة المؤمنين ، وكما ذكرنا ونحن نقرر مشروعية العمل الجماعي من قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً عاماً فقال { والسارق والسارقة فاقطعوا } وقال { والزانية والزاني فاجلدوا } "
إن الخطاب للأمة ، وكون أن أفضل الأحوال أن يوجد الإمام الذي ينفذ هذا الخطاب أو يرتب تنفيذه فهذه أفضل الحلول ، ولكن لا يعني هذا أنه متى غاب الإمام أو قصر أو عجز أو غير ذلك أن تسقط هذه الفروض الكفائية
فمن منهج الدعوة محاولة القيام بما نطيق من فروض الكفايات ، بل لا يحصل نصر ولا تمكين إلا بهذا . لأنه إذا أنتجت أفراد صالحين في خاصة أنفسهم يبقى تيار التغريب وتيار الإفساد أكثر قوة وانتشاراً كالفرق بين النهر الجاري والمستنقعات ، فيمكن أن تجد بعض المستنقعات فيها مثل ما في النهر الجاري ، ومن باب الشيء بالشيء ذكر أن الأزمة القائمة الآن على نهر النيل يقال أن الأمطار التي تنزل في بلاد المنبع يتجه منه عشر بالمائة في مجرى النيل وتسعون بالمائة تضيع في المستنقعات ، ومع ذلك الصراع على المياة التي في مجرى النيل ، لأن المستنقعات عديمة الفائدة تقريباً ، فتجد مثلاً أن مصر تعرض على دول المنبع أن تكتفي بمياة المستنقعات أو تجري بحوث أو دراسات لمحاولة الاستفادة من مياة المستنقات بحيث أن يكون عندها ما يكفيها من هذه المياة وتترك مياة النهر لدول المصب التي ليس فيها أمطار بالقدر الكافي ، وهذه الدول التي هي في المنبع ترفض ، لأنك تعرض شيء شبه عديم القيمة تقريباً لا يستطيع أن يصل إليه إلا بعد جهد ومشقة بالغة وتكلفة باهظة ولا يستطيع أن يولد منه طاقة كهربائية ، لأن مياة المستنقعات مياة تحتاج مجهود وبذل طاقة لكي تجمعه بينما مياة النهر بها طاقة ذاتية ويمكن مع جريانها ان تولد منها طاقة كهربائية ونحو ذلك .
وهذا ماء عذب وهذا ماء عذب وهذا من نفس الأمطار ولكن هذا وجه التوجيه الصحيح في مصار اجتمعت فيه المياة قطرة إلى أخرى حتى صار ماء هادر صار له قيمة أنه امتد آلاف الكيلومترات إلى أن وصل إلى بلاد أخرى ، وأن الكل يريد هذا دون الآخر لما فيه من نفع ذاتي وقدرة على النفع والانتشار .
هذه سنن كونية ، فكما توجد في هذه المخلوقات توجد في بني آدم ، وبالتالي جد أن مثلاً بعد الاتجاهات الإسلامية بالفعل هي أقل عدداً من الاتجاه السلفي ، ولكن نتيجه وجود عدد كبير من الرموز ممن يرون مشروعية العمل الجماعي قد لا يستطيعون أن يظهروا بنفس الدرجة في التعبير عن مناهجهم وفي نشر مناهجهم ونحو ذلك .
فلا شك أن هناك قضية محورية ، فنحن نقول أن الإسلام ينظم حياة الفرد والمجتمع ، وهذه القضية قد تكون مسلمة لدى الإسلاميين كما ذكرنا ، وقد تكون محل نزاع مع العلمانيين ، وقد وعدنا في بداية هذه السلسلة أن موضوع البحث الذي نحن بصدد شرحه أنه يركز على ذكر مناهج التغير المطروحة داخل أوساط الصحوة الإسلامية ، وأشرنا أننا قد نحتاج إلى أن نتكلم على مناهج الإصلاح المدعاة عند الاتجاهات العلمانية والديقراطية وغيرها من المناهج التي يطرحها هؤلاء .
قد يكون هناك نقطة خلاف فاصلة بين الإسلاميين ككل وبين العلمانيين في قضية هل الإسلام كما النصرانية علاقة خاصة بين العبد وربه فقط أم أنه دين جاء ينظم حياة الفرد والمجتمع أو دين ودولة كما يقول بعض الدعاة إلى الله ؟
بلا شك أن هؤلاء العلمانيين والديمقراطيين واللبراليين وغيرهم أنهم ينقلون التجربة الغربية بحذافيرها ، فاستقر الأمر في التجربة الغربية على أن يوصفوا الدين على أنه علاقة خاصة بين العبد وربه وأن تنظيم المجتمع لا علاقة للدين فيه البتة ، وهذا قد يكون موضوع نتناوله إن شاء الله بعد الانتهاء من هذا الموضوع .
فنقول : أن كون الإسلام ينظم حياة الفرد والمجتمع قضية تستطيع أن تدعي أنها متفق عليها بين الإسلاميين ،ولكن الخلاف في هل هناك مجال لأن نبدأ الآن في شيء من الواجبات التي تتعلق بتنظيم المجتمع والتي يصطلح الفقهاء على تسميتها بفروض الكفايات ؟
اصطلح الفقهاء في ذلك على هذا المصطلح ـ فروض الأعيان ، وفروض الكفايات ـ وكلمة فروض من باب الأغلب وإلا فهم يتكلمون على تكاليف أو تشريعات سواء كانت فرضاً أو نافلة ، فمنها ما يكون خاص بالأعيان كما نقول أن الصلاة من فروض الأعيان ولكن سنن الصلاة من سنن الأعيان ، وهكذا فيما يقال أنه من فروض الكفايات فسننه تكون من سنن الكفايات .
فمثلاً لو قلنا أن إقامة صلاة العيد عند بعض العلماء أنها من فروض الكفايات وعند البعض الآخر أنها من سنن الكفايات .
هذا المصطلح وضعه الفقهاء ابتداءاً لبيان أن المسألة في غاية الوضوح في الفقه وظاهرة أن هناك تكليفات يراد من كل مكلف بعينه أن يقوم بها ، وهذه التي اصطلحوا عليها في فروض الكفايات ، فكل مكلف يحتاج إلى تربية خاصة من العبادة والمعاملة ونحو ذلك ، وجزء من هذه التربية الخاصة لكل فرد
هذه التشريعات تشرع أن يقوم بها كل فرد بذاته ، فلا يغني قيام أحد عن الآخر .
وهناك واجبات طلبت من الأمة أن تقوم بها
المهم أن يوجد الفعل بغض النظر عن الفاعل .
ففي فروض الأعيان أنه يراد من كل مسلم أن يكون فاعلاً لهذا الأمر المطلوب ، بينما في فروض الكفايات المطلوب أن يوجد الأمر كأن تتراحم الأمة وأن يكفى فيها فقراؤها وأن يعلن فيها ويؤمر فيها بالمعروف وينهى فيها عن المنكر وأن تكون قوية قادرة على الرد على أعدائها بل قادرة على الجهاد من أجل نشر دين الله تبارك وتعالى ، فكل هذه أمور المطلوب من الأمة أن توجد فيها هذه الأمور وليس المهم من الذي قام ، بل طالما أن الفعل وجد فإذن الأمة قد سلمت وفعلت ما عليها ، وبالتالي يقول العلماء في هذه أنه متى قام بها البعض سقط الإثم عن الباقي وإلا أثم كل قادر بأي أنواع القدرة . سواء كان قادراً بنفسه أو مع غيره أو بأمر غيره .
فبعض فروض الكفايات يمكن أن يقدر عليها الإنسان وحده مثل أن يجد منكر وهو قادر على إنكاره ، أو هو بنفسه غير قادر عليها ولكن إذا تعاون مع غيره قدر عليها فيجب حينئذ أن يتعاون مع غيره في ذلك أو يكون لا قدرة لا إلا أن يأمر وينصح .
فهذه هي فروض الكفايات ، فنحن نقول أن من منهج الدعوة في ذلك الحرص على أن يقوم الأفراد الذين يتربون على المنهج الفردي أنه يتربى كل فرد على ما يخصه كفرد في العقيدة والمعاملة والسلوك وأن هؤلاء يتعاونون في إقامة فروض الكفاية .
يقول : إن إيجاد الطائفة المؤمنة الملتزمة بالإسلام عملاً من أجله المجتمعة على إقامة فروض الكفاية المضيعة وبكل ما أوتيت من قدره وساعية في نفس الوقت في تحصيل أسباب القدرة فيما تعجز عنه في الحال .
إذن حتى لو تصورنا وجود عجز في إقامة فروض الكفايات فينصرف الأمر إلى الأخذ بالأسباب .
يقول : تحديثاً للنفس به وحباً للخير وحرصاً عليه ونصيحة للمسلمين واهماماً بشأنهم للحديث : ( من لم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) وكأن القضية هنا أنه يوجد أحوال لا يوحد فيها متسع للغزو ، لأن الجهاد أحد فروض الكفايات التي تتعلق بالقدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ، فمن الوارد أن يكون الإنسان في أرض هو فيها مستضعف أو لا يوجد المجال الشرعي للغزو والجهاد ، فلا يكون الأمر أي قتال ويسمى جهاداً ، فكما ذكرنا أنه لكي يكون القتال جهاداً لابد أن يكون قتالاً شرعياً مما أمر الله به ، فحينئذ يجب على العبد حتى لا يموت حب هذه العبادة من قلبه وحتى لا يدخل إليه الشيطان لأن الجهاد من العبادات التي تكرهها النفوس طبعاً ، والمسلم مطالب أن يجاهد هذه الكراهية الطبيعية ولا يضره وجودها طالما أنها لم تقعده عن الطاعة .
نفترض أن هناك قائم وجاء الإنسان ليجاهد فحدثته نفسه بالجبن أو البخل فهذا حديث نفس معفو عنه ما لم يعمل به . وإن كان مطلوب منه مجاهدة نفسه بأن لا يعمل به فإذا حدثته نفسه بذلك ذكرها بأمر الله وبما أعد الله للمجاهدين ،وأيضاً من كانت نفسه تتفلت عليه مرة بعد أخرى فهو في حاجة إلى مجاهدة أشد حتى يكاد شيطانه ييأس أو لا يجد في كل مرة الممانعة الشديدة عندما يقدم على طاعة الله تبارك وتعالى .
فالقضية هنا أن هذا شيء فيه قدر من المشقة التي تكرهها النفوس ، فإذا فقد فربما استراحت النفوس لذلك ، وبالتالي من الواجب على الإنسان أن يذكر نفسه ويأخذ عليها العهد فيما بينه وبينها وهو أنه لم يقعد عن الجهاد إلا لعدم وجود سبيله وأنه لو وجد لجاهد ، فلابد أن يحدث نفسه بذلك حتى لا يقعد عن طاعة الله تبارك وتعالى أو يكون ممن لم يعذر ، لأن من شروط العذر في عدم فعل طاعة غير مقدور عليها أو العذر في الإكراه على معصية فلابد أن يكون من داخله يتمنى أن لو وجد السبيل للطاعة وإلا فإن الإنسان إذا أكره على معصية فاستراح لذلك وأقبل عليها بشهوة لم يكن هذا إكراهاً ، وبالتالي إذا عجز عن بعض الطاعات لابد أن يحدث نفسه بها .
يقول : نرى أن إيجاد هذه الطائفة المؤمنة على منهج أهل السنة الجماعة والتي يجتمع عليها باقي أهل السنة هو من أهم الواجبات والأولويات ، وهذه الطائفة تسعى إلى أن يكون أفرادها في خاصة أنفسهم يؤدون الواجبات العينية عليهم في العقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة والخلق ويتركون المحرمات .
فهذه قضية في غاية الأهمية . فلابد قبل أن يوظف الإنسان في أن يسد ثغرة في الفروض الكفائية أن يؤدي الواجبات العينية التي عليه ، لأن بعض الاتجاهات الإسلامية قد تستغرق في جانب معين من جوانب فروض الكفاية فإذا جاء الفرض لم يأخذ من التربية الفردية إلا ما يخدم هذا الجانب .. وهذا خلل ، لأن التربية الفردية لابد أن تكتمل عناصرها .
فربما يوجد اتجاه يسد ثغرة واحدة من فروض الكفاية ، فهذا أمر محتمل على مستوى الفرض وعلى مستوى الجناعة لكن غير محتمل في الفروض العينية .
فعلى مستوى الجماعة : لو افترضنا جماعة تقول أنها سوف تركز على موضوع دعوة العوام في الشوارع والمقاهي وإدخالهم إلى المساجد .
نقول هل هذا تفرضه كمنهج ينبغي أن يسير عليه الجميع أم أن هذه ثغرة تسدها وتطالب غيرك أن يسد سائر الثغرات ؟
فلو أنه ادعى أن هذا هو منهج الإصلاح الذي ينبغي أن تسير عليه الأمة تكون نظرة معوجة قاصرة ، ولكن لو قال أن فروض الكفاية يسع فيه أن كل مجموعة تسد ثغرة فلا إشكال في ذلك على أن يكون هذا الأمر واضحاً .
لو افترضنا أن هناك اتجاه ما أخذ على عاتقه دعوة العوام في الشوارع والطرقات والمقاهي وإدخالهم إلى المساجد ، فالفرض الذي ينتمي لهذا الاتجاه لابد أن يتعلم العقيدة ولابد أن يتعلم العبادة الصحيحة وأن يعرف السنة من البدعة وأن يتعلم المعاملات الإسلامية الصحيحة لاسيما فيما لا ينفك الناس عن التعامل به من البيع والشراء . فلو قال ولما كل هذا بل أنا أريد منه أن يجيد إقناع الناس أو دعوتهم إلى أن بعده عن الله تبارك وتعالى وعدم أدائه للصلاة التي هي أعظم عبادات البدن خطر عليه .
نقول أن هذا حقه هو الشخصي
فلا يصح ان يدعو الناس إلى الصلاة وهو يفهم القدر على طريقة مخالفة لما ورد للكتاب والسنة .
نقول أن هناك جوانب في التربية الفردية يحتاجها كل فرد مسلم . وإذا تكلمنا عن فرد مسلم سوف يوظف في الدعوة إلى الله بغض النظر عن الثغرة التي سيسدها سيحتاج درجة أعلى مما يحتاجه الرجل العامي ، وإذا كان شخص سوف يسد ثغرة التعلم والتعليم فهذا يحتاج قدر أوسع بكثير ، ولكن مجرد أنه لكي يكون هو فرد مسلم صالح ولبنة صالحة لابد أن يتربى على هذه المعاني وأن يؤدي الواجب عليه في الفروض العينية .
إذن الفروض العينية لا مجال فيها للفصال كما يقولون .
أما الفروض الكفائية مطلوبة من الأمة ككل فمن الممكن أن البعض يساهم في جانب ولا يساهم في الجانب آخر بحسب استعداداته وهمته وقدرته .
حتى النوافل كذلك فهناك من هو من أهل الصلاة وهناك من هو من أهل الصيام وهناك من هو من أهل الصدقة وهناك من يكون من أهل ذلك كله . فالامر فيه سعة في أمر نوافل العبادات .
نوافل العبادة متلصقة بالتربية الفردية ولكن فيها قدر من السعة ، فمن الممكن أن يكون واحد عنده أموال كثيرة تشغل وقته فمن رحمة الله به أنه إذا أدى الواجب عليه يمكن في الوقت الذي غيره يصوم النهار ويقوم الليل أن يأخذ هو من ذلك بحظ يسير مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر ويصلي ركعتين خفيفتن وأن يعوض هذا بصدقة المال الذي أتاه الله منه ، وإذا كان عنده مال وسيجمع إلى هذا صياماً وقياماً ففضل الله واسع بفضل الله تعالى .
فإذن باب النوافل فيه قدر من السماحية والاختيار .
باب فروض الكفايات فيه سعة واختيار حسب القدرات والاستعدادات سواء على مستوى الفرد أو الجماعة .
أهم شيء أن الفرد قبل أن يوظف في أمر ما لابد أن يكون شخصيته الإسلامية مكتملة .
الأمر الآخر وهو عندما يوجد اتجاه أو جماعة أو هيئة إسلامية فيجب عليها أن تتبنى الإسلامي متكاملاً من حيث النظرية ، فتقرر أن الإسلام جاء ينظم حياة الفرض والمجتمع وأن عناصر التربية الفردية كذا وكذا .
فلو أن جمعية خيرية تسد ثغرة القيام على الفقراء والمساكين أو جمعية تقوم على نشر كتب السلف أو جمعية خيرية دعوة أو جمعية شاملة أو جماعة شاملة فلا حرج لذلك على أن يكون المنهج النظري في غاية الوضوح أيضاً .
فبعض الاتجاهات يكون موضوعها دعوة العوام ونحن لا ننكر عليها بل هم الذين ينكرون على من يرون المشروع الإسلامي المتكامل ويرى أنه لا خير في الأمة إلا دعوة العوام ، فدعوة العوام تنقله من درجة إلى درجة أفضل منها ولكن أين من يتصدى للعلمانيين ويوضح منهج الإسلام وأين من يربي الأمة على ذلك وأين من يتحاكم إليه الناس ، فهل نقول للناس لا تتحاكموا إلى القانون الوضعي ثم إذا أراد الناس أن يتحاكموا إلى الشرع لم يجدوا طالب علم قد درس أبواب المعاملات وأبواب القضاء وغيره .
فنقول سد هذه الثغرة ولكن وضح أن هذه جزء من المنهج الإسلامي .
داخل الاتجاهات التي تتبنى منهج شامل أيضاً لن يكون الفرد هو الذي يؤذن وهو الذي يؤم الصلاة وهو الذي يفتح المسجد وهو الذي يقم المسجد وينظفه وهو الذي يفتي وهو الذي يدرس وهو الذي يوزع الزكوات وهو الذي يجمعها ؛ فلا يوجد إنسان يستطيع أن يفعل ذلك كله للقدرات الخاصة لكل إنسان ولضيق الوقت .
فإذن في النهاية أن داخل العمل الجماعي الكبير لابد من توظيف ولكن قبل هذا التوظيف لا نقول أن فلان يصلح أن يكون مسئول زكاة ثم هو عقيدته خربة يؤمن بالطيرة ويحلف بغير الله ، فلابد أن يتعلم العقيدة ، ولو ظننا أنها ليس لها تعلق مباشر بالمهام التي سيقوم بها . لأن الواجب عليه هو والواجب على المجتمع المسلم تجاهه واجب أصيل قبل موضوع توظيفه هو في ثغرة من ثغرات المجتمع ، فلابد أن تكون شخصيته شخصية إسلامية متكاملة ناضجة حتى ولو أنه سيعمل في جانب كالزكاة وغيرها . ثم إذا كان سيوظف في جانب الزكاة لابد أن يعرف مزيد في هذا الباب خصوصاً ، لأن فرض العين على الإنسان المسلم العادي أن يعرف أن في دين الله زكاة وأن الواجب منها على كل مسلم زكاة الفطر وأن هناك زكاة للمال لمن بلغ في أجناس معينة من الأموال إذا بلغت نصاباً معينة فإذا وجد أنه لا مال له فيكتسب ثم ينفق ، فلا واجب عليه أكثر من ذلك ، فلو عرف أنه لو صار معه مال لا يزول منه عليه أن يتعلم المزيد حينئذ وصار من أهل الزكاة في الجملة . فعليه أن يتعلم النوع المالي الذي معه ومتى تجب فيه الزكاة وما هو نصابه وما هي شروطه .
فإذن فرض العين يتدرج بحال الإنسان .
فالامر هنا يستع لتنوع الهمم والوظائف .
كنصيحة عملية ربما لا تكون مرتبطة ارتباط كبير في هذا الأمر :
إذا كان في مسجد ما أو في أي مكان دعوي نوظف الطاقات ، فيفضل يكون الأمر كما يسميه البعض " القانون الطبيعي " بمعنى إذا كنا في المسجد مجموعة من الإخوة وجدنا أخ حسن الصوت بالقرآن وماهر في حظفه وتولى هذا الجانب والآخر أكثر ميلاً إلى دراسة الفقه ودرسه وهذا عنده فسحه من الوقت ويستطيع أن يأتي إلى الصلاة مبكراً قبل موعدها ويفتح المسجد ويهيئه للناس فتجد أن الأمر صار بطريقة تلقائية ، وهذا هو الحل الأمثل . وهو أن المجموعة الموجودة تتوزع على الثغرات الموجودة تلقائياً ؛ فإذن يكون هذا أسلم الحلول .
إذا وجدنا أن هناك ثغرة تكاثر الناس عليها وأخرى شاغرة لابد هنا من تدخل وهو أن نأخذ أمثل الناس لهذه الثغرة ، فطالما أنها شاغرة إذن لا يوجد من هو يصلح لها مائة بالمائة وإلا كان سيشغلها مباشرة ، ولكن يوجد من يبعد نسبياً أو من لا يرى من نفسه أنه يصلح لها فحينئذ لابد من تدخل ، لأن بعض الإخوة إذا كلف بأن يكون إمام مسجد مثلاً قد تجد لديه غرض ما في أن ينقل الناس ، فإذا كان هذا يحسن تدريس الفقه طالبه بتدريس العقيدة والآخر الذي يحسن تدريس العقيدة طالبه بتدريس الفقه كنوع من التجرد في العمل أو بعض المبررات ولكنها تخالف السنن الكونية وتخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستكشف الطاقات في أصحابه ويحضهم على استثمارها ، فلا تحاول أن تصادم طبيعة الشخص الذي أمامك بل استثمره فإذا كانت القضية أن هناك ثغرة شاغرة فلابد حينئذ أن يقال لأحد أن هذه ثغرة قد شغرت فلا مناص من أن تشغلها وأنت أقرب الناس إليها .
وكنا تدارسنا في مناسبة أخرى رسالة الطريق إلى ثقافتنا للعلامة محمود شاكر رحمه الله ، ووقفنا وقفة تأمل وإعجاب للفقيه الكبير حينما كانت بداية النهضة الأوروبية وبداية الانتصارات العسكرية الأوروبية على الدولة الإسلامية وكان السبب أن أوروبا سبقت إلى تطوير السلاح وانتقلت من عهد الفروسية إلى عهد السلاح الناري وعهد البارود ونحو ذلك وهذا له آلات غير آلات الفروسية وكان بداية أنهيار الدولة الإسلامية له أسباب شرعية ومادية فمن هذه الأسباب المادية ذلك الأمر ، يسجل بإعجاب شديد الاستاذ محمود شاكر رحمه الله كيف أن هذا الفقيه الكبير لما سأل عن أحوال الأمة ووجد أن المشكلة أن الأمة لا تحسن الهندسة ولا تحسن صناعة الحدادة والسباكة تعلم هو هذه العلوم وأنشأ مدرسة لتعليم علوم الهندسة والحدادة والسباكة حتى أتت الحملة الفرنسية ، بل يرى الشيخ محمود شاكر أنه لو عد من أسباب قدوم الحملة الفرنسية على مصر القضاء على هذه الصحوة لما أبعدنا كثيراً ، فكانت هناك صحوة دينية موجودة وأيضاً صحوة من أجل الأسباب المادية ، فهذا هو الفقه بعينه .
هناك فرض كفائي شاغر أقل شرفاً من طلب العلم الشرعي ولكنه في ذلك الوقت صار أعلى شأناً وشرفاً . فلو أن العلم جديد وصعب ووجد من يجد نفسه يصلح لهذا الأمر وفي الأمة فقهاء غيره ذهب هو وتعلم وصار معلماً في هذا الباب .
فالاستاذ محمود شاكر يستغرب استغراباً شديداً ان مكتبة الجبرتي أخذتها الحملة الفرنسية بأسرها من كتبها الشرعية والدينية والدنيوية وكأنها لا تريد أن يبقى في الامة أثر لهذه المدرسة .
الشاهد هنا أنه إذا وجدت ثغرة شاغرة فلابد من التصرف وأن تصير هذه الآن هي أوجب الواجبات .
فهذه نصيحة لمن يتولى أمر الدعوة في أي مكان ، بل لمن يتولى أمر من الأمور الدنيوية ، فلو أن إنسان خرج مع إخوانه في رحله فهذا يجيد الطبخ وهذا يجيد نصب الخيمة وهذا يجيد صنع المشروبات ، فلو أن المهام توزعت على الناس توزيعاً تلقائياً لكان هذا هو أسلم الحلول . فكل إنسان يفعل ما يحب وما يجيد .
في المقابل عندما يأتي الإنسان ليعمل ويخدم دين الله تبارك وتعالى ويريد أن يقدم نفسه ويحفر لنفسه طريق في أي ثغرة من الثغرات فعليه أن يستكشف قدرات نفسه ، وفي ذات الوقت عليه أن ينظر أي الثغرات أرجح طالما أنه هو الذي سيوظف نفسه أو أن إخوانه لم يكونوا أسبق منه في اكتشاف قدراته أو توظيفه أو اكتشاف ثغرات يصلح هو لها ، فعليه أن يستكشف قدراته وأن يكون أميناً مع نفسه بقدر الإمكان فلا يبالغ في قدرات نفسه ولا يبخسها من باب الورع الكاذب ، لأن الورع ليس في أن يكون أعطاك الله قدرة فتكتمها ولكن الورع أن تقول هذا من فضل الله وأن توظفها في خدمة دين الله تبارك وتعالى ، فيحتاج الإنسان أن يوازن بين قدراته وبين الثغرات الموجودة .
يوجد من الناس من خلصت نيته وازداد فقه بالدرجة التي يستطيع أن يوظف نفسه وأن يوجد لنفسه دور مهما كانت المسألة ، وفي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ) فهو عبد يسير مع الجهاد اينما سار وهو في النهاية جندي مطيع لأنه يريد أن يكون في جملة الجيش ( إن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان في الحراسة كان في الحراسة ) فيوجد ويحاول أن يسد أي ثغرة ولا يتأخر عن أي ثغرة ممكنة .
ولذلك حديث قصة البكائين في غزوة تبوك وهذا الرجل الذي ما وجد سبيل وهي غزوة بعيدة لا يمكن أن يذهبها الذاهب إلا راكباً وليس عنده شيء وحض النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء على الصدقة لكي تؤخذ صدقاتهم ويشترى بها ما يحمل عليه إخوانهم الفقراء ؛ وهذه من فضائل ومآثر عثمان رضي الله عنه الذي تصدق بثلاثمائة ناقة بأقطابها وأحلاثها ، ومع هذا وجد من لم يأخذوا حظهم أو نصيبهم من الركوب فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع .
هذه هي القضية وهذا ما كنا نتحدث عليه ( من لم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو ) فليست القضية انه طالما صار معذوراً فهو يستروح لهذا العذر بل هو يتألم أنه لم يتمكن من أن يشارك .
ومع هذا قام قائمهم بالليل يقول : اللهم إنك لم تعطني ما أجاهد عليه ولم تعطي رسولك ما يحملني عليه وإني لا أجد من مشاركة إلا أن أتصدق على كل مجاهد بكل مظلمة لي عنده في مال أو عرض .
فقه عظيم جداً وحرص بالغ على المشاركة ، ووجد باب قد يكون بعيد وهو أن يخفف عن المجاهد بعض أوزاره . لأن المجاهدين ينصرون بأعمالهم فربما كان بعض المجاهدين اغتابه أو نحو ذلك ، وهو لا يجد شيء غير أن يعفوا عن كل مجاهد منهم اغتابه أو له عنه حق مال فيسقطه عنده ، فهذه هي المساهمة التي يستطيع أن يساهم بها . فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبشر فقد كتبت في الصدقة المتقبلة )
إذن نقول أن الأفراد لابد أن يقوموا بالواجبات العينية ثم يقومون بما يتناسب مع هممهم من أنواع النوافل ثم في العمل الجماعي وإيجاد الطائفة المؤمنة وإيجاد المجتمع المسلم يوظفون أيضاً كل في ثغرة بحسب قدراته من جهة وبحسب حاجة الأمة من جهة أخرى .
فهم يؤدون الواجبات العينية عليهم في العقيدة والعبادة والسلوك والخلق ويتركون المحرمات ، كما أنهم ملتزمون بالتعاون المنضبط على إقامة الفروض التي خوطبت بها الأمة ككل كالتعلم والتعلم ، قال تعالى { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [التوبة/122] وللعم منزلة خاصة وأهمية كبرى في دعوتنا ، إذ عليه تقوم وبدونه تفقد هويتها وانتمائها للسلف ، ولابد أن يكون هذا الأمر على كل المستويات في الصغار والكبار والرجال والنساء وفي سائر قطاعات المجتمع .
فقضية العلم قضية لا غنى عنها في التربية الفردية لأن كل عناصر التربية الفردية عبارة عن علم ثم عمل يعلم العقيدة ويعمل بها ويعلم العبادة الصحيحة ثم يؤديها ويعلم السنة ثم يلتزم بها ويعلم البدعة ثم يلتزمها ويعلم الأخلاق الفاضلة ويتخلق بها ويعلم الأخلاق الذميمة ويجاهد نفسه في البعد عنها ، فالعلم هو نصف كل الأمور وكل عناصر التربية الفردية علم ثم عمل ، وكل عناصر الواجبات الكفائية علم ثم عمل
نقول من الواجبات الكفائية القيام على حقوق الفقراء والمساكين فنحتاج ن نعرف الزكاة من الصدقة ومصارف كل منهما ، فقد يأتي إنسان ويقول هذه كفارة يمين وأنت تقوم على حقوق الفقراء والمساكين فكم تأخذ منه وهل تأخذ منه نقود أم طعام أو تأخذ منه نقود وتشتري طعام أم كذا أم كذا وقد تأتي كفارة ظهار ، يقع كثير من الجمعيات الأهمية في أمر بالغ الحرج ، فقد يأتي رجل يدفع كفارة ظهار ثم ينصرف يجامع زوجته ، ويشترط في كفارة الظهار { من قبل أن يتماسا } والجمعية الخيرية أو المسجد توصيفه الشرعي أنه وكيل عن المتصدق فلو أن الرجل المظاهر أخرج النقود من جيبه الأيمن ووضعه في جيبه الأيسر لم يحصل شيء بعد ، فالجمعية الخيرية ليست وكيلاً عن الفقراء ، بدليل أنها بعد أن تحصل على النقود تراجع قوائم الفقراء أو تعطي من يأتيها من الفقراء فهي ليست ممثلة لفقير معين أو نحو ذلك ، بل هي وكيل عن المتصدق ، فإذا قبلنا من أحد كفارة الظهار ينبغي أن ينتظر حتى يأتي ويقال له وصلت إلى الفقير .
فالتفاصيل كثيرة جداً ولكن هذه إشارة .
وأيضاً مسألة الجهاد والتفجيرات والأعمال التي تحدث في بلاد المسلمين الأعمال التي تحدث في بلاد الكفار لمن دخل عندهم بتأشيرة أمان ، فهذه كلها قضايا علمية قبل أن تكون قضايا عملية .
فإذن الأمر في أمر الجهاد أمر علمي ، وفي أمر الزكاة والصدقة أمرة علمي وفي كل هذه الأمور لابد فيها من العلم ، فالعلم هو القاسم المشترك بين جميع الواجبات العينية والكفائية ، وبالتالي أي دعوة تريد أن تكون دعوة صالحة على منهاج النبوة لابد أن تعنى بالعلم ، العناية الكفاية التي تستطيع بها أن تنقل إلى أفرادها العلوم التي يحتاجونها كأفراد وأن تنقل لهم العلوم التي يحتاجونها في سد الثغرات التي يقومون بها .
وأذكر لكم مناظرة قصيرة جداً فيها نوع من الجدل ولكن جدل بالحق كما يقول الشيخ الألباني رحمه الله .
فكان رجل ينكر على بعض السلفيين استغراقهم في العلم وأخذ يذكر نماذج بأن هذا خلل
فأجابه الآخر بما عرفت هذا الخلل بعلم أم بجهل ؟
قال بعلم
قال إذن لو أن هناك خلل في طلب العلم لا يصلح إلا بالإتقان العلمي الكافي الذي يبين ما هو القدر الواجب في طلب العلم
إذن لو حصل خلل من البعض في قضية طلب العلم فلا علاج لها إلا بدعوته إلى مزيد من العلم ، حينئذ سوف يستطيع بهذا العلم أن يقول ما هو الذي يحتاجاه الطائفه التي تسد ثغرة طلب العلم وما يحتاجه الطوائف الأخرى .
إذن نحن نقر بأن التوسع في طلب العلم فرض كفاية ولا ندعي أبداً أنه فرض عين ، ولكن داخل الاتجاه الواحد لابد أن يكون العناية بطلب العلم عناية كافية حتى يستطعون أن يبصروا مواضع أقدامهم .
فلو تصورنا أن هناك اتجاه آخر يقول نحن تركنا لكم طلب العلم ، فأحياناً البعض يسفه طلب العلم ،ولا ندري ماذا يقال لإنسان يمدح الجهل !!
فإذا كان يقول أن البعض لا يفقه أو يتكلم عن طلب العلم بطريقة خاطئة أن يكلم كل الناس بدرجة لا تجب عليهم
نقول له هل أنت عندك كيان علمي ؟ وهل استطاع أن يدرس هذه الأمور دراسة جيدة وبالتالي هو درسها ودرس غيرها فلا نتصور أن يوجد اتجاه ما كل دور علماؤه الاشتغال تصويب أخطاء المشتغلين بطلب العلم ، فلن يحدث هذا ، بل طلب العلم ملكة ، لابد أن من يسد هذه الثغرة تشبع بطلب العلم واشتغل به وخالط كتب العلماء ورأى كيف يستنبطون وكيف يخرجون الفروع على الأصول وكيف وكيف وكيف .
فإذا قلنا أن هناك اتجاه ما ينكر قضية طلب العلم بأصلها فنقول : كفى بمن يمدح الجهل جهلاً ، فلا حاجة للكلام معه ، أما إن كان يطلب ترشيد طلب العلم نقول له لابد أن من يشتغل بترشيد طلب العلم أن يكون مشتغل بطلب العلم ، فإذا كان هناك اتجاه عنده عناية بالعلم واتجاه أخرى عنده عناية بالعلم جاز حينئذ أن يكون هناك قدر من التناصح بأن أحد الفريقين يرى أن الآخر يشتغل بالعلم بطريقة غير جيدة ، وهذا يحدث كثيراً حينما يستغرق البعض في طلب علم واحد من العلوم ، وهي نفس قضية من يستغرق بقضية القيام على حقوق الفقراء والمساكين . فلو أنه اشتغل بطلب العلم ولكنه أخذ علم واحد لاسيما وأن العلوم جزئت بغرض الدراسة والتخصص ولكن أيضاً لابد من قدر من الجمع بين هذه العلوم للخروج بنظرة صحيحة عن المطلوب من الفرد ومن الجماعة .
فإذن لابد أن يكون طلب العلم شامل ومتكامل ومتوازن .
إذا وجد اتجاهات ليس عندها من يسد ثغرة طلب العلم ويقولون أنهم سيسدون ثغرة دعوة العوام أو الأنشطة الخدمية
نقول حينما يأتي في دعوة العوام تجد الأسئلة التي تطرح عليك كثيرة ، لأن العوام في بداية إنارة قلبه بنور الهدى تجد عنده كم من الأسئلة أنه فعل كذا وأن عنده أموال في النك وأنه كان يعمل كذا وكذا ، فأول أن يدخل عليه نور الهداية تجد أن هاجمه قدر كبير من الأسئلة فماذا ستفعلون بها ؟
هذا سؤال لابد من الإجابة عليه .
والذي سيسد ثغرة النقابات وغيرها يأتي له نظام البيع بالتقسيد وشراء السيارة والشقة وصناديق التكافل الاجتماعي وصور لا حصر لها ، فمن الذي سينظر في هذه الأمور وينظر هل هي مشروعة أم لا .
فلابد أن نعود إلى الصورة ، فتيار الاتجاه الإسلامي إما أن يوجد في عناية كافية بطلب العلم ولابد أن يكون الشخص العالم داخل الاتجاه ، ولابد أن يكون داخل الاتجاه الواحد عناية كافية بطلب العلم على الأقل لضبط الأبواب التي سيشتغلون بها ، فلا نقول أن هؤلاء سيسدون ثغرة طلب العلم ولكن لابد أن يوجد فيهم من يشتغل بطلب العلم أو يرجعون إلى من يشتغل بطلب العلم ولا يفعلون شيئاً إلا بعد استشارتهم .
هذا فيمن يسد أي ثغرة كالقيام على الفقراء والمساكين أو الأنشطة الخدمية في المجتمع وغير ذلك ، ولكن ثغرة طلب العلم بالإضافة إلى ذلك مطلوبة لذاتها أو مطلوبة في أبواب ذات صبغة علمية صرف كالإفتاء .
فتقول أن البلاد المفرطة في العلمانية لا توظف لهم دولهم مفتياً ، وهناك من يوظفون مفتي يضطر إلى أن يداهن في كثير من القضايا لدرجة لو أن واحد قال لا يجوز أن يتبرع مسلم لبناء كنيسة ثم هاج العلمانيون خرج بعد ذلك يجعل هذا من أجل القربات، وهذا يحصل .
فإذا كانت الفتوى من هذا المصدر صارت متهمة فماذا قدمت أنت من بديل ؟
وأيضاً باب القضاء ،فنقول للناس إن الحكم إلا الله وهي قضية عقدية ومنهجية وتمثل قاسم مشترك بين جميع التيارات الإسلامية ، فلابد للناس من خصومات ، تصور أن الملتزمين لا يتخاصمون تصور مفرط في الخيالية ، ولابد أن تبيع وتشتري فتختلف وغير ذلك .
وليس دائماً طرفي الخصومة ملتزمين ، فيمكن أن تكون أنت تعامل غير الملتزم ، فمن الذي يقضي بين الخصمين إذا تراضيا وفقها وعلما أنهما لابد لهما من التحاكم إلى الشرع ، فهل يوجد من يوفر لهم محكم قادر على أن يحكم ؟
وإذا كان الطرف الثاني غير ملتزم ولكن لابد من نصيحته قبل أن يذهب إلى المحاكم ، ونقول نحن لا نصادر حقك في التقاضي ولكن تقاضى إلى من يحكم بالشرع ، فإن أصر من الذي يعلم الطرف الملتزم بحقه الشرعي بحيث إذا قضي له في القضاء الوضعي بما ليس له بحق شرعي رده ولم يستحله بمجرد أن القانون الوضعي يعطيه إياه .
فهذه كلها مهام تحتاج إلى تعمق في طلب العلم . فإذن طلب العلم مطلوب لكل شخص لكي يعرف عقيدته وعبادته والأخلاق حسنها وسيئها .
وطلب العلم يحتاج إلى كل اتجاه في تنظيم الثغرات التي يقوم بها قلت أو كثرت ، فطلب العلم يراد لثغرات وهذا يحتاج إلى درجة أوسع من التعمق في طلب العلم من الإفتاء والقضاء .
الرد على الشبهات أيضاً باب واسع ، فالرد على شبهات الكفار والرد على الشبهات البدعية وإلى غير ذلك .
فإذن من فروض الكفايات التي لابد من إعطائها حقها طلب العلم
قال : كالحسبة والدعوة ، قال تعالى { { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [آل عمران/104] .
وطبعاً الترتيب في هذا البحث مقصود ، بمعنى أننا في الجملة نرى أنه لابد من إيجاد الفرد المسلم ولابد أن الأفراد الملتزمين أن يسعوا إلى إقامة المجتمع المسلم وأن يسعوا إلى إقامة ما يستطيعون من فروض الكفايات ، وأن أهم أبواب فروض الكفايات عند الدعوة السلفية هي طلب العلم والدعوة إلى الله ، فلا نغفل وجود فروض كفائية أخرى ونتكلم عليها ، ولكن نقول بالنسبة لحال أمة فيها هذا الكم من الانحراف يكون طلب العلم هو الفرض الكفائي الأول بصفة عامة
وكما ذكرنا أنه لا فرض عيني ولا كفائي إلا والعلم نصفه أو أكثر ، فكل مسألة عبارة عن علم ثم عمل ، فلابد من طلب العلم ، ويزداد الأمر عندما يكون الزمان زمان شبهات وفتن .
فأي أمة في مرحلة البناء أو مرحلة الاستيقاظ أو مرحلة النهضة فلابد من علم ودعوة ، حتى إن نظرت إلى الأمم الكافرة ، فتجد عصر النهضة كان عصر علم ودعوة فتعلموا علوم الدنيا ، والفلسفات التي قاموا عليها فيها نفع وضرر وضررها أكبر من نفعها ولكن هي كانت أسلم حالاً مما كانوا عليه قبل ذلك ، فلما وجد العلم والدعوة ونشأ المجتمع وتربى على هذه المناهج الجديدة قامت أوروبا المعاصرة بهيئتها ، وهي حالها الآن في ظلام كما كان حالها السابق في ظلام وإظلام ، ولكن انتقلت من حال إلى حال بالعلم والدعوة ، فالعلم بالمنهج الجديد ونشره والدعوة إليه ـ فتعلمه وتعليمه والدعوة إليه ـ.
فنحن نرى أن أهم العناصر العلم والدعوة ، أو على الأقل هما أهم العناصر بالنسبة للدعوة السلفية ، فلو افترضنا أن هناك جهات شغلت ثغرات أخرى فنحن نعرض المنهج المتكامل ونشغل في المقام الأول هذين الثغرتين ثم نشغل بعضهم ما نطيق من القيام على حقوق الفقراء والمساكين والخدمات وغير ذلك ، ولكن هاتين الثغرتين بصفة خاصة من خلالهما نستطيع أن نبث في الأمة ككل عواماً وإسلاميين ودعاة فنبث في الأمة من الاتجاهات الأخرى مرجعية فهم السلف ، فإذن نحن نضع هذا الأمر في المقام الأول ولا نغفل وجود غيره ونشارك في غيره بدرجة من الدرجات ولكن نقول أن هذا المقام مقام في غاية الأهمية .
وسنتكفي اليوم بهذا القدر على أن نختم شرح ذلك البحث المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ابن قمر المصرى
12-09-2010, 07:57 PM
الدرس الثاني والعشرون والأخير

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم أما بعد ،،،
ما زلنا في الكلام على منهج الدعوة السلفية في التغيير ، وذكرنا أنه يقوم على إيجاد الفرد المسلم أو إيجاد الشخصية المسلمة المتزنة المتكاملة التي لا يطغى فيها جانب على جانب ،وأن التوسع في نوع من النوافل أكثر من نوع فهذا مما يسر الله به تعالى الازدياد في أنواع الخير ، وأما اختلاف التوظيف في فروض الكفايات فهذا أيضاً يراعى فيه تنوع الكفاءات وتنوع الاستعدادات .
وبالتالي فلدينا أن الأمر يقوم على إعداد شخصية مسلمة متوازنة بحيث تأخذ ما تحتاجه في كل باب من الأبواب ، وتهيء لأن توظف في الجزئية الثانية وهي إيجاد الطائفة المؤمنة ، وإيجاد الطائفة المؤمنة غير متوقف على وجود الخلافة أو غيرها بل يجب في ذات الوقت أن يسعى إلى تطبيق الشرع وأن يطبق ما يستطاع منه وأن يحاول أن يجعل هناك داخل المجتمع الكبير صور المجتمع الذي ينبغي أن يقال عليه المجتمع المسلم لاسيما داخل المساجد التي هي المفرخة الرئيسية للدعوات وبقدر الطاقة في أماكن العمل والدراسة وغيرها .
وفروض الكفايات كثيرة ذكرنا منها العلم وذكرنا أن العلم له أهمية خاصة في دعوته ، هذه قضية في غاية الأمرة ، لأن القضية بين طرفين ووسط ؛ بمعنى أن البعض يقول العلم فقط والبعض يقول أن العلم معوق أو لا أهمية له أو لا ينبغي أن تنشغل به الدعوات ولكن يكفي في الأمة عالم أو اثنين أو ثلاثة .
رغم أنهم إذ يكتفون في الأمة بعالم أو اثنين أوثلاثة يريدون من باقي الامة ألا يعلموا عن دينهم إلا القليل ، ونحن ذكرنا أن العلم هو القاسم المشترك بين جميع الفروض العينية والكفائية
تكمن أهمية العلم هنا أن أي عبادة تقوم بها لله عزوجل تقوم على أن تعلم فضلها وتعلم حكمها وإذا كانت واجبة أو مستحبة ونحو ذلك ، وتعلم كيفية أدائها وشروطها وموانعها إلى غير ذلك ثم تقوم بها .
فالعلم نصف كل العبادات سواء الأمور العينية أو الكفائية .
ومن يتصدى لأن نوع من أنواع القربات بلا علم يفسد أكثر مما يصلح ؛ فيصلي صلاة باطلة ويصوم صوم مشكوك فيه ويؤدي زكاة غير صحيحة . والأمر في فروض الكفايات أخطر فيسفك الدماء المحرمة ويظن أن هذا جهاد ويحقق مفاسد ويظن أن هذا تغيير للمنكر ، ويداهن أعداء الله ويظن أنه هذا تحقيق للمصلحة .. إلى غير ذلك من الصور التي تنشأ عن غياب العلم .
فإذن العلم له دور أساسي بلا شك ، وأي دعوة لا تقوم على العلم يكفيها ذماً أن أصحابها يذمونها بأنها دعوة غير قائمة على العلم ، فلابد أن أي دعوة تكون قائمة على العلم بدين الله تبارك وتعالى .
ولا يكفي أيضاً في كل دعوة وجود واحد أو اثنين أو ثلاثة ، لأن الدعوة من حيث الإسم أن تدعوا غيرك ؛ فلابد أن كل داعي لديه قدرة على بيان دليل ما يفعل وعلى بيان الحق وعلى غير ذلك من الأمور وحتى لا تنحرف الدعوة بانحراف واحد أو اثنين مهما بلغ درجتهم في العلم ، وشيوع العلم مما يكون سبب لعصمة الجماعة من الانحراف ، فإذن لابد من العلم بصفة عامة ، فكل عمل تؤديه لابد أن يكون العلم شيء رئيسي فيه .
وهناك من يتخصصون في طلب العلم ، وهذه مسألة أعلى . بمعنى أن يكون دورهم الرئيسي القضاء بين الناس في الخصومات أو يكون دورهم الرئيسي تعليم الناس أو القيام بدور القضاء أو بدور الرد على الشبهات ، وهي أدوار عظيمة فيها شغور وفيها نقص وقصور شديد جداً ، لابد أن يسعى المسلمون إلى سده .
وهذا لا نلزم به كل الدعوات ، فلا نلزم كل الدعوات أن يكون من برنامجها أن تسد هذه الثغرات ولكن كما ذكرنا من قبل أن الذي يتكلم ويطرح منهج إما أنه يطرح ما سيقدر هو على عمله وإما أنه يطرح المنهج المتكامل للأمة وينبغي أن يكون هناك خطوط عريضة للمنهج المتكامل للأمة ثم لا بأس أن تأتي مجموعة وتسد ثغرة دون أخرى ولكن مع تأكيدها على أنه لابد أن يسد غيرها الثغرات الأخرى .
فلو جاءت بعض الاتجاهات الإسلامية وقالت نحن تركنا لكم باب رد الشبهات وباب القضاء والإفتاء ونحو ذلك لكان مقبولاً ، ولكن هو ينتقض الاهتمام بطلب العلم الذي غرضه سد هذه الثغرات ، وبالتالي هنا نشأ أهمية نسبة للعلم في دعوتنا ، فنحن نتكلم الآن كمنهج إصلاحي للأمة الإسلامية فلابد من الرجوع إلى العلم بدرجات مختلفة ولكن العلم مطلوب لكل أحد ، حتى العوام الذين يؤدون الفروض العينية فقط يحتاجون علم هذه الفروض العينية ، والذين سيعملون في سد الفروض الكفائية يحتاجون إلى العلم بهذه الفروض الكفائية ؛ فهذا علم مطلوب من كل الناس ، ثم هناك علم مطلوب لسد ثغرات تحتاج إلى متميزن في طلب العلم من القيام بالقضاء والإفتاء ورد الشبهات وغيرها ، فهذه ثغرة مطلوبة لذاتها .
فعندما نجد أن معظم الدعوات تقصر حتى في طلب العلم الضروري لأفرادها ولا يتعلم كيف تؤدى الفروض الكفائية التي يقوم بها وما هو وجهها ، فيتعين على الدعوة حينئذ إذ سدت هذه الثغرة سواء تركها الآخرين لها اعتمداً منهم على أنهها مؤهلة لها أو تركوها ظناً منهم أنها ثغرة غير ضرورية فيتأكد أن نسد نحن هذه الثغرة ولا نتأخر عنها ، وهذا يؤثر في المنهج العملي والتربوي للدعوة ، بمعنى أنك تجد تلقائياً هناك نوع من أنواع التوجيه وهو أنه من يصلح لطلب العلم غالباً ما لا يوجه إلى غيره .
حتى في المجتمعات التي بها تخطيط عندما يكون هناك تخصصات معينة نادرة يجعل لها أنواع من الترغيب والتحفيظ حتى يدخل الناس هذه التخصصات .
فلو احتاج تخصص الطب مثلاً يجعل هذا التخصص له مزايا في التعيين والمرتبات وغير ذلك بحيث يرغب الناس أن تدخل ، وأيضاً لو احتاج إلى مجال الطاقة النووية مثلاً يجعل له ترغيب فيه وطالما أنه يريد هذا الجانب فيريد النابغين أن يدخلوه ، فالنبابغ عادة يكون عنده القدرة ويريد أن يستثمرها الاستثمار الأمثل فيقال له الاستثمار الأمثل الآن هو الطاقة النووية فيحدث نوع من انواع التوجيه للكفاءات للتخصصات التي يحتاجها المجتمع أكثر ، فهذا عند وجود تخطيط عند المجتمعات .
ولذلك كانت الأمة الإسلامية قديماً وفق هذا المنهج فيكون التعليم الأولي هو " الكتاب " وهو تعليم شرعي في المقام الأول مع بعض قواعد القراءة والحساب وغيره بحيث يتم الفرز عند نهاية مرحلة الكتاب أن النابغين يوجهون إلى العلم الشرعي ، ولأن طبيعة التعليم التأهلي الأولي كان بطبيعة شرعية : أولاً : لتعليم ما لا يسع المسلم جهله . فكانت الشخصة المسلمة المتكاملة تخرج من الكتاب ، وكل أطفال المسلمين يذهبون إلى الكتاب فيحفظ ما يطيق من الكتاب والسنة ومن الآداب ويتعلم الفقه ويتعلم القراءة والحساب فيؤهل ديناً ودنيا . فإذا انتهت مرحلة الكتاب فرز النابغين فاستمروا في طلب العلم الشرعي وأما غيرهم فيوجهون إلى طلب الصناعات والحرف الدنيوية ونحو ذلك .
فنقول أنه لابد لكل مجتمع من أولويات بحيث أنه من صلح لهذه الأولوية لا يوجه إلى غيرها ، فالآن بعض أبناء المسلمين وبعض المجتمعات يرون أن كرة القدم على رأس القائمة ، بمعنى إذا كان عنده ابن نابغ في التعليم وماهر في كرة القدم يوجهه إلى أكاديميات كرة القدم وفي التعليم يوجهه إلى المدارس الخاصة والجامعات الخاصة والمعاهد التي تعطي شهادات بدون دراسة متعمقة لأن الكرة أفضل من وجهة نظره ، لأنه إذا وضع قدمه على احتراف الكرة واللهو واللعب سيكون معه ملايين وهو لم يتم الثماني عشر سنة ، أما لو أنه أخذ طريق التعلم وصار طبيب أو كذا فيكون عنده ثماني وعشرون سنة وما زال يتحسس بداية الطريق بأن يجني شيء من الأرباح نتيجة جهده وإنفاقه طوال السنوات التي قبلها . فالأمر مختلف .
نحن نقول أن منهج الدعوة توظيف جميع الطاقات ومحاولة سد جميع الثغرات ، ولكن بالفعل من صلح لطلب العلم لا نوجهه إلى أمر آخر ، فهو يشارك ولكن الحاجة الملحة عند الامة ككل وعند الدعوة بصفة خاصة وخصوصاً أن الامور استقرت على أن السلفيين هم الذين يسدون ثغرة طلب العلم فهذا الأمر يترجم أحياناً خطأً على أن الدعوة لا ترى إلا طلب العلم وأنه إذا دخل شخص لا يحسن طلب العلم فيخرج ، وهذا غير صحيح .
نحن نقول أن طلب العلم له الأهمية التي ذكرنا ومن ثم يكون التوظيف بهذه الطريقة .
فالجو العلمي مشجع ومرغب بدرجة تظهر من عنده طاقة علمية ، والذي ليس عنده هذه الطاقة يستفيد من الجو العلمي العام ويسمع كلام إجمالاً في إثبات الصفات .
يبقى هناك أمور اخرى من الفروض الكفائية ينبغي أن تقوم بها الدعوة ويبغي أن توظف فيها الطاقات لاسيما الطاقات الاقل إقبالاً على طلب العلم ، رغم أن طلب العلم حاضر في كل المهام ، فلابد أن يكون طلبة العلم هم الذين يقودون كل المهام بالتوجيه الشرعي المنضبط .
يلي طلب العلم في الأهمية الدعوة إلى الله ، لماذا ؟
نحن قديماً كنا نقول أن دور الإمامة هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين فيوجد إمام ينظر إلى الفروض الكفائية التي بها تقصير ويحاول ان يسد هذا التقصير فالآن حصل تقصير نتيجة نظام مدني لا يرى أن هذه الواجبات غير مدرج على قائمة مهام السلطات المدنية .
من الذي يقوم بهذه المهام ؟
من اصطلح على تسميتهم بجماعات الدعوة إلى الله
انظر إلى هذا الاسم المتفق عليه تقريباً بين جميع الاتجهات أن التوصيف العام لهذه الاتجاهات أنها جماعات دعوة إلى الله . تعرف من هنا أن وصف الدعوة هو أخص وصف ينبغي أن يكون موجود في هذه الجماعات ، والبعض يقول أن الخدمات من باب الدعوة فيقدم خدمات للناس ، ولكن إذا كنت تقدم خدمات للناس دون ان تقدم لديهم أي دعوة صار هذا باب من أبواب الخير ولكن ليس فيه دعوة ، ولو كان فيه دعوة هي أنه يتسم في هذه الناس أنهم أناس صالحون .
إذن هناك فرق بين أن تقول أن من وسائل الدعوة إسداء المعروف إلى الناس والقيام بحاجاتهم وبين أن تقول من الفروض الكفائية القيام بحقوق الفقراء والمساكين ونحو ذلك ، لأن الذي يقوم بحقوق الفقراء والمساكين مستغرق في هذا الأمر استغراقاً تاماً لا يوظفه في الدعوة ، وهذا خير .
ولكن نحن نقول أن الدعوة ينبغي أن تكون بارزة ، وأن أحد المهام التي نبغي أن تقوم بها جماعات الدعوة إلى الله لابد أن تقوم بالدعوة ، والدعوة في حاجة ماسة إلى العلم ، الدعوة هي البلاغ والبيان والتوضيح وأن يكون لدى هذه الجماعات المنهج الذي ذكرناه ، ومن الأصل النظري أن هذه مقومات الشخصية المسلمة تكون هي مقومات الدعوة التي تقال في خطبة الجمعة والتي تقال في الدورس العامة والمواعظ العامة وفي الكتيبات والملصقات وغيرها مما يخاطب بها لأنك الآن عندك خطاب توجه لأناس ما زلت تعهم في عداد المدعويين وهناك خطاب لمن تعدهم في عداد الدعاة ، فلابد أن يكون واضع أن المدعويين هم المجتمع كله وأنه لابد من خطاب هؤلاء بتوضيح معاني الدين ومعاني الإيمان الشاملة وما ينبغي أن يكون عليه كفرض مسلم ، وما هي الصورة التي ينبغي أين يوجد عليها المجتمع المسلم والدعوة المتكررة لها أن ينتقل من صفوف المدعويين إلى صفوف الدعاة .
يمكن أن يوظف فيها عوامل كالهدية والقيام بحاجة الناس ، فهذه يمكن اعتباره جزء من الدعوة . فمثلاً يوجد في بعض مجالات العمل الطلابي أنشطة خدمية تقدم يكون الغرض منه أن يطبع مذكرات يدرج فيها نصائح تتعلق بالمنكرات العامة الموجودة في المجتمع الجامعي ، فإذن صار يقدم شيء من أنواع الخدمات للناس حتى يضمنها دعوة ، فإذن هذه وسيلة من وسائل الدعوة ، أما أنه يؤدي هذه الخدمة بنية التسير على المسلمين ، فهذه فرض كفائي آخر ولكن لا ينبغي أن نجد جماعات الدعوة إلى الله أهملت العلم وأهملت الدعوة وتحولت إلى مشروعات الجمعيات الخيرية أو الجمعيات الشبابية الموجهة من بعض الدعاة . فكل هذه من أبواب الخير وهناك أناس يكون هذا أقصى ما يمكن أن توظفه فيه ، فلا بأس ولكن تصور أن هذا يعد مشروع بديل عن مشروع الدعوة إلى الا اختذال لمشكلة أمة ، أمة تعاني الجهل بمنهجها وتعاني فقدان هوية ولا تعرف الرسالة التي بعثت بها والتي ينبغي أن تقدمها للناس ، فأنت إذا اختذلت الأمر في جمع الأشياء القديمة أو الجديدة أو جمع الأطعمة وجمع كذا وكذا صار هذا الأمر يقوم به النصارى والشيوعيين ويقوم به كثير من الناس لما في فطرتهم من رحمة أو لأنهم يريدونها وسيلة للدعوة ، فإذن لا يمكن أبداً أن نختذل الدعوة في أنشطة خدمية
بالدعوة علم دعوة ، فالدعوة أنك تدعو الناس وقبل أن تدعوهم لابد أن تتعلم الذي تدعوهم إليه بحيث أن ما تدعوهم إليه هو الموجود في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتقدم مشروع نهضة وتقدم مشروع تكوين أمة على أفراد ومجتمع المفترض أن يكونه فيه من يفتي ومن يقضي ومن يعلم وفيه من يقوم على حقوق الفقراء والمساكين ، إذن القيام على حقوق الفقراء والمساكين جزء يسير من أنشطة المجتمع الإسلامي يمكن أن تقوم بها كوسيلة لتبليغ الدعوة ويمكن أن تقوم بها كغرض في ذاته لأنه مطلوب شرعاً سد حاجة الفقراء ولكن إدراك هذا الفرق في غاية الأهمية ، بحيث أننا إذا جمعنا الكتب القديمة الملابس القديمة ونجمع الأطعمة ، فماذا أنجزنا من المشروع المتكامل ؟ أنجزنا جزء القيام على حقوق الفقراء والمساكين أو أنجزنا منه ما نستطيع لأن المهام كبيرة جداً والأمة متسعة .
فمثلاً إذا وزعت على الناس كتيب عن وظائف شهر رمضان ومعه دعوة بأن من وظائف شهر رمضان القيام على حقوق الفقراء والمساكين وأن المسجد عنده مشروعات كذا وكذا ، فأنت خدمت في الثغرتين بدرجة ما لأن الكتيب في وظائف شهر رمضان سد إحدى الثغرات من الخريطة المتاكملة ولابد أن تكون الخريطة المتكاملة أمام عينك وما أنجزناه من مهام وضوح رسالة الإسلام ككل ، فلا نحقر من المعروف شيئاً ولكن في ذات الوقت لا نسمي الأمور بغير مسماها ولا نختذل المعاني الشرعية اختذالاً دون أن ندري .
فمهام طلب العلم مهام مطلوبة على المستويات التي أشرنا إليها
ومهام الدعوة إلى الله وهي نقل هذا العلم إلى الناس .
ونقول عندما نأتي للتعلم لابد من التعلم بالصورة القياسية التي ارتضاها عبر جهود وتجارب وصاغوا المناهج بالصياغة المحكمة التي تصوغ الشخصية العلمية المتزنة التي تفهم القضية فهماً جيداً .
عند إخراج القضية ينبغي أن يكون دارس القضية الذي درسها دراسة جيدة وأتقنها فينبغي أن يجيد إخراها للرجل العامل ويجيد إخراجها لجمهور المسجد ويجيد إخراجها لمن يقابلهم في المواصلات ويجيد إخراجها على هيئة خطبة وعلى هيئة درس وعلى هيئة كلمة قصيرة وعلى هيئة مقالة صحفية أو مقالة في مجلة مسجد .. فينبغي عندما نتكلم عن الدعوة نريد شخص متقن للقضايا التي يتكلم فيها يجيد أن يخرجها حسب مستوى والظروف المتاحة أمامه .
فتتسع مجلات الدعوة كمكان من المسجد إلى الجامعة إلى مكان العمل إلى القناة الفضائية إلى وسيلة المواصلات .. كوسيلة أن الكتاب الكبير للكتيب للنشرة والملصق والمطوية والشريط والسي دي فكل هذه أمور ولكن خلاصتها أنه وجد من درس وأتقن ثم تعرف على الناس وبذل جهده في أن يقرب المعاني إلى الناس بطريقة تبلغها عقولهم وأفهامهم .
بعد العلم والدعوة يأتي سد جميع الثغرات الأخرى .
أيضاً نقول أنه نتيجة أن العلم والدعوة رقم واحد فيما يحتاجه الأمة الآن ، ورقم واحد خصوصاً للاتجاه السلفي ، لأن كثيراً من الاتجاهات الأخرى استغرقت في فروض كفائية أخرى وبالتالي بدلاً من أن نزاحمهم فيها نسد الثغرة التي لا يزاحهم فيها أحد ، وليس معنى هذا أنه إذا كان هناك من يقوم بقضية القيام بحقوق الفقراء والمساكين كالجمعية الشرعية مثلاً فهي لها جهود جبارة في هذا الجانب فلن نترك نحن طلب العلم والدعوة لكي نزاحم الجمعية الشرعية في هذا الجانب ولن نتركه بالكلية إحياءاً لمعناه في القلوب ولأن معظم الناس إذا دخل مسجد يريد ان يستكفي بهذا المسجد ، فلا يعقل أن من دخل المسجد تقول له احضر هنا الخطبة والدرس ولما تريد إخراج زكاة الفطر اذهب إلى المسجد المجاور أو اذهب إلى مكان آخر ، فلابد على الأقل أن جمهور المسجد يحصل على كفايته الشرعية من المسجد فإذا احتاج كتاب يجد الكتاب لأبناءه وإذا احتاج إقامة فرح يقيم فرح بدلاً من أن تدفعه أن يجعل فرحه في معاصي أو أن يشعر أن هذا المكان لم يشبع حاجاته الشرعية ، فأنت قولت له إياك والأفراح التي فيها مزامير الشيطان فلما طلب منك مساعدته في إقامة فرح شرعي تقول له لا فيذهب إلا مزامير الشيطان أو يذهب إلى مكان يوفر له فرح ولكن لا يوفر له طلب العلم .
فإذن لابد أن نؤدي هذه الثغرات من باب التكامل ومن باب أن المنهج النظري كله رصيد عملي ومن باب استيعاب الطاقات الموجودة داخل المساجد ،ولابد أن يكون لكل إنسان وظيفة يخدم بها دين الله تبارك وتعالى ومن باب إشباب حاجات جمهور المسجد ، ولكن في النهاية نحن نسر إذا كانت الاتجاهات الأخرى سدت ثغرات نحن لا نستطيع أن نسدها ولا ننافس من أجل المنافسة وإن كان المنافسة في الخير إن لم تشوبها شوائب بلا شك من الخير العميم ، ولكن نحن نقول نحن نساهم ونعطي العلم والدعوة أكبر الجهد ثم تأتي جميع الفروض الكفائية الأخرى ونحن نعرف تماماً أن كثيراً من هذه الفروض الكفائية تؤديها اتجاهات إسلامية أخرى فنحن نفرح بذلك وإن كان هناك من خلل عند البعض وهو يؤدي فرض كفائي معين نقوم بالنصيحة والتوجيه ولكن عموماً نريد من الجميع أن يؤدي هذه الفروض الكفائية
وكون الدعوة السلفية أو من ينتسب إلى الاتجاه السلفي في أي مكان سيجد نفسه مستغرق بدرجة كبيرة في باب العلم والدعوة ؛ وهذا هو السبب الذي من أجله قال الشيخ الألباني أن مساحة العمل الإسلامي لا يستطيع تيار واحد أن يسدها ، بل لما سئل على ما ينقمه على الإخوان والتبليغ وغيرهم قال : " نحن لا ننكر عليهم أنهم تسموا بهذا الإسم أو أنهم صاروا جماعة وإنما ننكر عليهم ما خالفوا فيه منهج السلف ، ولو أنهم التزموا بقاعدة الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة لوجب التعاون والتكامل معهم لأن مساحة العمل الإسلامي أوسع من أن يسدها اتجاه واحد "
فنحن نقرر الأصل النظري ونضع جميع الفروض الكفائية ونسد منها في المقام الأول وبدرجة كبيرة أبواب العلم والدعوة ونساهم قدر الإمكان في الأبواب الأخرى .
ــ بعد أن ذكر العلم والدعوة من الفروض الكفائية قال : وكالواجبات الاجتماعية من سد حاجات الفقراء والمساكين وراعاية اليتامى وحث الأغنياء على الزكاة والصدقة ومعاونتهم في إخراجها على ما جاء في الكتاب والسنة وعيادة المرضى ودعوتهم إلى الله وإحياء الروابط الأخوية بين المسلمين من اتباع الجنائز والتعزية في المصائب وإجابة الدعوات والتهنئة في الأفراح وغير ذلك ، وكالسعي لإيجاد النظام المالي الإسلامي لإبعاد الناس عن الربا والريبة وسائر المعاملات المحرمة وكذلك تربية الأمة على روح الجماعة برد الناس إلى أهل العلم منهم وجمعهم عليهم ونهيهم عن التفرقة وكذا إقامة الجهاد في سبيل الله طالما وجدت مقوماته وشروطه والسعي إلى أسبابه عند العجز عنه ، فما تعلمه المسلمون في أفغانستان مثلاً هو من أعظم الواجبات والقربات ، فالجهاد في أفغانستان في أول أمره في الثمانينات حينما كان جهاداً شرعياً ضد الروس وهو الآن أيضاً جهاد طالبان ضد الأمريكان جهاد شرعي بإذن الله ، وكان هناك فترة من فترات الوضع الأفغاني كان هناك فتنة بين المسلمين ولكل واقعة حكمها الشرعي ، ولكن وقت كتابة هذا الكلام كانت الإشارة فيها إلى جهاد المسلمين في أفغانستان ضد الروس .
يقول : وكذلك تعليم الناس التحاكم إلى الشرع برد موارد النزاع إلى أهل العلم الذين يجب وجودهم والسعي إلى وجودهم في كل مكان لفض الخصومات وفق الكتاب والسنة بعيداً عن القوانين الوضعية الطاغوتية ، وهذا وغيره هو من فروض الكفاية كإقامة الجمع والجماعات والأعياد يمكن للمسلمين إذا اجتمعوا وتعاونوا على إقامتها كما أمرهم ربهم فقال { وتعاونوا على البر والتقوى } أن يقوموا بأضعاف ما يقومون به الآن من غير مفسدة ولا مضرة بإذن الله ، وما قاموا به من الحق كان سبباً لتمكين الله لهم مما عجزوا عنه ".
يقول : ثالثاً : كيفية التمكين :
في الواقع أن ثالثاً ليست جزء من المنهج ، فالمنهج يقوم على إيجاد الفرد المسلم والطائفة المؤمنة ولكن هو إجابة عن تساؤل
البعض يقول ماذا نريد في نهاية الأمر ؟
نقول : نحن نريد مضاة الله والجنة وهكذا ينبغي أن يكون ، وإن كان هذا هو المراد فوالواجب أن نطيع الله تبارك وتعالى ، الواجب هو طاعة الله تبارك وتعالى وما ذكرناه هو طاعة الوقت ، فلا نريد أكثر من ذلك ، لكن ماذا ننتظر ؟
نحن نقول أن المسلمون الأولون آمنوا بالله وطاعوا الله عزوجل طاعة الوقت فمنهم من قضى نحبه قبل أن يمكن ومنهم من مات في مكة في فترة الاستضعاف ومنهم من مات في المدينة قبل فتح مكة وهكذا ، فالقضية ليست قضية أن ندرك نحن تحقق وعد ما من الله ، لكن القضية أن نسعى نحن ، فمطلوب منا أن نربي أنفسنا على الدين وأن نحاول أن نقيم الدنيا بالدين . ونأخذ بأسباب ذلك ولأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم النبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ، فالقضية بالأخذ بالأسباب الشرعية فقط وليست القضية بالنتائج ، فالله تبارك وتعالى لم يتعبدنا بالنتائج لا في دين ولا في دنيا ، ويعني أنت لم تحاسب إذا كان إنسان مات من مرض أو من مات من تحت ولايته ولا وصايته ، فهو لم يحاسب لماذا مات ولكن سيحاسب هل عالجه أم لا ، وهل أخذ بأسباب الصحة أم لا ، ومن أدرك هذا استراحت نفسه ، فيأخذ بالأسباب وهو يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولكن هناك وعد ، فهل نحن من الأمة التي يبعث نبيها وليست معه أحد ؟ ، هناك أمم على الحق إن شاء الله وهو نبي من عند الله ولكن لم يؤمن له أحد وهناك نبي آمن معه رجل أو رجلان أو أكثر ، ولكن أمتنا أمة خيرية وعدت بنصر في الدنيا ، وهذا النصر تحقق ولكن هناك أدلة على أن بعض مراحله لم يتحقق منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله زوى لي الأرض ما بين مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ) ، وملك الأمة الإسلامية في الفتوحات الإسلامية الأولى لم يدخل وسط أوروبا وإن كان دخل أطرافها من الجهتين ولم يكن قد اكتشفت الأمريكتين مما يدل أن هذا الوعد لم يتحقق بعد وسيتحقق جزماً بإذن الله .
البعض أحياناً ينظر نظرة مادية مفرطة فيقول متى ؟ نقول العلم عند الله . يقول ضع خطة ولابد من التخطيط .
وفي الواقع أن هذا نوع من سوء الفهم ، وطباً علم الإدارة من علوم الدنيا التي يمكن أن يستفاد بها في إدراة شئون الدعوة ولا بأس ، وإن كان علم الإدارة على اتساعه لا يكاد يصلح في باب الدعوة إلى الله منه إلا بعض الإجماليات وبعض القواعد العامة لأنه علم مصاغ لإدراة نشاط إنتاجي غرضه الربح فيه قوانين صارمة وفيه ثواب وعقاب مبني على أمور محسوسة وملموسة إلى الناس فيمكن فيه التخطيط ويكون التخطيط بناءاً على رؤية أما أنت في الدعوة تتكلم على تغيير الله لقلوب العباد .
فيمكن أن يصلحهم الله في ليلة ويمكن أن تظل ألف سنة أو قريب كما ظل نوح عليه السلام فلا ينفتح لقلوبهم غلق . فأي تخطيط إذن وعلى أي شيء يخطط .
فالذي يخطط في مجال إدارة الأعمال أو حتى في إدارة الموارد الحكومية وما يسمونه الإدارة العامة يخطط بناء على أمور ومعطيات معروفة ويكون هناك نسبة خطط لان هناك سنن كونية معروفة ، فإن كان يخطط في مجال الإنتاج وطاقات الماكينات وطاقات الأشخاص وحتى المحفزات كفي يمكن أن تثمر والمنافسات في الربح والخسارة فكلها حسابات مادية محسوبة ، ولو أن إنسان ماهر يمكن أن يتحقق من تخطيطه قدر ، ومع هذا تحدث مفاجآت ويكون هناك تخطيط ممتاز جداً وبفضل الله يأتي أمر ككارثة أو زلزال أو يكون سلعة كمالية وتم إنتاج كمية كبيرة جداً فتحدث أزمة اقتصادية .. إلى غير ذلك
ولكن عموماً التخطيط في مجال إدارة ال‘مال أو إدارة الأمور الدنيوية فالأمور لها سنن كونية محفوظة ،أما تغير قلوب العباد أمر لا يمكن أن تتوقعه
أنت فقط تأخذ بأسبابه ، ووفق ما يتحقق على أرض الواقع أنت ترى فضل الله تعالى عليك وأنت تعلم أن هناك من الأنبياء من بعث وليس معه أحد .
إذن من السفه الكلام على خطة دعوة بأننا مثلاً سندعوا عشر سنين ثم بعدها سنجد أن عدد المصليين أصبحوا نصف المجتمع ، فهو كلام فيه قدر كبير من الخلط ، ولكننا من جهة نقول أننا يلزمنا طاعة الوقت ومن جهة نقول أننا معنا وعد من الله تبارك وتعالى فنحن نستبشر به فمن مات دونه حسبه أن فعل ما عليه ولعله أن يكون أعظم لأجره ومن أدركه فليحمد الله تبارك وتعالى على إداركه ، فنحن لا نضع جدول زمني ولا نشترط أنه لابد من حتمية المواجهة ، فنحن نقول متى تجوز المواجهة ومتى تجب ومتى تستحب وأصناف من يواجهون .. إلى غير ذلك ، وهذه قواعد تطبق كل على حاله ، وأما القول بحتمية المواجهة فهو مخالف للسنن الشرعية .
العجيب أن البعض أحياناً يجمع بين قمة المادية في الأسباب وبين قمة التواكل ، فابتداءاً تجده مادي جداً فيقول لابد من خطة ويضح خطة حتمية المواجهة العسكرية وتجدهم مثلاً عشرة أشخاص وسيواجهون جيوش جرارة بالملايين ويقولون النصر من عند الله ، نقول أنك قولت أن المبدأ الذي دفعك للأمر هو أنه لابد من تخطيط وتعتبر التوكل على الله نوع من الدروشة ثم لما تأتي للحسابات وتجد أن مبناها كلها على { إن تنصروا الله ينصركم } ، نقول أن من أحد أسباب النصر أن تكون النية خالصة لله وليس لكون الإنسان ينصر جنسه أو قومه ولكن عندما ينصر الله تعالى بالسنن الشرعية التي أمرته بمراعاة السنن الكونية وحساب المصالح والمفاسد ، فتجده يقول لابد من حسابات ثم تجد أن الحسابات كلها حسابات وهمية .
وهناك تجارب عديدة مثل تجربة الفنية العسكرية ، فهي مجموعة تحاول أن تستولي على مخزن السلاح للكلية الفنية العسكرية . نقول وماذا بعد ذلك ؟ يقولون بعد ذلك تقوم الدولة الإسلامية .
وكل الحسابات بما في ذلك حادث المنصة نفسه ، طبعاً الجماعة الإسلامية التي نفذت حادث المنصة تقول نحن لا نعلم كيف فكرنا في ذلك ، فأنت الآن قتلت الرأس وكأن الأمر كله مجتمع في واحد
تجد معظم الحسابات حتى من ناحية الحسابات المادية تجدهاحسابات فيها درجة كبيرة جداً من التوكل ،
نحن ابتداءاً نتوكل على الله تبارك وتعالى ولا نخوض فيما ليس في أيدينا ولا نعلم ماذا يفعل الله بنا غداً .
والصحوة الإسلامية منذ بدأت وهي تحقق نتائج على خلاف المتوقع بفضل الله تبارك وتعالى ، وكلما زاد التضييق كما حققت نتائج .
الصحوة الإسلامية ذاتها مفاجئة ضخمة ، فجيل العلمانية الذي كان يربى على العلمانية ولقلب العالم الإسلامي إلى عالم علماني صرف وكأنه جزء من أوروبا هو الذي خرجت منه الصحوة الإسلامية التي تبنت المشروع الإسلامي بفضل الله تبارك وتعالى ، فنحن لا نشترط على الله تبارك وتعالى شيء وإنما المطلوب أن نوجد أسباب النصر المعنوية من الإيمان والعمل الصالح القيام بما نستطيع من فروض الكفايات فمن فعل ما يقدر عليه قد أدى ما عليه ويلقى ربه بإذن الله تبارك وتعالى وقد أدى ما عليه ، ويأتي النصر بإذن الله حينما يوجد جمع كبير من الأمة يؤدون ما عليهم في خاصة أنفسهم ويتعاونون مع بعضهم البعض في إيجاد الصبغة المسلمة في المجتمع المسلم .
ولذلك يقول : وأما نهاية المطاف وكيف تقام دولة الإسلام بعد ذلك ، فنحن لا نوجب على الله امراً معيناً نعتقد حتميته ولزومه وأنه لا سبيل سواه ، بل قد قص الله علينا من قصص أنبيائه ورسله من آمن قومه كلهم بدعوته بالحكمة والبيان ، قال تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين } [الصافات/147] ، ومنهم من نصره الله بإهلاك أعدائه بقارعة من عنده أو بأيدي الرسل وأتباعهم ، وقد جعل سبحانه وتعالى في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الأمور أيضاً ففتح عليه المدينة بالقرآن وكذا فتح عليه البحرين واليمن وكثيراً من جزيرة العرب كما فتح عليه مكة بالسنان وفتح أصحاب العراق وما وراءه والشام ومصر وغيرها بالسنان كذلك ، وله الحمد سبحانه على كل حال ، فالتمكين منة من الله ووعد غايته تحقيق العبودية لله للفرد والأمة .
فالإنسان يبغي أن يكون مقصوده الأصلي العبودية ، وإذا كان الله قد أمرنا أن نسعى للتمكين لدينه في الأرض فهو جزء من العبودية لا العكس .
فلو أن التمكين غرض لذاته فهذا قد يكون فيه دخل في النية .
يقول : والأخذ بالأسباب المقدورة لنا واجب علينا ، النصر من عند الله لا بالأسباب ، قال تعالى { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } [النور/55] ، وقال سبحانه { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [الأنبياء/105] وقال تعالى { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } [التوبة/33]
بذلك نكون قد انتهينا بفضل الله تبارك وتعالى من هذه السلسلة التي كانت بعنوان " السلفية ومناهج التغيير " ونحن تناولناه بعنوان " السلفية ومناهج الإصلاح "
وباقي أن نشير إلى أن بعض الإخوة ظن أن هذا نوع من أنواع الدراسة لمناهج الجماعات الإسلامية ، والأمر ليس كذلك ، بل هو المناقشة من حيثية رؤيتهم لمنهج الإصلاح وليس من حيثية المنهج العقدي ومناهج الاستدلال .
فهناك حيثيتان :
منهج الإصلاح : وهذه حيثية ، وذكرنا اتجاه دعوة السلفية والاتجاهات الأخرى . وبعض هذه الاتجاهات تتوافق مع الدعوة السلفية في المنهج العقدي كالجماعة الإسلامية فمنهجها العقدي في الجملة منهج عقدي وهي تعلن إلتزامها بالمنهج السلفي في المنهج العقدي ومناهج الاستدلال ، وطبعاً الجماعة الإسلامية غيرت الآن ولكن هذا الكلام قديماً .
قد يوجد هناك عرض آخر من باب المنهج العقدي ومناهج الاستدلال ،وهذا تبرز فيه جماعات التكفير وجماعات التوقف ، ومن الممكن أن تجمع بعض الجماعات بين الأمرين كجماعة الجهاد مثلاً فهي لها منهج خاص في التغيير أثر على اختياراتها في مناهج الإيمان والكفر بحيث أنه يوجد لديها بدرجة كبيرة بين أفرادها قبول للاتجاهات الغالية في باب التكفير ، فهذه الحيثية لم تناولها في هذا البحث وهي حيثية المنهج العقدي ولأنه يمكن استنباطها من خلال دروس العقيدة حتى وإن لم نصرح بمنهج كل اتجاه فيما وافق فيه منهج السلف أو خالف أو هل التزم من حيث المبدأ بمنهج السلف أم لا ، ثم عند تفصيل الكلام هل طبق التزامه الإسلامي أم أخل في بعض الأمور .
فإذن هذه الدراسة كانت تعنى بمناقشة رؤية كل الاتجاهات الإسلامية للإصلاح .
سبحانك اللهم وبحمدك
أشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك .

ابن قمر المصرى
12-09-2010, 07:59 PM
تم التفريغ بحمد الله

وجزاكم الله خير الجزاء

ابن الجوزى
12-10-2010, 08:27 AM
بارك الله فيك يا سيدنا

nor el-din
12-10-2010, 09:06 PM
بارك الله فيك أخي الكريم
وأثابك الله خيرا على هذا الجهد المبارك


,هذا رابط التفريغ كامل في ملف وورد للتيسير على الأخوة ونرجوا وضعه في أول مشاركة

http://ia700709.us.archive.org/21/items/alsalafiah_829/alsaafiah.zip

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه

ابن قمر المصرى
12-10-2010, 09:39 PM
بارك الله فيك أخي الكريم
وأثابك الله خيرا على هذا الجهد المبارك


,هذا رابط التفريغ كامل في ملف وورد للتيسير على الأخوة ونرجوا وضعه في أول مشاركة

http://www.mediafire.com/?97l36k6r6jvqkc7

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه


جزاكم الله خير الجزاء

ابن قمر المصرى
12-10-2010, 10:06 PM
رابط آخر للتفريغ كامل word

http://rapidshare.com/files/436143175/__________________________________________.zip

ابراهيم الكفاوين
12-10-2010, 10:09 PM
جزاكم الله كل خير

علاء 2010
12-23-2010, 11:16 PM
جزاكم الله خير الجزاء وبارك فيكم

ahmdino
12-27-2010, 04:19 AM
بارك الله فيك

ابو نور الدين
12-28-2010, 01:03 PM
جزاك الله خيرا وبارك في مجهودك وجعله في ميزان حسناتك

ولكن معذرة هل الشيخ مأسور ومن متي ولماذا

لقد فجعت حقا والله فإن المواضيع التي يتحث فيها الشيخ وخصوصا مقالاته المكتوبة تذكرني بالشيخ فوزي السعيد حفظه الله ورده الي مسجده غانما سالما
فاللهم فك اسر المأسورين ورد مشيخنا الي مساجدهم يجئرون بكلمة الحق
اللهم اميييين

ابن الزبير السلفي
01-22-2011, 02:02 AM
بارك الله فيك... وجزاك الفردوس الأعلى...
وحفظ الله الشيخ وإخوانه وجعلهم غصة في حلوق المنافقين والظالمين... وجمعنا وإياهم مع النبي صلى الله علي وسلم في جنات النعيم... آمين

ah_agaba
02-14-2011, 03:37 PM
هذا رابط للتفريغ تم فيه تعديل الأخطاء والتمييز في الخطوط بين كلام الشيخ وأصل البحث

http://ia600709.us.archive.org/13/items/Alsalafiah/Alsalafiah.zip

نسألكم الدعاء

أبو مصعب المنصورى
04-04-2011, 04:36 AM
بارك الله فيكم إخوتى جميعا وفى أوقاتكم وأعماركم وتقبل الله منكم كل هذا الإجتهاد وجعله فى ميزان حسناتكم

ah_agaba
09-02-2011, 02:45 PM
الرجاء وضع هذا الرابط في أول مشاركة
فهو كامل وهو ما يريده من يدخل هذا الموضوع

http://ia600709.us.archive.org/13/items/Alsalafiah/Alsalafiah.zip

نسألكم الدعاء

هـمـ مسلمةـة
09-11-2011, 11:29 PM
جزاكم الله خيرًا
روابط mediafire مخالفة .. تم حذف الرابط ووضع رابط بديل