المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علماء الأمة بين أعداء الداخل والخارج



ابو وليد المهاجر
02-21-2012, 08:47 AM
علماء الأمة بين أعداء الداخل والخارج
محمد عبد المحيي الصليمي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أمّا بعد:
من طبيعة الأفكار والمذاهب أنها تحوي في داخلها " جهازاً مناعيّاً " تكتسبه طرداً كلما زادت محدداتها ونضجت معالمها وأصبحت أكثر انفصالاً عمّا يغايرها من الأفكار والمذاهب الأخرى، فتصعب ممانعتها إذن، ولذا فكلَّما تنازل أصحاب عقيدة ما أو مذهب ما عن بعض هذه المحددات الظاهرة، أو كلما قلَّ اعتناؤهم ببيانها وبالتمسك بمضامينها سهل اختراقهم وربما إذابتهم في أفكار ومذاهب مقابلة.
واللذين يملكون صياغة أو إيضاح تلك الأُطُر الفاصلة هم مجموعة " النخب " المؤمنون بمذهبهم أو رأيهم استقاءً من مصادرهم التي يؤمنون بمرجعيتها فهم أمناء إذن من قبل أتباعهم، ثمّ يشتركون بعد ذلك مع عامة المعتنقين للمذهب في " السير والانتهاج " على ما تقرره تلك المحددات في صورتها الواضحة.
وبناءً عليه فإن حدّة الخطر من (الغارة الخارجيّة) على المعتقد أو المنهج ترتبط صعوداً ونزولاً بمقدار (الغارة الداخليّة) عليه، وبمعنى مقارب ترتبط بما لهؤلاء " النخب " من " نزاهة وصدق " فيما يقررونه من معالم وأسس هذا المعتقد أو المنهج، وهم درجات في موقعهم، فيتقدمهم (العلماء) ثمَّ (المفكرون) ثمَّ (الدعاة) وهكذا.
ونحن من زمن ليس بالقصير مؤرخ بنهاية الاستعمار وبداية الانبهار حتى هذا الوقت ضعفت ثقتنا بكثير من النخب " المفكرة " لما آل إليه أمرها من حماية للدين وبياناً لمعالمه إلى مقابلته بالصدود والتشكيك، لعوامل منها (ضعف القاعدة الشرعيّة) لهؤلاء الناتج عن كثرة التلقي عن أدبيات ونظريات الغرب إضافةً إلى (الاندفاع إلى ما عند الكافر بغير انضباط)، فأصبح هؤلاء " المفكرون والأدباء " معاول للهدم (الداخلي) إلا من رحم الله ووفق.
وأما العلماء فتوجهت إليهم أنظار كلٍّ من المريدين والحاقدين نظراً لأنهم عماد الدفاع الأول عن الدين لصلابة موطئهم منه وقوة فهمهم لمضامينه وهذا التصور تزيدنا فهماً له نصوص الشريعة الكاشفة عن خطورة موقع العلماء، وفداحة زلتهم وعظم حمولتهم من الذب عن الشريعة وبيانها " كما هي " للناس من غير تلبيس وتدليس.
ومن أهم عُدد الحفاظ على الدين والمعتقد مهمة (البيان) التي هي من أعلى واجبات من آتاه الله حظّاً من علم الشريعة، يقول - تعالى -: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُّنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون)[آل عمران 187]، فكلما تراجع العلماء عن بيان حقائق الشريعة للناس كلما سهل لأعدائها سحق تلك الحقائق باسم (العلماء)! وإذا دفن الدين باسم الدين صعب إيجاد مدفَنه.
وفي زمن نفوذ الكافر وتأمُّره على المسلم نجد هذا الكافر يتجاوز مجرد المواجهة الظاهرة أو الممانعة الخارجيّة إلى الحرب من الداخل أو إلى التجنيد الداخلي، فمفاهيم مثل الولاء والبراء أو بصورة أبعد الموقف من الكافر وأيضاً الموقف من تحكيم الشريعة و الموقف من الديمقراطية من المحددات المنهجيّة الفاصلة والكافيّة - حسب موقفك منها - في إلباسك عباءة (المسلم المعتدل) أو (المسلم المتطرف).
والمقصود أن هذا وجه من وجوه " الدفع الخارجي " يزداد وضوحاً في أيامنا، لا بد للعالم من الاستعانة بمدد الإيمان والمراقبة في ممانعته، وعليه ألا يتنكب مهمَته ولو غضب من غضب ورضي من رضي فالعالم " حصن الدين " وواجهته الكبرى، وهو لا يأمن على نفسه من الرضوخ لواقعه، كيف والله يقول لنبيه: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل)[هود 12].
إن غربة الإسلام تتشكل من وقت إلى آخر حسب " النموذج الطاغي " المخالف لأسس وقواعد الدين ولو في بعض جزئياته، أي أن من لم يساير مقتضيات هذه الأسس والمفاهيم " الكاسحة " واستمسك بشريعة الله "جميعها " ولم يتظاهر بذلك متنازلاً عن شيء منها، فهو وإن كان عندهم (متطرفاً، صدامياً) إلى غيره من الألقاب " التنفيريّة " فهو عند الله من الغرباء فطوبى للغرباء.
فالحاصل أن مهمّة العلماء - في الإسلام - هي من أجلى وأهم المهمات نظراً لتعلقها بحماية معالم هذا الدين العظيم من الاندراس والضمور، وبالتالي فإن التنازل عن شيء منها أو الضعف في القيام ببعض جوانبها يتعدّى خطره إلى جمهور الأمّة بل عامة الناس، فوراثة النبوة هي وراثة للعلم والصبر والثبات، وليس لمجرد العلم، نسأله - تعالى -التوفيق والسداد، إنه مجيب قريب