المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإنسان بين اختيار الحرية وإكراه العبودية



ابو وليد المهاجر
10-18-2012, 05:37 AM
الإنسان بين اختيار الحرية وإكراه العبودية
عمر حيمري

يقول مونتسكيو: [ليست هناك كلمة أعطيت معاني مختلفة كالحرية].
صحيح، ليس هناك تعريف جامع مانع، اهتدى إليه المفكرون الغربيون، ولم يستعص على المفكرين المسلمين، كتعريف مفهوم الحرية، لأنه كمفهوم أو كمصطلح فلسفي، له دلالات ومعاني كثيرة ومتعددة بتعدد المهتمين والدارسين، ومختلفة باختلاف الفلاسفة أو المدارس الفلسفية.
فسقراط اختزل الحرية في التعبير عن الرأي بدون قيد أو شرط، مفضلا الحكم بالإعدام بدلا من التنازل عن حريته في التعبير.
أما تلميذه أفلاطون فيرى أن روح الإنسان عرفت الحرية وعايشتها في عالم المثل، ولذلك فهي دائمة الشوق للعودة إليه، وبدون الحرية لا يمكن للناس أن يعيشوا بسلام في مدينته الفاضلة.
والحرية عند الفيلسوف جون جاك روسو، هي أن يفعل الفرد كل ما يريد انطلاقا من إرادته الخاصة، دون الخضوع لإرادة غيره، على أساس أن لا يخضع الآخرين لإرادته الخاصة.
أما ابن رشد فيذهب مذهب الأشعرية إذ يجمع بين الجبر والاختيار، مميزا بين عالم الإرادة الداخلي المتروك لاختيار الإنسان وعالم الظواهر الخارجية، الذي تحكمه المشيئة الإلهية وإرادة الله.
وانطلاقا من العدل الإلهي ومسألة التكليف والقدرة على الفعل وما يترتب عنه من ثواب أو عقاب، تناول المتكلمون مسألة الحرية، فذهبت الجبرية وعلى رأسها الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان، إلى نفي حرية الإنسان وقدرته على اختيار الفعل حقيقة، مضيفة الخلق والفعل إلى الله.
لأن الأفعال في نظرها تنسب إلى الإنسان مجازا وليس حقيقة "كقولنا سقط الحجر وطلعت الشمس وجرى الماء ... فالسقوط والطلوع والجريان منسوب للحجر والشمس والماء مجازا وليس حقيقة، لأن الحجر والشمس والماء وكل من في حكمهم جماد والجماد لا يتحرك من ذاته وليس له القدرة على الحركة، فالفعل إذن مخلوق من الله حقيقة ومنسوب لغيره مجازا".
وعلى خلاف الجبرية ربطت المعتزلة بين الحرية والمسؤولية، لأن الله عادل كل العدل ولا يمكن أن يكلف العبد دون أن يمنحه حرية الاختيار والقدرة على خلق أفعاله.
فالإنسان إذن قادر على خلق أفعاله وهو مسئول عنها والعدل الإلهي يقتضي ذلك. أما فرقة الأشاعرة فحاولت التوفيق بين الجبرية والقدرية فقالت بنظرية الكسب أي أن الأفعال مخلوقة لله، مكتسبة للإنسان، فالفعل الاختياري الواحد ينسب للإنسان كسبا ولله إيجادا وخلقا. لكن الحرية عند العلمانيين والحداثيين بصفة عامة، هي أن تقول ما تشاء وتفعل ما تشاء وتكتب ما تشاء، حتى ولو تعلق الأمر بالطعن في العقيدة وبالكفر بالله - سبحانه وتعالى - أو بتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم -.
وللحرية عندهم أيضا دلالة ومعنى آخر لا يستسيغه العقل ولا يقبله المنطق وتشمئز منه النفس وينفر منه الحس السليم ويرفضه الدين والعرف، لكثرة ما ألحقوا به من تشويه ولربطه بكل رذيلة وخلاعة وخاصة حرية الجسد، التي لا تتجاوز الدعوة للمثلية والشذوذ والسحاق والعهارة والمخدرات والخمر وكل ملذات الشقاء... ولاستخدامه كوسيلة للطعن والتشكيك في معتقداتنا الدينية ومقدساتنا الوطنية وقد عبر عن هذا الفهم السيئ للحرية، كل من عبد الصمد الديالمي وخديجة الراضي في الندوة التي أقامتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيسها، إذ طالبا كعادة التيار العلماني - الذي ينتميان إليه والذي يسعى إلى ترسيم مشروعه المعادي للإسلام وللهوية المغربية ولقيم وأخلاق المغاربة ومقدساتهم - بالنضال من أجل الحرية الجنسية وحرية الإجهاض وحرية التصرف في الجسد وحرية العقيدة والتدين.
وأن الزنا إذا كان بالتراضي لا يعتبر جريمة ولا فسادا في دين وأخلاق الديالمي؛ لأن ذلك من الحرية الشخصية والحرية الجسدية، التي على القانون أن يكفلها للمواطنين؛ لأنها فوق الشرع والعقل والعرف في نظرهما، وإن كان دعاة العلمانية يرفضون الحرية الشخصية والجسدية عندما يتعلق الأمر بالحجاب وينعتون لابساته بأقذع الصفات وأسقط النعوت.
وبهذا المنطق الأعوج، منطق التناقض، يدعون إلى حرية الجسد وفي نفس الوقت ينكرونها على من ترتدي الحجاب، وكأن الحرية لها اتجاه واحد يصب في العري و الفتنة الجسدية وفي الدعوة إلى الإلحاد والفساد الأخلاقي.
تراهم يتشدقون بالحرية وهم أول من ينسفها، إذا تعدت أو تجاوزت تعاليم العلمانية الملحدة.
إن رسل المشروع العلماني وصحابته يهدفون إلى نسف الأسرة والأبوة والأمومة وقبل هذا نسف عقيدتنا وأخلاقنا التي استقيناها من الوحي الكريم، الذي لا يأتيه الباطل واستبدال مقدساتنا بالرديء المدنس من الفلسفات الغربية العلمانية الملحدة.
وهذا وزير الاقتصاد السابق يعلن بصراحة في برنامج حوار عن رغبته في استبدال تعاليم الوحي المقدس من القرآن الكريم والسنة الشريفة بالفكر الليبرالي، ويشهد على هذا قوله: (إننا كحزب ننتمي إلى صف الليبرالية الاجتماعية.. نريد أن نحدد هويتنا بشكل واضح.. نحن نرفض أن يقحم الدين في السياسية، نحن نرفض أن يستعمل الدين في السياسة، نحن نرفض ازدواجية اللغة وازدواجية الخطاب.. نحن سنعمل على تكوين أكبر تنظيم للمرأة في المغرب، المرأة الحداثية؛ لأننا نعتبر أكبر تحد للمغرب هو تربية الأجيال المقبلة... لهذا سنعمل بكل قوة مع إخواننا الذي ينتمون إلى الصف الحداثي في هذه البلاد لمواجهة الفكر الظلامي لمواجهة كل التوجهات، التي من شأنها أن تعيد المغرب سنوات إلى الوراء)[1].
إن دعوة الوزير هذه مجرد ترديد لما أعلن عنه تشارلز برادلاف الملحد عام 1866 من ضرورة التخلص من الدين من أجل التحرر من الكنيسة.
وتؤكد هند عروب هذا التوجه في فهم الحرية من خلال قولها: (... أن النظام المغربي يخشى الفصل بين الدين والدولة، لأن في ذلك زعزعة للشرعية التي يقوم عليها النظام الملكي المغربي) [2].
وغير بعيد عن الفهم نفس نجد محمد السكتاوي مدير منظمة العفو الدولية، - بل العفو الدولية يطالب بعلمنة المقابر يسانده في ذلك مدير أمنيستي بقوله: (لقد فرقونا في الحياة، ولا يجب أن يفرقونا في الموت. وأنا أدعو الله بدعاء أهل الأعراف، أن لا يجمع بيننا وبينهم في الدنيا ولا في الآخرة [و إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين)[الأعراف آية 47)].
كما أن تدخل حافظ إسلامي كان في نفس السياق إذ قال: (... في الوقت الذي يسمح للآباء بتربية أبنائهم على الدين الذي يشاؤون، فإنه يمنع عليهم تربيتهم تربية تقوم على أساس الحقد أو العنصرية اتجاه الآخر... مضيفا أن العلمانية تقتضي أن لا يكون للدولة دين رسمي وأن لا يتحول الدين إلى هوية وطنية، بل أن يكون الوطن فضاء لممارسة كل الشعائر الدينية بكل حرية وكذا الإلحاد... )[3].
أي حقد لهؤلاء العلمانيين على المرأة، التي يريدون إخراجها باسم الحرية – "حرية العري والرذيلة والخلاعة)- من العفاف والصلاح وبلا حجاب، لتكون لهم أداة للهو والعبث وقضاء الحاجات. وكم كان محمد الغزالي صادقا حين قال: (إن تعرية المرأة حينا، وحشرها في ملابس ضيقة حينا آخر، عمل لم يشرف عليه علماء الأخلاق، وإنما قام به تجار الرقيق".
وأنا أضيف على كلامه، والقوادون المشرفون على الفساد الجنسي ودور الدعارة وما يدور فيها من خمر وحشيش ولواط... وأي حقد لهم على الإسلام والمسلمين، الذين يريدون صدهم عن الدين ويجردونهم من عقيدتهم.
إن العلمانية الملحدة لا تؤمن بالحرية ولا بالتعايش السلمي بين الأديان، بل تهاجم كافة الأديان وتفرض عليهم الحجر والوصاية وتجبر الناس على الكفر والإلحاد ودليلنا علمانية الصين وروسيا لينين وستالين وبطشهما وقمعهما لكل الأديان. إن الإسلام لم يكره أحدا على اعتناقه بدليل قوله - تعالى -: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين * وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون)[سورة يونس آية 99 -100)].
إن الحرية في الإسلام، هي أن تكون قادرا على إتيان الشيء أو تركه مختارا غير مضطر ولا مكره وبوعي وإرادة ومتحملا نتائج فعلك سلبا وإيجابا، وهي ببساطة ضد الظلم: ظلم الذات في حالة العبودية لغير الله. (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعضه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)[لقمان آية 13)].
وظلم الغير في حالة منعه وحرمانه مما تحب لنفسك أو إكراهه على فعل ما تكرهه لنفسك: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)[البقرة 114)] ((الظلم ظلمات يوم القيامة))[رواه مسلم]. وهي في تقديري ليست حرية واحدة، كما يتصورها الفكر الليبرالي والعلماني الغربي، بل حريتان مطلقتان في حالة العبودية لله، كما أن العبودية لغير الله هي عبوديتان.
إن الحرية ضد العبودية لغير الله، ضد الاستسلام لغير الله، فالعبد المؤمن حين يختار عبادة الله وطاعته، والله - سبحانه وتعالى - يعطيه فرصة الاختيار وحرية الاختيار، يكون قد اختار الفطرة واستجاب لمؤثر داخلي، هو ما أسميه بغريزة التعبد.
أما عندما يختار العصيان والتمرد على الله - سبحانه وتعالى -، فسيكون مخالفا للفطرة وخاضعا لمؤثر خارجي، طارئ، يسترقه ويستعبده، قد يكون هو النفس أو الهوى أو شياطين ألإنس أو الجن أو المال... وهذا لن يخرجه من دائرة العبودية لله، بل يجعله عبدا لله كرها وقهرا لا طوعا رغم أنفه مع استحقاق غضب الله، لأن الخلق كلهم عباد الله.
أما إذا اخترت التمرد على الشيطان والنفس وعصيت دعاة الرذيلة والفساد فستكون أيضا قد اخترت الحرية ومارستها برفضك للاستعباد وعدم الخضوع لتثير مختلف القوى الباطنية، كالدوافع الغريزية الغير مهذبة والأهواء على اختلافها والقوى الظاهرية، سواء كانت مادية في شكل فرد أو مجتمع أو فكرية في شكل فلسفة أو إيديولوجية أو سياسية واقتصادية... فالحرية إذا حريتان:
(1) حرية في الإقبال على الله وطاعته والاستسلام لأمره واختياره كمعبود لا شريك له.
(2) حرية في اختيار التمرد على النفس الأمارة بالسوء والشيطان والفكر العلماني الضال المضل. (لأن الاستعباد لغير الله مذلة وتحقير وصغار عند الله).
إن العلمانيين أطاعوا غير الله، فأضاعوا حرية الاختيار، التي تميز الإنسان ككائن عاقل مكلف ومسؤول عن أفعاله الإرادية وسقطوا تحت نير الاسترقاق والاستعباد المزدوج:
(1) عبيد لله رغم أنفهم مضطرين لا طائعين بحكم الخلق والإيجاد.
(2) عبيد لغير الله بحكم العبادة والانقياد لغير الله، لأنهم رضوا بالتحكيم والتحاكم إلى الطاغوت نستنتج من كل ما سبق، أن العبودية لله حرية مطلقة، لا يمكن أن تتحقق، إلا في ظل العبودية الاختيارية الخالصة لله، الصادرة عن عقل وقلب المؤمن الصادق مع ربه، دون إكراه أو إرغام. ويترجم هذا قوله - تعالى -: (من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)[سورة النحل آية 18)].
أما العبودية لغير الله، فهي استرقاق واستعباد قائم على الجبر والقسر، صاحبها مملوك لنفسه ولقرينه الإنسي والجني ولهواه، يعيش حياته نكدة ويقضي أيامه في اكتئاب مزمن وقلق مستمر... ونهايته لا محالة تكون مأساوية.
وصدق الله العظيم إذ يقول: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)[سورة ط 20)].
[1] المشرع الحداثي عند مزوار: المرأة الحداثية لا تلبس الحجاب. هبة بريس 15112011 إبراهيم بدون.
[2] عروب: النظام يخشى العلمانية لأنها تزعزع شرعيته السماوية هسبريس 3092012 رشيد البلغيتي
[3] هسبريس 1102012 رشيد البلغيتي.