المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفريغ الدرس الأول من مختصر منهاج القاصدين لمعهد شيخ الاسلام العلمي



أم محمد الظن*
04-10-2013, 07:20 PM
الرقائق
الدرس الأول
مختصر منهاج القاصدين
كتاب العلم وفضله وما يتعلق به- طلب العلم فريضة-فصل في علم المعاملة

له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد:
نبدأ بقراءة من كتاب "مختصر منهاج القاصدين" وهذا الكتاب من الكتب المفيدة جدًّا في علم التربية.
وبدأ الكتاب بموضوع "كتاب العلم وفضله وما يتعلق به".
(قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر: 9]، وقال -تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام, قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
ففي هذه الآيات واضح جدًّا فضل أهل العلم، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالذين يعلمون هم أعلى وأفضل وأكرم وأتقى وأخشى، ففضلهم الله -تبارك وتعالى- ورفعهم على غيرهم من المؤمنين، فالعلم يرفع المسلم.
وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان t قال: سمعت رسول الله r يقول: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»).
لأن الفقه في الدين علامة على هذا الخير، وعلامة على عاقبة الخير، فمن يرد الله به خيراً في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يكون الصلاح والاستقامة، وصلاح الحال والصواب، فإن الدين والعلم يذب الإنسان على الصواب، وعلى الحق، وفي الآخرة يكون النجاة والفوز بالجنة.
«من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»فإن هناك من الناس من يفقه الدنيا جيداً، وهو لا يقرأ ولا يكتب، وإنما في مدرسة الدنيا فقيه، يعرف كيف يكسب، وكيف يربح، وكيف يسافر، وكيف يتعامل، يعني يأتي من أعظم البلاد ويسافر دول، يعني ممكن يصل إلى دول أوروبية وغيرها، ولا يتقن شيئًا، إلا أنه يفقه الدنيا، كيف سيتصرف إذا ذهب إلى البلاد ويربح المال، ويأتي الأعاجم إلى البلاد العربية، بلاد البترول، وهم لا يحسنون اللغة ولا شيء، وإنما يفقهون في الدنيا، ويكون الدكتور في الجامعة فقيهًا في العلم الذي يدرسه من علوم الدنيا، ولا يفقه شيئًا في الدين.
فهذا يدل على أن من فقه في الدين مهما كان شأنه الاجتماعي فهو خير له وأفضل من أن يفقه في الدنيا حتى لو نال أعلى المنازل، وهذا لا يعني أننا نقلل من شأن الفقه في الدنيا، وإنما نُعلي من شأن الفقه في الدين؛ لأن الأستاذ الجامعي له منزلة وصاحب المال والتاجر، له مكانة وأما المسكين المتفقه في الدين الذي يحفظ القرآن، ويعرف العلم الشرعي، ولكنه فقير، وليس معه هذه المناصب، وهذه الوجاهات، فكأن هؤلاء خيراً منه، فهذا حكم باطل، فبسرد هذا الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، فإنك في هذا المعهد وفي هذا الطلب، وفي هذا العلم، على سبيل الخير، وعلى طريق الخير.
(وعن أبي أمامة t قال: ذكر لرسول الله r رجلان، أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله r: «فضل العالم على العابد، كفضلي على أدناكم») هذا فضل كبير يبين أن الفرق بين العالم الذي يعلم العلم، والعابد الذي يعمل، ولكن ليس عنده علم، فرق كبير، فأنت إذا تعلمت وتفقهت في الدين وعملت، حتى لو كانت عبادتك وعملك أقل من عبادة العابد الذي تفرغ للعبادة، فأنت بعلمك قد رفعك الله -تعالى- على هذا العابد، وكان هناك فرق كبير بين العالم والعابد، فالعابد الصالح الصابر المخلص المقبول، والعابد الصالح الصابر المخلص المقبول، الفرق بينهما كبير جدًّا بسبب العلم.
فما بالك بالفرق بين العالم وأهل الدنيا، إذا كان هناك فرق بين العالم والعابد، وكلاهما متدين؟
قال رسول الله r: «فضل العالم على العابد، كفضلي على أدناكم» ثم قال r: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير».
فكأن هذه الصلاة التي لا نعلمها وهي ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، فصلاة النملة وصلاة الحوت، نحن لا نعلم كيفيتها، وفي هذا الحديث بيان واضح، أن من صلاة هذه الكائنات، أنها تصلي على معلم الناس الخير، كأن بهذه الكائنات أمر هذا الأمر فيه شغل لمعلمي الناس الخير، وهذا الشغل يتمثل في صلاتهم عليهم، عني كأن معنى الصلاة دعاء الثناء كذا، فهذا المعنى يصل إلينا، أن معلمي الناس الخير بلغ قدرهم عند الله -تعالى- أن جعل كل شيء يصلي عليهم، أهل السماوات والأرض حتى النملة، حتى الحوت، يعني حتى دواب الأرض وهوام الأرض.
وهذا واضح جدًّا لما خلق الله آدم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: 31- 35].
فجاء الأمر بالسجود وهذا السجود للتحية والتكريم والتشريف لآدم، بعد بيان فضله بالعلم، فبين الله تعالى فضل آدم بالعلم، فأسجد له الملائكة.
فهذا سجود من الملائكة يدل على فضل العلم، وشرفه، وفضل أهله وشرفهم.
وفي حديث آخر: «فضل العالم على العابد، كفضل ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» فليس العلم مجرد الحفظ، ولا مجرد الفهم، وإنما هو وصف كامل لمن انتفع بعلمه، ففي الحديث: «وإن العلماء ورثة الأنبياء» فهذه النسبة التشريفية نسبة عظيمة جدًّا، «العلماء ورثة الأنبياء» الذي يرث الابن والورثة، فهناك صلة قوية بين الورثة والمورث، فهذه الصلة القوية تتمثل من الناحية الدينية في أحسن صورها، أن العلماء يرثون الأنبياء، فالأنبياء هم رحمة، وهم أعلى منزلة، أعلى البشر منزلة، وهم أعظم البشر فضلاً ونفعاً، فمن الذي يرثهم؟ أي في هذا الفضل والنفع والرحمة؟ العلماء، يرثون الأنبياء: أي يرثون عنهم هذا العلم بكماله، بأخلاقه وآدابه والعمل به، ثم ينشروه، فهم الذين يرثون الأنبياء، فهم الذين تشرفوا في هذه النسبة إلى الأنبياء كأنهم أبناء الأنبياء، والميراث هو العلم، ومن أخذ به أخذ بحظ وافر، أي من أخذ بالعلم.
(عن صفوان بن عسال t أن النبي r قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع» واخفض جناحك للمؤمنين) هذا تواضع، فإن الملائكة تحترم طالب العلم، وتتواضع لطالب العلم، كما سجدت الملائكة لآدم.
وفي معنى (وضعها أجنحتها) ثلاثة أقوال:
أحدها:أنه بسط الأجنحة.
الثاني: أنه بمعنى التواضع، تعظيما لطالب العلم.
الثالث:أن المراد أن النزول عند من مجالس العلم وترك الطيران. ولا حرج، ولا جناح في أن يكون المعنى يشمل كل هذه المعاني.
(وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة»).رواه مسلم
فتسهيل طريق الجنة وتيسيره هو طريق العلم، فمن أراد الجنة فليسلك طريق العلم، فمن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً فإنما هو سلك طريق الجنة، بل تسبب في سهولة هذا الطريق والوصول إلى هذا الهدف بالعلم، يعني من لم يسلك طريق العلم صَعُبَ عليه طريق الجنة، فكانت له عقبة شديدة في طريق الجنة.
ومن فضائل التعليم ما أخرجاه في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنهم أن رسول الله r قال لعلي t: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمُرُ النَّعم».
حُمُرُ النَّعم: هذه جمال مميزة مخصوصة غالية الثمن، يعني لها قيمة، فإذا فهمت من هذه العبارة، يعني المال النفيس، بما يناسب كل عصر، فخير لك من متاع الدنيا الفاني، وزينتها، ومالها، ونفائسها التي يرغب فيها أهلها، خير لك من كل ذلك، أن تعلِّم رجلاً، أن تهديه، والعلم هو سبيل الهدى.
«لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً» هل سلكت هذا الطريق فكنت سبباً لهداية واحد من المسلمين إلى طريق النبي r وطريق التدين والصلاة والتمسك بالسنة والعتق والتحرر من رق الدنيا؟ هل كنت سببًا مباشرًا في هداية شخص واحد؟
المطلوب من السؤال:أن نجعل هذا هدفًا ... أنتم الآن تعلمون ما نحن فيه من أحداث وأحوال، وجَلَدِ أهل الباطل وحرصهم الشديد على إقامة دولة الباطل والليبرالية والإباحية، وعطلت دولة الشريعة، فوجدوا الناس فيهم قاعدة عريضة من الإسلاميين الذين يضحون بأضاحيهم في سبيل إقامة دين الله، فهذه عقبة كبيرة، وحسنة عظيمة، فإذن تكثير هذه الفئة التي تختار الدين، وتهتدي إلى سنة النبي r، ولا ترضى بديلاً عنها مهم جدًّا، وتكثير هذه الفئة لا يتوقف فقط على الدعوة العامة، وخطبة الجمعة والدروس، وإنما من الروافد المهمة جدًّا الدعوة الفردية، فلو أنك متدين، وعندك في التدين عشر سنين، وكل سنة تتسبب في هداية واحد، إذن بعد عشر سنين يهتدي عشرة أفراد، إذن يتضاعف عدد أهل الدين والمحبين للسنة، وإقامة شرع الله عشرة أضعاف في عشرة سنين، يعني هذا الأمر في غاية الأهمية.
يعني أنا أريد أن أقول: الرسالة توصل من هذه الليلة ومن الآن انظر في الناس، ودقق في الناس، واختر واحد أو ثلاثة، واجتهد في أن تكون سببًا في هدايته، وأسباب الهداية كثيرة، والله -تبارك وتعالى- أعلم بالمهتدين فأنت كما فعل رسول الله r في أول الدعوة، كان يختار من يدعوه؛ لأن الدعوة سرية، فاختار أبا بكر، وأبو بكر اختار من العشرة المبشرين بالجنة، يعني اختار من المشركين من دعاهم إلى الإسلام، فكانوا من العشرة المبشرين بالجنة.. ذهب مع قومه، ومصعب بن عمير فتح المدينة، فوصل الإسلام كما ترى، بدعوة فرد وليس معه إلا يسير من العلم، مع صدق النية، فما معك من العلم يكفي لتحبيب الناس، وتعبيدهم لله وترغيبهم في السُّنَّة، واللجوء والانكباب، والولاء لهذا الدين ولأهله فأنت معك من العلم ما يكفي، بالإخلاص والصدق، ونسأل الله أن يستعملنا في هذه الدعوة، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يهدينا وييسر الهدى لنا، ويجعلنا سببًا للمهتدين.
فاجعل هذا الهدف نُصب عينيك، قبل أن تأخذ شهادة المعهد، وقبل أن تختم القرآن الكريم، وقبل أن ترقى المنبر، وقبل، وقبل، وقبل، اجعل هذا الهدف أولاً: أن يهدي الله بك رجلاً واحداً، أن تطرق هذا الباب فاللهم افتح لنا أبواب رحمتك.
(وقال ابن عباس: «إن الذي يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت في البحر»وروى نحو ذلك في حديث مرفوع إلى النبيr فإن قيل ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟
يعني لما يثبت عندنا النص، ويصح الحديث، فسواء عرفنا الكيفية أو الحكمة أو لم نعرف، فنحن نصدق ونسلم ونفرح ونستبشر.
فالجواب:
(أن نفع العلم عام يعم كل شيء)؛ لأن الجهل فساد والعلم صلاح والطاعة صلاح، والمعصية فساد، والعلم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، والجهل على العكس، فالعلم ونشره ينشر المعروف والطاعة وهو العلم الشرعي النافع.
(فإن العلماء عُرفوا بالعلم، وعرفوا ما يحل ويحرم، وأوصوا الإحسان إلى كل شيء، حتى إلى المذبوح، حتى الدواب في البحار وفي البر) فهذا هو الصلاح بعينه، فالجزاء من جنس العمل، فالكل يستغفر للعالم.
(وعن أبي موسى t قال: قال رسول الله r: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً،فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها، أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا، وزرعوا،وأفاض منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل مَن فَقُهَ في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلَّم، ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به »)أخرجاه في الصحيحين.
فالذي بُعث به النبي r هو الهدى والعلم، هو العلم الذي يهدي به ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ [البقرة: 38]، فهو الهدى، هو عين الهدى، وهو العلم الذي يهدي هو العلم النافع، « إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً» فالغيث هو الهدى والعلم، والأرض هم الناس.
«فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير » كائن من الناس الطيبين الذين قبلوا هذا العلم واهتدوا به، وانتفعوا به، فبورك لهم، فزكت أنفسهم، وحسنت أخلاقهم، وزاد إيمانهم، وزاد خيرهم، فكانوا كمثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
«وكان منها» أي من الأرض أي من الناس «أجادب، أمسكت الماء فنفع الله بها الناس» فإن هناك من يتعلم علم الميراث، وهو فقير ليس له ميراث، ويتعلم علم الميراث، ومن الناس من يتعلم الفقه، وفيه فقه الحج وفقه الجهاد، وهو لا يستطيع الحج ولا الجهاد، وهو يعلم الناس.
فمن الناس من يحفظ العلم، وينفع به بإذن الله -تعالى-، ومنها: «أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس».
فالطائفتين طائفة واحدة، بمعنى أنه ليس هناك مثلاً طائفة تتعلم فقط، ولا تنتفع بالعلم، وطائفة تنتفع فقط بكل ما تعلمت، هو أن تنتفع بكل ما تتعلم هذه بركة وثواب، إنما العلم واسع، فأنت تتعلم وتعمل ما استطعت، والعمل درجات، وأحكام، فيه واجب ومستحب، وعلى قدر استطاعتك «ما أمرتكم به فائتوا به ما استطعتم» فأنت ترتفع ومهما ارتفعت فأنت إذا طلبت العلم عندك علم تمسكه، تحفظه، تؤديه تبلغه، فتنفع به الناس، وهذا يشمل كل مسلم يستطيع أن يقول قال الله ويذكر ولو آية واحدة، أو يقول: قال رسول الله r ويذكر حديثاً واحداً، فهذا أيضًا نفع.
«وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله به الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا» وهذا مثل من حفظ العلم وبلغه وأداه، وعلَّم الناس مع انتفاعه.
«وأفاض منها طائفة أخرى» هذا الغيث وهو العلم أصاب طائفة أخرى من الأرض أي من الناس، «إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ »إنما هي أرض سبخة، لا تصلح، فاسدة، طبعها هكذا، وهذا مثل الذي لا ينتفع بالعلم، يسمعه ولا يسمعه، ولا يعمل به، ولا يمسكه، ولا يأخذه، بل يقول ماذا قال آنفاً، فهو لا يفهم ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91]، فالكلام واضح، ولكن هم لا يفقهون؛ لأن قلوبهم مطبوعٌ عليها، في غلاف، في أكنة، أعماهم الهوى، فهم لا ينتفعون بهذا الغيث، ولا يحفظونه،ولا ينقلونه، ولا يبذلون أي جهد، بل يضيعونه لو نزل عليهم، مثل الأرض السبخة تتسرب منها الماء، فلا تنبت ولا تمسك.
(فذلك مثل مَن فَقُهَ في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلَّم، )
وهم الطائفة الأولى والثانية.
«ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» وهذا مثل الطائفة الثالثة، والحديث في الصحيحين.
فهذا تقسيم حسن فأنت في أحسن القسم بسبب هذا العلم، وهذا الغيث، فكما أن الناس تموت لو أجدبت الأرض، وانقطع الغيث فكذلك الناس يموتون لو انقطع العلم، وموت الناس بانقطاع العلم أشر وأشد؛ لأن الناس إذا ماتوا من الجوع فهي الموتة الأولى، وإنما يبعثون فإذا ماتوا على الكفر فإنما هي موتة ثم يبعثون إلى النار، فالعلم أغنى وأحسن وأفضل وأعظم نفعًا من المال، فهو حياة القلوب، وهو الحياة الحقيقية، فإن الإنسان يحيى حياة طبيعية يشاركه فيها جميع الحيوانات حتى النبات فيه حياة، وهي مبنية على الغذاء، ثم أن الإنسان تميز بحياة أخرى خاصة، وهي حياة قلبه وروحه بالعلم والهدى، الذي جاء به رسول الله r.


(فصل[ طلب العلم فريضة].

روي عن أنس بن مالك t، عن النبي r أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم») والحديث حسن.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (اختلف الناس في ذلك.
فقال الفقهاء: العلم هو علم الفقه، إذ به يُعرف الحلال والحرام.
وقال المفسرون: هو علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها.
وقالت الصوفية: هو علم الإخلاص، وآفات النفوس.
وقالت المتكلمون: هو علم الكلام).
(والصحيح: أنه علم معاملة العبد لربه)، ويمكن أن تقول أيضًا: الصحيح: هو ما جاء به رسول الله r من الهدى والعلم.
هذا هو العلم «طلب العلم فريضة» فالعلم هو ما جاء به رسول الله r من الهدى.
أما أنه فرض، فهذا يختلف باختلاف الناس، فواجب المرء فرض، وهذا يتبين من هذا التفصيل الذي ذكره صاحب الكتاب.
(معاملة العبد لربه التي كُلِّفها العبد على ثلاثة أقسام:
1- اعتقاد. 2- فعل.3- ترك).
أمثلة:
(إذا بلغ الصبي، فأول واجب عليه أن يتعلم كلمتي الشهادة، وفهم معناهما، وهو يتعلمها قبل البلوغ، ولكن نتكلم عن البلوغ، وإنه يحصل ذلك بالنظر والدليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى من أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل فذلك فرض الوقت ثم يجب عليه النظر والاستدلال،).
مثال: فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، والصبي يتعلم الصلاة من سبع سنين، فهو لم ينتظر البلوغ،.
(فإذا عاش إلى رمضان وجب عليه تعلم الصوم) وكذا، فالمراد بطلب العلم الذي هو فرض عين ما يتعين وجوبه على الشخص.
فأما فرض الكفاية: يعني هذا بالنسبة للتروك والاعتقادات، وكما ذكرنا علم المعاملة، وعلم الفعل والترك.
(فالترك فهو بحسب مايتجدد من الأحوال،والاعتقادات يجب علمها بحسب الخواطر) فأنا أرى أن ضرب الأمثلة هذا لا يزيد الأمر وضوحًا بل ربما يزيده صعوبة، وإنما هو المقصود من هذه الأمثلة توضيح البيان كيف يكون الفرض بهذا المختصر وهو ما يتعين وجوبه على الشخص.
أما فرض الكفاية: (فهو كل علم لا يُستغنى عنه قوام أمور الدنيا كالطب والحساب، وغير ذلك مما يكون هو ضروريا لقوام أمور الدنيا وأمور الدين).
(فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها، حرج أو كان الحرج يشمل أهل البلد، فإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الباقين، وإن الطب والحساب من فروض الكفاية، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفاية، كالفلاحة والحياكة والحجامة) فإن عمار الإنسان على الأرض حتى يعبد الله U، فلابد ومن الضروري جدًّا أن يكون هناك علوم لحفظ حياة هذا الإنسان، وحفظ عقله، وبدنه، ومعاشه، فهذا ما يعني فروض الكفاية من الأمور الضرورية لهذه الحياة، يقوم بها من يكفي لإقامتها.
وأيضاً هذا الكلام فيه تفصيل أو توضيح...
(وقد يكون بعض العلوم مباحًا كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها وقد يكون بعضها حرامًا مذموماً كعلم السحر، والطلسمات، والتلبيسات أما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول وفروع ومقدمات ومتممات).
فأنت لا تستطيع أن تصلح الأصل إلا بالمتمم( فالأصول كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله r، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة، والفروع ما فُهِمَ من هذه الأصول من معاني، تنبهت لها العقول، حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، أو ما استنبطه العلماء.
كما فُهِمَ من قوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أنه لا يقضي جائعا) يعني الفروع ما يتفرع عن الأصول، وهو مبني ومتصل بها.
المقدمات: (هي التي تجري مجرى الآلات- يعني أنت تقول: هذا الحديث حسن، هذا الحديث صحيح، كيف توصَّل العالم إلى أن يحكم على الحديث؟ بعلم، هذا العلم يُسمى علم المقدمات، وتعلم اللغة لتفهم القرآن، وتفهم أوجه المعاني، فهذا من علم الآلات- كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة رسوله r).
المتممات: (كعلم القراءات ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم، وأحوالهم فهذه هي العلوم الشرعية، وكلها محمودة، ) سواء أكانت أصول أو فروع، أو مقدمات، أو متممات.


فصل [في علم المعاملة]

معاملة العبد لربه، يعني هذا التقديم، أهمية العلم، وضرورة العلم، وفضل العلم، وفضل العلماء، وتقسيم العلم، حتى يصل إلى أهمية هذا العلم الذي ندرسه، هو علم المعاملة، معاملة العبد لربه -تبارك وتعالى-.
( فأما علم المعاملة:هو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص وغير ذلك، هذا العلم ارتفع به كبار العلماء).
فأنت ترى مشايخنا قد رفعهم الله، هناك من العلماء من لا تعرفه، وهو على درجة علمية كبيرة جدًّا؛ لأنه فرق بين العلم والصلاح، وبين العلم والعمل، وأنه أخذ العلم وظيفة،.
بل قد يصل إلى مرتبة أعلى مرتبة في العلم، ومذموم عند أهل الدين؛ لأنه يوظف العلم لخدمة السلطان الظالم، فهو يطوِّع للسلطان الأشياء حسب هوى السلطان بما أوتي من العلم، فهو يغش المسلمين، ويخون الأمانة، وهو من الناحية العلمية أستاذ كبير جدًّا، وصل إلى أعلى الدرجات، ولكنه لم ينتفع بعلمه.
فالذي رفع كبار العلماء، أو الذي رفع أهل العلم وأهل الإيمان هو الإخلاص، معاملة الله -تبارك وتعالى-، الصدق مع الله، إرادة وجه الله -تعالى- بهذا العلم.
وهناك ألفاظ لها معاني، وقد تغيرت هذه المعاني بعد العصور الأولى المفضلة -القرون المفضلة-، فأصبح اللفظ يُطلق، فيتبادر إلى الذهن معنى، وهذا المعنى لم يكن هو المقصود من وضع اللفظ، وأمثلة ذلك: الفقه، فإذا قيل: الفقه، فيتبادر إلى الذهن أنه فقه العبادات، وغيرها من أبواب الفقه المتعلقة بأحكام الربا، والديات، والصلوات، وكذا وكذا.
(فإذا قيل الفقه فأنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، كخصوص معرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» منطلقاً على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس،)يعني إذا آتيت المسجد تطلب العلم، فالعلم حديث النبي r، ما جاء به رسول الله r من الهدى والعلم.
أما أن التخصيص فإنه لا عيب فيه؛ لأنه يؤدي إلى معنى صحيح، فأنت تدرس فقه، توحيد، تفسير، هذا التخصيص للتوسع في العلم، فحتى تتميز أنواع العلوم، ويفهم المستمع ماذا تقصد.
إنما هنا هو يقول: أنك لا تنسى هذا المعنى: (أن الفقه يعني الفقه في الدين، وهو أن تعلم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال).
(وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا) فهذا هو الفقيه حقاً،-(وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، هذا هو عين الفقه، ولذلك قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، وإنما العلم الخشية، فمن كان على خشية فقد انتفع بعلمه".
أما أنه يعلم وهو جريء على المعاصي، رجل في الدنيا، فهو جاهل، أي جهل ترك العمل، فإن الترك جهل أشر وأشد؛ لأن عدم التعلم جهل يزول بالتعلم، أما ترك العمل فهو جهل أعظم ؛ لأنه قد علم، ثم لم يعمل، فهذا جهل أخطر وأشد، وهو يزول بالعمل، بما تعلم، وبما عمل.
.
(واللفظ الثاني: العلم، وقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، فخصوه وسموا به في الغالب المناظر في مسائل الفقه، وإن كان جاهلاً بالتفسير والأخبار.
واللفظ الثالث: التَّوحيد وكان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله -تعالى- رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط).
التَّوحيد يعني يقصد تجريد التَّوحيد، التعلق بالله، التوكل على الله، محبة الله، إخلاص العمل لله.
فيثمر ذلك التوكل والرضا، وقد جعل .. عبارة عن صناعة .. الأصول، وهذا يتكلم عن التَّوحيد كما هو يدرس مثلاً في الأزهر، أو عند المعتزلة والمتكلمة، له أصول، وأما عند أهل السنة فالمقصود به ما شُرح في كتاب مثلاً العقيدة الطحاوية، أو كتاب التَّوحيد أو غير ذلك، فكما ذكرت هذه الألفاظ الموضوعة الآن كرءوس لهذه الفنون من العلم، هذا ليس ذنبًا، وليس أمراً سلبيًّا، إنما هو أمر حسن، وهو اتساع العلوم لزيادة النفع، وللتخصص، فهذا أمر احتاجت إليه الأمة، وهو من الخير، وقد أقره أهل العلم جميعاً، وإنما المقصود من الكلام أن يشير إلى سر من الأسرار لا تغفل عنه، فلا تغفل عن أن الفقه هو فقه معاملة العبد لربه، وأن التَّوحيد هو إخلاص العبادة لله -تعالى-، وتعلق القلب بالله وحده، ولا يتعلق بغيره، فلا يكن في قلبك غير الله، فهو يريد أن يشير إلى هذه المعاني الجميلة، وكما ذكرت من ضمن التفصيل..
اللفظ الرابع:(وكذلك التذكير والذكر، قال -تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، وقال النبي r: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر») والحديث إسناده ضعيف.
(فنقلوا ذلك إلى القصص) الصوفية تعتبر الذكر هي الحلقات التي تفعلها، وفيها الرقص..
فاختلاف هذه المسميات غيَّر أصل معناها، فالذكر والتَّذكر والوعظ والاعتبار، هذا معناه مرتبط بالقرآن، ومرتبط بالعلم الشرعي، ومرتبط بهدي النبي r.
(اللفظ الخامس: الحكمة) يعني الآن يقولوا: الحكماء، الحكماء هؤلاء ممكن يكونوا لا يصلوا، ولا عندهم أي فكرة عن الدين، ويسموهم الحكماء، فالحكمة هي التي علَّمها رسول الله r أمته ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129]، هي فعلاً هذه الحكمة، وهي سنة النبي r وهديه.
أما الحكمة التي يتحدثون عنها، فهم يتحدثون عن أمور بالنسبة لميزانهم.
قال ابن قتيبة -رحمه الله-: (لا يكون الرجل حكيماً حتى يجمع العلم والعمل، وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب) لكن كان هذا قديماً، كان يُسمى "حكيم"، إنما الطبيب الآن بينه وبين الحكمة فرق كبير جدًّا، الطبيب الآن للأسف الشديد، فئة كثيرة من الأطباء لا تعرف الحكمة، ولا التخصص ، .
فمسألة الحكمة كانت مع الطب أولاً بالفهم، فالآن تخلفت كثيرًا.
والمقصود أيضًا أن الحكمة هي السُّنَّة، اتباع السُّنَّة والعمل بالعلم.
والحقيقة حتى يتضح لك جليًّا وببرهان واضح جدًّا فائدة العلم، انظر في الفئة المتدينة، التي فهمت السُّنَّة، وأظهرت الولاء للسُّنَّة، تجد أن هذه الفئة لا تُضَلَّل عن طريق الإعلام أبدًا، يعني تفهم القضية، وأن القضية نصرة الإسلام، وهي تريد تطبيق شرع الله، وهي تثق في العلماء الرَّبانيين.
ما الذي جعل هذه الفئة معصومة من هذا الضلال؟
العلم، أنهم أقبلوا على الله، اهتدوا، فقرءوا القرآن، وصلوا جماعة، وقرءوا السُّنَّة، واستمعوا لمشايخهم، هداهم الله -تبارك وتعالى-، فما عندهم من العلم جعله في حَصَانة من هذا التضليل الفج.
باقي الناس الذين لا يعلمون ما معنى نصراني؟ ولماذا النصراني كافر؟ وما معنى شريعة؟ ولا يعرفون شيئًا عن الدين، بل يتعجبوا، ما دخل الدين في المسائل التي نتكلم فيها؟ نحن كلنا مسلمون.
هذه الفئة لعدم العلم ولوجود الجهل فهي معرَّضة بوضوح جدًّا للضلال يؤثر فيها الإعلام، وتجد الأخباث وأهل الفساد حريصون كل الحرص على الإعلام، هذا البوق الذي يخاطبون به الجُهَّال حتى يُضلوهم.
ولذلك في الدول الكافرة التي ليس فيها إسلام، ولا صلاة جمعة ولا كذا، يستطيعوا أن يحركوا الناس بهذا الإعلام، وعندهم براعة وفن ودراسة وخبرة، فيأتي اليهود مثلاً مع الرئيس الفلاني في أمريكا، فيكون سببًا في نجاحه بهذه الضخامة الإعلامية؛ لأنهم يلعبون في عقول الناس وصناعة الرأي.
أما في مصر فعندك خطبة الجمعة، والعالم ويتكلم، ويقول: الله -تبارك وتعالى- يقول، والرسول يقول، وحكم الله في هذه المسألة كذا، والضلال والهدى، والحق والباطل، فيبصر كثير من الناس.
فهم يتعجبون من أنهم يجيِّشون جيوشهم وجنودهم وآلات الحرب التي معهم في تضليل الناس، ثم تكون النتيجة عكس ما يريدون، بسبب العلم، أن الله يعصم الناس بالعلم الشرعي النافع، الهدى والعلم الذي جاء به رسول الله r.
فهذا معناه أن هذا العلم له أهمية وفضل عظيم، وأنك ستتعرض لعقبات ويحتاج هذا العلم منك إلى تضحيات، فلا تبخل، ولا تؤثر شيئًا على طلب هذا العلم، وواصل طريقك، واعمل به، وانشره، وبلِّغه الناس واحرص على أن يهدي الله بك الناس، ولو كان رجلاً واحداً.
أقول قولي هذا، وأسأل الله -تعالى- أن ينفعنا بما قلنا وسمعنا.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
انتهى الدرس الأول أختكم أم محمد الظن.

أم محمد الظن*
04-10-2013, 07:58 PM
مختصر
منهاج القاصدين الدرس الثاني
باب في أدب المعلم والمتعلم، وآفات العلم، وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله ملء ما في السماوات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء، الحمد لله ملء كل شيء الحمد لله كلما حمد الله شيء، الحمد لله كما يُحب الله أن يُحمد الحمد لله كما هو أهله، الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبداً ورسوله، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وسلم تسليمًا، أما بعد
نبدأ الدرس الثاني من كتاب (مختصر منهاج القاصدين) والدرس بعنوان: (باب في أدب المعلم والمتعلم، وآفات العلم، وبيان علماء السوء وعلماء الأثر).
يقول: (أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق، ومذموم الصفات، إذ العلم عبادة القلب).
هذه العبارة عبارة جميلة، فلابد من طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، فالعلم عبادة القلب.
(والصلاة لها طهارة، وهو الوضوء، فهذا العلم له طهارة، وهو طهارة القلب.
وينبغي للمتعلم قطع العلائق الشاغلة، فإن الفكرة متى توزعت عن إدراك الحقائق) يعني أنت تتعلم،تستخدم عقلك، تفكر تركز، تفهم، تحفظ، إذا كنت مشغول، فهذا الشغل سيأخذ من فكرك وعقلك، فيشغلك عن العلم، والمشاغل درجات، فهناك مشاغل لا تحتاج منك إلى هم وتفكير، وهناك مشاغل تشغل البال والقلب والفكر، فهذه التي تشغل البال والقلب والفكر تسمى العلائق الشاغلة، فينبغي قطعها وهذا القطع يختلف من إنسان لآخر، بمعنى أنك لابد أن تنهي هذه المشاغل بنهاية صالحة، فتضع لها حلاً يمنعها من شغلك عن طلب العلم، ولا تتركها معلقة فيأتيك الشيطان من هذا الباب يبلبل أفكارك، ويلقي الوساوس أمامك، فيحول بينك وبين فهم العلم، وحفظ العلم، وحب العلم، والتركيز في العلم.
(وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء) يعني عندما مثلاً بعض الطلبة يكونوا موجودون، ثم يأتيه يقول المغرب أنت كنت تمتحن، ثم أنت تريد أن ترتاح، ثم وراءك لا أدري ماذا، فيأتيه بعض المشاغل، فلا تجعله يستطيع أن يصبر أن يجلس من المغرب إلى العشاء، تكون النتيجة أن هذه المشاغل والعلائق صرفته عن حلقة العلم.
فلابد أن تقطع هذه المشاغل ولا تجعلها تسيطر عليك، فتفكر فيها، وتضعها في موضعها، وتقدم المقدم، وتؤخر المؤخر.
(فروي عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين) وهنا وقفة فيها تفصيل،وجد أن الزواج مشغلة، يعني زواج، وله تكاليف، وله طلبات، وزوجة وأولاد وكذا، فإن هذا سيشغله، وأمر من العوائق، ويتعلق قلبه به، فأجله، هذا الأمر ليس سنَّة، وليس المقصود أن تفعل هذا الفعل، وإنما المقصود أنه -أي الإمام أحمد- لما وجد أن هذا الأمر يشغله عن العلم آثر العلم، فهذا يبين فضل العلم ودرجة العلم عند الإمام أحمد، حتى أن أي عائق يعوق بينه وبين العلم كان يتخلى عنه.
أما الشاب الآن ربما لو أراد أن يفعل ذلك يكون قد وضع عائقًا آخر يشغله شغلاً أكبر، يعني ربما لو تزوج الشاب في هذه الأيام يكون هذا معيناً له على الطلب؛ لأنه لو ترك الزواج مع هذه الفتن، سيكون هناك شاغل لباله، وتلك الفتن الموجودة والشيطان، وشهوات النفس، فتكون هذه عوائق داخلية في نفسه وقلبه، تعوق بينه وبين التركيز في العلم، فحتى يرتاح باله، وتهدئ نفسه وتسكن يتزوج، فيكون الزواج معيناً له على العلم، ويكون ترك الزواج، أو حتى عدم القدرة على الزواج عائق وشاغل له يشغله؛ لأنه يحتاج إلى الإحصان.
وقد يوجد بعض الشباب -وإن كانوا قلة- لا يعبأ بمسألة الزواج، يعني عنده مسألة الزواج هذه آخر شيء يفكر فيه، لا يشعر بأي عنت، أو مشقة من عدم الزواج، بل على العكس، هو خائف من الزواج، يعني كلما انتهى من الكلية والحمد لله عمل، والحمد لله عنده شقة، وعنده قدرة على الزواج، لكنه خائف من موضوع الزواج؛ لأنه لا يجد في نفسه رغبة قوية، ولا يجد عنتًا ولا مشقة من ترك الزواج، فهو يؤجل أمر الزواج حتى ينتهي من كل شيء، فهذا موجود فعلاً، وواقع، ولكن قليل.
فالمهم: أن مسألة الزواج لا توصف بأن الزواج عائق، ولا يوصف ترك الزواج بأنه معين، وإنما الأمر على تفصيل ويختلف باختلاف الأشخاص، والحكم العام: أن خير الهدي هدي محمد r، وقد قال: «يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم» الحديث.
أما فعل الإمام أحمد فهو كما ذكرت لك أنه بيَّن أن العلم عنده أهم شيء، وكان عنده الصبر على ترك الزواج.
(وعلى المتعلم أن يلقي زمامه إلى المعلِّم، إلقاء المريض زمامه إلى الطبيب، فيتواضع له، ويبالغ في خدمته).
والحقيقة الواحد رأى منظر في التعلم، وهذا المنظر جميل ومفيد، وعالي جدًّا في الأدب، وهو منظر في الجامعة في طلبة الطب المعيدين في تعاملهم مع الأساتذة المدرسين لهم، تجد الدكتور الذي تعين معيدًا وله رسالة ماجستير أو دكتوراه أو كذا، تجده هو يتعلم من أستاذة في غاية الأدب، ويعطي لأستاذه حقه في الاحترام والطاعة؛ لأنه يعلم أن أستاذة هذا سيعلمه ما ليس في الكتب، وأن الكتاب وحده لا يكفي، ويدخل معه غرفة العمليات، ويعطيه مفاتيح العلم، فهم يحترمه جدًّا، ويوقره، ويسمع كلامه، ويقدره فحين وجدت هذا تذكرت طلب العلم الشرعي وكلام العلماء، وأن التلميذ والمريد يكون مع أستاذه وشيخه بهذه الصفة، حتى لا أقول يزيد عنها، وإنما أقول: ليته يكون بهذه الصفة في الاحترام والأدب وحُسن التَّلقي.
والذي يعين على ذلك أن تبتغي بذلك وجه الله،( قد كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يأخذ بركاب زيد بن ثابت t ويقول: "هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء").
مسألة العلماء وطلبة العلم، والأستاذ والتلميذ، فيه نقطة مهمة: أنك تنوي أنه يعلمك ما ينفعك عند الله، يعني أعظم الناس عليك إحسانًا وفضلاً مَن يُعلمك من أمر دينك، ما ينفعك عند الله.
هذه العبارة توجب عليك شكر هذه النعمة، فتبتغي وجه الله بالأدب مع مَن يعلمك، وبأن تتواضع له، فكان ابن عباس يأخذ بركاب الدابة لزيد بن ثابت، وابن عباس ابن عم رسول الله r، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء؛ لأنه يرى أنه يتعلم من زيد بن ثابت، فهو يتأدب معه، ويتواضع معه، فهذا شكر لنعمة الله عليه.
فكون أنه يجد من يعلمه هذه نعمة، كيف يشكرها؟ يتأدب مع المعلِّم يبتغي بذلك وجه الله، يعني يعلم أنه سيؤجر على هذا من الله، وأن في هذا رضا الله -تبارك وتعالى-.
(ومتى تَكَبِّرَ المتعلَّم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدُّم فهو جاهل) هذه المسألة تنفعنا في هذا العصر، أو في الحال الذي نعيشه، يعني نحن إخوة، فنأتي بأن واحد يأخذ دور المدرس، والثاني يأخذ دور الطالب، إنما ليس فينا مثلاً واحد عالم، فأنت ترى أن هذا الغير موصوف بالتقدم، يعني رغما عنك، لا يمكن أن يصل في قلبك من الاحترام والتوقير ما يكون للعالم، أمر ستجده طبيعي؛ لأن الفرق بسيط والمسألة قريبة، فإذا أثمر ذلك عندك نوع من الاستنكاف، أو سوء الأدب، أو لا تراعي آداب الطلب ستفقد خيراً كثيرًا.
أولاً: لأن في هذا خلاف الشكر، عدم الشكر، يعني لما تخالف الأدب، كأنك تستهين بالنعمة.
ثانيًا: لأن الحكمة هي المطلوبة، فسواء الذي يدرِّس طالب مثلك مثل الجامعة معيد، فيكون متخرج قريباً، ثم يصير مدرسا لمن كان معه في الكلية، (فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها) فهو يبحث عن الحكمة، فيأخذها ومن شكر من يؤديها له أن يتأدب معه.
فلابد من حراسة القلب من الكِبر أو الاستنكاف أو سوء الفهم، (وليدع رأيه لرأي معلمه) يبقى رأي لرأي، وليس نص لرأي، يعني لا يدع نصاً لرأي معلمه، وإنما يدع رأيه لرأي معلمه، فهذه انتبه لها، هو لا يترك كلام النبي r ولا نصاً لرأي معلمه، ولا حتى يترك الصواب لرأي معلمه، كأن يكون رأي معلمه يخالف رأي العلماء، الذين هم أعلم وأصوب، وإنما يدع رأيه لرأي معلمه؛ لأن هذا مفتاح التعلم؛ لأنه لو اغتر برأيه وأعجب به حجبه عن الاستفادة، هذا خطر جدًّا، لما تأتي تعلم واحد، ولما يسبقك، ويعتز برأيه، فسوف تحجب عنه ما عندك من العلم كأمر طبيعي؛ لأن هذا الإنسان متعب، ولا يسهل إفادته، فيترك لرأيه، فبذلك يُحرم خيراً كثيرًا.
قال: (فإن خطأ المعلم أنفع للمتعلِّم من صواب نفسه)، هذه مسألة فيها نوع من المفاضلة، يعني اثنين ثلاثة أربعة، ويتشاوروا في مسألة، فاجتمع ثلاثة على رأي، وخالف واحد، فقال: إذن كل واحد يمشي برأيه، أنا أرجع من الطريق الفلاني، وأنتم ترجعوا من الطريق الفلاني، وهو كلامه صحيح، وسوف تجدوا النتيجة أن رأيي كان أصوب، فيقول أهل العلم: إنه لو ترك رأيه الأصح والأصوب، ومشى مع الجماعة في الخلاف الأولى أو الأقل، فإن هذا هو الأصح والأصوب لأن الافتراق شر، والضرر أكبر، فإذا كان الأمر هكذا، يعني محل اجتهادات وخلاف الأولى، فإن تركك رأي المعلم أشر وأضر، وإن كان رأيك هو الأصوب؛ لأن المسألة ليست حلال وحرام، وإنما هي خلاف الأولى فتترك رأيك لرأي معلمك، يبقى تعلمت الأدب، ولم توغر صدره وتعلمت كيف تحكم نفسك؛ لأن هذا من الأدب، فتكون النتيجة أنك تتقدم.
(قال على t‏:‏ إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه بالتحية) يعني تظهر له الاحترام والفضل.
(وأن تجلس أمامه) يعني تظهر له الاهتمام (ولا تشير عنده بيدك) يعني تظهر التوقير (ولا تغمزن بعينيك) يعني تظهر الأدب (ولا تكثر عليه السؤال) لأن هذا مدعاة للخطأ، كثرة السؤال، أو الضجر (ولا تعينه في الجواب) يعني لو أنت تسألني مسألة، وعندي فيها إجابة عشرين في المائة، فأجبت حتى لا أخطئ على قدر ما أعلم، فلا تلح عليَّ فيما تركت؛ لأن هذا من المشقة (ولا تعنيه في الجواب) يعني تكون فقيه، تسأل والسؤال واضح، والإجابة على جزء من السؤال، والسؤال واضح، يعني لا يحتاج إلى إعادة، فتفهم أنه ترك الإجابة لأي عذر، (فلا تعنيه في الجواب).
(ولا تلح عليه إذا كسل) لأن في هذا مشقة (ولا تراجعه إذا امتنع) لأن هذا خلاف الأدب (ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشى له سراً) وقد يكون الأسرار عدم التكلف، يعني ممكن العالم يكون مع بعض التلامذة المخصوصين في وضع غير متكلف، فيعتبر هذا أسرار، بمعنى أنه لا يظهر بهذا المظهر عند عموم الطلبة، فأنت طالب مخصوص، فتعتبر أن هذه أسرار.
(ولا تغتابن عنده أحداً) لأن هذا يغضب الله U ويجرئ على معاصيه، ويمحق بركة العلم، ويوقع العالم في الإثم، وقد ينكر عليك ويزجرك، وقد لا تتحمل فتفتن.
(ولا تطلبن عثرته) إذن طلب العثرة هذا فيه سوء أدب، يعني إنسان يسأل العلماء الآن يختبرهم، فيه أسئلة أسئلة اختبارات، يأتي شيخ، فيأتي واحد يريد أن يعرف رأي الشيخ في مسألة كذا، يرسل له سؤال، لكي بعدما يجيب على السؤال، بعدما ينتهي من الدرس، يقول: هو يقول في مسألة كذا، ويبدأ يتكلم عن الشيخ في مسألة كذا، يطلب عثرته، يطلب خطأه، فهذا لا يمكن أن تكون وراءه نية صالحة، لا تطلبن عثرته، اتق الله I.
(وان زل قبلت معذرته، ولا تقولن له‏:‏ سمعت فلانا يقول كذا) أي خلاف قولك (ولا تصفن عنده عالماً) أي كأنك تفضله عليه، أو كأنك تقلل من شأنه، يعني هذا هو القيد.
(ولا تعرض من طول صحبته) فإن صحبة العالم فيها نفع، وفيها مصلحة علمية وتربوية.
(ولا ترفع نفسك عن خدمته) أي أن خدمة العالم مثل خدمة الوالد، فهي لا تقلل من شأنك، ولا تقدح في كرامتك، وإنما ترفعك عند الله -تبارك وتعالى-.
فلا ترفع نفسك عن خدمته فتكون مستنكفا، أو مستكبراً.
(وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها) يعني تتنافس في خدمته، (فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء) يعني هو كثير النفع لك، أو متأكد نفعه.
وأقول لك هذه العبارة: العالم قد يعطيك خلاصة عشرين سنة، في أشهر، يعني عندك مثلاً أي شيخ من المشايخ وليكن مثلاً الشيخ أبو إسحاق، له عمر مع العلم، ثم يأتي في درس مثلاً ساعة، وأنت تفكر الدرس الساعة هذا لو يشرح مثلاً صحيح البخاري، يبقى لو شرح صفحة، العلم الذي يذكره لك في الصفحة، هو العلم الموجود في الكتاب؟ لا، أنت تظن أن العلم الذي يشرحه ويضيفه، تجده في كتاب واحد؟ أبدًا، قد يكون خلاصة عشرين سنة أو أكثر، وقد يعطيك فائدة مائة كتاب، وهو يشرح كتاباً واحداً وأكثر، يعني قد لا يمكنك أن تحصل فوائد في محاضرة عالم مهما بلغ فهمك وذكاؤك لو لم تحضر المحاضرة، يعني يعطيك معلومة، وتصحيح وفائدة في العقيدة، أو في اللغة، أو في الحديث، أو فائدة تربوية، أو أي فائدة، وهو يشرح هذه الفائدة لا يمكن أن تأخذها بسهولة إلا من العالم، إنما أن تأخذها بنفسك، والله لا نت، ولا كتب، ولا عمر مديد؛ لأن هذه خلاصة يعطيك إياها صافية هنيئة، فلذلك عَظُمَ قدر العالم لهذا السبب، أنه يعطيك خلاصة عمر، وخلاصة قراءة وعلم، في وقت يسير، فيسهِّل عليك جدًّا العلم.
ولذلك يعني أنت تلاحظ هذه ملاحظة واقعية، ممكن تجد ناس متميزين في العلم ليس له شيوخ، فحين تسمع لهم تجد عنده نقص بسبب أنه ليس له شيخ، هذا النقص لا يستطيع أن يحصله أبدًا، واحد آخر يكون له شيخ، لا يكون هذا النقص، لأنه يحصل من الشيخ علوم لا يعرف أن يحصلها بنفسه، فهذا يبين فضل المشايخ والعلماء.
ولذلك فإن اختيار العالم الذي تتعلم منه مهم؛ لأن له أثر في التربية، وله حق عليك، فكلما أحسنت اختيار العالم، استطعت القيام بحقه، وكان أثره عليك حسن، (وينبغي لطالب العلم أن يأخذ من كل شيء أحسنه؛ لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم،ثم يصرف جُمَام قوته إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذي به يكتسب اليقين) يعني أنا أريدك أن تنظر إلى العلوم التي تدرسها، والمذاكرة التي تذاكرها وطريقة التحصيل، ففيه علوم ستكون الفائدة فيها بسيطة، ولكن من ناحية الوجاهة ستعطيك وجاهة، وصورة العلماء، وفيه علوم ستكون الفائدة فيها عظيمة، ولكن لا تعطيك الوجاهة، فإياك أن تحرص على تلك العلوم التي تعطيك الوجاهة، وهي مثل الفيتامينات، وتعطيك وجاهة لتأخذ الوجاهة والمنظرة والشهرة، فتتعب جدًّا في تحصيل هذه العلوم التي تعطيك الوجاهة، وهي نفعها أقل، ثم تهمل تلك العلوم المهمة جدًّا، والتي تعطيك زادًا في الإيمان، وزادًا في التقوى، وزادًا في معرفة الله U، حتى وإن كان عندك لحن في اللغة، أو في غير ذلك.
فالقصد أنك تحدد هدفك أنه ابتغاء رضوان الله، فهذا الهدف هو الذي سيكشف لك أهمية العلوم فهذا أرضى لله فتقدمه، فتقدم ما هو أنفع لك عند الله.
أما ما هو أنفع لك عند الناس قد يكون معكوس، إذن هذا الأمر أنفع لك عند الناس، لكنه سوف يضرك في الآخرة.
(وهو العلم المتعلق بالآخرة الذي به يكتسب اليقين).
يقول: (الذي حصله أبو بكر الصديق t) وذكر الحديث: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره» وفي الهامش هذا حديث موضوع.
فالحقيقة أن الحديث كما ذكر إنما المقصود أنه يريد أن يوصل لك أن أبا بكر سبق ليس بزيادة العلم الذي هو الحفظ مثلاً، وإنما بزيادة العلم بالله.
(وأما المعلم فعليه وظائف).
من هذه الوظائف: (الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، ولا يطلب على إفاضة العلم أجراً، ولا يقصد به جزاءً ولا شكراً، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولا يرى لنفسه منَّة على المتعلمين).
يبقى عندنا آفات خطيرة لابد أن نبرأ إلى الله -تعالى- منها.
(بل يرى الفضل) فلابد من الشفقة، والشفقة عكس القسوة والشدة.
(وأن يجريهم مجرى بنيه) هذه منزلة تكريم، ليسوا خدَّامًا، وليسوا أجراء، وليسوا عمالاً، وإنما هم أبناؤه، فيجريهم مجرى بنيه.
(ولا يطلب على إفاضة العلم أجراً، وإنما يعلِّم لوجه الله، ولا يقصد به جزاءً ولا شكراً، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولا يرى لنفسه منَّة على المتعلمين) لأنه يعلمهم لوجه الله، فالله يعطيه من الثواب الجزيل ما يكفيه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، فكيف يكون له منَّة عليهم، أو يرى لنفسه منَّة عليهم، وهو يعمل عند الله -تبارك وتعالى-، وهم سبب فوزه، وسبب أجره، وسبب رضا الله، فلولاهم ما كان هذا الباب، فهم مزرعة، كأنه يزرع فيها ما يثمر له الخير في الآخرة، فهو يشكرهم، أنهم مكنوا أو مكنوه من أن يزرع فيهم الخير.
يعني فيه واحد سيعطيك صدقة، فأنت تشعر بأن له فضلاً، ولكن هو يشكرك أنك قبلت الصدقة؛ لأنك بقبولك الصدقة قد أوجبت له الثواب عند الله، فهذا معناه أنك تمكنه من طاعة الله، تمكنه من عمل سيربح كثيرًا.
(فهو كالذي يعير الأرض لمن يزرع فيها‏، ‏فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله تعالى‏.‏ وكان السلف يمتنعون من قبول هدية المتعلم‏.) يعني خشية مثلاً أن ينقص أجرهم، والأمر فيه تفصيل: فإن هذا إما من باب الورع، أو من باب معرفة الحال، يعني قد تقبل الهدية، وقد لا تقبل، وهذا أمر فيه تفصيل، فهذا التفصيل معناه: أن هذه ليست قاعدة عامة، فقد كان السلف يمتنعون من قبول هدية المتعلم خشية أن ينقص أجرهم، أو خشية أن يكون هذا يفتح الباب لفساد النية، والتعلق بمثل هذه الأمور.
(ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئاً، وأن يزجره عن سوء الأخلاق) يعني هو حريص على تعليمه، فإذا رأى أمراً أيسر من الآخر ينصحه بالأيسر، كتاباً أفضل ينصحه بالأفضل، طريقة أحسن، يعني ينصحه؛ لأنه قد جرَّب الطريق قبله.
(ويزجره عن سوء الأخلاق) هذا أمر تربوي، يعني يعلمه ويربيه.
والزجر يكون بطريق يناسب المتعلم، فهناك طريق التعريض، أو طريق التوبيخ، أو طريق التصريح، فالأصل التعريض، وترك التوبيخ، فإن التعريض يحافظ على النفس، ويحافظ على الشعور، وأما التوبيخ، فإنه يثير العند في النفس والإحراج.
فهذا بالنسبة للعموم، أما بالنسبة للخصوص، فقد يوبخ أو يعاقب إذا تمكن الطالب من الفهم، ووجد أن في هذا مصلحة محققة له، يعني يتحمله الطالب لأنه له تمكن في هذه الدرجة من التعلم، فليس مع كل أحد يصلح الزجر.
(ومنها‏:‏ أن ينظر في فهم المتعلم ومقدار عقله، فلا يلقي إليه ما لا يدركه فهمه ولا يحيط به عقله، وإنما يعطيه المسائل على قدر فهمه، وقال علي t: "إن هاهنا علماً لو أصبت له حمل").
فمعناه أن عنده علم ولم يعلمه؛ لأنه خشي على المتعلم ألا يفقهه، فلو أصاب من يصلح لحمل هذا العلم، لعلمه إياه، وفي الهامش يقول: (روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قوله: "ما أنت بمحدث قومًا حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة").
يكون الكلام أنت تخاف أن يُفهم خطأ، وأنت غير متأكد أنه سيفهم فهمًا جيداً، وأنت تُسأل سؤال، فتمتنع عن الإجابة، أنت تعرف الإجابة، ولكن الأحوال التي أمامك تبين أن هذا الكلام سيحمل على غير معناه، مهما فعلت، فاتق الله ولا تحدث فتنة، ولا تحدث الناس بما لا تبلغه عقولهم؛ لأن هذا يكون لبعضهم فتنة.
وللبخاري معلقاً عن علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسوله".
أن الناس ترد الكلام، فلو وجدت سنَّة، وهذه السُّنَّة غريبة وعجيبة على عُرف الناس، وعُرف الناس سيحكم على هذه السُّنَّة بأن هذا كلام باطل، ولا يمكن، فأجِّل هذا الكلام حتى تُصلح أفهام الناس.
(ومنها أن يكون المعلم عاملاً بعلمه، ولا يكذب قوله فعله، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 44]).
وهذا العلم والعمل، عندنا العمل واجب ومستحب، فالعمل بالواجب هذا ليس فيه فصال، إنما العمل بالمستحب، لا يمكنك أن تعمل به كله، فإذا حاسبت نفسك، فلا تحاسب نفسك حساباً يأتي بنتيجة عكسية بأن تقول: أنا لا أعمل بعلمي، فأمتنع عن التعليم؛ لأن النهي والزجر ليس عن التعليم، وإنما عن ترك العمل، فلا تجمع بين ترك العمل، وترك التعليم، فإن الشيطان يود لو ظفر منك بهذا، إنما العيب على من ترك العمل، وترك العمل المستحب بمعنى عدم القيام بالمستحب كله، كأن تتكلم عن فضل الصيام، وفضل الصدقة، وفضل القيام، وفضل تلاوة القرآن، وأنت تقصر في بعض هذه الأمور، فهذا الأمر لا يسلم منه أحد، وإنما لا تستخف به، ولا تستهين بذلك، تستغفر الله، وتفعل ما استطعت وتستغفر الله -تبارك وتعالى-.
واعلم أن الأمر بالمعروف مثل خطبة الجمعة، أو غير ذلك، هو عمل صالح إذا أخلصت النية، يعني لا تقول: أنا أعمل معاصي، كيف أصعد المنبر؟ يعني أنت ماذا تريد؟ تريد أن تقلع عن المعاصي؟ أنا أريد أن أفهم هذا السؤال منك، أنت تعمل لي إشكال، تقول لي: أنا أعمل معاصي وأخطب الجمعة، أنا الآن عندي خطبة الجمعة، اليوم الخميس وأنا عندي خطبة الجمعة، كيف أصعد على المنبر؟ يعني ماذا تريد؟ يعني أريد أن أعمل معاصي ولا أخطب الجمعة؟ هل يصح؟ إذن أنت بهذا تزداد سوء، أنت الآن قل لي ماذا أفعل؟ أقول لك: اترك المعاصي، يعني اخطب الجمعة، واترك المعاصي، تقول لي: أندم وأقع في المعاصي مرة ثانية، إذن خطبة الجمعة تجعلك تندم أكثر وتستحي أكثر، وهي مذكر لك، وتقلل العصيان، وتزيد الإيمان، ولكن تعالى على خطبة الجمعة الأول، خطبة الجمعة نفسها، وراجع النية فيها، فإذا كانت خطبة الجمعة صحيحة من ناحية الأدلة، صالحة من ناحية النية فهي عمل صالح، يعني يثقل موازينك، مثل ما السيئة عمل فاسد، والعمل الصالح هذا يزيد إيمانك، ويزيد حياءك، ولعل الله -تبارك وتعالى- يرضى بكلمة مما تقول أو يدعو لك شخص، فيعافيك الله U من هذه المعصية.
فأنت إياك أن تمنعك المعصية عن الطاعة؛ لأننا نأمل أن تمنعك الطاعة عن المعصية، والشيطان يريد أن يظفر منك، أن تمنعك المعصية عن الطاعة، يقول لك: استح، تخطب الجمعة وأنت تعمل معاصي، يعني يريد أن ينفرد بك، وأن يفترسك، فإياك إياك أن تترك الخطبة أو الدرس أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الكلام مع الشباب أو أي أمر أنت مخلص فيه، يعني أنت صادق فعلاً في نقله، إياك أن تتركه؛ لأنك على معصية، أو مقصر في الطاعة، إن هذا باب شر.


(فصل في آفات العلم، وبيان علماء السوء، وعلماء الآخرة.

(علماء السوء‏:‏ هم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا) قصدهم من العلم (والتوصل إلى المنزلة عند أهلها‏).‏
وقد روى أبو هريرة t، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعنى ريحها).
يعني الحقيقة يا إخوة، لا بد أن تكون الصورة واضحة، بمعنى: أن فيه ناس تطلب العلم الشرعي للدنيا، يعني هذا المقصود به المثال الواضح المحض، أن واحد يريد منصب أو يريد دنيا، يعني هذا هدفه، وهذا الهدف واضح جدًّا، هذا مقصوده، يعني ليس عنده دين، ولا تدين، ولا التزام، ولا أي شيء، بيته مثل أبي بيت، وسلوكه مثل أي سلوك، وهو يريد المال، ويريد الجاه، ويريد الشهادة، وهذا هو مقصوده، ويريد السلطان، ويريد كذا، والعلم وسيلة.
أما ما يختلط بالنية الصالحة من آفات النفس ووساوس الشيطان، بأن تشتهي النفس الرياء، أو تشتهي المنزلة، أو الشيطان يلقي الوسواس وأنت تكره ذلك بقلبك، وتتألم منه، وتجاهد، فهذا ليس معناه أنك تقصد بالعلم الدنيا، وإنما معناه أنك في معركة، وأن الشيطان يجاهدك فيها، ويحاربك فيها، فلا تحزن، ولا تترك سلاحك، ولا تيأس، ولا تحكم على نفسك بالرياء، وإنما اعلم أن هذه الصفات جبليَّة، مجبول عليها الإنسان، حب المدح، وحب الدنيا، وحب المال، وحب الجاه وكذا، وأنت المطلوب منك أن تكون يقظاً حتى تنجو من الاستجابة لهذه الوساوس، واستغفر الله، واستعن بالله ولا تعجز.
ولا تطلب الراحة قبل أن تدخل الجنة، فسئل الإمام أحمد: متى الراحة؟ قال: "عندما تضع قدميك في الجنة".
فلا تطلب الراحة قبل أن تضع قدميك في الجنة، وقد فتح الله لك باب التوبة، والله توَّاب رحيم، فأكثر من الاستغفار، والرجوع إلى الله -تعالى- والاستعانة بها.
(وفى حديث آخر أنه قال‏:‏ «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار» رواه الترمذي) فالإنسان يتعلم العلم ليكون أحسن من فلان، ويرد على فلان، يعني مثلاً أنا رأيت شيء في السوق، هذا الشيء أن فيه ناس تتبع أحاديث المحدث الألباني -رحمه الله-، يعني إمام هذا العصر، فتتبع الأحاديث، وتحسِّن أو تصحح بعض ما ضعفه، وتضعف بعض ما صححه، فمنهم من عرض ذلك على الشيخ أبي إسحاق -حفظه الله-، فقال له عبارة، هذه العبارة حكمة، قال له: أن تتبع كتب الشيخ، فتقول: أخطأ في كذا، وصحح كذا وهو ضعيف، وأن تتبع كتبه، فهذا أخشى عليك منه، وأما أن تكون في معرض طلبك وعملك، وأنت تواجه حديث صححه الألباني، وأنت كطالب علم، ترى الصواب أنه ضعيف مثلاً فتذكر ضعفه أو كذا فهذا لا بأس به، إنما تأتي على السلسة الصحيحة مثلاً ثم تنقضها، ويكون هذا هدفك فقط، والسلسلة الصحيحة، فيها كم حديث، وتبدأ تجعلها هدف، كل هذا يُخشى عليك منه، ولا يُجنى من ورائه فائدة.
أما أن تكون في كتاب "رياض الصالحين" وأنت تحققه، واختلفت مع الشيخ في تصحيح أو تضعيف حديث، هذا أمر وارد ولا حرج فيه، فكانت حكمة.
من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، وهو الجدال والمراء، ويرد على أي واحد، دعي له وأنا أفحمه.
«أو يصرف وجوه الناس إليه» يعني ليُعجبوا به، ينال إعجاب الناس «فهو في النار» لأنه استخدم ما يرضي الله -تعالى- ويُطلب به ما عند الله -تعالى- في أحقر شيء عند الله، وهي الدنيا، فجعل الدنيا غاية وشيئًا عظيماً حتى أنه توسل بالعلم الشرعي في طلب هذه الدنيا الحقيرة التي ليس لها شأن عند الله.
(وقال بعض السلف‏:‏ أشد الناس ندامة عند الموت عالم مفرِّط) ولم لا؟
يقول: (واعلم‏:‏ أن المأخوذ على العالم أن يقوم بالأوامر والنواهي وليس عليه أن يكون زاهداً ولا معرضاً عن المباحات، إلا أنه ينبغي له أن يتقلل من الدنيا مهما استطاع) فالعالم ليس كعموم الناس، فمهما وسع الله عليه فلابد أن يظهر عليه أثر العلم، فلابد له أن يتقلل من الدنيا، والتقلل بمعنى النسبي، التقلل النسبي، يعني العلماء كلهم لن يكونوا مستوى واحد، يعني فيه عالم غني، وفيه عالم فقير، فالغني مهما تقلل من الدنيا، لا يكن شكله مثل الفقير؛ لأن هذا ليس مطلوباً، «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» فليس هناك قدح ولا ذم في إظهار النعمة، وإنما التقلل من باب التواضع، وإظهار أثر العلم.
(وقد روي أن سفيان الثوري رحمه الله كان حسن المطعم) يعني كان لا يقوى على صيام التطوع، سيدنا سفيان، كان عندما يصوم يوم كان يظهر عليه جدًّا أثر الصوم، فكان لا يقدر على الصيام، وكان يحب الطعام، كان يتقوى بها على العلم والصلاة.
(فكان حسن المطعم، وكان يقول: إن الدابة إذا لم يُحسن إليها في العلف لم تعمل) يعني يأكل ثم يشبه هذا التشبيه، يعني ليس أن الأكل شهوة، وإنما كأنه زاد للعبد.
(وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يصبر من خشونة العيش على أمر عظيم) يبقى في السجن وفي الفتنة وفي الضرب وصائم، ثم يأتي المغرب فيفطر على رغيف خبز، وقد يكفيه ذلك الوقت الطويل.
فكان يصبر من خشونة العيش على أمر عظيم، ما لا يقدر عليه غيره هذه أحوال خاصة، وخير الهدي هدي محمد r، كان إذا وجد أكل وإذا لم يجد صبر وصام، فكان r لا يحرم شيئًا من الطيبات، ولا يسرف في شيء من المباحات، وكان هديه r خير الهدي، فعليك بهدي النبي محمد r، أما أحوال الصالحين، فأنت تعتبرها أحوال خاصة، يعني واحد يربي نفسه، يعني أنت مثلاً ممكن لا تأكل كنافة محشوة فزدق تشعر أن الفزدق هذا مسألة فيها ترف، وتأكل كنافة عادية، وممكن ناس مثلاً في بيئة أخرى لا تعرف أن الكنافة يُحشى بالسوداني، يعني مسألة الفزدق عندهم، مثل السوداني عندنا، فالمسألة من ناحية أحوال الصالحين، والتربية، وتربية النفس، والتجارب مع تربية النفس، وأن الإنسان بأي قدر يتقلل من الطعام، وفيه ترف بالنسبة له، لا يأكل كذا، ولا يأكل كذا، هذه مسائل أحوال الصالحين فيها اجتهادات، إنما الضابط العام التربوي للمسلمين هو سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- فالقدوة محمد r.
العلماء تجد منهم من له أحوال، يُحب العالم لعلمه وصلاحه وورعه، ويتقرب بحبه أو بمحبته إلى الله، ولا يقلَّد في شيء خالف فيه السُّنَّة، أو ليس عليه دليل، وإنما المسألة وهي المسألة التي تخضع للتجربة، والأحوال المباحة في التجارب، مثل إنسان يجرب كذا أو يجرب كذا، هذه تندرج تحت أصل عام وهي أن تزكية النفس قاعدة، وهو ما يفعله أمر مباح، ولا يذكر أنه يفعله، يأمر به الناس، ويقول لهم: هذا سنَّة، فهذه قاعدة، أننا نتأسى بالصالحين، نحبهم، نفعل أمور تناسبنا من الناحية التربوية، ونجتهد، يعني مثلاً عالم يؤدب نفسه بالصوم كلما اغتاب إنسان، هذا أمر تربوي ويفعله، يؤدب نفسه بالصوم، هذا الفعل أنت فعلته لا بأس أن تفعله؛ لأن هذا أمر شخصي، وأنت تربي نفسك، فلك أن تربي نفسك، ممكن تجلس تذكر الله ألف مرة، اذكر الله عشرة آلاف، هذا أمر أنت تفعله، وهو في حقك تتقرب به إلى الله وهو صحيح، إنما إذا أردت أن تعلم الناس التربية والتذكية فعليك بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة، فتفرق بين ما تفعله من باب التجربة مع نفسك، وهو يندرج تحت أصل صحيح، أن تجلس في المسجد، أن تذكر الله كثيرًا، أن تصوم، أن تؤدب نفسك بطاعة من الطاعات، كل هذا صواب، أما أن تعلِّم وتقتدي فعليك بخير الهدي، هدي محمد r.
(ومن صفات علماء الآخرة أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة‏.‏ وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم).
إذن هذا الكلام كلام واضح وجميل، ونحن مقتنعين به، ولكن نردي أن نرى له أثراً في حياتنا، فيكون في حياتنا هذا الكلام واقع، فنؤثر الآخرة، ونحتقر الدنيا، ونعظم أمر الآخرة.
(وقد روي عن شقيق البلخي -رحمه الله- أنه قال لحاتم: قد صحبتني مدة، فماذا تعلمت؟ قال: ثمانية مسائل).
كلها مسائل في غاية الأهمية من الناحية التربوية.
(أما الأولى‏:‏ فإني نظرت إلى الخلق، فإذا كل شخص له محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي) والله يا إخوة نحن نرى الميت، ويبكي عليه أهله، يبكي عليه أهله بكاءً حارًا، فإذا تأملت في بكائهم، وجدت كل باكٍ يبكي على نفسه، ولا يبكي على الميت، هذه بنت صغيرة، أمها ماتت، فهي تبكي على فراق أمها؛ لأنها ستشعر بالوحشة والحاجة والغربة بعد فَقْدِ أمها؛ لأنها أمها بالنسبة لها شيء عظيم جدًّا، فهي تبكي على ما فقدت.
وهذا رجل كبير في السن يبكي على وفاة زوجته، وهو فوق الستين، يبكي وتنزل دموعه، والناس تصبره، يقول: مَن الذي يخدمني؟ فهو يبكي على نفسه، وهكذا كثير ممن يبكي على الميت يبكي على نفسه، يعني يبكي على ما فَقَدَ من حظ نفسه من الميت، وطبعاً الفراق والمحبة هذا أمر معترف به، ولكن من يبكي على الميت؟ ويدعو له؟ ويخشى عليه وينظر فيما قدَّم أو فيما سيقول للملكين أو كذا؟ فاجعل هذا أمامك أن من أحبك له حظ في حبك؟ أولادك يحبوك لحظ كبير جدًّا لهم في محبتك، زوجتك تحبك، وتتمنى أن تموت قبلك؛ لأنها ستستوحش لو مت قبلها؛ لأن لها حظ في حياتك، وهذا الكلام ليس معناه أننا نقلل من شأن هذه الأمور، ولكن لابد ألا تتعلق بهذه الأمور يعني هذه أمور تجعل تعلقك الحقيقي بالله U وبما ينفعك عند الله.
وقال: (والثانية‏:‏ فإني نظرت إلى قوله تعالى‏:‏ ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى﴾ ‏[‏النازعات‏:‏ 40‏]‏ فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى) فالنفس تفر من الله إلى هواها، فهذا الهوى أخطر شيء على النفس، فعليك بخوف الله، الخوف هو السلاح والحصن الحصين، في علاج هذا الهوى، والوقاية من هذا الهوى، خوف الله.
(الثالثة‏:‏ فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه، ثم نظرت في قوله I‏:‏ ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ‏[‏النحل‏:‏ 96‏]‏ فكلما وقع معي شيء له قيمة، وجهته إليه ليبقى لي عنده) فهو خير حافظاً وهو أرحم الراحمين
(الرابعة‏:‏ إني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، وليست بشيء، فنظرت في قوله الله تعالى‏:‏ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏ فعملت في التقوى لأكون عنده كريماً) يعني المال مقسوم، أنت فقير ولا حيلة لك، مهما عملت، أن لك مستوى معين، وهذا غالب الناس وأنت ابن فلان، وهذا ليس بيدك، وأنت لست ذو منصب، فأنت في الناس كثير مثلك، وكثير أكثر منك، وأنت تتمنى ما لا تستطيع أن تدركه، سواء كان من مال أو جاه أو نسب، فماذا تفعل؟ عندك شيء تملكه التقوى، فتكون كريمًا عند الله، والكرامة هي الكرامة عند الله U، فاتق الله ما استطعت تكن كريمًا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
(والخامسة‏:‏ فأنى رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت في قوله تعالى‏:‏ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏ فتركت الحسد) فأنت تحسد الناس وهي قسمة الله -تعالى- فلا يضر الحسد إلا صاحبه.
(والسادسة‏:‏ رأيتهم يتعادون، فنظرت في قول الله تعالى ‏:‏‏ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ﴾ ‏[‏فاطر ‏:‏ 6‏]) فعليك بهذه العداوة الظاهرة البيِّنة، وهي عداوة الشيطان، وإياك وولاية الشيطان، تترك عداوة الشيطان وتعادي المسلمين، فكثير من الناس له أعداء في المسلمين، والشيطان وليه، يعني يسمع كلامه ويطيعه.
(والسابعة‏:‏ رأيتهم يذلون أنفسهم، فنظرت في قول تعالى‏: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ‏[‏هود ‏:‏ 6‏]‏ فاشتغلت بما له علي وتركت ما لي عنده) فقد تكفَّل الله برزقك فلا تحمل الهم.
(والثامنة‏:‏ رأيتهم متوكلين على التجارة، والصناعة، والصحة، فتوكلت على الله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾[الزمر: 36].
ومن صفات علماء الآخرة: ‏أن يكونوا منقبضين عن السلاطين) فإياك والسلطان احترز من مخالطة السلطان، فإنه فتنة.
(ومن صفاتهم أن يكون أكثر بحثهم في علم الأعمال عما يفسدها) يعني علم القلوب، وإصلاح النية، وموافقة العمل للسنة، فكل هذا لتعلق قلوبهم بالآخرة، وأصل الدين التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يُعرف، فمعرفة آفات الأعمال، وآفات النفوس، وتذكيتها، وتطهير القلوب فمن صفات علماء الآخرة: (البحث عن أسرار الأعمال الشرعية) وهذا ما سيكون -بإذن الله- في الدروس القادمة .
ونكتفي بهذا المقدار، سبحانك اللَّهمَّ ربَّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
انتهى الدرس الثاني أختكم أم محمد الظن.

معهد شيخ الاسلام العلمي تحت اشراف الشيخ الحويني حفظه الله

ابو عائشة القيسي
04-10-2013, 08:29 PM
بارك الله فيكم وحفظكم

أم محمد الظن*
04-20-2013, 12:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب مختصر منهاج القاصدين

الدرس الثالث

كتاب الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله ملء ما في السماوات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله على ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء، الحمد لله ملء كل شيء، الحمد لله كلما حمد الله شيء، الحمد لله كما يُحب الله أن يُحمد، الحمد لله كما هو أهله، الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبداً ورسوله، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وسلم تسليمًا، أما بعد: اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب:
الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات.
الثانية: تطهير الجوارح من الأنجاس والفضلات.
الثالث: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوته.
الرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى وهذا هو الغاية القصوى فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلوب، ومن عمت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى،فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء، وغسل الثياب، ظناً منه بحكم الوسوسة وقلة العلم، أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط، وجهلاً بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان في تطهير القلوب، ويتساهلون في أمر الظاهر) يعني لا يبالغون فيه إلى الحد المذموم.
(كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه توضأ من جرة نصرانية، وكانوا لا يكادون يغسلون أيديهم من الزُّهم -الدهن مثلاً- ويصلون على الأرض، ويمشون حفاة، ويقتصرون في الاستجمار على الأحجار) يعني ليس هناك مثلاً استنجاء بالماء، ثلاثة أحجار، فهذا المحل إذا اقتصروا على الاستجمار بثلاثة أحجار، فهذا هو السُّنَّة، ولكن لابد أن يكون في هذا المحل أثر، حتى بعد الاستجمار، وهذا لا يضر، ولا يفسد الصلاة، ولا يفسد الوضوء، فهذه السُّنَّة، الاستجمار بثلاثة أحجار.
(وقد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة نظافة)، أي الوسوسة في النظافة والمبالغة فيها.
(فترى أكثر زمانهم يمضى في تزيين الظواهر، وبواطنهم خراب محشوة بخبائث الكبر) وتجد المرأة محلاة بالذهب والماكياج، والثياب الفخمة، والشقة الفخمة، وهي تغتاب، والغيبة كأكل مال الميت وهو أخوه ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ [الحجرات: 12].
وقد يتورع الواحد منهم عن مثقال نقطة من خمر، ولا يتورع عن عِرض أخيه( فبواطنهم خراب محشوة بخبائث الكبر والعُجب والجهل والرياء والنفاق.ولو رأوا مقتصرًا في الاستجمار على الحجر ، أو حافياً يمشى على الأرض، أو من يصلى عليها من غير حائل، أو متوضأً من آنية عجوز، لأنكروا عليه أشد الإنكار) بل ممكن لو رأوا واحد يصلي وهو يلبس النعلين، يقولوا: هذا كُفْر، وهم يفعلون معاصي، ولا يهتمون بإصلاح العبادات، فكل هذا من الجهل، والعلم هو دواء ذلك، العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يبالغ بعض الناس في هذا الزمان في مسألة النظافة، فيستنكف حتى من التراب، فلابد أن نكون ملتزمين بالقصد، وهو السُّنَّة، فكلا طرفي الأمور ذميم.
(فانظر كيف جعلوا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة، والرعونة نظافة) والبذاذة التواضع في اللباس، يعني الواحد يرى في هذا الوقت، وفي هذا الزمان الذي نحن فيه، فيه مبالغة في النظافة،النظافة محمودة، النظافة من الإيمان، ولكن هناك مبالغة، لدرجة أن تكون هذه المبالغة كأنها صنم، يعني الإنسانة عندها الشقة، أو الإنسان عنده السيارة، أو عنده الثوب الذي يلبسه، أو عنده القلنسوة التي يلبسها، يعني عنده نواميس، هذه النواميس يلتزم بها تماماً، أما إخواننا الذين هم من القرى الطيبون، ربما لم يبتلوا بهذا الداء، وهو المبالغة في النظافة.
البذاذة: هو التواضع في اللباس، هذا التواضع هو أن يفعل الإنسان أقل مما يقدر عليه، هذا تواضعًا لله -تبارك وتعالى-، كل ما شئت، والبس ما شئت، واركب ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: الإسراف والمخيلة فالإسراف ممقوت في المباحات، الإسراف ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]، فالإسراف في كل شيء ممقوت، حتى الإسراف في النظافة، أي التي هي -كما ذكرنا- كأنها صنم.
(وصيروا المنكر معروفاً) وصبروا على المخالفات ومخافة السُّنَّة والوقوع في الآفات.
(فانظر كيف جعلوا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة، والرعونة نظافة وصيروا المنكر معروفاً والمعروف منكراً‏.‏ لكن من قصد بهذه الطهارة النظافة ولم يسرف في الماء، ولم يعتقد أن استعمال الماء الكثير أصل الدين) أسبغ الوضوء ولا تسرف في الماء، ولا تغسل العضو أكثر من ثلاثة وهكذا.
(فليس ذلك بمنكر)، أي استعمال الماء والنظافة، بل هو فعل حسن.
(وأما معرفة الأنجاس فمرجعها إلى كتب الفقه، فإن المقصود من هذا الكتاب الأدب).
إزالة الفضلات فهي نوعان‏:‏
النوع الأول‏:‏ أوساخ تزال، كالذي يجتمع في الرأس من الوسخ والدرن) تجد الشاب ممكن لا يهتم بنظافة أشياء داخلة باطنة، ويهتم بأشياء ظاهرة؛ لأنها محل نظر الناس، فالمسلم ليس كذلك، فالنوع الأول من إزالة الفضلات: أوساخ تزال كالذي يجتمع في الرأس من الوسخ والدرن.
(ويستحب تنظيفه بالغسل والترجيل والتدهين لإزالة الشعث، وكذلك ما يجتمع في الأذن من الوسخ يستحب إزالته‏.ويستحب التسوك والمضمضة لإزالة ما على الاثنان واللسان من القلح، وكذلك وسخ البراجم) ما بين الأصابع (والدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق، وذلك يزيله الغسل‏.‏ ولا بأس بدخول الحمام) والحمام المقصود كان حمام مخصوص ليس حمام البيوت، يكون فيه تنظيف مخصوص بأشياء مخصوصة، فكان هذا الحمام يكون حمام يُدخل فيه بالمال، ويكون فيه مثلاً الماء الساخن، وأدوات النظافة وهكذا، مثل الكوافير محل للتجميل، فكان الحمام مكان الحمام هذا مكان مخصوص بالأجر للمبالغة في تنظيف البدن.
(وقد دخله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن على داخله صيانة عورته من نظر الغير إليها ولمسه إياها‏.‏
وينبغي للداخل إليه أن يتذكر بحرارته حر النار، فإن فكر المؤمن لا تزال يجول في كل شيء من أمور الدنيا يذكره بأمر الآخرة).
هكذا، يعني الإنسان المهتم بشيء -كما ضرب المثل- لو دخل إلى دار معمورة بزاز، ونجار، وبناء ،وحائك، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط،فيقول لك: إن الإنسان المهتم بأمر الآخرة، ويعيش في الآخرة، أي شيء يذكره بالآخرة، سواء كان سراء أو ضراء.
(النوع الثاني من إزالة الفضلات: أجزاء تُحذف مثل قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظافر‏.‏ ويُكره نتف الشيب، ويستحب خضابه).
إذن عندنا قص الشارب، يعني لا يُحلق بالموس، وما فوق ذلك، فهو إما قص بالمقص، أو أقل من ذلك، المهم أن الشارب لا يُحلق بالموس، وإنما يُخفض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخفضوا الشوارب»، فهذا يكون بالمقص.
(ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظافر) فقص الأظافر هذا من سنن الفطرة، ومن النظافة، فتجد الإنسانة النظيفة جدًّا، وتطيل أظافرها، فهي تخالف السنة، وتتجمل بالأظافر، والأظافر ليست من أدوات التجميل وإنما السنة والنظافة قص الأظافر رغم أنف البنات، فهذا أمر من تزيين الشيطان، تربية الأظافر.
ويكره نتف الشيب ولو شعرة واحدة؛ فهذه مخالفة.
(ويستحب خضابه، وباقي مراتب الطهارة يأتي -إن شاء الله- في ربع المهلكات والمنجيات.


فصل في فضائل الصلاة.
(وأما الصلاة فإنها عماد الدين وغرة الطاعات‏.‏ وقد ورد في فضائل الصلاة أخبار كثيرة مشهورة، ومن أحسن آدابها الخشوع‏.‏
وقد روى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏ -والحديث رواه مسلم:‏ «ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله»).
الحقيقة أن الصلاة تبدأ صواب من أولها، فالإنسان الذي يهمل في أولها يجد أن الصلاة وقعت فيها نفس صفة الإهمال، فقال: (يحسن وضوءها) فإحسان الوضوء يؤثر على الصلاة.
(وخشوعها) هذا هو الهدي الباطن في الصلاة، (وركوعها) الهدي الظاهر، فيصلي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فالركوع رمز إلى هيئة الصلاة الظاهرة، والخشوع رمز إلى هيئة الصلاة الباطنة، فيحسن الصلاة، أي: شرطها الوضوء ويحسن إقامتها ظاهراً وباطناً فمن فعل ذلك كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله؛ لأن الصغائر قد لا يستغفر منها الإنسان لا ينتبه إليها، يعني مثل التراب الذي في الهواء، يتراكم على الحائط أو على الشباك، أو على المكتب، لو تركته فترة، تجد طبقة من التراب، فهكذا الصغائر، فالإنسان قد لا ينتبه إليها، بل يتهاون بها، فتهلكه، فإذا أحسن الفريضة كانت كفارة لهذه الصغائر وتغسلها.
أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، لابد أن يتوب الإنسان منها، ويقلع عنها، وهذه الصفة من تكفير السيئات، أو تكفير الصغائر بالنسبة للصلاة، ذلك الدهر كله.
(وفي حديث أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -والحديث رواه البخاري‏:‏ «من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»).
فالصلاة ترضي الله، فإذا صليت صلاةً ترضي الله أي لم تلتفت فيها عن الله.
نحن قلنا: طهارة السر، فطهارة السر في الصلاة أنك لا تحدث فيها نفسك، يعني لا تخرج عن الصلاة، فأنت تقف بين يدي الله، تصلي فلا تخرج عن الصلاة بحديث النفس، لا تسهو، فكيف يمكن ذلك والوسواس أمر لا إرادي، يعني يلقي الشيطان في قلبك الوسواس، ماذا تعمل؟ تصلي ركعتين أخريين،ركعتين ولم تحصل على عشرة على عشرة، صلي أيضًا ركعتين، تقول لي والله لو صليت مائة ركعة، يعني يحصل تحسن، لكن الوسواس لا ينقطع، أقول لك: إذن الباب مفتوح، ما دام الوسواس يدخل إذن الباب مفتوح، أنت تريد ألا يدخل إذن أغلق الباب، فعليك أن تصلح حالك قبل الصلاة، لو أصلحت حالك قبل الصلاة، وكان تعلقك بالله -سبحانه وتعالى- لو دخلت في الصلاة، لن يأتي الوسواس، يسهل عليك هذا.
فهذا الكلام نجعله هدف، والحال الذي نحن فيه، طبعاً حال مكشوف، بعيد عن هذا الهدف، فنحاول ونسعى لتحقيق هذا الهدف، ونصبر عليه، فما أدركت من الخير فهو خير لك، ولكن لا تجعل هذا الهدف مستحيلاً، وإنما تقوي رجاءك، فقد يكون عندك مثلاً ظرف، هذا الظرف ضرورة، مثل إنسان مريض في مال، مطلوب في شيء ضرورة يلجئك إلى الله -سبحانه وتعالى-، فأنت تقبل بقلبك، بكليتك على الله، فتغتنم هذه الفرصة وتصلي، تصلي وأنت مقبل على الله -تبارك وتعالى- مشغول تماماً، مهموم بحاجتك وما نزل بك، فأنت تصلي تقبل على الله بكل قلبك ولا تحدث نفسك.
(وكان عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط) يعني سكون لدرجة يخيل على الطائر، الطائر لا يمكن أن يقف عليك، لا يخيل عليه شكلك وخيالك، فعبد الله بن الزبير، وصل من السكون في الصلاة إلى أن الطائر يقع عليه وهو ساجد، كأنه جماد، كأنه عود، أو جذع حائط.
(وصلى يوماً في الحِجْر‏ فجاء حجر قذافة) لما كان الحجاج بن يوسف الثقفي يهاجمه، ويضرب الكعبة بالمنجنيق، فجاء حجر من هذه الأحجار، فذهب ببعض ثوبه فما انفتل من الصلاة.
(وقال ميمون بن مهران ‏:‏ ما رأيت مسلم ين يسار ملتفتاً في صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق) السوق بعيد عن المسجد، وسمعوا صوت هدم ففزعوا لها وهو يصلي فما التفت.
هذا أمر نادر من كل نادر، ولكن يبين إلى أي مدى وصل هذا الخشوع.
(كان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا) مهابة له وتوقيراً له (فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا) هو دخل في الصلاة، دخل في الصلاة يبقى انشغل في الصلاة، ينشغل بالصلاة شغلاً يقطعه عما حوله.
(وكان على بن الحسن رضي الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه، فقيل له‏:‏ ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء‏؟‏ فقال‏:‏ أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم‎ ‏؟‏).
فكان يستحضر عظمة الله ويتوضأ ويهيئ نفسه للوقوف بين يدي الله، فتأخذه الرعدة والخشية.
وبعض الناس ممكن يغمض عينه في الصلاة، تغميض العين ليس له علاقة بالخشوع، وإنما له علاقة أيضًا بالوسوسة، وليس من السُّنَّة، بل ليس مستحباً تغميض العين، بل هو منهي عنه، فأنت تتعمد أن تفتح عينيك في الصلاة، وتجاهد نفسك كما سيذكر ويفصل، ولكن بالمناسبة لا تغمض عينيك في الصلاة بحجة أنك تريد الخشوع.
(وأعلم‏:‏ أن للصلاة أركانًا وواجبات وسنناً، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يُعِربُ عما في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال؛ لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذُّل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضراً، لم يحصل المقصود، فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقى صورة لا اعتبار)
فنحن معشر المتدينين نصلي، ولو أحسنا الصلاة لن تأخذ وقت أكثر من الوقت الذي نصليها فيه، فمن الخسارة والحسرة أننا نضيع الصلاة ونحن نصليها، يعني فيه غير المتدينين لا يصلوا، فهم مضيعين الصلاة، ومشغولون بأمر آخر، فنحن لا ننشغل بأمر آخر، وإنما نأتي نصلي، فمن الخسارة أن نضيع الصلاة ونحن نصليها، وذلك بعدم الحضور فيها.
فالاهتمام بأمر الصلاة هذا أمر مقصود، ونلزم به القلب، وأنت ترى أن الشيء الذي تهتم به يحضر قلبك فيه، فإنسان يحمل وعاء فيه ماء من الحنفية، وهو مليء، ويمشي به على أرض تراب، الماء كثيرة، والأرض تراب، ويمشي بسرعة، وتقع الماء، ليست مشكلة، إنما لو حمل وعاء فيه شيء غالي ويمشي على أرض مفروشة يكون حذر ومهتم.
الإنسان الذي عنده طقم من أطقم السفرة رخيص، ويستعمله في الغسيل، وكسر واحد واثنين وثلاثة وينتهي ويأتي بغيره، وعنده شيء آخر غالي جدًّا نادر، يعني يصل إلى آلاف، ثم أتى ضيف ويريد أن يستعمله، يستعمله بحساب جدًّا، وبحذر جدًّا، ويهتم به جدًّا، فهذا الاهتمام غير متكلَّف، يعني تلقائي،.
فليس هناك أغلى من الصلاة، ولكن تلقائي لا تجد اهتمام بالصلاة؛ لأنها أصبحت عادة، ولذلك في رمضان ممكن تجد فيه اهتمام بصلاة التراويح؛ لأنها جديدة، وممكن يصل أن اهتمامك بصلاة التراويح أكثر من صلاة العشاء وصلاة الفجر، يعني تجد ناس قادمون وراكبون وذاهبون إلى المسجد الفلاني، ويؤذن العشاء ويصلوا العشاء، وممكن يصلوا العشاء مع التراويح، وتفوتهم الجماعة الأولى في العشاء، وممكن في صلاة العشاء لا يكون متهيئ، وفي صلاة التراويح ممكن السواك، والعطر، والصف الأول، ويعطيها اهتمام؛ لأن صلاة التراويح جديدة عليه.
فالحقيقة ليس هناك أغلى من الصلاة، وعدم الاهتمام بالصلاة لعدم الشعور بأهميتها، وأصبح عادة هذا الأمر، فالإنسان مطلوب منه أول ما يأتي للصلاة يقف يفتكر أن الصلاة مهمة، ويفتكر أن الصلاة مهمة، ويستعين بالله -سبحانه وتعالى- على حضور القلب فيها.
(فليس الأمور بصورتها، وإنما الاعتبار بحقيقتها، قال الله تعالى‏:‏ ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾‏ ‏[‏الحج ‏:‏ 37‏]‏ والمقصود أن الواصل إلى الله -تعالى) أي من العمل (هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأمر، فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها.
والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة‏.‏
المعنى الأول‏:‏ حضور القلب، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبك ضرورة فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة، فاعلم أن إيمانك ضعيف‏.‏
المعنى الثاني‏:‏ التفهم لمعنى الكلام حتى تعلموا ما تقولون، فإن التفهم لمعنى الكلام معنى وراء حضور القلب؛ لأنه ربما كان القلب حاضراً مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها) يعني اقطع الاسترسال مع الوساوس.
(بقطع موادها فان المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها‏) يعني فيه قطعة بسبوسة موجودة هنا، وفيه شيء من الحشرات قادم عليها، ونحن نريد أن نمنع هذه الحشرات، فنقوم نحن بحملها ونمسح مكانها ونحفظها، لكي تذهب هذه الحشرات، فالقلب والشيطان، الشيطان حشرة والخواطر الرديئة أوساخ، والشيطان يأتي على الوسخ، مثل أكوام الزبالة ما يتراكم عليها الحشرات والقطط والكلاب وغير ذلك.
فالحراسة ألا نقف على أكوم الزبالة ونطرد في القطط والكلاب، إنما الصواب أن نتخلص من هذه القاذورات.
فيقول: (قطع المواد) يعني تقطع هذه المواد التي هي أصل الوساوس.
(والمواد، إما ظاهرة وإما باطنة) الظاهر يعني شيء أمامك يشغلك، فإذا كان فيه شيء أمامك يشغلك، فتخلص منه، وإما أن يكون شيء في باطنك في قلبك، وهي أشد (كمن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا، فإنه لا ينحصر فكره في فن واحد، ولم يغنه غض البصر) الإنسان الذي يغمض عينيه، أحيانًا يصلي في الظلام وهو مغمض العينين؛ لأنه مغمض عينيه، ولا ينتبه أنه مغمض عينيه؛ لأنه سرحان، فهو سرحان ومغمض عينيه.
(فما وقع في القلب كاف في الاشتغال به) اللهم طهِّر قلوبنا، وأيقظ قلوبنا، وارزقنا الخشوع في الصلاة، وإصلاح الصلاة، واجعلنا مقيمي الصلاة.
(وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة، بقطع ما يشغل السمع والبصر، وهو القرب من القبلة، والنظر إلى موضع السجود، والاحتراز في الصلاة من المواضع المنقوشة، وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في أنبجانية لها أعلام نزعها وقال‏:‏ «إنها ألهتني آنفا عن صلاتي»).
مسألة التخلص مما يلهي في الصلاة يشعر به من عظم قدر الصلاة عنده وخشع فيها، فيصعب عليه أن يقطعها شيء، أما الذي لم يجرب الخشوع في الصلاة وحضور القلب، وروح الصلاة فهو يتعجب من هذه الأشياء، ما أنبجانية؟ وما شيء فيه أعلام؟ المسجد كما ترى مليء بأشياء تشغل البال، لأن الإنسان اعتاد على هذه الأمور وأيضاً عنده مشاغل في قلبه، فهذه أمور هينة بالنسبة لما يشغله.
والأمر العجيب أن فيه ناس من الصحابة ومن الصالحين كانوا حريصين على الصلاة لدرجة أن واحد شغله بستان عن الصلاة، شغله في صلاته، انشغل بشيء في صلاته، قال: أبلغ به أن يشغلني في صلاتي، يعني هي وصلت لهذه الدرجة؟ فتصدق به، انتهى منه مباشرة، اترك الهاتف يشغلك في الصلاة، تعرف تتخلص منه، تقول وصلت إلى أن التليفون يشغلني أثناء الصلاة، فتخرج أنت من الصلاة وتتصدق بالتليفون، صعب جدًّا، هو لماذا فعل هذا؟ لأنه أول مرة يجرب أن شيء يشغله عن الصلاة عنده عظيمة، فالحقيقة فعلاً الصلاة عظيمة، ونحن نسأل الله برحمته ولطفه وفضله وكرمه أن يمن علينا بتعظيم أمر الصلاة وأن يجعل الصلاة عظيمة في قلوبنا، وأن يرزقنا تعظيم الصلاة وإقامة الصلاة.
(وإن كان من المواد الباطنة، فطريق علاجه أن يرد النفس قهراً إلى ما يقرأ في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويستعد لذلك قبل الدخول في الصلاة، بأن يقضى أشغاله، ويجتهد في تفريغ قلبه ويجدد على نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله عز وجل، فان لم تسكن الأفكار بذلك، فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه، فليترك تلك الشهوات وليقطع تلك العلائق‏) أي الذي يشغلنا في الصلاة هي الدنيا، وتعلق القلوب بالدنيا، لو قطعنا هذا الجذر ينصلح القلب ويحضر في الصلاة
(واعلم‏:‏ أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوى، والعلة إذا قويت جاذبت المصلى وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة في المجاذبة) فانظر ما الذي يشغلك في الصلاة، واعلم أن له أصل في قلبك، فحتى لو بعد الصلاة تقف منه موقف، يعني هو له أصل في قلبك، أصل اهتمام، فاجعل همك أن يتقبل الله منك.
(قيل لعامر بن قيس -رحمه الله-: هل تحدث نفسك بشيء من أمور الدنيا في الصلاة؟ في رواية قال: ولا في خارج الصلاة) يعني الدنيا لم تصل إلى هذه الدرجة، هو في خارج الصلاة يحتقر الدنيا، فلما احتقرها وزهد فيها ورغب عنها حتى أنه كان يدعو الله -عز وجل- ألا يشعر بأي ميل للنساء، يعني لو مر على امرأة مثل ما يمر على جدار، يعني هو يريد أن ينسلخ من بشريته، فكان يزهد في الدنيا وفي شهواتها، وكان يرغب في الذكر والصلاة والعبادة.
(فقال: لأن تختلف الأسنة فيَّ أحب إليَّ من أن أجد هذا).
لو سيقطعوني بالرماح، والصحابي الأنصاري أظنه عباد به بشر، إذا صدق ظني، حين كان يقف حراسة على جيش المؤمنين ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم، كان واحد من الأنصار، وواحد من المهاجرين.
فقام الأنصاري يصلي بسورة الكهف، وجاء المشرك ويضربه بالسهام ويقع السهم في بدنه فينزعه ويصلي، وهو يريد أن يتم السورة، فلما سالت الدماء بغزارة خشي أن يضيع الثغر، فأيقظ المهاجري، فوجد منه الدماء تسيل، فقال: ما منعك أن توقظني من أول الأمر؟ قال: والله كنت في سورة وكرهت أن أقطعها، فلولا أني خشيت على أن أضيع الثغر لخرجت روحي ولا أخرج من الصلاة.
فما هذا الشعور وما هذا التعظيم وهذا الإحساس القوي؟ الذي يجعل السهم المقذوف، يدخل في بدنه وينزعه من لحمه وعظمه، هذا ألم وشيء مرعب مفزع، وهو يصلي، ولا يشعر إلا بالصلاة، والهم كان هم الجيش وهم المسلمين، وليس هم أن يموت، فكيف وصلوا إلى هذا القدر العالي من الإيمان؟ لابد أن هناك أمر، أن هذه أسباب، فإذا كان الإنسان يرى نفسه يتحسن، أو يسعى في تحقيق هذا الهدف، فإن هذا شيء إيجابي، إنما لما ييأس ويترك ويسلم ويظل حاله واحد، هذا هو الشيء السلبي، الشيء السيئ، يعني يظل يسمع الكلام، ويصلي كما كان يصلي، وغداً يصلي كما كان يصلي، إنما لو جعل هذا هدف عالي نعم إنما هو يتحسن، ويلوم نفسه ويحاول ويجاهد -إن شاء الله بإذن الله- سيكون خير.
(واعلم‏:‏ أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب وزواله بالكلية عزيز، فليقع الاجتهاد في الممكن منه، والله الموفق المعين) يعني لا تترك المجاهدة، ولا تستسلم للدنيا، ولا تستسلم للشيطان.
المعنى الثالث من المعاني التي تتم بها حياة الصلاة:
المعنى الأول: حضور القلب.
المعنى الثاني: التفهم لمعاني الكلام.
المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة.
(وذلك يتولد من شيئين‏:‏ من معرفة جلال الله -تعالى- وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من المعرفتين‏:‏ الاستكانة، والخشوع) ومعرفة الدنيا أيضًا وحقارتها.
(ومن ذلك الرجاء‏:‏ فانه زائد على الخوف) فلما يكون عندك قوة رجاء في الله -تبارك وتعالى- عندك حاجة تريد أن يقضيها الله -تبارك وتعالى-، فهذا له أثر مثل الخوف، تجمع بين الرجاء والخوف.
(والمصلى ينبغي أن يكون راجياً بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب).
إن الصلاة إذا فسدت،يعني هو يصلي، ولكنها لم ترفع، لأن الصلاة الفاسدة ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ [الماعون: 4- 7]، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ﴾ [مريم: 59]، أي: أخروها عن وقتها.
ففيه ناس تصلي وتفسد الصلاة، فهذه الصلاة الفاسدة لا تنفع صاحبها ولا تقبل منه، فيخاف من تقصيره العذاب.
(ينبغي للمصلى أن يُحضر قلبه عند كل شيء من الصلاة، فإذا سمع المؤذن فليتذكر النداء يوم القيامة ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر‏،وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات الباطن وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر يسترها عن الله -تبارك وتعالى-، فيكفرها بالندم، والحياء، والخوف‏.‏
وإذا استقبل القبلة ببدنه فيستقبل الله -تعالى- بقلبه، فإن الله يجعل وجهه إلى وجه المصلي، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، فكذلك القلب لا ينصرف إلى الله -تعالى- إلا بالانصراف عما سواه).
الواحد لا يستطيع أن يجمع بين أن يكون وجهه للقبلة، ووجه عكس القبلة، لا يستطيع أن يجمع بين الاثنين، فكذلك القلب لا يستطيع أن يجمع بين الاثنين، أن يتوجه إلى الله، وأن يتوجه إلى الدنيا.(‏إذا كبَّرت أيها المصلى، فلا يكذبن قلبك لسانك) فقولك: الله أكبر، الله أكبر من كل شيء، (فإذا كان في قلبك أكبر من الله -تعالى- قد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقة على طاعة الله -تعالى- فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ إلى الله )فاستحضر هذا المعنى في الاستعاذة أن تلجأ إلى الله -تعالى- ليعصمك من الشيطان الرجيم.
(فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغواً، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك‏:‏ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]‏، واستحضر لطفه عند قولك‏:‏ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]‏، وعظمته عند قولك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4],‏ وكذلك في جميع ما تتلو‏.‏
وقد روينا عن زرارة بن أبى أوفى رضي الله عنه أنه قرأ في صلاته‏:‏ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: 8] فخر ميتاً).
هذا الأمر معناه يتصور في أمور الدنيا، ويستغرب في أمور الآخرة، فيه واحد له أموال في البورصة مائة مليون، وكانت هذه كل أمواله، البورصة صاعدة الأسهم فوجد ربح، فجمع ماله كله مائة مليون، وباع الشقة، ولأن هي المتوقع أنها ستكسب، وبعد ذلك يشتري ويبدأ ينظم أموره، خسرت كلها، جاءه خبر، فمات، فيه ناس ماتت فعلاً من هذه الأخبار، فالناس عادي تتوقع أن قلبه لم يتحمل، فأهل الآخرة لما يسمعوا آيات العذاب وهو خائف لا يزكي نفسه، خائف من ذنوبه، ويرى آفاته، ويرى أحواله، ويعيش مع الآخرة، فممكن يحصل أن قلبه لا يتحمل المشهد، يعني مثل الشاب الذي مرَّ على الحداد، وهو ينفخ في النار، فهو يعيش في الآخرة بأحاسيسه ومشاعره وهو خائف،القلب ضعيف، فممكن يحدث أمر من الخوف الشديد، فينقطع نياط القلب يموت، مثل المصيبة تحدث لواحد فيقع ميتاً، يأتيه خبر يقع ميتاً، القلب لا يتحمله، خبر مفاجئ، فيأتي يتحمل الخبر، لا يستطيع أن يتحمله فهو من الخشية، لا يستطيع أن يتحمله، والخشية المحمودة «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك» الخشية التي تميت ليست متكلفة، هذا أمر لم يتكلفه، أن الخوف الزائد ممكن يمرض الإنسان ومن رحمة ربنا ولطف ربنا أنه يحجب عنك هذه الأشياء لكي تستطيع أن تعيش.
«لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرًا وما تلذذتم بالنساء على الفرش».
(واستشعر في ركوعك التواضع، وفى سجودك الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذي خلقت منه وتفهم منه معنى الأذكار بالذوق).
الحقيقة: الشاب الغير متدين، مسرف على نفسه في المعاصي، لم يكن يصلي، ويمشي مع بنات، ويشرب سجائر، ولا يفرق معه الحلال من الحرام، ثم تاب إلى الله -سبحانه وتعالى-، وجد الطريق ودخل وصلى، يشعر بكل هذه الأمور، يشعر بقلبه في الصلاة، وبمعنى القراءة، وبمعنى الآخرة، وممكن يبكي، وممكن يبكي كثيرًا، ممكن يسجد ولا يرفع رأسه من السجود، يقول الأذكار، ويكون فرح جدًّا بالأذكار، ويواظب عليها، فرح جدًّا بالقرآن، ويحفظ القرآن، فإذا طال الأمد، والعملية الحمد لله.. الشدة الجديدة ذهبت، يبدأ يتراخى ويصبح مثله مثل الناس.
فهذا الإيمان يحتاج إلى تجديد، فأنت لابد أن تجدد إيمانك، انظر ما الذي يجدد إيمانك، أنت بينك وبين نفسك، أي شيء تجدد إيمانك، تجدد هذه اليقظة وهذا الشعور وهذا الإحساس بالعبادات.
(اعلم‏:‏ أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار) والسكوت عن هذه الإصلاحات معناه أنك تظل في النازل، يعني لو تركت نفسك ستتعلم، لكن لن تتقدم، فلابد أن تعيش الإيمان لكي تتقدم، بل أحيانًا العكس الإنسان عندما لم يرع قلبه وازداد في العلم يزداد قسوة، يزداد عجب غرور، يزداد جدل.
فلابد أن تتلمح هذه الأمور: (أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمة المعبود، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون‏.‏
فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فانه لا يطلع على شيء من ذلك بل ينكر وجوده).


فصل في آداب تتعلق بصلاة الجمعة ويوم الجمعة،
وهى نحو من خمسة عشر‏:‏
أحدها‏:‏ أن يستعد لها من يوم الخميس وفى ليلة الجمعة، بالتنظيف، وغسل الثياب، وإعداد ما يصلح لها‏.‏
الثاني‏:‏ الاغتسال في يومها، كما في الأحاديث في الصحيحين وغيرهما‏.‏ والأفضل في الاغتسال أن يكون قبيل الرواح‏.‏
الثالث‏:‏ التزين بتنظيف البدن، وقص الأظفار، والسواك، وغير ذلك مما تقدم من إزالة الفضلات، ويتطيب ويلبس أحسن الثياب‏.‏
الرابع‏:‏ التبكير والمشي‏.‏
وينبغي للساعي إلى الجامع أن يمشى بسكون وخشوع، وينوى الاعتكاف) مسألة نية الاعتكاف هذا أمر زائد، وأنت لما تصل مبكرا أنت بكرت وأنت في المسجد، وأنت في الأجر وفي السنة فالحقيقة مسألة تنوي الاعتكاف هذه أي ما تدخل مسجد تدخل مسجد تنوي الاعتكاف، الواحد يشعر في القلب منها بشيء.
ما دمت أنت داخل في المسجد وداخل مبكر وتحضر الصلاة، فالحمد لله رب العالمين، الله أكرم الأكرمين.
(الخامس‏: ‏أن لا يتخطى الرقاب.
السادس‏:‏ أن لا يمر بين يدي المصلى‏.‏
السابع‏:‏ أن يطلب الصف الأول.
الثامن‏ :‏أن يقطع النفل من الصلاة والذكر عند خروج الإمام).
يعني ممكن أنت تدخل المسجد بدري تظل تصلي، فلما تجد الإمام صعد المنبر، فتقطع النفل، يعني بمعنى أنك تصلي إلى أن يصعد الإمام المنبر، أو تصلي وتجلس تقرأ قرآن، تذكر الله، تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن القصد أنه يباح لك الصلاة، أو يستحب أنك من حين دخول المسجد أن تصلي حتى يصعد الإمام.
(وتشتغل بإجابة المؤذن، وتسمع الخطبة وتنصت.
التاسع‏:‏ تصلى السنة بعد الجمعة) إما ركعتين في المسجد، أو أربعة في المسجد، أو ركعتين في البيت، أو أربعة في البيت، أو ركعتين في المسجد وأربعة في البيت، على تفصيل، فهذا التفصيل منه أربعة في المسجد أو اثنين في البيت.
(العاشر‏:‏ أن تقيم في المسجد) يعني تنتظر الصلاة بعد الصلاة، انتظار الصلاة بعد الصلاة فهذا الرباط، وهذا يفعله أناس، يوم الجمعة يظلوا في الجمعة إلى أن يصلوا المغرب، فهو يحضر ساعة الإجابة في المسجد.
(الحادي عشر‏:‏ أن يراقب الساعة الشريفة التي في يوم الجمعة بإحضار القلب) يعني تلاحظ الساعة -ساعة الإجابة- وتغتنمها.
(الحادي عشر‏:‏ أن يراقب الساعة الشريفة)، وقد صح من حديث أبي موسى رضي الله عنه: «أنه ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة». حديث صحيح، صحيح مسلم، والحديث الآخر: «وهو أنها آخر ساعة بعد العصر» وهو حديث صحيح رواه أبو داود.
(الثاني عشر‏:‏ أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
«إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ».
(وليضف إلى الصلاة الاستغفار، فإنه مستحب في ذلك اليوم.
الثالث عشر‏:‏ أن يقرأ سورة الكهف) «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين».[حديث في صحيح الجامع رقم 6470].
(الرابع عشر‏:‏ أن يتصدق في يوم الجمعة) ومعنى يتصدق لأن الوقت الفاضل تستحب فيه الطاعات، فمن الطاعات الصدقة أيضًا، فهذا من باب الأصل العام، أن يتصدق في يوم الجمعة، فإنه يستحب فيه الطاعات لفضل يوم الجمعة، فهذه الطاعات تشمل أيضًا الصدقة.
الخامس عشر:(ويستحب أن يصلى صلاة التسبيح في يوم الجمعة) وخص يوم الجمعة كاجتهاد، وإنما صلاة التسبيح على خلاف بين أهل العلم في تصحيحها، وصححها الألباني -رحمه الله-، فالصلاة أمر توقيفي، فلعل من صححها أرجح؛ لأنه لا تخترع الصلاة، فالصحابة إذا رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة صلاة فهذا أمر لا يكون إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما من ناحية الإسناد، فالحديث صححه الألباني -رحمه الله-، وإن كان غيره ضعفه.
فإذا أنت عملت به فلا حرج مطلقاً، وهو أن تصلي أربع ركعات، تقرأ الفاتحة وسورة، تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة عشر مرة.
تركع تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر عشر مرة، ترفع تقول: عشر مرات، يعني تأتي بأذكار الصلاة على هيئاتها، تقرأ الفاتحة وسورة، ثم تأتي بهذا الذكر الزائد، تركع تقول: سبحان ربي العظيم، ثم تأتي بهذا الذكر، ترفع تقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم تأتي بهذا الذكر.
فكل هيئة وكل ركن تقول عشر مرات ما عدا في القيام فقط بعد قراءة الفاتحة وسورة خمسة عشر مرة.
1- في القيام خمسة عشر.
2- في الركوع.
3- في الرفع من الركوع.
4- في السجود.
5- في الرفع السجود.
6- في السجدة الثانية.
7- في الرفع من السجدة الثانية قبل أن تقوم.
كم موطن؟ سبعة، مجموعهم كم تسبيحة؟ خمسة وسبعون تسبيحة؛ لأن الأولى خمسة عشر، والباقي -الستة- كلهم عشرة عشرة.
خمسة وسبعين كل تسبيحة أربع تسبيحات، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فتكون خمسة وسبعين تسبيحة في أربع تسبيحات في الركعة، ثلاثمائة، أربع ركعات بألف ومائتين تسبيحة في أربع ركعات، هذا غير أذكار الصلاة.
ففي الحديث أنك تفعل ذلك في أربع ركعات «إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل، ففي كل جمعة مرة»، وقوله جمعة إذا عنى بها ظاهر اللفظ، تكون يوم الجمعة؛ لأنه ممكن كل جمعة يعني كل أسبوع «فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة».
فهذه الصلاة احرص على أن تصليها إذا كنت تعتقد صحة الحديث.


فصل في ذكر النوافل
(اعلم‏:‏ أن ما عدا الفرائض من الصلاة ثلاثة أقسام‏:‏ سنن، ومستحبات، وتطوعات) يعني تطوع مطلق.
السنن: الراتبة المؤكدة.
المستحبة: أي التي لم يواظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
التطوع المطلق: مطلق الصلاة، يعني بدون لا عدد ولا وقت إلا وقت النهي عن الصلاة، هذا اسمه تطوع مطلق.
(واعلم‏:‏ أن أفضل تطوعات البدن‏:‏ الصلاة).


فصل في أوقات النهي عن الصلاة
(لا يتطوع في أوقات النهي بصلاة لا سبب لها كصلاة التسبيح؛ لأن النهى مؤكد في هذه الأوقات عن الصلاة).
أما الصلاة التي لها سبب، فيصلي (أما ما له سبب كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، فعلى روايتين‏).
الرواية الأولى: أن يصلي، والرواية الثانية: ألا يصلي.
(واعلم‏:‏ أن النهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار‏.‏
الأول ‏:‏ ترك التشبه بعباد الشمس‏.‏
الثاني‏:‏ التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان.
الثالث: أن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات) وهذا يعمل نوع من التجديد، يقول لك هذا المنع يزيد النشاط، يعني يجدد للنفس فالله لما علم منك الملل لوَّن لك الطاعات.
الرابع: أنك تتعبد بالسمع والطاعة، الرسول صلى الله عليه وسلم قال لك: لا تصلي في هذا الوقت، إذن لا تصلي، يعني أنت لا ترى الشمس، ولا تقصد الشمس، ولا شيء نهائيًّا، فتقول: سمعنا وأطعنا، يكون أمر تعبد.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله والحمد لله رب العالمين.
انتهى الدرس الثالث أختكم أم محمد الظن.

أم محمد الظن*
04-20-2013, 12:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب مختصر منهاج القاصدين
الدرس الرابع
(كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها).

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله ملء ما في السماوات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله على ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء، الحمد لله ملء كل شيء، الحمد لله كلما حمد الله شيء، الحمد لله كما يُحب الله أن يُحمد، الحمد لله كما هو أهله، الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبداً ورسوله، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وسلم تسليمًا، أما بعد:
نواصل درس مختصر منهاج القاصدين، ومع عنوان:


(كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها).

كنا في الدرس الماضي طلبنا من الإخوة الكرام -طلبة العلم- أن يستبدلوا الحديث الذي ذكره الشيخ في وظائف يوم الجمعة بحديث آخر صحيح.
وهو: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ».
هذا بالنسبة للحديث في فضل الصلاة عليه r، والحديث الآخر في سورة الكهف.
أن يقرأ سورة الكهف، والحديث في صحيح الجامع: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين».


[حديث في صحيح الجامع رقم 6470].



(كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها.

الزكاة‏:‏ أحد مباني الإسلام، وقد قرنها الله سبحانه وتعالى بالصلاة، فقال تعالى‏:‏ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ‏[‏البقرة ‏:‏ 43‏]‏
أما أنواع الزكاة، وأقسامها، وأسباب وجوبها، فظاهر مشهور في مظانه من كتب الفقه، وإنما نذكر هاهنا بعض الشروط والآداب‏.‏
فمن الشروط أن يُخرج المنصوص عليه، ولا يُخرج القيمة في الصحيح) لا يأتي في زكاة الفطر لا يخرج طعام، ويخرج مال، وفي زكاة المال، لا يخرج مال ويريد أن يشتري للفقراء أشياء، بحجة أنهم لا يستطيعون أن يصرفوا الأموال، يخاف أن يصرفها في شيء آخر، يعني هو في كلا الأمرين يخالف المنصوص عليه.
(فإن من أجاز إخراج القيمة إنما تلمح سد الخلة فقط، وسد الخلة ليس هو كل المقصود بل بعضه، فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام).
يعني لما تنظر إلى الحكمة والعلة قد ترى بعضها، ولا ترى بعضها، فالمخرج أن تلتزم بالنص.
(فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام:
القسم الأول‏:‏ تعبد محض) يعني لا تستطيع أن تفهم فيه علة (كرمي الجمار) إلا علة العبودية -السمع والطاعة.
(فمقصود الشرع فيه الابتلاء، بالعمل ليُظهر عبودية العبد بفعل ما لا يَعقل له معنى؛ لأن ما يُعقل معناه يسهل عليه يساعد عليه الطبع ويدعو إليه، فلا يظهر خلوص العبودية به) وهو ما ظهر معناه والحكمة منه.
أما خلوص العبودية فيظهر فيما لا يُعقل معناه، فإنه لا يفعله إلا بمحض العبودية.
(والقسم الثاني‏:‏ العكس، وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حضُّ محض، كقضاء دين الآدميين، ورد المغصوب ونحو ذلك، وكذلك لا تعتبر فيه النية ولا الفعل)أي بالحكم عليه من الناحية الفقهية، يعني واحد عليه أموال والمحكمة حكمت، وقالوا له: إما الحبس أو الدفع، دفع الأموال، بذلك يكون قضى الدين، حكماً لم يعد عليه دين، أما النية هذه مسألة في مسألة الأجر والثواب والوزر، وهل عليه كذا، أو كذا، أما هذا من الناحية الشرعية، فقد قضى دينه.
(بل كيفما وصل الحق إلى مستحقه حصل المقصود وسقط خطاب الشرع، فهذان قسمان لا تركيب فيهما‏).‏
القسم الثالث‏:‏ فهو الذي فيه القسمين، يقصد منه الأمران جميعاً‏:‏ امتحان، وحظ العباد، ويجتمع فيه تعبد رمي الجمار، وحظ رد الحقوق) ولذلك ممكن تكون كلمة (بل المقصود منه حض محض) ممكن تكون "حظ محض".
(فلا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، ولعل الأدق هو الأهم، والزكاة من هذا القبيل) إذن الإنسان لما يجد نص في الشرع يتعبد بالالتزام به.(فحظ الفقير مقصود في سد الخلة، وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع أوامر الشرع.وبهذا الاعتبار صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج).
ففي الصلاة التعبد وفي الحج التعبد، وفيهما أيضًا من الحكم ما هو أكثر من ذلك.
(والله -تبارك وتعالى- أعلم).
وأقصد بأكثر من ذلك، أي في تفاصيل التعبد على النحو السابق.


فصل في دقائق الآداب الباطنة في الزكاة

(اعلم‏:‏ أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف‏:‏
الوظيفة الأولى‏:‏ أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء) هذه المسائل كلها تنطبق على الزكاة والصدقة، الزكاة المفروضة، وصدقة التطوع، أو الغالب منها ينطبق على الصدقة أيضًا.
(المراد من الزكاة، ثلاثة أشياء:
1-ابتلاء مدعى محبة الله -تعالى- بإخراج الشيء الذي يحبه إيثاراً لمحبة الله) فالمال محبوب، والمدعي محبة الله لا بد أن يؤثر محبة الله بإخراج محبوبه.
2-(والتنزه عن صفة البخل المهل) ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بهَا﴾[التوبة: 103] فهذا هو التزكية والتطير.
3-(وشكر نعمة المال) فإن المال نعمة، ومن شكرها الصدقة والزكاة.
(والوظيفة الثانية‏:‏ الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة) حتى وهي فريضة الإنسان يجتهد أن يخرجها في السر.
(وفى الإظهار إذلال للفقير أيضاً) لما يعملوا توزيع لحمة، أو أي شيء، ثم يجمعوا الناس، وأمام المسجد، ويعرضوهم لنظر الناس، فهذا فيه إذلال للفقير، وفي نفس الوقت تربية للفقير على ترك الاستحياء، وعلى خشونة الشعور، يعني الإنسان لما يجلس بهذه الطريقة، فيتعلم خشونة الطبع، أن يواجه مسائل خطيرة من الحاجة فيتعلم خشونة الطبع.
فكلما أكرمت الفقير فإنك تربيه على العفة، وعلى الخلق الحسن، وعلى سلامة القلب.
(فان خاف أن يتهم بعدم الإخراج أعطى من لا يبالى من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سراً‏).
يعني كان الأول -في المجتمع الصالح- الناس لو رأوا غني ولا يخرج الزكاة يكون مذموم، ولو واحد لا يصلي يكون مذموم، المجتمع صالح فينكر المنكر، بل يزدري أهل المنكر.
فهو لذلك يقول: (لو خشي أن يتهم بعدم الإخراج) لكن الآن الناس لا تحاسب بهذا الميزان.
فالمقصود: أن ديوان السر أفضل من ديوان العلانية من أكثر من واجب.
(الوظيفة الثالثة ‏:‏ أن لا يفسدها المن والأذى، وذلك أن الإنسان إذا رأى محسناً إلى الفقير، منعماً بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك -ربما حصل منه المن والأذى-، ولو حقق النظر لرأى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله -تعالى- الذي هو طهرة له).
وهذه هي الحقيقة لمن يفقه، أن الإنسان الذي يتصدق ويخرج زكاة المال، يؤجر في الدنيا والآخرة، ويبارك له، ويخلف الله -تبارك وتعالى- له، وينمي الصدقة له في الآخرة، فهو في الآخرة محسن إليه، الذي هو المتصدق هذا. وهو الرابح، والفقير هو سبب كل هذا الخير، فمن مَنَّ على الفقير بهذه الصدقة أو آذاه بأي نوع من الأذى، فإنما هو يحبط ويبطل هذه الصدقة ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]؛ لأنه قد آذى أكثر من إحسانه، فالله تعالى يعطيه الأجر؛ لأنه جَبَرَ قلب الفقير وأحسن إليه، فإذن هو مَن على الفقير وآذاه، فإنه قد أساء أكثر مما أحسن، فلذلك يبطل أجره.
(وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة المال، فلا يبقى بينه وبين الفقير معاملة) يعني ليس له حق على الفقير، لا ينظر إلى الفقير أن له حق عليه.
(ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره؛ لأن الفضل ليس بالمال ولا النقص بعدمه) وأيضاً لا يستخدم الفقير بسبب الصدقة، يعني مثلاً تاجر وعنده فقراء، وهو يعطيهم الصدقة والزكاة؛ لأنهم فقراء، وأنه يستخدمهم في أي شيء زيادة عن المرتب، فهذا الإنسان يسيء إلى نفسه؛ لأنه يستخدم الصدقة الواجبة عليه في مصالح، وفي مردودات إما أن تنقص أجره، أو تبطل أجره.
(الوظيفة الرابعة‏:‏ أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به‏.‏ وقد قيل‏:‏ لا يتم المعروف إلا بثلاث‏:
1- بتصغيره. 2- وتعجيله. 3- وستره).
لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره، وتعجيله، وستره، يعني أن يصغر في نظرك، وأن تبادر به، وأن يكون في السر، أن تستره، فإن فضل الله عليك أعظم من كل وجه.
أنت لما تفعل المعروف، كيف يعظم في نظرك؟ يعني هو لماذا عظيم عندك؟ ربنا -سبحانه وتعالى- يعطيك أجر أعظم منه، والله هو الأول يعني هذا المعروف الله هو الذي خلقك، وأعطاك القدرة، وحبب إليك الإيمان، وأعطاك المال، فالله له الفضل كله، فأنت لما تنظر إلى المعروف تجتهد أن ترى أنك تقدم لله -تبارك وتعالى- وأنت تشعر بالتقصير، لا تشعر بالاستعظام ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]، وتبادر وتجتهد أن يكون عملك سراً ما استطعت.
(الوظيفة الخامسة‏:‏ أن ينتقى من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، أما الحل، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ‏.‏ وأما الأجود‏.‏ فقد قال الله تعالى‏:﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ ‏[‏البقرة‏:‏ 267‏]‏‏.‏
وينبغي أن يلاحظ في ذلك أمرين‏:‏
الأول‏:‏ حق الله -سبحانه وتعالى- بالتعظيم له، فانه أحق من اختير له، ولو أن الإنسان قدَّم إلى ضيفه طعاماً رديئاً لأوغر صدره‏.‏
والثاني‏:‏ حق نفسه، فان الذي يقدِّمه هو الذي يلقاه غداً يوم القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه -أي يوم القيامة.
وأما أحبه إليه، فلقوله تعالى‏:‏ ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏﴾ ‏[‏آل عمران ‏:‏ 92‏]).
هذا الكلام فيه تفصيل.
والتفصيل: أن أحسن شيء ممكن تجعله لنفسك، إنما أنت منهي عن أن تخرج الرديء، ولو أخرجت أحسن حاجة هذا أمر يرجع لك، إن كانت نيتك أن تؤثر غيرك، فهذا أمر تؤجر عليه، إنما أنت تريد أن تخرج الزكاة «إياك وكرائم أموالهم».
أنت تريد أن تتصدق بثوب، ممكن لا تتصدق بأحسن ثوب، وإنما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وليس بأحب ما عندكم، تنفق مما تحب، فهذا معناه أن الأمر واسع، الدرجة العالية: أن تؤثر ﴿وَيؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، ﴿وَيطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، فأنت إذا آثرت المسكين وآثرت الفقير هذا أمر على أعلى درجة.
إنما أنت منهي عن أن تتيمم تقصد الخبيث الرديء وتنفق منه، فالشيء لو فسدت تخرجه، وإذا تخيرت بين أشياء، وتريد أن تتصدق بأحدهما، تتخير أقل شيء تنفق منه، فهو يقول: أنت تقدم لنفسك، فاختار أنفع شيء، هذا ينفعك أفقر ما تكون إليه، فإن لم تختر أحسن شيء، فاختر مما تحب.
(وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا اشتد حبه لشيء من ماله قرَّبه لله -عز وجل-).
وهذا الصحابي الذي قال: «إن أحب مالي إليَّ بيرحاء» وتصدق به إلى الله -سبحانه وتعالى-.
(وروى أنه -أي: ابن عمر- نزل الجحفة وهو شاك -يعني مريض- فقال ‏:‏ إني لأشتهى حيتاناً -أي: سمك- فالتمسوا له فلم يجدوا إلا حوتاً -أي: سمكة- فأخذته امرأته فصنعته ثم قربته إليه، فأتى مسكين، فقال ابن عمر -رضي الله عنه-‏:‏ خذه، فقال له أهله سبحان الله، قد عَنَّيْتَنَا ومعنا زاد نعطيه، فقال‏:‏ إن عبد الله يحبه‏) يعني هو يشتهي السمك، وعملوا له السمكة، ولم يكن موجود، ووجد مسكين، فقال لنفسه: أنا آكلها، يعني مجرد وقت الأكل والطعام فقط، وتكون انتهت، أنا لو أعطيتها المسكين أكون قد قدمتها لنفسي عند الله -سبحانه وتعالى-، فأعطاها المسكين على حبها، وعلى اشتهائها، فهذا يدل على أنهم فعلاً كانوا يعيشون الآخرة، فعلاً الصحابة الكرام، ويعيشون الآخرة بصدق رضي الله عنهم وأرضاهم.
(وروي أن سائلا وقف بباب الربيع بن خثيم -رحمة الله- فقال‏:‏ أطعموه سكراً، فقالوا‏:‏ نطعمه خبزاً أنفع له فقال‏:‏ ويحكم أطعموه سكراً، فإن الربيع يحب السكر) فلعله إطعام السكر إتراف وإنعام وإدخال السرور عليه، يعني لا يحلم أن يأكل سكر في هذا الوقت، فهو يقول: (أطعموه سكر) بحيث يكون في هذا إكرام لهذا السائل.
أما لو كان الخبز أنفع له، فيكون الأنفع له أحسن.
(الوظيفة السادسة‏:‏ أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة)، يبقى الإنسان لما يزرع يزرع في أرض خصبة.
(وهم خصوص من عموم الأصناف الثمانية) عندك الأبواب الثمانية في ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] هذه الأصناف أن تطلب أفضل ما يكون لصدقتك، أي: في برها وزكاتها ونفعها، فهذه الصفات الحقيقة مهمة، لكن الدرجة المهمة الأول: أن الصدقة الزكاة فريضة، فالإنسان يتحرى في الفريضة غير ما يتحرى في صدقة النافلة، فتهتم جدًّا بالفريضة أن تكون صحيحة.
إذن الإنسان الذي يريد أن يتخلص من الزكاة؛ لأنه لا يعرف فقراء، ويتخلص منها كأنها هَم، فهذا خُلُق ليس صحيحاً، وإنما يضع الصدقة في موضعها.
صفات من يتصدق عليهم:
الصفة الأولى‏:‏ التقوى، فليخص بصدقته المتقين، فإنه يرد بها هممهم إلى الله تعالى‏.‏
وقد كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العبَّاد وهم سجود، فيأتيهم بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه، فقيل له‏:‏ ما يمنعك أن ترسل بها إليهم‏؟‏ فيقول‏:‏ أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي أو لقيني‏).
فهو يريد أن يوصل الصدقة للفقير، والفقير لا يرى من الذي أعطاه الصدقة. ويختار التقي.
(الثاني‏:‏ العلم) يعني طلبة العلم (فإن في إعطاء العالم -أو طالب العلم- إعانة على العلم)كان الأول العلماء ممكن يكونوا فقراء جدًّا (وإعانة على العلم ونشر الدين، والتفرغ لذلك، وذلك تقوية للشريعة.
الثالثة‏:‏ أن يكون ممن يرى الإنعام من الله وحده، ولا يلتفت إلى الأسباب إلا بقدر ما ندب إليه من شكرها) لا يعطي من الذي يكثر من المدح والشكر بحيث أنه يعطيه لهذه العلة، وإنما يعطي للمتعفف الذي يرى أن الفضل كله لله، ولا يشكر إلا على قدر ما يبيح الشرع.
(فأما الذي عادته المدح عند العطاء، فانه سيذم عند المنع.
الرابعة ‏:‏ أن يكون صائناً لفقرة) يعني الذي يأخذ الصدقة يكون متعفف.
(ساترا لحاجته، كاتماً للشكوى، كما قال تعالى‏: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ‏[‏البقرة ‏:‏ 273‏]‏‏) تعرف هذه الصفات، الإخوة القائمين على أعمال البر، محتاجين أن يدرسوا هذه الصفات حتى يتخيروا الأقرب لهذه الصفات، يعني على قدر المستطاع؛ لأنه طبعاً هذه الصفات التي يذكرها صفات نادرة جدًّا وعزيزة، فهو يختار ما هو أقرب إلى هذه الصفات.
(وهؤلاء لا يحصلون في شبكة الطالب إلا بعد البحث عنهم) يعني أن تريد أن تضع صدقتك في الأرض الخصبة، وفي أعظم ما يكون من النماء والبركة تبحث عن هؤلاء.
(وسؤال أهل كل محلة عمن هذه صفته‏).
إذن الإخوة الذين يعملوا في توزيع الصدقات وفي الأبحاث، يتحروا مَن هذه صفتهم، تحرياً دقيقاً حتى يأتوا بأحسن ما يكون من الفقراء والمساكين، ممن يصلح للصدقة، وتنفع الصدقة عنده المتصدق.
(الخامسة‏:‏ أن يكون ذا عائلة -له عيال- أو محبوساً لمرض أو دين، فهذا من المحصرين، والتصدق عليه إطلاق لحصره‏.
السادسة‏:‏ أن يكون من الأقارب وذوى الأرحام، فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة).
هذه الصفات ملخصها: أن الإنسان يتحرى في صدقته أبواب الأصناف الثمانية الذين يكونوا أحوج إلى الصدقة، وأعظم في الأجر، في أجر صدقته وأنفع.
(وكل من جمع من هذه الخلال خلتين أو أكثر، كان إعطاؤه أفضل على قدر ما جمع.


فصل في آداب القابض -الذي يأخذ الصدقة.

لابد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف).
ننظر لحاله، إذا كان فقير أو مسكين، إذا كان فقير أو مسكين ويتيم، نعطيه، إنما يتيم وليس فقيراً ولا مسكيناً لا يأخذ، واحدة تتزوج، وليست فقيرة، لا تأخذ، واحد مريض، وليس فقير، شاب يريد أن يتزوج، تنظر في وصفه، إن وُصِّف على أنه فقير أو مسكين، فإذن يأخذ من الصدقة الزكاة -زكاة المال-؛ لأنه فقير أو مسكين، يتزوج هذه إعانة على الزواج؛ لأنه فقير أو مسكين.
أما مجرد الزواج، أو مجرد المرض، أو مجرد اليتم في نفسه ليس هو من أسباب الزكاة، إنما الفقراء والمساكين وباقي الأصناف، هذا والله -تعالى- أعلم.
(‏الوظيفة الأولى‏‏:‏ أن يفهم أن الله -تعالى- إنما أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه، ويجعل همومه هماً واحداً في طلب رضا الله -سبحانه وتعالى-.
الوظيفة الثاني: أن يشكر المعطى ويدعو له ويثنى عليه).
هذه سنة، أن من صنع لك معروفاً أن تكافئه، فإن لم تستطع أن تكافئه تدعو له وتثني عليه.
(وليكن ذلك بمقدار شكر السبب) أي أنه يشكره لا يتعلق قلبه به، وإنما يشكره لله -تبارك وتعالى-.
(فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث‏.‏
ومن تمام الشكر أن لا يحتقر العطاء وإن قل، ولا يذمه، ويغطي ما فيه من عيب‏.‏ وكما أن وظيفة الُمعطِي الاستصغار فوظيفة المعطَى الاستعظام، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمى من الله عز وجل‏.‏ فإن مَن لا يرى الواسطة واسطة، فهو جاهل، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلاً) أن يتعلق قلبه بالواسطة، ولا يرى الله -تعالى.
(الوظيفة الثالثة‏:‏ أن ينظر فيما يُعطاه، فان لم يكن من حِلٍّ لم يأخذه أصلاً؛ لأن إخراج مال الغير ليس بزكاة).
واحد سرق سرقة ويتصدق بها لا تصح.
(وإن كان من شبهة تورع عنه، إلا أن يضيق عليه الأمر، فمن كان أكثر كسبه حراماً، فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرجه مالك معين، كانت الفتوى فيه أن يتصدق به) يعني المال مختلط، هذا عين من عين المال، فهو لما يأتي يتصدق بهذه العين، يُنظر فيها، هل يُعرف لها مالك، فإن لم يُعرف لها مالك، فيجوز للفقير أن يأخذها؛ لأنه لم يأخذ حق فلان، فالمال الحرام طالما لا يُعرف عينه، يكون هو مال مختلط، يخرج منه الزكاة، والفقير يأخذها، والتورع عنها أفضل.
فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر حاجته عند ضيق الأمر عليه، وعجزه عن الصافي - أي: الحلال الصافي.
(الوظيفة الرابعة‏:‏ أن يتوقى مواقع الشبه في قدر ما يأخذ، فيأخذ القدر المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته، فان كان غارماً لم يزد على مقدار الدين، أو غازياً لم يأخذ إلا مقدار ما يحتاج إليه، وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يستغنى عنه، وكل ذلك موكول إلى اجتهاده والورع ترك ما يريب.
واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أنه يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجر عقار).
يعني واحد موظف يقبض أو عنده أشياء يؤجرها، أو له صنعة، أو له تجارة، ودخله يكفيه، فهذا لا تصح له الزكاة، فإذا كان عنده هذا الدخل ولا يكفيه، فله أن يأخذ ما يتم الكفاية.
(وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه‏، وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفى سنته ولا يزيد على ذلك) يعني ممكن الفقير يأخذ ما يكفيه لمدة سنة، يعني ليس هناك اسمه مرتب شهري، هذه مسألة ليس قصدي أنه لا يصح أن تعطيه مرتب شهري، أنا أقصد أن الفقير لما يأخذ نفقة سنة؛ لأن السنة تتجدد فيها الزكاة، ويتجدد فيها العطاء، فهذا وارد أن يأخذ مرتب سنة، هذا بحيث تعلم أنه لو أعطي للفقير ما يكفيه لمدة سنة، هذا جائز، فلو أن إنسان إذا أعطاه لمدة شهر، أعطاه راتب شهري، أعطاه ما يكفيه بأي صورة من الصور، فهذا جائز.
(وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفى سنته ولا يزيد على ذلك وإنما اعتبر بالسنة، لأنها إذا ذهبت جاء وقت الأخذ) الإنسان الذي يدفع زكاة يدفعها كل سنة (وإذا أخذ الأكثر منها ضَيَّقَ على الفقراء‏).
إذن آداب الفقراء في أخذ الزكاة تنحصر في هذه الوظائف التي ذكرها.


(فصل في صدقة التطوع وفضلها وآدابها

أما فضائل الصدقة فهي كثيرة مشهورة‏:‏منها‏:‏ ما روى البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال ‏:‏ قال رسول الله r ‏: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله‏؟‏ قالوا ‏:‏ يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال‏:‏ فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر»).
الذي تدفعه تلقاه عند الله -تبارك وتعالى-، والذي تتركه هو الذي تتركه للورثة.
(وفى الصحيحين ‏"‏من رواية أبى هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله r قال: «من تصدق بعدل») والعَدْل، والعِدْل.
العَدل: ما يساوي الشيء قدرًا.
العِدل: ما يساوي الشيء من جنسه.
يعني عِدل تمرة تمرة.
واحد عنده شاة أخذ منك كبش، فيريد أن يأتيك بعِدله، أي بكبش مثله، أما العَدل: ما يساويه قدرًا، ممكن يعطيك أموال، إذا كان بألفين يعطيك ألفين، أو يعطيك جديين بألفي جنيه، أو يعطيك أرز بثمنه، هذا اسمه عَدل.
«فمن تصدق بعَدل تمرة» أي ما يساويها، «من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل».
الفلو: المهر الصغير، وله فرحة، والإنسان يربيه ويأمل كِبَرَهُ، فالله -تبارك وتعالى- يحب هذه الصدقات، ويربيها لأصحابها، وإن كانت قليلة «فلا تحقرن من المعروف شيئًا», «إنما الأعمال بالنيات».
وفي حديث صحيح: «سبق درهم مائة ألف درهم»، فقد يكون الدرهم يمثل نصف مال صاحبه، وقد يكون المائة ألف تمثل شيء من المال، فأنت في الصدقة القليلة نية خالصة، وليس فيها عُجب ولا رياء، فلا تفوِّت الصدقة القليلة، تنساها، إنما الصدقة الكبيرة، قد يظل الإنسان يذكرها ويستعظمها، وقد يرائي بها، وقد.. وقد.. وقد.. فلا تترك الصدقة القليلة.
(وفى حديث آخر‏: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتقي ميتة السوء»).
هي «صنائع المعروف»، الحديث قال: ضعيف.
(وفي حديث آخر: «تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار»)، وقال ضعيف أيضًا، ولكن هذا المعنى صحَّ في أحاديث أخرى، أنها تطفئ غضب الرب، وأنها تعتق العبد من النار.
وأيضاً لو طلبت من الإخوة الكرام يبحثوا في هذا المعنى، ويأتوا بأحاديث أخرى صحيحة، بدل هذه الأحاديث الضعيفة، يكن لهم الجزاء من الله -تبارك وتعالى-.
(وعن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ قال‏ رسول الله r‏:‏ «ما يخرج أحد شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لحى سبعين شيطاناً») والحديث صحيح.
فهذه تصرف عنك الشياطين، كما أن آية الكرسي تفك العُقَد التي تُعقد على قافية رأس الإنسان، فالصدقة تفك لحي سبعين شيطاناً عن الإنسان.
(وروى أن راهباً) وهذه الرواية موجودة في صحيح الترغيب والترهيب، ولها صورة عن أبي ذر صورة أوسع من هذه.
«روي أن راهباً تَعَبَّدَ في صومعة ستين سنة، ثم نزل يوماً ومعه رغيف، فعرضت له امرأة فَتَكَشَّفَتْ له، فوقع عليها، فأدركه الموت وهو على تلك الحال، وجاء سائل فأعطاه الرغيف ومات، فجئ بعمل ستين سنة، فوضع في كفة وخطيئته في كفة، فرجحت بعمله، حتى جئ بالرغيف فوضع مع عمله، فرجح بخطيئته».
هذا الحديث سمعته من الشيخ الحويني، وقرأته في كتاب صحيح الترغيب والترهيب، قال: صحيح موقوف عن أبي ذر.
هذا المعنى مهم جدًّا فيه فائدة عظيمة جدًّا، أن الرَّاهب لما يعبد ستين سنة، يبقى هو كان عنده كم سنة لما دخل الصومعة؟ لو فرضنا أنه دخل أول ما بلغ، عنده اثنتي عشرة سنة مثلاً، وَعَبَدَ ستين سنة، يكون وصل إلى كم سنة؟ اثنين وسبعين، واضح أنه تفرغ للعبادة ولم يتزوج، غير متزوج؛ لأنه مترهبن.
جاءت امرأة نزلت بجوار الصومعة، فنزل -في صحيح الترغيب والترهيب- بات معها ست ليال، ثم أفاق.
لما عبادة ستين سنة لا تعصم الواحد من الزنا، ولا تعصمه من الزنا وهو عنده اثنين وسبعين سنة، إذن هذه العبادة ماذا كان شكلها؟ أنها لا تبلغ أن تعصمه من الزنا، إذن المسألة ليست بالحجم؛ لأنه امتحن بعد ستين سنة، يعني لو مات قبل أن تأتي هذه المرأة، إذن نحن نظن فيه أحسن ظن، أن شبابه وكهولته وعمره في الصومعة يعبد ربنا، فجاءه امتحان صغير بعد الستين سنة، وهو في هذا السن، وجاءت امرأة وتكشفت له، فعاش معها ستة أيام في الحرام.
فأفاق، يعني على الذنب، فهرب، يعني ساح في الأرض، ندم ندماً شديداً جدًّا، فدخل مسجد، فظل ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب من شدة حزنه على ما صدر منه من المعصية، ثم جاءه رغيف، وهو في حالة الجوع الشديد، وكان على يمينه واحد مسكين، وعلى شماله واحد مسكين.
كان المسكين في الأول، يعني ممكن المسكين يأخذ كسرة خبز، ويكون سعيد به جدًّا، يعني فيه فقر فقر، لا يجد الطعام.
فقسم الرغيف نصفين، ومات، فجاء به يوم القيامة، وزنت حسناته وسيئاته، فرجحت السيئات.
لماذا لم ترجح الحسنات؟
لأن وزن الحسنات -له وزن- كما قلنا: «سبق درهم مائة ألف درهم» يعني الصدقة واحدة، والحسنة واحدة، تقول: الحمد لله، أنت تصلي الفجر ركعتين، إنما لما نأتي نوزن الصلاة، فتختلف من كل واحد، تختلف لا أحد صلاته مثل الآخر، وكذلك التسبيح والذكر وقراءة القرآن والصيام، نحن كلنا صمنا رمضان، لو وازنا الصيام تجده يختلف، هناك معاني إيمانية عالية جدًّا، وهي وزن الإيمان، الإيمان يزيد بالطاعة، واحد يزيد إيمانه بالطاعة زيادة ملحوظة، والثاني لا يزيد مطلقاً، يعني كأن إيمانه هذا ذرة.
فسبحان الله وزنت فخفت ورجحت السيئات، فجيء بالرغيف، الرغيف هذا رجح بالسيئات، وكان في رواية أخرى: ستين سنة مقابل ستة أيام، فرجحت الست أيام بالستين سنة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذا المعنى يخيف، لأن الإنسان ممكن يكون على عبادة وحفظ قرآن وذكر، وهو حقيقة الأمر هذا وصل به إلى درجة أنه لو أتاه مال وفيه شبهة ممكن يقبله، لدرجة أنه لو عرضت عليه مثلاً فتنة ممكن يفتن.
فهذا يبين حقيقة ما زاد من إيمانه، أو أثر هذه الطاعات على قلبه.ولكن هذا الرجل ندم وتداركه الله برحمته، والله -تبارك وتعالى- هو الذي ساقه إلى هذا المساق، وتصدق بهذا الرغيف؛ لأن الله -عز وجل- يريد أن يتوب عليه، وإنما الأمر للعبرة، أن العبرة بانكسار القلب لله، بخشية العبد من الله، بالقبول عند الله، وليس بالكثرة.
(وفى أفراد مسلم، من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي r أنه قال‏: «ما نقصت صدقة من مال») الصدقة لا تنقص المال.
(وروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنهم ذبحوا شاة فقال النبي r: «ما بقى منها‏؟‏ فقالت: ما بقى منها إلا كتفها، فقال‏: «بقى كلها إلا كتفها») الحديث صحيح، فالذي يتصدق به هو الذي يبقى.


(وأما آداب الصدقة فهي مثل آداب الزكاة.

واختلفوا‏:‏ أيهما أفضل للفقير، أن يأخذ من الزكاة، أو من الصدقة.
فقال قوم‏:‏ من الزكاة أفضل، وقال آخرون من الصدقة أفضل‏).
من الزكاة لها شروط: هو فقير أم لا، يحل له أن يأخذ أم لا.
أما من الصدقة: الأمر واسع، يعني لو هو مثلاً عنده قوت سنة، وجاءته صدقة ممكن يقبلها، لو هو يعمل ومعه ما يكفيه، وجاءته صدقة ممكن يقبلها؛ لأن أمر الصدقة واسع، أما الزكاة فالصحيح أنه لا يقبل الزكاة إلا إذا استحقها، فطالما أنه فقير هو يستحق الزكاة، ولكن كما ذكرنا بشروط، يأخذ الكفاية، ويأخذ كذا، ويأخذ كذا.الحقيقة هذه المسألة كأنها ليست واقعية، إلا عند هؤلاء المتورعين من الفقراء من أهل العلم، يعني إنسان على علم وعلى تقوى، ويختار لنفسه حتى يقبل أو لا يقبل؛ لأن الفقير التقي العالم هذا لا يقبل من أي أحد المال، فهو لا يقبل من أي أحد، ولا يقبل أي شيء، فيرد هذا السؤال.
(وأما أفضل الصدقة فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله r، أي الصدقة أفضل‏؟‏ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى»).
يعني لا تنتظر إلى أن تكتفي، أو إلى أن تحضرك سكرات الموت، فتذكر الآخرة، فتريد أن تقدم لنفسك، لا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان، أخرجاه في الصحيحين.
بهذا نكتفي،.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
انتهى الدرس الرابع أختكم أم محمد الظن.