لدعم استمرار بقاء فرسان السنة ساهم معنا

تكلفة الشهر 100 دولار  الدفع من خلال  باي بال من هنا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    لدعم استمرار بقاء فرسان السنة ساهم معنا

    تكلفة الشهر 100 دولار  الدفع من خلال  باي بال من هنا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سلسلة السيرة الصحيحة
    الدرس[1]
    إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( النساء:1).
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(الأحزاب: 70،71 )
    أَمَّا بَعْــــدُ .........
    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ
    وأقول أيضًا صحيح، لأن السيرة النبوية شأنها شأن الأشياء التي نقلت إلينا عن طريق الأسانيد، ودخل فيها كثير من الأشياء التي تحتاج إلى تمحيص، فدخول الأحاديث الضعيفة، أو الأحداث التي لا أصل لها في السيرة النبوية، كدخول الأحاديث الضعيفة في وسط الأحاديث النبوية، فمثلا اشتهر بين الناس أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب ودخل الغار أن فيه شجرة نبتت، وفيه حمامتين باضوا فعلا هذا موجود بالأسانيد بالسيرة ولكن غير صحيح.
    لم يصح إسناد لحكاية الحمامتين ولا لحكاية الشجرة التي نبتت مع أنها مشتهرة جدًا ويتداولها الواعظون والكتاب إذا تناولوا هجرة النبي r، إلى غير ذلك من الأحداث التي نريد أن نجليها حتى نقف على حقيقة انتشار الدعوة الإسلامية ولما نجحت الدعوة الإسلامية في حياة النبي r.
    فإذا علمنا ذلك زال كثير من التخبط الذي يعيش فيه الشباب الذين يتناسون حقيقة انتشار الدعوة الإسلامية، فيريد على حد قول بعضهم: نريد أن نبدأ من حيث انتهى النبي r، وهذا قول شنيع لو تدبره قائله؛ لأنه قد يؤول به إلى الكفر، هذا القول قد يؤل به إلى الكفر لكنه يقول ذلك جهلا منه؛ لأن معنى أن يبدأ من حيث انتهى كأن الرسالة ما تمت، فهو سيكمل المسيرة فكأن المسألة ممتدة لا نهاية لها، ولم تتم وهذا خطأ لو علمه قائله ما تكلم به.
    إنما حياة النبي r منذ أن بعثه الله U حتى التحق بالرفيق الأعلى حياة يمكن أن تبدأ في كل عصر، يعني لو عاش الإنسان في بيئة جاهلة، أو لو عاش في بيئة كافرة، كأن يعيش مثلا في دولة من دول الكفر التي تمارس أشياء أفظع مما كان يمارسه أهل الجاهلية الحضارة الحديثة يفعلون أشياء العرب الجاهليون كانوا يأنفون أن تتردى بهم الحال إلى مثل ما تردى به أولئك الذين يتشدقون بالمدنية، فلم تكن مثلا تجد في العرب اللواط، اللواط هذا وهو أن يأتي الرجل الرجل، هذا ما كنت تراه في العرب لما جبلوا عليه من الأنفة والعز.
    وإن كانت هذه الأنفة كانت تؤدي إلى كثير من البلايا والمصائب لكنها الحقيقة رفعت العرب إلى منزلة عظيمة، وكان هذا أحد الأسباب التي شرفها الله U بأن أنزل عليها خاتمة الرسالات النبوية، فترى هنا في الحضارة هذه: لو أن رجلا مثلا ذهب إلى بلد من بلاد الكفر، كيف يمكن له أن يدعو الناس إلى الإسلام؟
    لابد أن يبدأ كما بدأ النبي r، أن يبدأ بتعليمهم التوحيد، وهذا هو أس الأمر ثم بعد أن يجد منهم جلدًا وبدءوا يتجاوبون معه، يمكن أن يفرض عليهم شيئا، وهذا صريح جلي في حديث إرسال معاذ كما في الصحيحين قال: «أنك تأتي قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم واتقي دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
    فأنت تنظر وهؤلاء قوم أهل كتاب، بخلاف الجاهلية الأولى الجاهلية الأولى كانوا على دين إبراهيم u، العرب القدماء كانوا على دين إبراهيم u، ولم يكن يعرف في جزيرة العرب آنذاك لا اليهودية ولا النصرانية، لم تكن تُعرف في جزيرة العرب، وإنما كانت موجودة في أطراف اليمن آنذاك وبدءوا دخول الجزيرة العربية بعد ذلك، فكان العرب على دين إبراهيم u، حتى جاء عمرو بن لحي لعنه الله.
    أول من بحر البحيرة وسيب السوائب ووضع الأصنام في مكة، عمرو بن لحي لعنه الله وكان رجلا مشهورًا عندهم بصلة الرحم ومشهورا بعتق الرقاب وبالصدقة وكانوا يعتبرونه من كبار العلماء والأولياء، حتى رحل عمرو بن لحي هذا إلى الشام، والشام هي مهد الرسالات السماوية، فلما ذهب إلى الشام وجدهم يعبدون الأصنام فاستحسن ذلك جدًا، ولأن هذه مهد الرسالات فتصور أن هذا من القربات التي يمكن أن ينقلها إلى جزيرة العرب، فهو أول من غير دين إبراهيم u في جزيرة العرب: عمرو بن لحي لعنه الله فاصطحب معه من الشام هُبل،ووضعه في جوف الكعبة وصار بعد ذلك مناة، ثم جاءوا بعد ذلك باللات، ثم جاءوا بعد ذلك بالعزى، وصارت هذه هي الأصنام الرئيسية بالنسبة لأهل مكة.
    جزاء عمر بن لحي:فأول من غير دين إبراهيم وغير جزيرة العرب وأدخل الأصنام فيها هو عمرو بن لحي، فما كان جزاءه وعاقبته، قال النبي r كما في صحيح البخاري «لقد رأيت عمرو بن لحي يجر قُصبه في النار» القُصب: الأمعاء، «يجر قُصبه في النار فهو أول من بدل دين إبراهيم وبحر البحيرة وسيب السوائب».
    المراد بالبحيرة: ذبيحة يذبحونها لطواغيتهم، وكذلك بالنسبة للسوائب إذا ولدت الناقة عشرة بطون إناث فإنهم يسيبونها لألهتهم فلا يركبونها ولا يستخدمونها ولا ترد من حمى، وكذلك المراد بالوصيلة والحام:، الوصيلة إذا ولدت الناقة أنثيين وراء بعضهم، فوصلت أنثى بأنثى فهذه لا يركبونها وينذرونها لألهتهم وكذلك الحام و هو الفحل من البقر أو من الجاموس، إذا ولدت فحلا فينذرونه لألهتهم فلا يُركب ولا يُرد من مرعى ولا يستطيع أحد أن يناله بأذى.
    لذلك قال الله U: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103]، ويقولون أن هذا مما أمرهم الله U به لألهتهم،.
    تلبية الجاهليين :لم يقتصر الأمر على ذلك بل بنو بيوتًا تشبه الكعبة وجعلوا لها سدنة، وكانوا يطوفون بها يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا ملكته وما ملك،مثل هذا،فهذا كان تلبية الجاهليين حول هذه الأشياء التي صنعوها تشبه الكعبة إذن لو أردنا أن نلقي ضوء على الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام لأن هذا مهم جدًا، حتى تعرف كيف غير الإسلام هؤلاء الأجلاف، الحرب بين الأوس والخزرج ظلت أربعين سنة لأجل خلاف تافه بينهم، أربعين سنة مات فيه ألوف مؤلفة لما تنظر إلى الأوس والخزرج بعد أن دخلا في الإسلام لا تتصور أن هؤلاء هم الذين تقاتلوا قبل ذلك، كيف تحول هذا العربي الجاهلي بالإسلام وصار إنسانًا يقود الناس ولا يُقاد بعد إن كان جلفًا غبيًا لا يعرف شيئا ولا يهتدي إلى شيء.
    فالحاصل بالنسبة للديانات الموجودة كان عبادة الأصنام وقلنا أن عمرو بن لحي هو الذي بدل دين إبراهيم، وأن اليهودية والنصرانية لم يكن لها وجود يؤثر في جزيرة العرب آنذاك،.
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    العلاقات الاجتماعية في جزيرة العرب: فإذا ألقينا الضوء على العلاقات الاجتماعية في جزيرة العرب، وجدنا إن هناك طبقة الأشراف وأولئك كانوا السادة وكانوا كثيرًا ما يترفعون عن الدنايا، وكان السواد الأعظم من عامة الناس، كانوا يمارسون أشياء لا يمكن أن نسميها إلا دعارة، وضرب من المجون والخلاعة والفاحشة، تصور السيدة عائشة رضي الله عنها كما رواه أبو داود في سننه وهو حديث صحيح قالت:
    أنواع النكاح في جزيرة العرب:«كان النكاح في جزيرة العرب على أربعة أنحاء أي أربعة أنواع: النوع الأول:- النكاح الذي تعرفونه اليوم وهو أن يخطب الرجل وليته يذهب الرجل يطلب البنت من وليها ويصدقها هذا نوع من النكاح.- النوع الثاني: أن المرأة كانت إذا طهرت يقول لها زوجها استبضعي من فلان -يرسلها إلى رجل آخر حتى يأتيها ولا يقربها حتى يرى منها الحمل وذلك رجاء نجابة الولد يهجن ، فيغير من هنا لهنا كي يكون الولد نجيبًا وينتقي أفضل الناس من جهة الشكل والجسم والشجاعة حتى يكون الولد عريقًا في النسب- ولا يأتيها ولا يقربها حتى يتأكد أنها حملت من ذلك الإنسان.- النوع الثالث: من النكاح كانت المرأة يدخل عليها العشرة كل يصيبها ما تمتنع من أحد حتى إذا حملت جاءت بهم جميعًا وقالت هو ابنك -مثلا تشير على واحد تقول هذا ولدك- فلا يستطيع أن يمتنع منها فينسب الولد إليه.
    النوع الرابع :وهن البغايا اللواتي كنا يمارسن هذا الزنا فكن يضعن على بيوتهن راية حمراء لكل رجل يريد هذه الفعلة، فيدخل عليها رجال متتابعون فإذا وضعت أشارت إلى فلان أن هذا ولدك فالتقى به فلا يستطيع أن يمنعه».
    هذا كان الشيء السائد في الجاهلية وما كانوا يرون به بأسا، وما كانوا يرون به غضاضة، وحديث عبد بن زمعة هذا مشهور في صحيح البخاري واختصم عليه سعد بن أبي وقاص وآخر.
    فيبدوا أنهم لما يكونوا يرون أن هذه جريمة في مجتمع الجزيرة العربية، فتصور أنساب تختلط ويذهب الحق إلى غير مستحقه، هذا يحدث فوضى شنيعة في الجزيرة العربية، ويحدث تفككًا اجتماعيًا لعدم انتساب الولد إلى أب واحد، فتجد المرأة الواحدة لها أولاد هذا من فلان، وهذا من فلان، وهذا من أبيه.
    والله U جعل الرابطة بين أصحاب الدم تختلف عن الرابطة بين بقية الناس، وسماهم النبي r سماهم الأرحام، الأرحام: أي الذين اشتركوا معك في دم واحد.
    فتصور هذا المجتمع المتفكك الذي تنتشر فيه هذه الفاحشة وما دمر الإمبراطورية الرومانية وغيرها إلا النساء، وكتب أحد رجال بريطانيا مذكراته وعقد فصلا إلى أن هذه الحضارة ستزول أيضًا بالنساء حتى اليهود، اليهود أصحاب الدعايا والإعلانات هم الذين يدخلون عنصر النساء في كل شيء،يقولون هذا أفضل وهذا جذاب وهم أصحاب فكرة أن النساء هم الذين يعملون في المحال لأن هذا يكون ألطف بالنسبة للمشتري، فترى كثير من الناس يفضل المرأة عن الرجل مع أن الواقع أثبت أن المرأة لا تعمل عمل الرجل من جهة الجدوى، المرأة لا تعمل عمل الرجل وسريعة الملل بطبيعتها، الله U أعطاها جلدا على شيئا لا يتجلد فيه الرجال وهو تربية الأولاد والصبر عليهم ونحو ذلك، فتجد الرجل يفضل المرأة، ويزعم أن يقولك أن المرأة بتأخذ مرتب أقل من مرتب الرجل، وهذا في الحقيقة ليس هو السبب الأصلي إنما السبب الأصلي أن تكون جذابة بالنسبة للمشتري، ولذلك مستحيل تجد مثلا رجل يقول أريد امرأة منقبة تبيع، لماذا فهذه امرأة أيضًا؟ لا هو يريد وجهها وقلما تجد رجلاً يقبل امرأة محجبة تعمل عنده في المحل، بل هو يريد أن تظهر هذه المرأة مفاتنها حتى تجذب الزبون بزعمهم. فإدخال العنصر النسائي هذا هو الذي دمر العرب وجعلهم متفككين، ودمر بعد ذلك إمبراطوريات التي تلت مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، وما هزم الحلفاء ونحو ذلك إلا بالنساء، كانت الحرب العالمية الثانية كانوا يسربون وهذا ما فعله أيضًا إلا اليهود كانوا يعطون للمرأة حقنة بحيث أن الرجل إذا أتاها تنحل أوصاله، ولذلك دمروا هتلر وجماعته مع أن هتلر كان مكتسح في بداية الأمر ولكنهم ادخلوا عنصر النساء وهذا رجل جندي ظل ستة أشهر سبعة أشهر يتدرب بعيدًا عن امرأته وبعيدًا عن المجتمع الحضاري فهو أول ما يرى المرأة فيحس بنوع من الحنين فما بالك إذا دخلت عليه المرأة ليلا في الخيمة وعرضت نفسها عليه، فكان يأتيها فلا يستطيع أن يقوم من مكانه، ولا يستطيع أن يجري ولا يفر ولا يحمل سلاحا ولا نحو ذلك وبذلك زال الحلفاء ، ألمانيا وغيرها، فالذي فعل هذه الفعلة أيضًا هم اليهود، فيقول هذا الكاتب الإنجليزي أن هذه الحضارة لا بد أن تزول لدخول عنصر النساء فيها، وأيضًا رجل نمساوي قرأت له مقالا وهو الذي فعل المستحيل لإباحة الحرية الجنسية في النمسا، حتى إذا صارت النمسا من بلاد الإباحية الأولى في العالم وراء هذا الدمار في النمسا كتب وأقر وندم على أنه طالب بهذه الحرية وطالب بعودة المرأة إلى البيت وهذا شيء غريب جدًا أن يصدر من هذا الإنسان الذي هو من ثلاثين سنة أو من خمسة وعشرين سنة طالب بحماس بالغ الحرية الجنسية، بل من ضمن ما طالب به أن يتزوج الرجل أخته، وقال هذا أيضًا من الحرية، ولا حجر، إن اشتهاها أخذها.
    فتصور هذا المجتمع العربي إذا صار النكاح فيه على هذه الأنواع الفاحشة، رجل يرسل امرأته إلى رجل تستبضع منه أو امرأة يدخل عليها جماعة أو البغايا اللواتي ينصبن الرايات على البيوت، فكان هذا هو الحال العام في الجاهلية، هذا مع السكر ومع الخمر، وهذا أدعى للفاحشة، كل هذا أكيد أنه يؤثر على الحالة الاقتصادية، وكان العرب نظرًا لتفككهم الذي أشرت إليه تكثر فيهم العصابات، فلا يأمن التجار على تجارتهم ولا على أموالهم إلا في أشهر الحرم، التي هي الأشهر المعروفة كان العرب لا يأمنون على تجارتهم إلا في هذه الأشهر لأن العصابات أو هؤلاء الناس كانوا لا يقطعون الطريق ولا يؤذون أحدا في الأشهر الحرم، مع ما هم عليه من الفجور، فهم في هذه الجزئية أفضل من المسلمين الذين لا يراعون لا أشهر حرم ولا غيره ويقاتلون في كل وقت، ويستبيحون ما حرم الله U، فهذا يبين لك أن التجارة كانت تنشط في عدة أشهر، وترخص في بقية العام وهذا بلا شك يؤثر على معيشة الناس اليومية فيؤدي إلى ارتفاع القوت في يوم وإلى انخفاضه في يوما آخر.
    أخلاق الجاهليين: فمع ما حكيته من انحطاطهم إلا أن بعض الأخلاق، وهذا من باب الإنصاف بعض الأخلاق الحميدة كانت موجودة في عرب الجاهلية، منها مثلا الشجاعة المنقطعة النظير وكانت هذه الشجاعة وليدة العصبيات والحرب التي كانت بين القبائل فكل إنسان كان على استعداد أن يضحي برأسه في مقابل كلمة قالها، وبعضهم قد تأخذه الشهامة وهذا أيضًا مما يُحمد لهم فيحمل حمالة بين أقوام المختصمين حتى يفض خصامهم.
    وعندنا حديث في صحيح مسلم حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة في الجاهلية الحمالة: هي عبارة عن مال يغرمه رجلٌ ما في سبيل أن تتوقف مثلا الحرب أو المعركة بين قبيلتين أو بين أسرتين أو نحو ذلك، كأن يقول مثلا الأسرة تقول أنا مثلا لن أكف عن القتال حتى يدفعون لي كذا، والأسرة الأخرى تمتنع فهو يقول أنا أغرمه وأنا أدفع هذا المبلغ وكفوا عن القتال، هذا هو معنى الحمالة، فقال قبيصة تحملت حمالة في الجاهلية ما بين قبيلتين فتحمل هو المبلغ الباهظ حتى تنفض هذه المعركة فلما أسلم ابتدت القبيلة الأخرى تطالبه بهذا الدين فلم يجد عنده ما يسد به فذهب إلى النبي r وقال له: أريد مالا من مال الزكاة استعين به فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا قبيصة اعلم أن المسألة لا تحل إلا لثلاث الحالات التي يجوز للرجل أن يسأل الناس من أموالهم: لا يجوز للإنسان أن يسأل الناس من أموالهم إلا في ثلاثة أمور فقط- الأمر الأول: رجلا تحمل حمالة فلا يستطيع أن يؤديها من ماله فهذا يحل له أن يسأل الناس ،ثانيًا: رجلا أصابته جائحة فأتت على أمواله كلها كأن رجل مثلا شب في بيته حريق فهذا الحريق أؤدي بكل ماله فهذا يجوز له أن يسأل الناس،والثالث: رجلا أصابته فاقة يعني أصابه فقر- فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ذوي الحجا: يعني أصحاب العقول الراجحة- ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيشهدون أنه أصابته فاقة فهذا تحل له المسألة وما دون ذلك يا قبيصة فهو سحتٌ يأخذه صاحبه».
    سحت: حرام، ما دون هذه الثلاثة هذا حرام فهذه الحمالة كانت تدفع بعض العرب أن يضحي بكل ماله في سبيل أن يفضوا نزاعا قائما بين قبيلتين، وهذا بلا شك من الأشياء المحمودة عند العرب، من أخلاق الجاهليين الكرم:أيضًا عندهم هذا الكرم المشهور حتى إن الرجل ليضحي بناقته الوحيدة التي هي قوام أسرته في سبيل ضيفٍ جاءه فيريد أن يكرمه فيذبح الناقة التي كما أقول ليس لهم إلا هي، و عندنا حاتم الطائي هذا مشهور جدًا وهو صاحب طئ ابنه عدي بن حاتم، هذا أسلم وهو صحابي أدرك النبي r فسأل عن حال أبيه، سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن حال أبيه حاتم الطائي وأنه كان يعني يُطعم الطعام وكان رجلا كريما يضحي من ماله أله عند الله أجر فقال r: «إن أباك أراد شيئا فأدركه»، واضح من الجواب أنه ليس له عند الله شيء وأنه في النار «إن أباك أراد شيئا فأدركه» يعني أحب أن يكون كريما وأن يكون مذكورًا في الناس بالكرم فأدرك هذه الخصلة وصار الناس يتحدثون عن حاتم الطائي حتى الآن ويتحدثون عنه حتى تقوم الساعة.
    «إن أباك طلب شيئا فأدركه»، وفي الصحيح أن الثلاثة الذين تُسعر بهم النار أول ما تسعر منهم « ورجلٌ جواد أنفق ماله لأجل أن يقال جواد» حتى يقال أنه إنسان سخي، فهذا من الثلاثة الذين تُسعر بهم النار، والعياذ بالله تعالى، فحاتم الطائي بطبيعة الحال لم يكن ينفق من ماله في سبيل الله U رجاء مرضاة ربه إنما لأجل أن يذكر بالكرم، وهذا أيضًا واضحٌ في عبد الله بن جدعان، وهذا كان رجلا في الجاهلية وكان على أمر عظيم من الصدقة ومن عتق الرقاب ومن صلة الرحم، فسألت السيدة عائشة النبي r كما في البخاري عن عبد الله بن جدعان هذا وأنه كان بارا وكان له حسنات فقال له «هو في النار لأنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» إذن فكل فعل للكافر يضيع بكفره، يعني لا تُقبل حسنات الكافر أبدًا كلها تضيع لكن لأن الله حكم عدل ولا يضيع أجر من أحسن عملا فهذا قد يُصير أو يطير ذكر رجل في الدنيا، فتراه أذكر في الناس وأشهر من الصالحين.
    و عندنا الكاتب الأمريكي لما كتب العظماء مائة: أعظمهم محمد r وترجمه بعض الصحفيين وكتب في مقدمة الكتاب أن هذه تعتبر شهادة عظيمة جدًا للنبي عليه الصلاة والسلام وللمسلمين أن يفخروا بهذا الكتاب، والحقيقة أنه ليس في الكتاب ما يمكن أن يفتخر به مسلم، لأن شهادة هذا الرجل بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أعظمهم نحن لا نحتاج إلى شهادة كافر، بدليل أنه لو أعجبه فعلا وراقه لأسلم، ولكنه لم يسلم.
    ونحن رأينا اعتي منه وأكثر كـ مثلا كسرى وهرقل وهؤلاء الناس أثنوا على النبي r ومنعهم أيضًا الكبر ونحو ذلك والسلطان في الناس من أن يسلموا فشهادتهم بالنسبة لشهادة هذا الكافر أفضل لما كانوا فيه من الذكر والصيت ومن السلطان، فعيب هذا الكتاب وهو محل الشاهد الذي أريده أنه طير أسماء بعض الناس الذين لا يستحقون على أسماء كثير من الصالحين بل الأنبياء، فمثلا وضع إسحاق نيوتن قبل عيسى بن مريم في الترتيب، والترتيب عنده له حكمة فكلما تقدمت من رقم واحد كلما كنت أعظم من المتأخر، فكيف يمكن أن يقول رجل أن إسحاق نيوتن أفضل من عيسى بن مريم؟
    لأنه بنى كتابه على جزئية التأثير في الناس، فرأى أن إسحاق نيوتن في هذه المشروعات التي عملها أفضل من عيسى بن مريم الذي لم يعمل شيئا، ويضع عمر بن الخطاب مثلا رقم واحد وخمسين وقدم عليه كثير من الزناه وكثير من الفساق، ما معنى هذا الكلام؟
    معناه مثلا أن رجل كعمر بن الخطاب لا يُعرف في الكرة الأرضية كما يعرف إسحاق نيوتن أو كما يعرف مثلا اينشتاين أو كما يعرف أي رجل مغني أو ممثل، فالله U يعطيه ما أراده في الدنيا وليس له في الآخرة نصيب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 35]، فهو من عدله سبحانه وتعالى أنه يعطيه الذكر في الدنيا ويصير اسمه على كل لسان، ولكن في الآخرة ليس له شيء.
    فهذا عبد الله بن جدعان النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هو في النار لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    أيضًا من أخلاق العرب التي كانوا يمدحون بها الوفاء بالوعد: وهذا كان عندهم شيئا عظيمًا جدًا حتى وإن كلفه أن يضحي ببعض أهله حتى يفي بعهده، لكن هذه الأخلاق الحميدة لم تكن هي الأخلاق الغالبة على الجاهلية في ظل هذا الوضع، وأن العرب كان ينتصر فيهم الشريف وأن الوضيع لا قيمة له، وما أفسد الجزيرة العربية إلا الإماء، الحرائر من النساء يعني كن يترفعن عن الانحدار إلى هذه الهوية بخلاف الإماء.
    في ظل هذا الوضع بدأت دعوة النبي r تخترق الحجب إلى مكة المكرمة، في هذا الجو يعني الأشراف كان لهم وضع خاص، وكان الغالبية العظمى من الفقراء والإماء بالذات الذي أنا استطردت في حال الإماء لأجل نقطة الفساد التي انتشرت في الجزيرة العربية هذا كان بسبب الإماء، أما الحرائر فكن يترفعن عن مثل هذه الفواحش، تجد عندنا مثلا من الظلم البين الذي كان موجود في الجزيرة العربية، أن الشريف كانوا يتجاوزون عن كل شيء يفعله بخلاف الوضيع، وهذا من الأشياء التي تجعل في النفس مرارة، رجل لأنه ليس من أسرة كريمة ولا لها ظهر ولا شكيمة ولم يكن لها نسب عريق في قريش هذا يظل طيلة عمره عبدا، فكان يجعله يُحس بكثير من المرارة بحيث أنه لو رأى بصيص نور سيكون أول المسارعين له، لذلك تجد أن:
    أول الذين دخلوا في الإسلام هم المستضعفون ومما يدل على ذلك:إنما عتاة قريش أبوا أن يدخلوا في الإسلام، لماذا؟ لأنهم ما يحتاجون إلى أكثر مما هم فيه من الشرف، ومما يدل على ذلك واقعتان:
    الواقعة الأولى: المرأة المخزومية التي كانت تأخذ المتاع فتجحده، يعني تقترض مثلا منك شيئا ثم تقول أنا لم أخذه، هذا يعتبر سارق ويقام عليه الحد إذا أخذ الشيء فجحده أو أنكره هذا يقام عليه حد السارق، فكانت هذه المرأة تأخذ المتاع فتجحده، ولأنها مخزومية من أخزم وهذه قبيلة شريفة لا يستطيع أحد أن يمسها، لما جاء النبي r بدعوته وسرقت هذه المرأة المخزومية أرادوا ألا يقيموا عليها الحد، لماذا؟ لما درجوا عليه زمان طويلاً من أن الشريف لا يُهان ولا يُقام عليه الحد بخلاف الوضيع.
    فالنبي عليه الصلاة والسلام لأنه حكم عدل قال: «تقطع يدها» حتى التمسوا لها والحديث معروف أسامة بن زيد يذهب حتى يشفع في هذا الحد فقال له عليه الصلاة والسلام: «أتشفع في حد من حدود الله والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» وانظر إلى هذا التعبير في غاية الدقة والتجرد لم يقل والله لو أن فاطمة ابنتي هو الآن يعاملها على أنها امرأة عادية ليست ابنته، لأن الحدود لا محاباة فيها، ثم لا يقول لقطعت يدها، لقطع محمد أي الرسول وليس الوالد، «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها» بعيدًا عن تأثير الأبوة، هذه الخصلة الجاهلية تجدها في هذا العصر، فواقعة المرأة المخزومية تبين لك طبقة السادة وطبقة العبيد المهضومين.
    الواقعة الثانية: التي تبين لك أن النسب كان مهمًا جدًا وأن هناك بعض الأسر التي لم تكن تنتمي إلى نسب عريق، هذه كانت تظل مطحونة أبدًا، بخلاف مثلا بني عبد المطلب، المشركون ما استطاعوا أن يؤذوا النبي r لأنه من بني عبد المطلب وهؤلاء كانوا خدام البيت، وكانوا أعظم الأسر الموجودة في قريش، فما كان يستطيعون أن يؤذوا، حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى نفر من المشركين يخبرهم بأمر من أمر النبي r، فالله U أوحى لنبيه r أن حاطب يعني فعل كذا وكذا فأرسل علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وأخرى، وقال لهم اذهبوا إلى روضة خاخ، اسم روضة تجدون ظعينة هناك، الظعينة: هي المرأة في عقاصها كتاب، العقاص : الضفيرة، فالمرأة وضعت الكتاب ، في هذه الضفيرة حتى لا يهتدى لها، وذهبت قامت بدور الجاسوس ،إلى كفار قريش يخبرهم حاطب بأمر من أمر النبي r وأنه سيفتح مكة قريبًا،فذهب علي بن أبي طالب وأحضر الكتاب وحاطب جالس لا يدري شيئا ففتح النبي عليه الصلاة والسلام الكتاب وقراءه وحاطب يسمع أما بعد فمن حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من المشركين يخبرهم بأمر النبي r وأنه سيفتح مكة قريبًا، فقال عمر يا رسول الله دعني أقطع عنق هذا المنافق فقال عليه الصلاة والسلام واتجه إلى حاطب: «ما ذاك يا حاطب؟» قال: يا رسول الله لا تعجل علي فو الله ما فعلت هذا كفرا ولا رضا بالكفر ولست أكفر بعد إيماني، ولكني كنت من قوم ضعاف أردت أن اتخذ عند قريش يدا يحمون بها قرابتي وكنت امرأ ملصقا فيهم»،هذا هو الشاهد-.
    فحاطب بن أبي بلتعة فر وذهب مع النبي r لكن له بقية إخواته أولاد عمه أولاد خاله مثلا فهؤلاء لأنهم ليسوا من أسرة عريقة عرضة للإيذاء من المشركين هناك، فأراد أن يتخذ جميلا يحفظه له كفار قريش فلا يؤذون قرابته فأرسل إليهم يفشي أمر النبي r.
    هذا يبين لك أن النسب كان مهمًا جدًا عند العرب، ولكن النسب المعروف وإلا فكثير من الإماء والعبيد ومن السافلة والسوقة والسابلة الموجودة في المجتمع مسألة النسب عندهم لم تكن لها أية قيمة بدليل الرجل يقول لامرأته استبضعي من فلان، أما الأشراف فكانوا يتعففون عن هذا ولا ينكحون إلا حرة.
    من الخصال الحميدة في الجاهلية كانت مسألة احترام الكلمة: فإذا قال أحدهم كلمة وهي بطبيعة الحال لا بد أن يكون هذا الرجل من الأشراف أيضًا وإلا فالعبد أو الأمة لا قيمة لكلامه في المجتمع الجاهلي، مسألة الكلمة وأنهما كانوا يحترمونها ويفون إذا أقروا، و سنتعرض لهذا عند هجرة أبي بكر الصديق t إلى الحبشة، أبو بكر الصديق لم يهاجر إلى الحبشة، ولكن وهو في طريقه إلى البحر يريد أن يهاجر قابله زيد بن الدغنه، وهذا ثابت أيضًا في صحيح البخاري، قال: ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومك إني أريد أن أعبد ربي، قال: قبح الله أرضًا لست فيه وأمثالك يا أبا بكر إن مثلك لا يخرج ولا يُخرج ارجع وأنا جار لك، أنا جار لك: يعني أنت في جواري أنت في حمايتي، وهذا زيد بن الدغنه، وكان كافرًا آنذاك فرجع أبو بكر الصديق وذهب زيدا إلى الكعبة، وقال: أنا أبا بكر جار لي، لا يتصور أن أي عربي يمكن له أن يعتدي على أبي بكر مهما فعل مع أن أبا بكر كان يناله كثيرًا من الأذى قبل جوار زيد بعد قول زيد إنه جار لي، احترم الجاهليون هذه الكلمة فلم ينل أبو بكر أي أذى بعد جوار زيد بن الدغنه، ويبين لك مدى احترام الجاهليين لهذه الكلمة أن أبا بكر الصديق لما بدا لها أن يتخذ مسجدًا في فناء الدار ويقرأ فيه القرآن، وكان رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فكان النساء يمرون، والأطفال يمرون فيرون هذا المنظر الغريب العجيب رجل يقرأ فيبكي فكانوا يلتفون حوله حتى خشي عرب الجاهلية أن يفتن أبو بكر النساء والأطفال ويكون هذا من باب الدعوة للإسلام فذهبوا إلى زيد، مش أخذوا أبو بكر ورموه أو ضربوه لا يفعلون هذا أبدًا؛ لأنهم أعطوا الجوار لزيد يحترمون جوار زيد.
    ذهبوا لزيد وقالوا له إنا لا نريد أن نخفر جوارك، يعني لا نريد أن نخترم هذه الكلمة التي أعطيناك إياها ولكننا لا نستطيع أن نتحمل ونسكت على ما يفعله أبو بكر، فإما أن ترد جواره وإما أن تخلي بيننا وبينه فقال زيد يا أبا بكر ما على هذا اتفقنا إن أردت أن تعبد ربك ففي الدار من الداخل أما أن تخرج فإني لا أريد أن يتحدث العرب أن جواري قد اختفر، فقال أبو بكر بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله U.
    فهذا يدلك على أن العرب مع هذه الجاهلية الجهلاء كانوا يحترمون الكلمة، وهذا كان من مقومات أن الله U اختارهم لخاتمة هذه الرسالات لأن الإسلام كان يحتاج إلى أقوام فيهم شجاعة وفيهم بذل وفيهم تضحية وكل مسائل الاعوجاج هذه يمكن أن تقوم، تصور رجل كان يعبد صنما، الصنم الكبير وهو هبل أو اللات أو مناة أو العزى، وكان يتخذ نسخة من هذا الصنم في بيته؛ لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن هذا الصنم في يوم من الأيام ولا في لحظة، وهو كثير الأسفار فيأخذ نسخة من هبل مثلا صغيرة ويضعه في بيته يعبده في أوقات الراحة إذا راح استريح من الكبير، وذهب إلى البيت فيجد أيضًا إلها صغيرًا موجودا، فإذا أراد أن يسافر تمسح به قبل أن يسافر، بل بلغ من اقتناع هؤلاء الجاهليين بالأصنام.
    أن عمر بن الخطاب يحكون عنه أنه كان له صنما من العجوة فبينما هو في سفر من الأسفار يعبده إذا جاع فأكله، فتصور رجل يأكل إلهه، فكانت الأصنام هذه موجودة في كل مكان حتى تغلغلت عند هؤلاء الجاهليين تصور معي رجل جاهلي يعكف على الصنم الكبير في الكعبة، فإذا رجع إلى بيته عبد الصنم الصغير وحياته تدور ما بين هذا الشرك، وما بين النساء، وما بين شرب الخمر.
    أظن لو رجل موجود بهذه المثابة في هذا العصر لقال أي رجل لا فائدة فيه، هذا مخضرم ضليع في الشرك، لا يتصور أن مثل هذا الرجل يمكن أن يهتدي، كيف تحول هذا الرجل الذي وصفته بهذه المثابة إلى رجل موحد لله U نابذ للأصنام كاره للخمر متعفف عن النساء، كيف تحول هذا الرجل؟
    إن هذه الدروس بالذات الفترة المكية مهمة جدًا بالنسبة للذين يسلكون سبيل الدعوة لا بد أن يعرفوا كيف عالج النبي r هؤلاء المدمنين للشرك والفواحش؟ حتى صيرهم من رعاة الغنم إلى قادة للأمم، فتنظر مثلا إلى حديث أنس في البخاري عندما حُرمت الخمر، وهذا بعد نزول الإسلام ما طلب منهم أول ما طلب إلا أن ينبذوا الأصنام، وإنه لا يستقيم إسلام مع وجود صنم، أما بقية الأشياء يمكن أن نتفاهم فيها، هكذا كانت دعوة النبي r نبذ الأصنام أولا، وكذلك بالنسبة للداعية ينظر إلى الأهم فالمهم ما مايستفاد من دعوة النبي r :فنستفيد من دعوة النبي r على أن يهتم الذي يدعوا الناس بالأهم ثم يُردفه بالمهم، يعني مثلا لا تأتي على رجل يأتي ألوانًا من الشرك وهو مثلا يدخن السجائر فتعمل معه معركة طاحنة على السجائر مع أن سكوتك عن تدخينه للسجائر ليس إقرارًا منك على ذلك، وكان النبي r يرى كل هذه الأشياء فكان يركز أول ما يركز على التوحيد؛ لأنه إذا وصل المرء إلى إفراد الله U بالعبودية وتلقي الأوامر منه كل شيء هين بعد ذلك، إذا جعل الناس الله U في المكانة التي يكون فيها أو ينبغي أن يكون فيها، كل شيء يتلقى عن الله تعالى بعد ذلك يهون، فإذا قال إن خالقك يأمرك بكذا أو ينهاك عن كذا فالمتصور أنه ينصاع.
    وإلا فالعرب كانوا يدمون الخمر، الإحصائية كانت ثلاثة وثمانين في الولايات المتحدة أكبر بلد تنفق مليارات لمحاربة المخدرات وشرب الخمر، ومع ذلك تأتي النسبة المئوية كل عام في زيادة المدمنين للخمر أو الحشيش أو الهروين أو هذه الأشياء، فأين المليارات التي أنفقوها؟ ما هي الثمرة؟
    لا يكون هؤلاء أكثر إدمانا للخمر من العرب الجاهليين الذين كانوا يعكفون على الخمر، وكانوا يُحسنون صناعتها ومع ذلك جاء الإسلام في فترة وجيزة، يقول أنس بن مالك بينما كنت أسقي عبد الرحمن بن عوف وأبا طلحة وسمى جماعة من أصحاب النبي r بينما كنت أسقيهم الخمر إذ جاء الجائي فقال إن الله قد حرم الخمر، قال فأرقنا وكسرنا الجرار.
    أناس مدمنين سمع واحد يقول: إن الله حرم الخمر لم يخرج فيستثبت يقول لعله كذاب أو لعلها إشاعة إنما قام على جرار الخمر فأراقها وكسرها حتى كانت طرق المدينة ملآنة من الخمر.
    كيف يصل المسلم إلى مثل حال هؤلاء؟ فإذا علم أن الله U يكره هذا أو حرم هذا يقلع عنه وإن كانت له فيه شهوة، هذا ما غيره الإسلام العظيم من عرب الجاهلية، ولعلنا في الدروس القادمة إن شاء الله لأننا سنقرأ النص نأتي بنص نختصر السيرة النبوية لأنها طويلة جدًا ومتشعبة جدًا ، أفضل كتاب في السيرة النبوية محقق هو سيرة الحافظ ابن كثير رحمه الله.
    فهذه نشرت في أربع مجلدات مفردة وحدها وهي هي الجزء الثاني والثالث من البداية والنهاية، فمن عنده كتاب البداية والنهاية، الجزء الثاني والثالث هذه هي السيرة النبوية للحافظ ابن كثير وأفردها أحد المحققين الأستاذ مصطفى عبد الواحد في أربع مجلدات، الحافظ ابن كثير من عادته أن يسوق السند وأن يمحص يقول هذا غريب، وهذا منكر، هذا صحيح، هذا حسن لكنه أيضًا لسعة السيرة النبوية كان يتجاوز في كثير من الأسانيد فلا يوضحها فالدور هنا الذي نقوم به إن شاء الله أننا سنختصر السيرة النبوية بمعنى أننا في كل واقعة سنكتفي بحديث أو بحديثين أو ثلاثة ونعرض عن الباقي إن كان هناك أكثر أو نكتفي بحديث واحد يكون صحيحا بحيث في النهاية يمكن أن نجمع صحيح السيرة النبوية، وهذا الحقيقة الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله كان يتمنى أن يقوم بهذا العمل لأنه لم يقم به أحد من المسلمين كتابة لأننا نحتاج إلى كتاب يكون بين أيدينا ليس فيه ضعيف، لأن الضعيف لا يؤخذ به في شيء من العلم.
    ولك أن تعلم مثلا أن القصة المشهورة وهذه في كل الكتب تراها حتى في كتب الأقدمين كابن عساكر أو كالبيهقي في دلائل النبوة عندما سرد حكاية عرض كفار قريش على النبي r الأموال أو أن يكون رئيسًا في نظير أن يترك دعوته فقال «والله يا عم لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه» هذا لا يصح هذا غير صحيح مع اشتهاره.
    فالذي نستفيده أن كل شيء في المنهج الجديد يمكن لك أن تحتج به وأن تبني عليه شيئا في الدعوة، لاسيما العهد المكي لأن هذا مهم جدا، ونحن نحتاج إلى التركيز على العهد المكي لأنه استغرق أغلب حياة النبي r.
    ثلاثة عشر سنة يدعو في مكة بدون قتال ولم يؤمر بالقتال، ولم يكن فرض الله القتال على المسلمين، لماذا لم يفرض الله U القتال على المسلمين في الفترة المكية؟ لأنهم كانوا ضعافا وليس عندهم أهبه ولا استعداد، ولأن مظاهر الشرك موجودة في مكة، والتوحيد لم يأخذ هذه الشوكة التي يحمل الناس عليها، فمن الحُنكة ومن الحِكمة إلا يكون هناك قتال وإلا استأصلوهم لأن الإسلام كان يجابه من ثلاثة جهات، من جهة النصارى، ومن اليهود، ومن المشركين.
    ثم بعد ذلك لما انتقل النبي r إلى المدينة زاد طرف رابع وهو المنافقون، فهذا الإسلام من يوم أن أذن الله U به على الأرض وهو يقاوم ولو كان الإسلام ممن يتأثر بالمؤامرات لما وجدت إسلاما من قديم لكن هذا دين الله U وهو الذي يحميه كأنما يُقوى، إذا زادت عليه المؤامرات كلما ازداد الناس عليه كلما ظهر الإسلام وظهر معدنه على حد قول الشاعر:
    يقابلني السفيه بكل حُمق



    فأرفض أن أكون له مجيبا


    يزيد سفاهة فأزيد حلما
    ك


    كعود زاده الإحراق طيبا


    البخور هذا لا يمكن أن تشعر بحلاوة البخور إلا إذا أشعلته فكان الإسلام كلما زادت عليه المؤامرات كلما ارتقى وصلب عوده، فلم يأمر الله U المسلمين بالقتال في الفترة المكية لضعفهم فهذا حكم قائم دائم لا يتخلف، فإذا ضعف المسلمون ولم يستطيعوا أن يقوموا بهذا الجهاد يتقووا أولا ثم يقوموا بالجهاد وليس معنى ذلك أن الجهاد ملغي لا بل يظل الجهاد فريضة مُحكمة إلى يوم القيامة لأن الدين تم، لكن الذي تستفيد أنت منه هو المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية وأن تأخذ الشبه، الذي يسموه العلماء القياس، أن تأخذ الشبه مما مضى، لأنه لا يتصور مثلا وهذا تؤيده دلائل كثيرة من النصوص الشرعية رجل مريض، فلا يكلفه الله U أن يحمل صخرة عظيمة على كتفه، إن كان مريضا فهو يضع عنه الحرج، فإذا ضعفت الأمة المسلمة لا يتصور أن هذا الرجل مثلا الذي مرض في رمضان فأفطر لا يتصور أن الصوم لاغي بالنسبة له لا الحكم ثابت ولكن حدث عارض ما أزال الحكم بالكلية، ولكن أزاله في فترة العرض ثم يعود محكما بالنسبة له، فالأمة المسلمة الآن مفككة أوصالها كثير من ضروب الشرك موجودة في الأمة المسلمة، نحتاج إلى تنقية المجتمع من هذا ثم بعد ذلك تأخذ بما كان عليه النبي r من حمل أولئك الناس على الأمر الأعظم وهو ذروة السنام الذي هو الجهاد كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فالحاصل أن المرحلة المكية هذه سنركز عليها ولعل الحديث يطول بنا فيها فنقرأ ونختار نصًا جامعًا مثلا من صحيح البخاري أو من صحيح مسلم أو من أي كتاب من كتب السيرة التي تمت بالسيرة كما قلنا مثل «ابن عساكر في تاريخ دمشق» أو «البيهقي في دلائل النبوة» أو غيرهم كابن قدامة وغيره الذي أفرد السيرة النبوية بكتاب كبير نختار أجمع هذه الروايات ثم نلقي عليها الضوء بالتفصيل ونأخذ منها العبر حتى يوفقنا الله U إلى أن نخرج من هذا المأزق الذي لم تعرفه أمة الإسلام في يوم من الأيام هذه الفترة التي تعيشها أمة المسلمين منذ سقوط الخلافة العثمانية في القرن الماضي لم تعرفها الأمة الإسلامية في أي عصر من العصور من أيام النبي r، أن تزول الخلافة العظمى التي كانت تظلل العالم، مهما كان ضعيفا أن تزول، فهذه الفترة ولأنها غريبة واضطربت فيها الأقوال الكثيرة، فأرجو أن يكون هذا الدرس درس السيرة النبوية نبراسًا صحيحًا ولم نخرج فيه عن أقوال العلماء المعتبرين حتى يمكن أن نحصر الأقوال، أرجو أن يكون هذا الدرس درسًا نافعا إن شاء الله بالنسبة لكل من يحمل على كتفه دعوة الناس إلى الإسلام.
    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
    انتهى الدرس الأول ( أختكم أم محمد الظن )



    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سلسلة السيرة الصحيحة
    الدرس[2]
    إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( النساء:1).
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(الأحزاب: 70،71 )
    أَمَّا بَعْــــدُ .........
    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ
    فسنبدأ من جمعة اليوم إن شاء الله تعالى في سرد صحيح السيرة النبوية وكنا ابتدأنا بها جمعة واحدة قديما فنصل ما انقطع، ونسأل الله U أن ييسر لنا تمامها، وفي ظني أن المسلمين أوتي كثير منهم بسبب جهلهم بتاريخ أسلافهم، اعلموا أنه ليس حدث يحدث الآن في الأرض إلا حدث مثله قبل ذلك أو شبيهٌ له.
    كان علي بن أبي طالب t يقول: «واستدل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور اشتباه» فلذلك كثيرٌ من الناس يسأل سؤالا تراه سئل قبل ذلك للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو لصحابي أو لتابعي أو لعالم فكل الذي يحدث في الأرض الآن حدث قبل ذلك، انهيار الأمم حدث قبل ذلك أن انهارت أمم كثيرة، فيجيء العاقل فيحلل الأسباب فيجدها واحدة، المسلمون الآن جهلاء بتاريخهم، جهله بأقدار إسلافهم، لذلك فهم يطعنون عليهم، وهذا الطعن إنما هو من جهلهم بمقدار الناس، ولا يعلم مقدار الناس إلا رب الناس، حتى رأينا من يقول ابن عباس رجل وأنا رجل، هم رجال ونحن رجال، لي رأي ولابن عباس رأيه، ولو أن هذا عرف قدر ابن عباس بل لو عرف قدر نفسه لما تطاول وقال هذه الكلمة.
    الجهل بتاريخ الإسلاف أوقعنا في محن كثيرة: والجهل بسيرتهم العملية كيف كانوا يعيشون؟ كيف كانوا ينقلون النص النظري إلى واقع الحياة؟
    هذا لا بد أن نعرضه على الناس، حتى يعرفوا أين موقعهم من العالم ؟
    سر العَجَب في الجنس العربي : العربي جنس عجيب، وسر العجب فيه أنه لا يصلح إلا بدين يحكمه، غيره يمكن أن ينحل ويرقى، أما هو فلا يرقى إلا بدين، وانظروا إلى:
    حال الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام :تراهم كانوا أسفل الأمم لا حضارة ولا مدنية ولا علوم، إنما كانت الحضارة في فارس وفي الروم وهم كانوا في مستنقع من الأوحال، كان هناك الزنا بل كان الزنا شيئا مستطابا عندهم، والله تبارك وتعالى حرم الزنا ما أباحه قط يوما؛ لأنه قبيح.
    ولا نعلم أن الله تبارك وتعالى حرم شيئا لفساد ذاته ثم أحله أبدًا، فكانت الجزيرة العربية ومن فيها يستحلون الزنا بل يستطيبونه، وهذا واضح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النكاح على أربعة أنحاء أي على أربعة أشكالمنه نكاح الناس اليوم أن يذهب الرجل فيطلب المرأة من وليها _وهو النكاح الجاري_ اليوم، ونكاحٌ أن المرأة إذا طهرت قال لها زوجها استبضعي من فلان أي تذهب إلى فلان يزني بها وكان يقصد بذلك نجابة الولد- ونوع ثالث تأتي المرأة فيجتمع عليها الرهط من الرجال كل يصيبها فإذا ولدت ألصقت الولد بواحد منهم فلا يمتنع من انتسابه إليه، ومنه البغايا اللواتي يحترفن الزنا، »وهذه البيوت كن عليها رايات حمراء من أراد أن يزني قصد هذه البيوت،مستنقع من الأوحال يعيش فيه العرب ما علمنا قبل الإسلام أن لهم قيمة أو أن لهم حضارة أو أن لهم يدا على الأمم بل كانوا يقتتلون ويفني بعضهم بعضا لأتفه الأسباب وعندك حرب البسوس مشهورة أربعين سنة لسبب تافه جدًا يقتل بعضهم بعضا مافيا، حرب عصابات الأوس والخزرج، العداء مشهور قبل الإسلام فلما جاء الإسلام نظمهم في سلك، لماذا؟
    لأن الله تبارك وتعالى هو الذي ألف بين قلوبهم وامتن على نبيه وعلى الأمة كلها، قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63]. ألف بينهم لنصرة هذا الدين ، إن تخلوا عن نصرة دينه نزع هذا الرباط الذي هو الألفة فرجعوا أعداء كما كانوا، وهذا ظاهر جدا في دنيا الناس اليوم.
    فلما جاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وجمع بينهم وآخى على القصة المشهورة التي تأتي بعد ذلك حتى أن الرجل كان عنده الرهط من النساء فيأتي إلى أخيه المهاجر فيقول له اختر أجملهن وأفضلهن، فكان يختار ويتنازل له عن ذلك مع أن التنازل عن العرض صعب جدا التنازل عن المرأة لاسيما أنه وكل إليه الاختيار فقد يأخذ أحب النساء إلى الأنصاري، ومع ذلك لا يمتنع، وكان الأوس والخزرج كتيبة الإسلام من أهل الأنصار، انظر بنى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دولته في عشر سنين فقط.بعض الذين لا يستحون مما يقولون، يقول نحن بدأنا الثورة الصناعية مع اليابان، ألا يستحي هذا القائل ألا يستحي إبر الخياطة نستوردها من الصين حتى الآن، موتور السيارة الأطفال في اليابان يصنعونه ، ونحن ما استطعنا حتى الآن تصنيع موتور سيارة ، نحن في انحدار واليابان في رقي لأننا لا نصلح إلا بدين هذه خاصية الجنس العربي يجب على الناس أن يتنبهوا للفرق، هم قالوا الغرب تقدم بغير دين، ورأينا العلمانيين ذوي الوجوه القبيحة يدعون إلى الانحلال، ويقولون ما أخركم إلا هذا الدين، أين هو؟ دلوني عليه أين هو في واقع الناس حتى يؤخرنا؟ ما أخرنا إلا تركه؟ لأننا جنس عجيب.
    كما قلت الذي يستقرئ التاريخ بأمانة يجد أن انحدارنا هو سببه بعدنا عن ديننا لا حيلة في الرقي إلا بالرجوع إلى الدين، وقد انفسخت الأمة من دينها من قديم، وما رأينا تقدمًا، أفلا يدل أيها العقلاء على صحة هذا الاستقراء، فنحن نريد أن نرجع إلى تاريخ الأسلاف وأن ننظر إلى طريقتهم، كيف نقلوا النص النظري إلى واقع الحياة؟ حتى نتبعهم في ذلك ونقلدهم:
    فتشبهوا أن لم تكونوا مثلهم

    إن التشبه بالرجال فلاح

    لذلك أرى أن دروس السيرة، وصحيح السيرة النبوية في منتهى الأهمية لمن أراد أن يدفع عجلته إلى الله U حتى يذهب إليه بسلام، ثم هناك شيء مهم جدا يجب عليكم ألا تكتفوا بالسماع فقط، كل يحاول أن ينقل شيئا مما سمع إلى واقع بيته العملي، ما فائدة أن تسمع أن هذا حرام ثم تذهب ولا تغيره، ما الفائدة من القول إذن؟ قامت عليك الحجة، وعلمت أنه حرام تؤاخذ عليه، قد تكون جاهلا قبل ذلك بأن هذا حرام فتعذر، لكن أما وقد عرفت وقامت عليك الحجة، فاستعد لملاقاة الله تبارك وتعالى وأعد الجواب عن سؤالك، لماذا خُلقت؟ أخلقت لترعى رعي الأنعام! أخلقت لتنجب وتدفع إلى البشرية أطفالاً على غير مبدأ!.
    أطفال المسلمين كثيرون جدا، وشبابهم كثيرون ويطعنون عليهم في كل مكان، فلا يكتفون إلا بالشجب والاستنكار فقط، لذلك هانوا على الأمم وداسوهم، وليست لهم كرامة، ومما يحذ في النفس أن يكون حامل الحق في مستنقع، وأن يتعالى عليه أهل الباطل، ذلك يزهد الناس في الحق الذي معك، أنت لا تحمي الحق بل أنت تخالفه، ونحن لا ننسى سنة سبعين لما جاء وفد اليابان الذي أسلم وجاءوا هنا إلى مطار القاهرة لأنهم قالوا نذهب إلى بلد الأزهر سنجد الجيل الإسلامي الحقيقي نذهب نتعلم الإسلام فلما دخلوا مطار القاهرة وجدوه لا يختلف عن مطار طوكيو فرجعوا، أين الإسلام الذي نشدوه؟ .
    سلوك الناس العملي هو الذي يجعل الإسلام يرجع: دعك من غيرك وخليك في نفسك، أفعل ما تستطيعه حتى تجعل بيتك مسلما، إذا رأيت فيه من الموبقات ارفعه فأنت ولي الأمر والنبي r قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده».
    وأنت ولي الأمر ورب البيت فعجبي على الذي لا يستطيع أن يغير منكرا بيده في بيته سقطت ولايته لا قيمة له، ونقرأ عشرات الحكايات العجيبة في الرجال الذين صاروا أشبه بالنعاج تحكمهم النساء وترديهم إلى الباطل، ولا يتحركون سقطت قوامتهم، أهذا هو الرجل الذي قال الله U فيه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34].
    أهذا هو الرجل الذي قال الله تبارك وتعالى فيه ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]، أين الدرجة؟ لذلك أرجو أن يحرص كل مستمع لدروس السيرة النبوية أن ينقل، وأن يتعلم كيف ترجم الصحابة الكلام النظري إلى واقع محسوس في دنيا الناس؟
    فهذه الدروس مهمة جدًا حتى بالنسبة للشباب الذي انحرف به الفكر سيعلمون من خلال هذه الدروس، أن السبيل القويم إلى إرجاع الإسلام ليظلل الأرض أن تهتم بالأفراد وأن ترجعهم إلى حظيرة الإسلام، فإن الإسلام بي وبك وبفلان وفلان يبدأ بواحد ثم تنتهي بأمة، كما يقول الشاعر:إن الجبال من الحصى، وكذلك فإن الأمم إنما تنبي على الأفراد ونبدأ من هجرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لماذا؟
    لماذا البدء بالهجرة النبوية:لأن في بدء الهجرة تحول تام في دعوة الإسلام، وهو الذي نحتاجه وسنشير إلى الفترة المكية كثيرًا حتى نتعلم منها ونرى، هل ما نعيشه الآن يشبه الفترة المكية أما لا؟
    روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (ما عقلت أبواي قط إلا وهما يدينان الدين وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يأتينا بكرة وعشية يعني في أول النهار وفي آخره- فلما اشتد أذى المشركين على المسلمين، خرج أبو بكر يريد الحبشة فبينما هو في الطريق إذ قابله ابن الدَّغنه وهو رجل مشرك كافر، قال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال: يا أبا بكر مثلك لا يَخرج ولا يُخرج إنك تكسب المعدوم وتعين الكل وتنصر الضعيف وتعين على نوائب الحق ارجع وأنا جارٌ لك.)فرجع أبو بكر وقد جاور ابن الدَّغنه، فقال له: أدخل في هذا البيت فأعبد ربك، ثم طاف ابن الدَّغنه على أشراف قريش وقال لهم: كيف تخرجون أبا بكر إنه لا يَخرج ولا يُخرج هو جار لي، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغنه أي لم تخفره جواره، وظل أبو بكر ما شاء الله له أن يعبد الله U متسخفيا في بيت ابن الدَّغنه، ثم بدا له في يومٍ من الأيام أن يخرج إلى فناء الدار فيبني مسجد بفناء الدار وفعلا خرج في الفناء وكان يصلي ويقرأ القرآن ويبكي، وكان أبو بكر رجلا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فكان النساء والولدان يقفون ليشاهدوه وهو يبكي ، فقد كانت قلوبهم متحجرة في ظل هذا الجو يظهر رجل يبكي إذا قرأ القرآن فيشد الانتباه فكان النساء يقفن، وكان الولدان يقفون يشاهدون هذا المنظر الخلاب، فقالت قريش لابن الدَّغنه ما على هذا اتفقنا، فإما أن يدخل البيت فيعبد ربه بالداخل فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا وإما أن ترد عليه جوارك فإنا لا نريد أن نخفرك جوارك، فذهب ابن الدغنه إلى أبي بكر وقال يا أبا بكر ما على هذا اتفقنا إما أن تدخل في داخل الدار وتعبد ربك وإما أن ترجع إلي جواري فإني لا أحب أن يتحدث العرب يوما أنني أخفرت في ذمتي، فقال له فقال له أبو بكر بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله U.
    الأذى مستمر والمسلمون يهاجرون إلى الحبشة فرارا بدينهم كما قال الله تبارك وتعالى في أسلاف لهم ﴿َمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. لماذا تنتقمون من أولئك؟ لأنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد أو هذه تهمة ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: 56]، لماذا؟ يفسدون في الأرض، لا ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ كذلك الذي يعيش في مستنقع من الأوحال يكره المتطهر، يكره النظيف إنما يرضى بالدون يعيش في وسط الموبقات كلها ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56].
    وأنتم عثتم في القاذورات، تنقمون منا لماذا؟ لأننا ندعو إلى الفضيلة، وهم يدعون إلى عبادة العجل، هذه الأوثان المتفرقة في كل مكان، لقد أقسم لي أحدهم وأنا لا أكذبه وهو غير متبوع عن الصدق في قوله أنه رأي بعض الشباب في شارع الهرم، هناك في شارع الهرم تماثيل، رأي بعض الشباب يقف أمام التمثال ويفعل هكذا يصلي صلوات الفراعين أمام التماثيل، دعوة سافرة إلى عبادة العجل، ونرى هذا في المجلات، لاسيما في المجلات الأثرية، ترى الصنم وامرأة أمام الصنم، وقد وضعت يدها هكذا، ثم يقول تحت الصورة صلوات، صلوات من، نحن لا نعرف إلا صلاة المسلمين فقط: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البروج: 8 - 9].
    وهذه تهدئة، للذين يعاندون البلاء، الذي له ملك السموات والأرض، يعني أنك إن وضعت في السجن فأنت في ملكه أيضا، يعني أنت لا تغيب عن بصره، يعني أنت في السجن عبد له، وخارج السجن أيضا عبد له، فيجب عليك ألا تتبرم، وأن تستعد للبلاء ونعم الأسوة، أن تكون أسوتك الأنبياء، لأن الله تبارك وتعالى وصف بعض النبيين والمؤمنين بقوله: ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ [البقرة: 214]، تأمل هذا اللفظ، النبي ومن معه زلزلوا حتى بلغت الفتنة مداها ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214].
    وكما في الحديث: «كل آت قريب» إنما البعيد هو الذي لا يزيد، إنما «كل آت قريب» ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنرَاهُ قَرِيبًا ﴾ [المعارج: 6 - 7]، لأنه آت، فهو قريب لا محالة، اشتد أذى المشركين على هذه الصفوة، التي قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها يوم بدر: «اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، هذا يدل على أن الأرض كفرة كلهم، ما عدا هذه العصابة التي كانت ثلاثمائة رجل، الذين يعبدون الله في الأرض ثلاثمائة رجل قل ألف رجل، يا لظلم العباد، يا حسرة على العباد، يُنزل عليهم كل شيء ويرفعون إليه الذنوب والمعاصي وما ينكسه ويسخطه عليهم، ليس لله U في الكرة الأرضية خمسين بالمائة وهو خالقهم ورازقهم، ليس له من عباده خمسين بالمائة، بل ليس له ثلاثين، ولو أردت أن تتأمل في حال العباد وجدت أنني صادق في هذه النسبة، ثلثا الأرض كفرت، والثلث مسلمون، دعنا من الكفرة، وخلينا فيمن يتسمون بأسماء المسلمين.
    هل الله U له كل المسلمين الذين في الأرض؟ لا، أين العلمانيون؟ أين عُباد القبور؟ أين عُباد العجول والتماثيل؟ أين الذين هم أمثال سليمان رشدي؟ أين هؤلاء وهم كثرة كافرة؟ أين أعداء الله في الأرض الذين يتجسسون على عباده المؤمنين؟ هؤلاء في الميزان؟ لا والله.
    في صحيح البخاري: أن رجلا كان يجلس في مجلس حذيفة بن اليمان t، وكان سعد بن أبي وقاص هو والي الكوفة، فتحدث رجل بحديث، فقال أحد الجلساء، أنا سأنقل هذا الحديث إلى سعد، سمع كلمة سينقلها إلى الوالي، فقال حذيفة له: لا عليك ألا تفعل -يعني أنت حر- إني سمعت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «لا يدخل الجنة قتات -وفي رواية- نمام» الذي يأخذ الكلام فينقله لاسيما إن كان كلام حق فيشوهه، ولنا موعد مع هؤلاء أمام الله، وإن غدا لناظره قريب، وكل آت قريب.
    الناظر يجد أن الخُلص من المسلمين الذين هم في جانب الله U قلة، «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض» اشتد أذى المشركين على النبي r وعلى صحابته، فأراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة، لاسيما وقد سمع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «إني أُريت دار هجرتكم بين لابتين وهما الحرتان بين جبلين عظيمين وهي المدينة» فأول ما سمع أبو بكر الصديق أن المدينة المنورة هي دار الهجرة، بدأ يستعد في تجهيز جهازه حتى يرحل إلى المدينة المنورة.
    فلما أراد أبو بكر t أن يتوجه إلى المدينة قال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «على رسلك يا أبا بكر» والرسِل: هو السير الرفيق البطيء، إذا رأيت رجلا يتعدى طوره، فأردت أن تجعله يتأنى، فتقول له على رسلك، أي هدئ من روعك، خفف الوطء قليلا، قال: «على رسلك يا أبا بكر فإني أرجو أن يؤذن لي بالهجرة، فقال أبو بكر: أو كذاك بأبي أنت وأمي، قال: نعم، أو قال: أجل»، فمنذ ذلك الحين اشترى أبو بكر راحلتين يعني بعيرين أو فرسين وجعل يعلفهما، راحلة له وراحلة للنبي r، حتى كان يوم من الأيام وإذا بالنبي r يذهب إلى دار أبي بكر في موعد ما كان يذهب إليه فيه، وهو في نحر الظهيرة، يعني في عز الحر، وذهب إليه وهو متقنع، يعني قد وضع قناعا عليه، لعله حتى لا يُعرف، فلما أخبر أبو بكر بمقدمه r، قال: بأبي هو وأمي ما جاء الساعة إلا لأمر، فلما دخل النبي r وكان عند أبي بكر ابنتاه أسماء وعائشة، فقال له: «يا أبا بكر أخرج من عندك»، سيفضي إليه بسر، الهجرة، لكنه. .. وذهبت أسماء رضي الله عنها فقطعت نطاقها نصفين، لذلك سميت بذات النطاقين، أو بذات النطاق.والنطاق: هو عبارة عن حزام تستعين به النساء عند الأشغال القوية، تربطه على وسطها ثم تشد صيدها وترخيه إلى أسفل، هذا هو معنى النطاق.
    ، فالسيدة أسماء رضي الله عنها قطعت نطاقها نصفين، نطاق حزمت به الأكل، ونطاق تحزمت هي به، وكانت حاملا في عبد الله بن الزبير، فكانت هي امرأة الزبير بن العوام t، وهي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان ابن أبي بكر عبد الله يذهب إليهم فيأتيهم بالأخبار، أخبار مكة، وما ينوونه له ولصاحبه، وكان عامر بن فهيرة وكان راعي الغنم، يأخذ اللبن بعد العشاء الآخرة فيذهب إليهما فيعطيهما، حتى مكث في الغار ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك استعانوا برجل بدليل وكان هذا الرجل كافرا، لكنهما ائتمناه على ذلك، وكان دليلهما إلى المدينة المنورة، نورها الله تعالى، فدخل إليها النبي r يوم الاثنين.
    هذا الحديث فيه فوائد كثيرة جدا:، لذلك سنقتصر في هذه الجمعة على بعضه، وأرجو أن أتمه، بعد الخطبة إن شاء الله، قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين)، أبوها أبو بكر، وأمها هي أم رومان، وأم رومان هذه هي بخلاف أم السيدة أسماء، فأبو بكر الصديق تزوج أكثر من واحدة، فأنجب عائشة من أم رومان، وفي هذا الحديث دليل، في الحديث الآخر أو ؟؟؟ الذي يفيد أن أم السيدة عائشة كانت مشركة، وهو ما رواه البزار في سننه، أن عائشة وأسماء رضي الله عنهما جاءتا إلى النبي r، وقالتا: «يا رسول الله إن أمنا جاءتنا وهي مشركة تطمع في نوال -تريد إعانة مالية- أفنصلها؟ قال: نعم صلاها» هذا الحديث خطأ، منكر، لأن أم السيدة عائشة بخلاف أم السيدة أسماء، أم السيدة عائشة: أم رومان، وعائشة لم ترها قط كافرة، وهذا معنى قولها في أول الحديث: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، يعني إلا وهما يدينان بالإسلام، فالسيدة عائشة لم تر أمها قط كافرة، إنما التي رأت أمها كافرة: السيدة أسماء، وأمها هي قيلة أو قتيلة، والحافظ ابن حجر يقول لعلها أسلمت يوم الفتح، يعني أسلمت في وقت متأخر جدا، مع أنه لا يوجد سند يبين أنها أسملت، لكن جُل الذين صنفوا في الصحابة وصفوها بالإسلام، ما علينا، المهم أن أم أسماء بخلاف أم السيدة عائشة، أضف إلى ذلك أن أم السيدة عائشة كانت مسلمة من قديم وأم السيدة أسماء أسلمت يوم الفتح.
    (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، وكان النبي r يأتينا بكرة وعشية،) يعني يأتينا بكرة أي في البكور، وعشية أي في العشاء، كان هذا موعد ثابت النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى بيت أبي بكر، صاحبه، وخله، وإنك إذا نظرت إلى حسن الصحبة، فانظر إلى صحبة النبي r وتنظر إلى مواصفات الصديق الحقيقي:
    صديقك الحق من كان معك

    ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك



    شتت فيك شمله ليجمعك


    هذا هو الصديق الحق، وهو عملة نادرة، لماذا نادرة، لأن الدين غائب، صحبتك للأخ في الله تفيدك كثيرا جدا، بخلاف صحبتك للئام، الذي يصاحبك لمنفعة، فإذا حصل منك المنفعة رماك، لأنه لا دين يحكمه ولا ضمير يحركه من داخله، أما الإخوة في الله فهي أعظم ما يحصله المسلم، أو هي من أعظم من يحصله المسلم في الأرض.
    إن كنت عاجزا عن قيام الليل، إن كنت عاجزا عن أن تصوم التطوع، إن كنت فقيرا لا تستطيع أن تتصدق، إن كنت ضعيفا لا تستطيع أن تنكر منكر أو تأمر بمعروف فأحب في الله، هل هذه صعبة، أحبة في الله، لماذا؛ لأن الإيمان مسلم.
    ابن الحجاج t روى في صحيحه قال: (بينما رجل يمشي في طريق إذ أنزل الله عليه ملكا في صورة رجل أو أوقف له في الطريق ملكا في صورة رجل، فقال له إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إني ذاهب إلى قرية كذا، فإن لي فيها صاحبا، فقال له الملك: أو ترى أن له عليك نعمة، _يعني له مجاملات كثيرة فأنت ذاهب تزوره من باب رد الجميل، أو من باب المجاملة، هل ترى له عليك نعمة،_ قال لا، غير أني أحبه في الله، فقال: أبشر فإن الله أحبك كما أحببته،) يا له من عبد، هذا العبد الذي يحبه الله U.
    هذا لو مدير عام أهتم بأحد الموظفين يكاد يطير فرحا من على الأرض، لو أن رئيسا نظر إلى مرؤوسيه نظرة عطف وأغدق عليه بعض إحسانه الزائل الذي لا قيمة له لصار فرحا، فما بالك بملك الملوك، إذا أحب عبدا يمشي بقدميه على الأرض، يا له من عبد، نسأل الله U أن نكون هذا العبد، فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إذا أحب الله عبدا، قال يا جبريل إني أحب فلان بن فلان»، تصور عندما يتردد اسمك في الملأ الأعلى، لمجرد أنك تحب في الله بغير عرض، لا تحب فلانا لتنتفع من ورائه بشيء، بل أحبه لكونه مسلما ولكونك تتقرب بهذا إلى ربك، فيعينك هو على تصحيح نيتك.
    «إذا أحب الله عبدا نادى في السماء، نادى جبريل إني أحب فلان بن فلان فأحبه، ثم ينادي في أهل السماء إني أحب فلان بن فلان فأحبوه، فيحبه أهل السماء جميعا، ثم يوضع له القبول على الأرض»، حتى أن طوب الأرض يحبه، وقد ورد في بعض الآثار أن الأرض تبكي على الصالح إذا مات؛ لأنها افتقدت الراكع الساجد، الذي كان يسجد عليها ويضع جبهته لربه وبقي الفاجر الفاسق الذي يعيث في الأرض فسادا، فتبكي عليه وحق لها، فإن الصالحين أندر من الكبريت الأحمر في هذا الزمان.
    لو نظرت إلى صحبة النبي r وإلى صحبة أبي بكر، لرأيتها نعم الصحبة: وكان النبي r يقول: «ولو اتخذت من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكني خليل الله» وفي صحيح البخاري أنه جرى بين عمر بن الخطاب وأبي بكر شيء مما يجري بين البشر،اختصموا في مسألة وكان في أبي بكر t حدة، فكأنما احتد على عمر ثم إنه رجع إلى صوابه سريعا فقال لعمر: اغفر لي، فقال عمر: لا أغفر لك. فمضى أبو بكر مكسور الخاطر لاسيما الصالح يخشى أن يكون عليه شيء من حقوق العباد يوم القيامة بخلاف السراق الذين لا يجعلون للقاء الله ميزانا، الذين يفتنون على عباد الله الذين يوقعون بينهم البغضاء، إن الكافر يرى ذنبه كالذباب كما في سنن الترمذي «إن المؤمن يرى ذنبه وإن دق كالجبل يكاد أن يسقط عليه، وإن الكافر يرى ذنبه العظيم كالذبابة نزلت على أنفه فقال بها هكذا فصارت» قلة ورعه فذهب أبو بكر إلى مجلس النبي r يبحث عنه وقد رفع ثوبه فأول ما رآه النبي r وكان يجلس مع بعض أصحابه قال: أما صاحبكم فقد غامر حصل شيء فقال أبو بكر: «يا رسول الله إنه جرى بيني وبين عمر كذا وكذا، وقلت له اغفر لي فأبى فقال النبي r يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم فذهب إلى البيت فسأل عنه فلم يجده فتوجه إلى مجلس النبي r فوجده قاعدا هناك، عمر قادم أول ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه وأحمر وقال له: لقد جئتكم فقلتم لي كذبت وقال أبو بكر صدقت ومنعتم عني أموالكم وواساني بماله فهلا أنتم تاركوا لي صاحبي»، قال أبو سلمه فما أؤذي بعدها إلى إن مات، واشتهر عن عمر توقيره الشديد لأبي بكر لدرجة أن أبا بكر إذا اجتهد اجتهادا فنظر فيه عمر فرأى له رأيا يخالف رأي أبي بكر قال إني استحي الله تعالى أن أخالف رأي أبي بكر، أبو بكر أعظم صحابي في الإسلام، الذي تكفره الشيعة ويحكمون على أن أصحاب النبي r ماتوا جميعًا ما بين منافق وما بين فاسق ولم ينجوا من النفاق إلا أربعة، المفترون الذائغون الذين ينادى بعض المغفلين بالمقاربة بين أهل السنة والشيعة، هذه المقاربة مستحيلة، مستحيلة وهو يطعن على قرآنك ويقول إن هذا القرآن ثلث القرآن الحقيقي، أين القرآن الحقيقي الذي هو مصحف فاطمة؟ موجود في السرداب، مع محمد بن العسكري، المهدي المنتظر عندهم.رجل يطعن في أصولك ترجوا من قربا، هذا محال، فكان النبي r يجد نفسه مع أبي بكر فكان يتردد على بيته بكرة وعشية، فلما اشتد إيذاء الكافرين للمسلمين، أراد أبو بكر t أن يخرج إلى الحبشة فارا بدينه من إيذاء قومه ، وكنا وقفنا عند ذهاب النبي r لبيت أبي بكر بكرة وعشية، واشتد إيذاء المشركين لأبي بكر t وعلى صحابة النبي r بصفة عامة، وسبق أن هاجر المسلمون إلى الحبشة، في بداية الاضطهاد الذي وقع على المسلمين هاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة نحو بضع وثمانين أو أكثر، حتى لما اشتهر فيما بعد عند الذين هاجروا إلى الحبشة بعدما نزلت سورة النجم وقرأ النبي r قوله: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: 62]، فقيل أو ثبت أن كثيرا من المشركين سجد، فظن المسلمون الذين في الحبشة وفروا من قومهم، أن المشركين أسلموا بعد افتعال هذا الواقعة، أن المشركين سجدوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد لما قرأ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، فرجوا إلى مكة فوجدوهم أشد إيذاء للمسلمين، فرجع من رجع إلى الحبشة مرة أخرى.
    فحتى أن ابن مسعود وهو أحد الذين رجع في الهجرة الثانية إلى الحبشة قال والصلاة آنذاك كانوا يتكلمون فيها، فكان الرجل بجانب الرجل يكلمه ويحادثه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فمنع الكلام في الصلاة، فجاء ابن مسعود t والنبي r يصلي فألقى عليه السلام، فلم يجبه، ؟؟؟ ابن مسعود في نفسه وظن أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يرد عليه لأنه غاضب مثلا، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال يا ابن مسعود: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدثه تبارك وتعالى في أمره ألا تكلموا في الصلاة» ، لكن تبقى هنا مسألة ونحن لعلنا أشرنا إليها قبل ذلك وهو سلام الداخل على المصلي، يعني الرجل يصلي في المسجد.
    هل يسن للذي يدخل المسجد أن يُسلم عليه؟ الجواب نعم. يستحب للداخل أن يسلم على المصلي، وفي هذا تأكيد على السلام، الذين يهملون إفشاء السلام على المسلم في الأوقات العادية في الشوارع وغيره، ينظروا إلى استحباب أن يُفشي المسلم على المصلي السلام، فينظر إلى هذا فيفشي السلام على من يعرف ومن لا يعرف، فإن هذه سنة ماضية والنبي عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه مسلم: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم». المصلي إذا كان يصلي في المسجد ودخل الرجل يقول له السلام عليكم، .
    كيف يرد المصلي السلام؟، المصلي يمكنه إن كان قاعدا للتشهد أن يرفع يده هكذا، وإن كان مثلا يقبض اليمنى على اليسرى على الصدر يمكنه أن يرفع يده هكذا، وقد ثبت في أحاديث صحيحة أن النبي r سلم على بعض الصحابة، وأن بعض الصحابة سلم عليه، لكن هذا يبقى وهذه مهمة جدا، القيد القادم، يبقى هذا الأمر بأن تراعي مقتضى الحال، يعني لا تذهب إلى مسجد مثلا لا تعرف فيه هذه المسألة وبعدين تفشيها وتعتقد أنها من الواجبات وتصر عليها فيحدث تفرق في المسجد، لا، فهذه السنة تنفذ في المساجد التي تعرف بها، لماذا؟ نحن لا نريد أن نفرق بين قلوب الناس، نحن نريد أن نجمع الناس على الإسلام، فيمكن لنا أن نترك لنا هذا الشيء المستحب تأليفا لقلب المسلم، لأن تأليف قلب المسلم فرض، وهذا مستحب، وعند جماهير العلماء: إذا تعارض فرض ومستحب يقدم الفرض لأنه أقوى، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: إن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب، يعني يستحب لك أن تترك الشيء المستحب لتؤلف قلب أخيك، لكن هذه المسألة لها قيد أيضا، وهو أنك لا تترك المستحبات، طيلة حياتك، لا بل تترك المستحب في فترة تأليف القلب، ثم تحمل نفسك وأخيك على فعل المستحب الذي تركته من أجل تأليف القلب، لكن لا يتصور أن أترك المستحب طيلة عمري؛ لأن أؤلف قلوب الناس، لا، أنا أولى من غيري.
    ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21]، كلا معنى إن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب، أنت وأنت تترك المستحب تدعوه، لا تترك المستحب من أجل أن لا يغضب ، وهو ليس عنده خبر أنك تؤلف قلبه، فبذلك تكون خسرته من الجهتين، خسرت في ترك المستحب، وخسرت أنك لم تؤلف قلبه، بل هذه القاعدة تكون في الرجل الذي يؤلف قلب رجل ما، ويرى أنه إن فعل هذا الشيء المستحب نفر منه، فيمكن له أن يترك الشيء المستحب في فترة دعوته إلى الالتزام بأحكام الإسلام، فهذه السنة، وهذه قاعدة عامة في المستحبات إن لم تكن معروفة في المساجد أو في المسجد الذي أنت تريد إفشاء السلام فيه فلا تفشي السلام فيه.
    فجاء ابن مسعود إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسلم عليه وحدث كما قصصت عليكم الآن، فرجع من رجع إلى الحبشة مرة أخرى بعدما علم بشدة إيذاء الكافرين للمسلمين، وبقي من بقي حتى هاجر إلى المدينة المنورة، فأراد أبو بكر أن يخرج ويهاجر أيضا إلى الحبشة حتى يعبد الله فبينما هو في الطريق في موضع من مكة إلى جهة اليمن مسيرة خمسة أيام، يعني أنت مثلا لو تصورت الخريطة وهذه مثلا مكة وهذه اليمن، إلى أسفل،هذا مسيرة خمسة أيام من مكة، فبينما هو في هذا المكان إذ قابله زيد بن الدَّغنه وكان رجلا مشركا وكان أبو بكر رجلا تاجرا معروفا بالصدق والأمانة، وكان مشهورا عن النبي r في مكة، حتى أن أبا بكر الصديق لما كان مهاجر ، فكان أبو بكر الصديق خلف النبي r رديف النبي r وكان الشيب في مفرق أبي بكر كثيرا،يعني شاب قبل النبي r، بل لما مات النبي r وجدوا عند عنقفته بعض شعيرات بيضاء، لم يكن دب الشيب في رأسه عليه الصلاة والسلام، بخلاف أبي بكر، فكان الناس يعرفون أبي بكر ولا يعرفون النبي r في المسافة التي هي ما بين الغار إلى المدينة، فكانوا يقولون من معك يا أبا بكر؟ طبعا المسألة سر، وهم قد خرجوا سرا حتى لا يظفر المشركون بهم فيريد ألا يكذب وفي نفس الوقت يريد أن يعرض بهذا الأمر فكان يقول هادي يهديني، الناس يظنوا هادي يهديني يعني في الصحراء دليل يعني في الصحراء، وهو يقصد هادي يهديه إلى الخير، من هذا يا أبا بكر الذي خلفك؟ فكان يقول هادي يهديني، فأبو بكر الصديق قابله ابن الدغنه في ؟؟؟ فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أسيح في الأرض واعبد ربي، إن قومك وفي رواية أن قومي أخرجوني، أنت تلاحظ أن في مطلع الرواية يقول: أهاجر إلى الحبشة، ولما سأله ابن الدغنه قال أسيح في الأرض، لماذا؟ لأنه لم يعين لابن الدغنه مقصوده لأنه كافر وممكن إذا عرف أن اتجاهه للحبشة يبعت وراءه ناس يؤذونه، فأراد أن يعمي عليه جهة سيره فقال: أريد أن أسيح في الأرض، كلمة أسيح في الأرض يعني لم يعين موضعه فإن أراد أن يؤذيه فيصعب عليه أن يتعقبه هو أو أحد من قومه.
    فقال له يا أبا بكر مثلك لا يخرج ولا يخرج، يعني مثلك لا يخرج من تلقاء نفسه لأنه خسارة للأرض التي أنت فيها أن يخرج الصالحون خسارة كبيرة جدا أن يخرج الصالحون من الأرض التي ينتظر منه البذل الحصاد الخير ولذلك أفتى بعض المالكية أن الذي فيه منفعة لقوم ألا يتركوه يخرج واستدل بهذه الرواية.
    الصفات اشترك فيها النبي r مع أبي بكر رضى الله عنه : مثلك لا يخرج ولا يُخرج، أي لا يخرجك قومك وأنت فيك من الشمائل ما تقنع كل إنسان أو كل قوم أن يضموك إليهم ثم وصفه ببعض الأوصاف، والخير ما شهدت به الأعداء، هذا رجل كافر ويشهد لأبي بكر يقول له: ( إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل، وتنصر الضعيف، وتعين على نوائب الحق،) ومن سر هذه الصفات وارتفاعها أن خديجة رضي الله عنها وصفت بها النبي r لما رجع من الغار وهو يقول «زملوني زملوني»، وظن أن شيئا مسه، قالت: (والله لا يخزيك الله أبدا إنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتنصر الضعيف، وتنيب على نوائب الحق).فهذه الصفات اشترك فيه النبي r مع أبي بكر على رأي ابن الدغنه وكان رأيا حقا.
    المعدوم أي القاعد عن الكسب، وفي بعض الروايات المعدم.المعدم: هو الذي لا يوجد عنده شيء ينفقه أو يستعين به، فيكسبه: أي يعطيه من حر ماله الحلال ما يعين به هذا الرجل والنبي r يقول: «تصدق وأنت صحيح شحيح ترجوا الغنى وتخشى الفقر ولا تبقى حتى تكون هذه هنا- يعني الروح يعني- ثم تقول هذا لفلان وهذا لفلان وقد كان لفلان» أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، صحيح: يعني بكامل قوتك، شحيح: يعني تأمل في المستقبل إنك تبني مصانع وتبني عمارات وتشتري أراضي وتعمل شركات، وتعمل كذا وكذا، وأنت شحيح، لماذا؟ لأن كلما طال أملك كلما اشتد شحك، وإنما الشح يأتي من طول الأمد، إنك أنت ستعمر كثيرا وسترى مجهودك وستكون أغنى الناس كل هذا يقنعك أنك تضع قرش على قرش حتى تستطيع أن تكون أغنى الناس، لو أنك تصدقت وأنت في هذه الحالة فذلك أفضل الصدقة: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
    فإنك تكسب المعدوم، كان أبو بكر الصديق يبحث عن الذين قعدت بهم القوة فيعطيه المال، ماله وهذه الصفة أدخلت رجلا الجنة ؟؟؟ كما رواه الترمذي بسند صحيح «أن رجلا فيمن كان قبلنا وكان غنيا وكان يقرض الناس ، ثم يرسل غلمانه أول الشهر يجمع الأقساط لأن الناس يقول أقرضني ألف جنيه فأعطيك مثلا في الشهر مائة أو خمسين أو عشرة إلى أخره، فكان يرسل غلمانه يجمعوا الأقساط وكان يوصيهم إذا رأيتم فقيرا فتجاوزا عنه، وإذا رأيتم معسرا فأرجئوه يعني لا تدفع هذا الشهر .
    انتهى الدرس الثاني أختكم أم محمد الظن

    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم


    سلسلة السيرة الصحيحة


    الدرس[3]

    إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( النساء:1).
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(الأحزاب: 70،71 )
    أَمَّا بَعْــــدُ .........
    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ.
    هذا هو الدرس الثالث من دروس صحيح السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فكنا قد وقفنا في الدرس الماضي عند خروجه -صلى الله عليه وآله وسلم- من الغار بهداية عبد الله بن أُريقط الليثي، وكان مشركا على دين قومه فأتمناه ودفعا إليه راحلتيهما، فواعداه أن يأتيا إليهما بعد ثلاث ليالي في غار ثور، فلما جاء الموعد أخذهما بطريق الساحل وانطلق بهما إلى المدينة، وقبل أن نجاوز الأحداث الماضية ننظر إلى بعض الدروس المستفادة من خروجه عليه الصلاة والسلام من مكة ثم مكثه في الغار ثم انطلاقه إلى المدينة.
    من الفوائد المستقاة:جواز الاستعانة بالمشركين، وهذا الجواز واضحٌ من صحبة عبد الله بن أريقط للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأبي بكر يهديهما في طرق الصحراء، وكان على دين قومه، يعني كان مشركا، ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإجارة في صحيحه باب استئجار المشركين عند فقد المسلمين عند الضرورة، يعني يفهم من هذا أنه لا يستعان بالمشرك ابتداء إلا أن عجزت عن أن تجد المسلم الكفء، ولذلك الإمام البخاري يقول عند الضرورة، فما هي الحاجة التي ألجأته أن يقول عند الضرورة مع أنه لا يُفهم ذلك من واقعة عبد الله بن أريقط، الإمام البخاري شأنه كشأن كثير من أهل العلم والفضل بل جميعهم يوفق بين بعض الأحاديث المتعارضة لأن الإمام مسلم رحمه الله روى في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما أراد أن يخرج إلى بدر جاءه رجلٌ من المشركين فقال استعن بي فقال له عليه الصلاة والسلام «تؤمن أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: لا، قال: فارجع فإنا لا نستعين بمشرك» فهذا الحديث متأخر عن واقعة عبد الله بن أُريقط لأن هذا الرجل الذي قال استعن بي كان قبيل واقعة بدر وواقعة بدر كما هو معروف حدثت في السنة الثانية من الهجرة أي بعد هجرته عليه الصلاة والسلام بسنة وسبعة عشر شهرا وواقعة عبد الله بن أُريقط حدثت وهو مهاجر، فجاءه الرجل مرة ثانية فقال: «استعن بي، قال تؤمن بالله أن لا إله إلا الله وتؤمن بي، قال: لا، قال: فارجع فإنا لا نستعين بمشرك» فجاءه الثالثة فقال «استعن بي، قال تؤمن أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: نعم، قال: إذن فانطلق» فيفهم من هذا الحديث أنه لا يجوز الاستعانة بالمشركين.
    فكيف نوفق ما بين هذا الحديث الذي ينفي الاستعانة بالمشركين وما بين استعانة النبي r بعبد الله بن أريقط الليثي؟
    هذا هو الذي ورد في تبويب الإمام البخاري عند الضرورة، كلمة عند الضرورة يعني أن الضرورات تبيح المحظورات، يعني إن كان الأصل ألا تستعين بمشرك، وأن هذا نهي تحريم فإنك عند الضرورة يمكنك أن تستعين بالمشرك المؤتمن، المؤتمن وهذا شرط، لأنه لا ينبغي لعاقل أن يستعين بعدوٍله لاسيما في بعض أسفاره، وهذا هو سبيل التوفيق بين الأحاديث المتعارضة، وهنا نقطة خطيرة جدا ركبها بعض الناس فرد كثيرا من الأحاديث الصحيحة بدعوة أنها متعارضة
    إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو المبين لكتاب الله U، فلا يجوز أن يستعان فقط بمعرفتك بلسان العرب في فهم كتاب الله U، وأن تُعرض عن بيانه r، قال الله U: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فهذا يدل على أن بعض ما أنزل الله U تعمى أبصار الناس أحيانا عن فهمه فمهمة النبي عليه الصلاة والسلام هي البيان، فالذي ينحي هذا البيان جانبا، ويعتمد على عربيته أو يعتمد على فهمه هذا ضال.
    وأظنكم لا تتوقفون أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أعلم الناس بلسان العرب أيام لم تدخل ألسنتهم عُجمة كانوا كما يقول القائل: عرب أقحاح لم تدخل ألسنتهم فضلا عن قلوبهم عجمة، فكان إذا نزل الوحي فهموه لكنهم ضلوا أحيانا في بعض الفهم بسبب الاعتماد على مطلق اللسان العربي، فهناك أحاديث كثيرة تُبين ذلك منها مثلا على سبيل المثال ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن الله تبارك وتعالى، لما أنزل قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، فشقت هذه الآية على نفوسهم فقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم، ففهموا من قوله تعالى ﴿بِظُلْمٍ﴾ جاءت هكذا على التنكير بغير تعريف بالألف واللام، والشمول يعني أي ظلم مهما كان صغيرا أو بسيطا يقدح في هذا الإيمان، فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم،؟ فقال النبي r: «ليس كما تفهمون» هنا جاء البيان أخطئوا مراد الله U من الآية واعتمادهم على مجرد الكلام العربي وهؤلاء عرب، قال: «ليس كما تفهمون ألم تقرءوا قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] هذا هو الظلم».فلولا بيان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الظلم الموجود في هذه الآية هو الشرك الأكبر لقلنا كما قال الصحابة أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟.
    هل القرء حيضٌ أو طهرٌ؟: قول الله U ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. اختلف أصحاب النبي r في معنى القرء، هل هو حيضٌ أو طهرٌ؟ المطلقة تتربص بنفسها ثلاث حيضات أم ثلاثة أطهار؟ اختلفوا في هذا1- فذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أن القرء حيض وعليه الأحناف، 2-وذهبت عائشة رضي الله عنها وغيرها إلى أن القرء طهر، اختلف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذا فتأتي السنة النبوية فتقضي النزاع وهذا هو.
    معنى قول العلماء إن السنة قاضية على الكتاب،: أي أنه إذا جاء القرآن الكريم بمعنيين، معنى هكذا ومعنى هكذا ورجحت السنة النبوية معنى من هذين المعنيين أي أنها قضت لأحد المعنيين على الآخر، هذا معنى أن السنة تقضي على الكتاب، وإن استشنع بعض المعاصرين هذه العبارة بجهله بها يقول: كيف تقضي السنة على الكتاب؟ وهو جاهلٌ بهذا المعنى بلا شك لأن معنى إن السنة تقضي على الكتاب كما في هذا المثال، القرء حيضٌ أو طهرٌ، ما نستطيع أن نميز أو نرجح قولا إلا بمرجح قوي لأن علي بن أبي طالب هو علي وفهمه هو فهمه، والسيدة عائشة من أدري الناس بمسألة القرء فتقول طهر، وعلي يقول حيض، فأي القولين أفوض؟
    ننظر في سنة النبي r فنجد البيان لما جاءته كما في الصحيحين فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها وقالت يا رسول الله أني امرأة استحاض فلا أطهر يأتيها الحيض مثلا سبعة أيام، وبعد السبعة أيام تظل سبعة أيام أو عشرة أيام ينزل عليها دم أيضا، لذلك هي تقول للنبي عليه الصلاة والسلام أني امرأة استحاض فلا أطهر، لا تطهر دائما لنزول الدم المستمر منها أفأدع الصلاة، فقال: «ليست هذه بالحيضة دعي الصلاة وقت أقرائك» يبقى القرء حيض، لأنه يقول لها دعي الصلاة أي اتركي الصلاة وقت أقرائك، عندما يأتيك القرء اتركي الصلاة فإنما تترك المرأة الصلاة في الحيض فدل على أن القرء حيض، وليس طهر فتأتي السنة النبوية فتحل لنا مثل هذا الإشكال فهذا هو بيانه -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا جاء رجل فرأى حديثين متعارضين من أحاديثه عليه الصلاة والسلام فإياه أن يرد أحدهما أو يردهما كما يفعل بعض المعاصرين، وقد نشر كتابا سماه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث نشر بين الناس شرا مستطيرا برده لكل حديث يخالف آية أو حديثا آخر بزعمه ولو أن كل إنسان رد ما لا يفهمه من السنة أو الكتاب لما وجدت سنة ولا كتابا لو كل رجل رد عشرة أحاديث فقط أو رد أربعة أحاديث أو حديثا واحدا بدعوى أنه لا يفهمه فقد رد الكتاب والسنة جميعا؛ لأن التعارض الظاهري موجود في كثير من الأدلة وحاشا لكتاب الله أن يعارض بعضه بعض أو سنة النبي r حاشاه أن يعارض الكتاب أو أن يضرب قوله قوله الآخر إنما أهل العلم عندهم باب عظيم اسمه باب تأويل مختلف الحديث.
    إذا جاء حديثان متعارضان في الظاهر أو حديث وآية متعارضان فإن أهل العلم يجمعون بينهما بمائة وجه من الجمع إن أفلت من الوجه الأول فالثاني فالثالث فالرابع فالخامس ويستحيل أن يخفق العالم في التوفيق بين حديث صحيح وآية أو بين حديث صحيح وحديث صحيح يأتي هذا الرجل فيقول لا يُقتل مسلم بكافر، لماذا؟ لأن الله U يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45].
    فلم يفرق لنا في القرآن الكريم ما بين نفس المؤمن ونفس الكافر، فالنفس بالنفس من قتل يقتل سواء كان مسلما أو غير مسلم، ويرد قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما: «لا يقتل مسلم بكافر» ثم يعلل ما ذهب إليه بقوله وهذا أقرب إلى مواثيق حقوق الإنسان فانظر لا يطيق حقوق الإنسان التي وضعها هؤلاء الكفرة إنما هي مواثيق حقوق الإنسان الغربي الفاسد، وليس المسلم لأنه لا يتصور في مواثيق حقوق الإنسان أن يقتل المسلمون في القدس، ولا يتحرك أحد لا يتصور في مواثيق حقوق الإنسان أن يخرج رجل كسلمان رشدي فيعتدي على النبي r وأزاوجه، ولما تقوم ثورات الدول الإسلامية وتذهب الدول الكبرى فتسحب سفرائها، تسحبون السفراء لماذا؟
    قامت حرب الخليج وإيران معروف ماذا فعلت في الرهائن الأمريكيين، وما سحبت أمريكا ولا إنجلترا ولا فرنسا سفرائها إنما يسحبون سفرائهم عند احتجاج الدول المسلمة على سلمان رشدي لأنه يعتدي على النبي r وأصحابه، أين مواثيق حقوق الإنسان؟ إنما هي مواثيق حقوق الإنسان الغربي الكافر فقط، أما المسلم لا ليس على الخارطة دماء المسلمون تراق كل يوم، ومع ذلك لا يتحركون أين مواثيق حقوق الإنسان فعار على هذا الإنسان أن يعول أن هذا أقرب إلى مواثيق حقوق الإنسان ويرد حديث النبي r مع أنه من المفترض أن يقول لا تنافي وهو بالفعل لا تنافي بين الآية والحديث من وجهين.
    الوجه الأول: أن الله تبارك وتعالى إنما قص ذلك في التوراة فقال U: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فهل كل ما توراة يلزمك أنت أيها المسلم؟ الجواب لا، تشريعنا يختلف عن تشريع من قبلنا في كثير من الأمور والذي عليه أهل الإسلام أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، إن ورد في شرعنا ما يخالفه، أو بمعنى أدق شرع من قبلنا شرع لنا بشرط ألا يرد في شرعنا ما يرده فالعبرة بشرعنا لا بشرع غيرنا وإلا فالتماثيل في شرعنا حرام لا يجوز للمسلم أن يقتني تمثالا لا على هيئة أسد ولا حمامة ولا أي شيء من هذا لا يجوز، ولا يجوز للمسلم أن يمسك تمثالا برغم أنه كان عند سليمان جائزًا: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: 13].
    فالتماثيل في شرع سليمان u كانت مباحة لكان في شرعنا حرام فلا يقال أن التماثيل مباحة لأنها أحلت لنبي من الأنبياء، إذا تعارض شرع من قبلنا مع شرعنا يقدم شرعنا بلا شك، وهذا في التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام قال في شرعنا «لا يقتل مسلمٌ بكافر» فالعبرة بشرعنا، أفينصب الخلاف بين حديث صحيح وآية لمجرد هذا الفهم، ثم إن هذا الإنسان يتطرق في الكون أو في الآيات كما لو لم يكن في الكون إلا عقله هو، وهذا ليس إنصافا لأن العلماء مالك والشافعي وأحمد ذهبوا إلى هذا الحديث وقالوا لا يُقتل مسلما بكافر، وذهب أبو حنيفة وحده رحمه الله إلى إن لا يقتل مسلم بكافر احتجاجا بهذه الآية، ليس هناك تعارض فيقال النفس بالنفس فلا يقتل مسلما بكافر، كما لو قرأنا قوله U: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3].
    الميتة، هل خص الله ميتة دون ميتة؟ لا، حرم الميتة كلها في هذه الآية، وهل خص دما دون دم؟ لا، الدم كله حرم .
    فما رأيكم في ميتة السمك، أيجوز أكل السمك؟ يجوزه الجميع نعم، فأين هي في الآية؟ ما رأيكم في الكبد أهو دمٌ أم لا؟ نعم هو دم، أين هو في الآية؟ وقد حرم الله جميع الميتة وحرم جميع الدماء لو اعتمدنا على القرآن الكريم وحده لحرمنا السمك والجراد والكبد والطحال، لكان يأتي بيان النبي r وهو أعلم الناس بكلام ربه تبارك وتعالى فيقول: «أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد، والكبد والطحال» فكيف نفهم هذه الآية؟ نفهمها كالآتي:
    حرمت عليكم الميتة إلا السمك والجراد، والدم إلا الكبد والطحال، إلى آخر الآية.
    فهذا هو هو في قوله «لا يقتل مسلمٌ بكافر» مع آية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ولما ساق الله تبارك وتعالى المحرمات في سورة النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...﴾ [النساء: 23] إلى آخر الآية، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]. فهل يجوز لك أن تتزوج المرأة وعمتها في نفس الوقت، أو أن تتزوج المرأة وخالتها في نفس الوقت؟ على مقتضى الآية نعم لأن الله تبارك وتعالى لم يذكر هذا الجنس من التحريم في الآية بل قال ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كل شيء وراء هذا محل فهو بالآية حلال، أهناك مسلم على وجه الأرض يفتي بأن يجمع الرجل بين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها؟ الجواب لا، ما الذي جعلكم لا تأخذون بالآية وحدها، حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها».
    فيأتي بيان النبي r فيخصص أي فيضيف هذا النوع من التحريم على الآية، أين التعارض؟ لا تعارض في الحقيقة كما أن قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا عدوى ولا طيرة» فهذا ينفي أن يكون هناك عدوى مع أن الواقع المشاهد أن فيه عدوى، وقوله عليه الصلاة والسلام «فر من المجذوم فرارك من الأسد» لماذا تفر من المجذوم؟ خوف العدوى فهذان حديثان، حديث ينفي العدوى، وحديث يثبت العدوى، أهناك تعارض بينهما؟ الجواب لا، عند التأمل لأن العدوى ثابتة، وقال r: «لا يردن ممرض على مصح» الإنسان لما يكون عنده مرض جرب مثلا أو عدوى لا يردن على آخر صحيح، المقصود بالحديث الأول «لا عدوى ولا طيرة» أي ليست هناك عدوى تنتقل بذاتها، إنما ينقلها الله تبارك وتعالى بإذنه، يعني إن السبب قد يتخلف عن مسببه إن شاء الله غير ذلك، يعني لا يتصورن أحد أن المرض المعدي لا بد أن يعدي في كل مرة هذا لا يقول به أحد، وإنما قد يعدي في الغالب، وهذا واضح من مثل الحديث الذي رواه مسلم أن رجلا جاء إلى النبي r فقال: يا رسول الله إن عندي إبلا أجد فيه الأجرب فيعدي الكل، يعني الرجل الأعرابي تصور أن العدوى تنتقل بذاتها فيقول أني أضع الجمل الأجرب في وسط الجمال الصحيحة فأجد أن الكل صار أجربًا، فقال له عليه الصلاة والسلام: «فمن أعدى الأول» –أول جمل أصابه الجرب من أين أتته العدوى؟ من الله تبارك وتعالى، وهذا لا عدوى، أي لا عدوى تنتقل بذاتها، والمرض المعدي، قد يتخلف أحيانا فلا يعدي، فلا تعارض، ومثلا قوله r: «من سره أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه»، يعني الذي يريد عمره يطول، فليصل رحمه، هذا معنى ينسأ له في أثره، فيأت قائل فيقول: كيف هذا والله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
    فكيف يطول عمره، لمجرد أنه وصل رحمه، فيظن أن هناك تعارضا بين الآية وبين الحديث، وعند التأمل لا تعارض بين الآية ولا بين الحديث، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينسأ له في أثره».
    ما هو الأثر؟ الأثر: ما يأثرك أي بعد موتك، هذا هو معنى الأثر، ومنه قول العلماء، علم الأثر أي علم الحديث، أي أن النبي r أثر عنه، وتركه خلفه، فمعنى «من سره أن ينسأ له في أثره».هذا كقول إبراهيم u: ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84].
    فهو يذكر بينما الآن كما لو كان حيا، كثير من الأحياء موتى لا يُذكرون، وكثير من الأموات أحياء يذكرون بيننا، فذكرنا لهم كأنه استمرار لحياتهم، هذا معنى ينسأ له في أثره، وقد يحتمل معنى آخر: أن الله تبارك وتعالى يبارك له في عمله بحيث لو عاش ألف سنة لحصل هذا العمل الذي اقترفه في ستين سنة، فكأنما عاش مائة سنة أو مائتي سنة؛ لأن هذا العمل الذي فعله في زمان عمره القصير لو فعله مثلا رجل آخر لاستغرق مثلا عشرات السنين بعد عمره، وهذا كقول الله تبارك وتعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].
    فلو أن رجلا مر عليه عشر ليال من القدر، وعبد الله U فيها حق العبادة، أتدرون كم يكون عبد الله؟ 830 سنة، وهو الذي يعيش ستين أو سبعين لقوله عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين أو السبعين وأقلهم من يتجاوز ذلك» فرجل سنه ستين سنة؟ أدرك عشر ليال من القدر، فعبد الله فيها فاستجاب الله له، كأنه عبد الله 830 سنة بالإضافة إلى عمره، فهذا هو معنى قوله، أي من معاني قوله عليه الصلاة والسلام: «ينسأ له في عمره» وهذا بهذا الفهم لا يتعارض إطلاقا مع الأجل المبرم المحتوم، الذي يأت العبد في نهاية عمره، فعند التدبر لا تجد خلافا ما بين آية وحديث.
    وهكذا نقول في مثل حديث الباب: إنا لا نستعين بمشرك، مع استعانته r بالمشرك فيقال إنا لا نستعين بمشرك مع وجود المسلم الكفء، أو نستعين بالمشرك عند الضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، بمثل هذا الفهم لا نجد إطلاقا تعارضا بين آية ولا بين حديث ولا بين حديثين صحيحين.
    إن منزلة السنة النبوية بالنسبة للقرآن الكريم هي منزلة المبين من المجمل ومعروف أن القول المجمل لا يفتن أكثر الناس إلى ما فيه، إنما يفتن الناس عند وجود البيان، فمن أضل ممن رد بيان النبي r بدعوى أنه لا يفهمه، أما قرأ قوله U: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].
    أُشكل علي معنى حديث أو معنى آية أكله إلى من هو أعلم مني، لاسيما وقد تكلم العلماء كثيرا في الأشياء التي أنكرها هذا المعترض، لا يجوز أن نجعل العقل حاكما على النصوص، إنما العقل حجة تبعية، إنما تتبع النصوص، لا حجة استقلالية أن ننزلها منزلة النص، أظنكم تعرفون قدر عقل عمر بن الخطاب t، وأنه كان ذروة في الفهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- له: «إن يكن منكم محدثون كعمر»، أي ملهمون من السماء، بل وفي الحديث الحسن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو كان بعدي نبيا لكان عمر» لكثرة موافقاته لكتاب الله U، يعرض الأمر فيفتي بالفتوى فينزل القرآن على مقتضى رأي عمر، وللحافظ السيوطي رسالة في موافقات عمر أظنه سماها «قطف الثمر في موافقات عمر»، فأتى بسبعة عشر موضعا القرآن أيد عمر بن الخطاب فيها، ومع هذا العقل الذكي الدراس، ومع هذا الرجل الملهم المحدث من السماء أو الذي إن كان هناك محدث فهو يطوف مرة بالحجر كما في صحيح البخاري فيقبله ثم يقول: والله لأني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلت، إذن عمر لم يفهم لتقبيل الحجر معنى عمر يجهل معنى تقبيل الحجر، الحجر لا ينفع ولا يضر لماذا تقبله يا عمر؟ لأن الرسول قبله فقط، وعجز أن يفهم لماذا يقبل الحجر، أظنه قال لا أقبل الحجر حتى أفهم لا، يكفي أن يفعل النبي r ذلك، وهو لا يفعل الباطل ولا يقره ولا يفعل إلا القربة إلى الله تبارك وتعالى، فحسبك بهذا متابعة للنبي r وإن لم تفهم للأثر معنى وإلا فلو صدرت عقلك في كل شيء ضللت فإن العقل قاصر، ولذلك العلماء يقولون في مثل هذا إن الأمة معصومة بخلاف الأفراد، يعني الأمة إن اجتمعت على شيء فهي معصومة في الجملة لأن كل هذه العقول يصعب أن تجتمع على باطل بخلاف الفرد قد يفتي بالخطأ وقد لا يظهر له وجه الحق، وقد خفي وجه الحق عن كثير من الصحابة في بعض المسائل فخفائه على من يأتي بعدهم أولى وأولى، فلا يجوز أن تصدر هذا العقل وتقول أنا لا أفهم لهذا الحديث معنى، أو تقول مستحيل أن يقول النبي هذا، ومن أدراك أنه لم يقله ولم تحكم بالإحالة وغيرك من العلماء الثقات أفتوا بهذا ومروا عليه جيلا بعد جيل، ما أنكره أحدهم.
    أيهما أولى بالضلال مجموعة الأمة كلها أم رجل أو رجلين أو ثلاثة، وقد نترفق في هذه الكلمة فنقول أيهما أولى بالخطأ، رجل فهم فهما أم جماعة تتابعوا على الفهم، لاشك أن الصواب أقرب من الجماعة وأبعد عن الواحد، وهذا معروف عند جماهير العلماء، فلا يجوز للمسلم بدعوى أنه لم يفهم الحديث أو لم يفهم الآية أن يرد الحديث أو الآية، فإن الله تبارك وتعالى قال لمثل أولئك: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].
    يخالف عن أمره فليحذر أن يخرج من الدنيا مفتونا أو يصيبه عذاب أليم في الآخرة لأنه رد كلام النبي r والنماذج كثيرة جدا واستقطاعها صعب، والعاقل من رزق الأناة، والسعيد من وعظ بغيره، وقد أفلح من انتهى إلى ما علم، ووقف عند ما فهم ووكل ما لا يفهم إلى عالمه.
    من الفوائد أيضا المستنبطة من حديث الهجرة: اتخاذ الأسباب، وأما التوكل الحقيقي ليس معناه أن تسمع الخبر، فإن النبي r اختفى في الغار ولو شاء لخرج ونصره الله، ولو شاء لنجا ولو شاء لمشى على الأرض وما ضره أحدا، لماذا يختفي من المشركين؟ السبب بعض الجهلة يتصور أن أخذك بالسبب هو خلع للتوكل، وما علموا حقيقة التوكل وهو اعتماد القلب على الله، يعني أنك لا تركن إلى السبب على اعتباره أنه هو الذي ينجيك هذا خروج من حقيقة التوكل، إنما يعتمد قلبك على الله تبارك وتعالى وأنه يندي وهذا سبب السفر.
    وقد رأينا في هذا العصر بعض الضُلال الذين قالوا من ذهب إلى الدكتور فهو كافر، لماذا؟ ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80]، فالذهاب إلى الدكتور كفر؛ لأنه يجب عليك أن تنخلع من الأسباب وقد رأيت بعض هؤلاء، وكنا نعم في مكان واحد، فكان هذا الرجل كل صباح وكان من الطائفة التي تدعى بالفرماوية، ففي سنة واحد وثمانين في الاعتقالات التي حدثت جمعتنا الظروف مع بعض أولئك اثنان من الفرماوية مع سبعة عشر رجلا من التكفير مع عشرين رجلا منا، أي من الذين لا يكفرون، فكان هذا الرجل الفرماوي كل صباح ،يلعب تمارين رياضية مع التكفير، فإذا جاءت الفسحة فيأتي بعضهم يزور بعض، فرجل مثلا في زنزانة أخرى يأت فيطمأن على هذا الفرماوي طبعا هو قد تصبب عرقا من اللعب، لماذا يلعب؟ هو كافر إذن لأنه يلعب ليقوي جسمه، ولا يجوز له أن يأخذ بالسبب فماذا يفعل؟ كان يتغطى ببطانية حتى يداري هذا العرق ويكلم الرجل من ثقب الباب على أساس مازال مستيقظا من النوم، ويقول لا تقولوا له إنه كان يلعب، وبعض أن يكلمه ينفض هذه البطانية ويلعب يستمر في اللعب، فاستدرجته مرة في الحديث فقلت له: ما عملك؟ قال: ترزي عربي، قلت له إذن لماذا تشتغل؟ قال ومن أين أنفق، قل له سبحان الله، لماذا لا تذهب إلى الدكتور، قال: لأن هذا عدم توكل، فقلت له: لماذا لا تقعد ويأتيك رزقك من السماء، فهؤلاء الناس يصادمون الفطرة ويصادمون البديهيات العقلية، لا يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، وكما يقول بعض العلماء من أصعب الصعوبات توضيح البديهيات، يعني أنت الآن لو قلت لي اثبت لي أن الشمس مشرقة ما أستطيع أن أتيك بدليل، لأن هذا شيء بدهي مطبوع في العقول، فإن جئت تقول لي، اثبت لي أنني حي، اثبت لي أنني أتنفس، اثبت أن الشمس مشرقة ما استطيع أن أتيك بدليل، وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، و بعضهم ظن أن من سأل الله U كسبب إنه مشرك، خرج بعضهم من المسجد في جولة، فبينما هم يمشون إذ قال بعضهم لبعض نريد أن نشتري جبن وخبز نأكل وهم غرباء عن البلد، فبينما هما يمشيان إذ أبصرا رجلا في الطريق، فقال أحدهما إلى الآخر ، فسأله عن بقاله فجذبه الآخر، جذبة حانق عليه وقال إذا سألت فسأل الله، ما هذا الفهم الأعوج: يا رب دلني على بقالة، هذا شيء عجيب، إذا سألت فسأل الله، يعني هذا الرجل لو سأل لرجل آخر عن بقالة أو عن طريق أو أي شيء، هذا الرجل خرج من رفقة التوكل، هذا فهم وخرجت هناك جماعات كثيرة تدور على مثل هذا الفهم الضال، الذي يخالف بديهيات العقول فضلا عن النصوص الكثيرة.
    إن إعمال السبب ليس خروجا من التوكل: كما أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعملون، ومريم عليها السلام لما قال الله لها: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، وهي حامل،.
    ألم تر أن الله قال لمريم
    وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
    فلو شاء أن تجنيه من غير هزه
    جنته ولكن لكل شيء سبب
    لو شاء الله لأنزل عليها الرطب وهي حامل وهي بعدما وضعت فيقول لها وهزي إليكِ إعمالا للسبب مع أن هز جذع النخلة لا يسقط الثمرة، وهذا شيء واضح معقول ومع ذلك سبب، هز فقط كما قال الله U لنبيه r ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، أي لا تتصورن أنك بمجرد رميتك أصبت، بل أنت رميت والله هو الذي أصاب، ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ أي وما أصبت الرمية لما رميت ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾.
    فليس التوكل أن تنخلع من الأسباب: بل التوكل أن تركن وأن يطمئن قلبك أن هذا السبب ليس هو الذي ينشئ المسبب، إنما الله تبارك وتعالى هو الذي يجعل الشيء بهذا السبب، وهو تبارك وتعالى الذي يبطل مفعول السبب أحيانا، كقوله U: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، مع أنه قد ورد في بعض الآثار أن النار ما أحرقت إلا القيود التي كان يقيد بها إبراهيم u، نزع منها السبب، فاختفاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الغار، إعمالا للسبب حتى يتصورن أحد أن الارتكان إلى السبب خروج من التوكل كما تصور أولئك، وبعض المغفلين يتصورون أنك إن خرجت من ظالمك خائفا، أن هذا ليس اعتمادا على الله، وسبحان الله، ألم يقرؤوا قوله U عن موسى: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 21]، موسى خرج منها خائفا يترقب وإبراهيم u ﴿ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ ﴾ [هود: 70].
    ولوط u لما جاءه قومه يهرعون إليه: ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]، فعلق النبي r على قول لوط وقال: «يرحم الله أخي لوطا فقد كان يأوي إلى ركن شديد» وهو الله، كيف يقال إن هذا الخائف لا يعتمد على الله هذه أشياء فطرية مركوزة في الفطر، لا ينسبن أحد ما ركز في الفطر مع هذه الثوابت أن يقول: الخوف خروج من الاعتماد على الله، ولقد قال لي أحدهم وهم جماعة التكفير إن أحد نواقض لا إله إلا الله الخوف وهذا شيء عجيب، لم يقل به أحد إطلاقا، لأن هذا الخوف كما قلنا مركوز في الفطر، والله تبارك وتعالى كما سقت لكم من الآيات وهناك أحاديث كثيرة، أن بعض الصحابة خرج خائفا كمثل سفينة لما كسرت به السفينة في البحر، ورأي الأسد فارتعب منه، وقال له السلام عليك يا أبا الحارث إني صاحب رسول الله r قال: فرأيته يمسح جسده في، وسبحان الذي أفهم الأعجمي الكلام العربي، ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56]، قال: فأخذني فدلني على الطريق وضربني بذيله فرأيت كأنه يودعني، أشياء كثيرة إن تكلمنا فيها ضاق المقام جدا وإنما يكفي العاقل قطرة ليستدل بها على البحر.
    فنسأل الله U أن يبصرنا بعيوبنا وأن يتقبل منا صالح أعمالنا وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شهر اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وذكها أنت خير من ذكاها أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.
    انتهى الدرس الثالث أختكم أم محمد الظن

    ######
    لتحميل الدرس ملف ورد
    التعديل الأخير تم بواسطة هـمـ مسلمةـة ; 12-24-2011 الساعة 09:02 PM
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سلسلة السيرة الصحيحة
    الدرس[4]
    إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( النساء:1).
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(الأحزاب: 70،71 )
    أَمَّا بَعْــــدُ .........
    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ.
    هذا هو الدرس الرابع من الدروس المستفادة من صحيح السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، وكنا وصلنا عند خروج النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبو بكر t من الغار برفقة عبد الله بن أُريقط وكان دليلهما، فأخذ بهما طريق الساحل وهو طريق غير معروف إلا للهداة في الصحراء، طريق الساحل هذا طريق بعيد ولعله هو الذي سلكه أبو سفيان لما فر بعِير قريش، وخرج النبي r يريدون عير قريش حتى التقى الجمعان على ماء بدر، فطريق الساحل هذا طريقٌ بعيد لا يكاد يهتدي إليه إلا من كان خريتًا ماهرًا بطرق الصحراء.
    إرسال قريش الوفود للبحث عن النبي وصاحبه:ساء قريش أن يخرج النبي r سالمًا فبعثت الوفود في كل مكان يقتصون أثره، قال سراقة بن مالك فيما رواه البخاري في صحيحه: «جاءتنا رسل كفار قريش يجعلون في النبي r وصاحبه الدية» يعني كل واحد مائة من الإبل لمن يعثر عليهما، قال سراقة فبينما أنا جالس في قومي إذ جاءني رجل فقال يا سراقة إني رأيت أسربة أخذت طريق الساحل وما أظنها إلا محمد وأصحابه، قال سراقة فعرفت أنهم هم ولكن قلت له لا إنهم ليسوا بهم إنهم جماعة منا خرجوا بأعيننا،.
    خروج سُراقة للبحث عن الرسولr وأبي بكر رضي الله عنه: قال سراقة فلبثت ساعة ثم أمرت جاريتي أن تخرج الفرس من وراء الأكَمَه من ظهر البيت، وأخذت سهمي فخطفت بجده في الأرض وخطبت عاليه، وركب الفرس من ظهر البيت وانطلق، يريد طريق الساحل، يريد مائتي ناقة، قال وجعل فرسي يقترب منهم، وأبو بكر يكثر من الالتفات والنبي r لا يلتفت حتى قال أبو بكر يا رسول الله إنه سراقة بن مالك بن جُشعُم، قال سراقة فدعا علي النبي r فساخت يدا فرسي في الأرض ووقعت من عليها فاستقسمت بالأزلام أضرهم لا أضرهم فخرج الذي أكره أي لا تضرهم، قال فعصيت الأزلام وركبت الفرس، فدعا علي r فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ووقعت من على الفرس فعلمت أنه حُبس دوني، وأنه لا سلطان لي عليه.
    طلب سراقة الأمان من الرسولr: فناديتهم بالأمان فقلت يا رسول الله الأمان ولك علي أن أرد عنك هذا الوجه وأن أُعمي عنكم فتركه، قال له سراقة فاكتب إلي كتاب أمان يكون بيني وبينك، فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق t أن يكتب له كتاب أمان في رقعة من جلد أو من عظم فأخذ سراقة هذا الكتاب وانطلق، فكل رجل يقابله ممن يبحث عن محمد r وأصحابه يقول لهم قد كفيتكم هذا الوجه إنه لا يوجد أحد في هذا الطريق فابحثوا في طريقا آخر.
    مرور النبيr بخيمة أم معبد: وبينما r يمشي في طريقه من مكة إلى المدينة مر بخيمة أم معبد فسأل عن لبن، فقالت له إن أبا معبد أخذ السياس والغنم ولا يوجد إلا شاة عرجاء بالبيت وما فيها من لبن، فأرسلت إليهم شفرة أي سكينًا وقالت أذبحوها وكلوها، فرد r الشفرة وقال «علي بالشاة» فدعا الله فبرئت ورجعت ومسح ضرعها فضر لبنا فشرب وشرب أصحابه وشربت أم معبد، ثم انطلقا إلى المدينة.
    العبر في قصة سُراقة:قصة سراقة فيها كثير من العبر وإنا نقف على هذه العبر وقفة تأمل؛ لأن فيها شيئا كثيرا يمس هذا الواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون الآن.إن كفار قريش لا يريدون لهذه الدولة الإسلامية أن تنشأ في المدينة المنورة وقد جهدوا في البحث عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأخذوا في سبيل ذلك كل مأخذ، حتى أنهم جعلوا الدية لكل واحد منهما مائة ناقة، والحقيقة أن هذا شيء يغري الكثيرين لاسيما إذا استحضرتم أن الإبل كانت عند العرب عزيزة، وكان يعتزون بها، وكانت الإبل أعظم مالهم، حتى أن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يصور لهؤلاء العرب فداحة يوم القيامة قال لهم: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4].
    العشار: أي الإبل التي كانت تحمل عشرة أشهر، ومن أول ما كانت الناقة تحمل كانت تحمل، كانت العرب تسميها عشارا حتى تلد، وإن كانت في الشهر الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع لا يشترط أن تكون في الشهر العاشر حتى يقال فيها عشار ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
    يقول لهم تبارك وتعالى: إن يوم القيامة يوم شديد الهول والمطلع بحيث أنكم تخرجون يوم القيامة فترون إبلكم وشياهكم وأموالكم وأولادكم فيغنيكم ما أنتم فيه من المصاب عن النظر إلى هذه الإبل، فكأنهم عطلوها وتركوها وما عادوا ينتفعون بها، لماذا العشار؟ وليست هي أغلى من الولد؟
    لأن العرب كانوا يعنون بالإبل عناية شديدة، حتى اشتهر عن الجمل فيما بعد أنه كان يسمى بسفينة الصحراء لشدة احتماله، فلك أن تعلم أن مائتي ناقة ليست بالأمر السهل،وهذا يبين لكم أيضًا أن مائتي ناقة شيء عظيم، أن سراقة بن مالك كان هو أمير بني مدلج، رجل أمير غير محتاج، فما الذي يجعله يبحث عن محمد وأصحابه ليأخذ مائتي ناقة؟ الأثرة، أضف إلى ذلك مكانة النوق عند العرب، فكانت هذه مكافأة مغرية حتى تخرج قريش عن بكرة أبيها تبحث عن محمد وأصحابه، وكذلك إذا أعظمت قدر الجائزة كثر المتنافسون عليها:مائة ناقة في محمد وأصحابه، قال سراقة وقد شاع الخبر في قريش، جاءتنا رسل كفار قريش يجعلون في محمد r وأصحابه الدية، فبينما أنا جالس يعني في بني مدلج، وكان هو الأمير كما قلت لكم إذا جاء رجل فقال يا سراقة: وهذا يبين لك أنه الأمير، إذ لو لم يكن أميرًا لما قصد هذا الرجل سراقة بالذات يقول له أني أبصرت أسربة بالساحل.
    أسربة: يعني أشخاص، إذا رأيتهم من على البعد تخيلت سوادا يمشي، لذلك قال أسربة أي أشخاصًا يأخذون طريق الساحل، وما أظنهم إلا محمد وأصحابه، قال سراقة فعلمت أنهم هم لكن سراقة لأنه يطمع في مائتي من الإبل أراد أن يُضلل الرجل قال لا إنهم ليسوا بهم، هؤلاء جماعة خرجوا بأعيننا، يعني أنا الذي أرسلتهم حتى يبحثوا عن محمد وأصحابه، يريد أن يضلله حتى لا يظفر بالجائزة، وهذا يجلي من أخلاق الجاهلية الأثرة والأنانية: لك خلق من أخلاق الجاهلية وهو الأثرة والأنانية، عمى عليه وسلك سبيل الكذب حتى لا يأخذ الجائزة، وهذا الخلق من أخلاق الجاهلية موجود بين ظهراني المسلمين الآن الأثرة والأنانية.
    والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يوما جاء للعرب كانت هذه الخصلة موجودة عندهم ولكنه حكيم ونبي كريم عرف كيف يقتل هذه الخصلة التي تقتل المجتمع بأكمله؟ كيف يقتلها في نفوس أصحابه؟
    قال عليه الصلاة والسلام: «والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط لكم فتنافسوها فتهلكوا كما هلك الذين من قبلكم» لماذا يهلكون؟ أثرة، كل رجل يريد أن يحصل من الخير ما يحجبه عن أخيه، أثرة، كيف قتل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذه الأثرة في نفوس أصحابه؟ التربية وضرب المثل بنفسه r لا أن يقعد في برج عاجي ثم يأمر الناس بربط الأحزمة، لا أن يقعد في التكيف ويترك الناس لا يجدون المواصلات.
    لا يمكن أن يكون هناك خير إذا ضاعت الأسوة الحسنة إن الذين يتكلمون عن الجوع وربط الأحزمة يموتون من التخمة من كثرة ألوان الطعام، حتى أن أحدهم وهذا مسجل في المذكرات التي ينشرها الوزراء وهؤلاء تقلدوا مناصب رسمية ولا جُناح علينا أن نشيعها لنأخذ منها العبرة، الرجل كان يرسل فيأتي بالدقيق من سويسرا، لماذا لا تأكل الدقيق الذي يأكله الناس؟ لا هذا رجل شيك رشيق لا يريد له كرش، ويريد أن يظل مفتول العضلات فيأتي بدقيق خاص من خزينة الدولة من سويسرا خالي من أي سعر حراري، يعني ما فيه أي حرارة فيه تعطيك نوع من السمنة فتصنع منه المكرونات والحلويات والجاتوهات ويصنع منه كل شيء، ثم يأتي فيقول اربطوا الأحزمة يا جماعة، من أين للمسلمين أو لغير المسلمين من المواطنين أن يربطوا الأحزمة؟ وهذا يفعل ما يفعل، ثم يأذن الله U وينشر ويفضح وما خفي كان أعظم ولم ينقطع السيل مازال السيل كما هو.
    فمن أعظم أسباب نجاح دعوته عليه الصلاة والسلام هو ضرب المثل بنفسهr: إن النبي r، كان يضرب المثل بنفسه الشريفة، فعندما يجوع يخرج إلى خارج البيت فيسأل، «هل من لبن»؟ فبينما هو خارج إذ يجد أبا بكر وعمر في ساعة متأخرة من الليل، فقال يا رسول الله، فقال لهم: «ما أخرجكما فقالا: أخرجنا الجوع» أرجو أن تتصوروا أن هؤلاء كانوا في الجاهلية أصحاب عز ومنعة ومال، وجاع وما رده ذلك عن دينه، إن صهيب الرومي يوما أراد أن يخرج إلى المدينة بعدما قال النبي r: «إني أريكم دار هجرتكم أرض سبخة بين حرتين وهي المدينة».
    أول ما علم الصحابة أن المدينة هي دار الهجرة، خرجوا أفواج إلى المدينة يسبقون النبي r إلى هناك فكان من الذين أردوا الخروج إلى المدينة،.
    خروج صهيب الرومي من ماله من أجل الهجرة: فلما أراد صهيب الرومي أن يخرج، قال له كفار قريش والله لقد أتيتنا صعلوكًا لا مال لك، ثم تريد أن تخرج بالمال والله لا يكون هذا أبدا، فقال لهم صهيب ألا إن أعطيتكم مالي أتتركونني، قالوا: نعم، فأعطاهم المال وتركوه، فلما بلغ ذلك النبي r قابل صهيبا فقال له: «ربح البيع يا أبا يحيى خرجت من مالك إلى جنة عرضها السماوات والأرض».
    فهذا المال عارية مسترده ولا يظل إنسان فقير أبدا ولا غني أبدا، تركت المال لأجل الله فسيعطيكه إن شاء الله «ربح البيع يا أبا يحيى» فهؤلاء ما كانوا يعانون الجوع أيام كفرهم فلما أسلموا عانوا من الجوع، فماذا يقول لهم النبي r؟ أول ما فعل كشف عن بطنه فإذا به يربط الحجر أيضًا على بطنه من الجوع فقال: «والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما» هكذا ضرب المثل، لو رأوه يأكل ويشرب ولا ينظر إليهم لما رأوا فيه أسوة حسنة إنما رأوا أنه يجوع قبل أن يجوعوا بل إنه يجوع أكثر مما يجوعوا بل إنه يتألم أكثر مما يتألموا.
    قال لهم عليه الصلاة والسلام يوما كما في صحيح البخاري «أني أوعك أي أشعر بألم المرض- كما يوعك الرجلان منكم» هكذا قسمه، الذي قسمه ربه له، فمن أعظم أسباب نجاح دعوته عليه الصلاة والسلام هو ضرب المثل بنفسه الشريفة، فهذه الأثرة لون من ألوان الخصال المنتشرة في الجاهلية، وقد امتد إلى المسلمين الآن، انظر في هذا الحديث القادم الذي رواه الشيخان كيف أن النبي r عالج هذه الأثرة عندما بدأت تبرز إلى حيز الوجود عند بعض الأنصار بعدما غزا النبي r غزوة حنين وكانت بعد فتح مكة ترك الفيء قليلا أي أخره قليلا فلم يرجعه، لماذا؟ لأن كثيرًا من الذين أسلموا يوم فتح مكة أسلموا كُرهًا، أمام الانتصار الطاغي للنبي r على كفار قريش فكان إسلامهم مهزوزًا يعني يمكن لهم أن يرجعوا في الكفر سريعًا فأراد عليه الصلاة والسلام أن يؤخر الغنائم التي أخذها منهم لأنه يوم غلبهم أخذ منهم غنائمهم، فلما أسلموا يوم حنين نظر المشركين فوجدوا أموالهم التي غنمهما النبي r وأصحابه فتريث عليه الصلاة والسلام قليلا فلم يوزع الغنائم مباشرة كما كان يفعل في الغزوات السابقة، حتى جاء له رجلٌ أعرابي كما في صحيح البخاري: «فقال يا رسول الله أنجز لي ما وعدتني -يعني أعطيني من الغنائم أنت أخرت الغنائم أكثر من اللازم حتى تصور ضعاف الإيمان أنه لم يوزع الغنائم ولن يأخذوا شيئا- فقال يا محمد أنجز لي ما وعدتني، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أبشر» فضج الأعرابي وقال له: لقد أكثرت علي من قول فأبشر، رد البشرى جاهل لما يقول له عليه الصلاة والسلام أبشر يعني أبشر، يعني هناك خير لكنه جاء يوم جاء يريد الغنائم وما قدر قوله عليه الصلاة والسلام له أبشر فقال له: لقد أكثرت علي من قول أبشر، فأقبل إلى أبي موسى الأشعري وآخر غاضبًا فقال لهما: «أبشرا أنتما فأخذ البشرى فدعا بإناء فأخذ منه ماء ومجه فيه ثم مجه في وجههما وقال اشربا» وكانت أم سلمه تسمع هذا الحوار في حجرته فقالت: يا أبا موسى أبقيا لأمكما شيئا، أي من الماء الذي مج فيه عليه الصلاة والسلام ريقه الشريف، هذا رجل أعرابي في غزوة حنين يريد الغنائم ورفض البشرى، فضعاف الإيمان النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي أن كثيرًا من هؤلاء إنما جاءوا ليأخذوا الغنائم وهم المؤلفة قلوبهم الذين وصفهم النبي r كما في الصحيح من حديث أنس قال: «أني لأدع أناسا أحب إلي وأتألف أناسا حديث عهد بكفر» يعني خشية أن يرجع إلى الكفر نحن نعطيه من المال حتى يبقى في الإسلام، فلما أخر النبي r الغنائم ثم أعطاها كلها للذين أسلموا من قريش، وهم المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئًا، قالت الأنصار بعضهم لبعض، والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا مازالت تقطر بدمائهم، ومع ذلك يمنعنا حقنا في الفيء، انظر الأثرة بدأت تظهر من جديد على الأنصار الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْل هذا شيء كان عندهم، فقتله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بحسن دعوته وحسن تربيته،.
    ولكن الشهوات في بني آدم كالوحش النائم: هذا الوحش كما قلت قبل ذلك لا يموت أبدا إنما ينام يسكن بحقن التقوى والمراقبة والورع والخشية، فإن قلت هذه الدوافع بدأ ذلك الوحش الذي هو الشهوات يستيقظ في نفس الإنسان فيحمله على الأثرة فهؤلاء الأنصار كما ورد في بعض طرق الحديث بعض حدثاء الأثمان من الأنصار، يعني ليسوا من فقهاء الأنصار، وقد روى هذا صريحا في رواية البخاري قال النبي r: «يا معشر الأنصار ما شيء بلغني عنكم أنكم قلتم كذا وكذا» وكانوا لا يكذبون، قالوا: نعم يا رسول الله هذا قول حدثائنا أما فقهائنا فلا، اللي هم الجماعة الكبار الذين تشربوا بالإسلام إنما هذه المقالة صدرت على لسان بعض الأنصار، والله إنه لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم، ومع ذلك يمنعنا حقنا في الفيء فقال عليه الصلاة والسلام: «الصلاة جامعة فاجتمع الأنصار قال يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم أنكم قلتم كذا وكذا، والله لقد كنتم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، وهم يقولون الله ورسوله أمن، فقال لهم: لو شئتم لقلتم كذا وكذا» وفي بعض الروايات «لو شئتم لقلتم لقد كذبت فصدقناك وكنت طريدا فآويناك» فالنبي عليه الصلاة والسلام هذا من إنصافه أن يقول لهم لو شئتم أنتم أيضا لقلتم لي لقد كذبك الناس فصدقناك وكنت طريدا فآويناك، وكنت مستضعفا فنصرناك، لا يكن للنبي r عليهم المنة البالغة إذ لو لم يعش بين ظهرانيهم لما كان لهم ذكر وما نزلت الآيات الكثيرة في مدحهم كقول الله U ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ولَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
    انتهى الدرس الرابع أختكم أم محمد الظن



    ######
    لتحميل الدرس ملف ورد
    التعديل الأخير تم بواسطة هـمـ مسلمةـة ; 12-24-2011 الساعة 09:04 PM
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    إذن تعلم الإيمان واجب: أن تعلمت الإيمان خف عليك كل شيء، هذا هو الفرق أو هذا فرق من فروقٍ كثيرة بين جيل الصحابة وبين جيلنا الآن أو الأجيال المتعاقبة بعد الصحابة.مصعب بن عمير الذي كان لا يلبس إلا الحرير، وكان واسع الثراء يوم مات كما في صحيح البخاري كان عليه بردة قصيرة إن غطوا بها رأسه ظهر قدماه، وإن غطوا بها قدميه ظهر رأسه، قال خباب بن الأرت: مات مصعب بن عمير ولم يأكل من أجره شيئا، وقد عرضت علينا الدنيا فأخذنا منها وبكى.
    معنى مضى ولم يأكل من أجره شيئا :هذا يبين لك أن الذي يغزو في سبيل الله فيصيب من الغنائم أن هذا من أجره فلو مات ولم يأخذ من الغنائم فقد وقع أجره كله على الله، هذا معنى مات ولم يأكل من أجره، مات في الغزوة، في غزوة أحد مات مصعب، ولم يأكل من أجره شيئا أي مضى ولم يأخذ شيئا من الغنائم، وكان خير كثير وقد علم الناس القرآن وهيأهم لاستقبال هذه الدعوة الإسلامية الجديدة.
    دخل النبي r في طريقه إلى المدينة وكان الأنصار كل يوما يقفون على الصخور العاليات ينتظرون مجيء النبي r فما يردهم إلا حر الظهيرة، يوم واثنين وثلاثة ولم يجئ فانتظروه يوما حتى اشتد الحر فرجعوا إلى بيوتهم فخرج رجل من اليهود على أطن من أطانهم.
    والأطن: عبارة عن الحصن، الحصون التي كان اليهود يتترسون بها، وسنصفها فيما بعد عندما نذكر المواجهة بين اليهود والمسلمين في المدينة، فخرج هذا اليهودي على أطن من هذه الآطان، فإذا به يرى النبي r وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، مبيضين أي يلبسون الثياب البيض التي أعطاها الزبير النبي r وأصحابه وهما في الطريق إلى المدينة، وكان الزبير رجلا تاجرًا وقد أتى من الشام فبينما هو قادم من الشام إلى مكة إذ قابل النبي r في طريقه إلى المدينة فكساه وكسا أصحابه ثيابا بيضًا، فأول ما رآه اليهودي ما ملك نفسه حتى صرخ بأعلى صوته يا بني قيلفا هذا جدكم قد جاء، المراد بالجد:ليس المقصود بجدكم هو الجد الذي هو أب الأب، المقصود بالجد هنا هو الصاحب، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء الذي يكون بعد الرفع الركوع «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أي لا ينفع الصاحب صاحبه عندك، والجد أيضًا هو الثراء والغنى أي لا ينفع صاحب الغنى غناه عندك، فهذا جدكم أي هذا صاحبكم قد جاء.فخرج المسلمون بالسلاح خرجوا بالسلاح واستقبلوها وخرج النساء والولدان يقولن قد جاء النبي r.
    تنبيه هام: وهنا أنبه على وهم شائع لأن كثير من الناس يتصورون أن الولدان استقبلوا النبي بالدف وهم يقولون:
    طلع البدر علينا

    من ثنايات الوداع


    وجب الشكر علينا



    ما دعا لله داع


    زاد بعض الرواة
    أيها المبعوث فينا



    جئت بالأمر المطاع


    هذه القصة غير صحيحة ولا يعلم لها سندٌ صحيح لاسيما وفي ألفاظها اختلاف شديد، وفي بعضه خرجن بالدفوف وكل هذا لا يصح نسبته ولم يحدث قط، إنما ما قاله الولائد الصغار قالوا: قد جاء النبي r فقط هذا ما قيل، وأيضًا الرواية التي تقول إن العواتق وهي الشابات الصغيرات خرجن ينشدن ويقولون:
    نحن جواري بني النجار

    يا حبذا محمد من جار






    هذا أيضا لا يصح ولم يحدث كل ما حدث أن الصحابة استقبلوا النبي r بالسلاح في مقدمه، وأن الولائد صعدن فوق أسطح المنازل وبعضهن استقبل النبي عليه الصلاة والسلام وما زدن أكثر من قد جاء النبي r كما رواه البخاري في صحيحه.
    فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على بني عمرو بن عوف، وصار أبو بكر يقف ويستقبل الأنصار فكان من لا يعرف النبي r يحي أبا بكر على أساس أنه الرسول عليه الصلاة والسلام بينما قعد. ..... تكريمًا لهم، ونزل وقعد في بني عمرو بن عوف بضعة عشر ليلة، وبنى المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء.
    أول مسجد أسس في المدينة: والدليل على أنه مسجد قباء تمام الآية: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: 108]. وهذه الآية نزلت في بني ساعدة ،أهل قباء، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «أن الله قد أثنى عليكم بهذا الطهور فماذا تفعلون؟ إننا نستنجي بالماء» وكان عادة العرب أنهما يستخدمون الحجارة في الاستنجاء فهؤلاء رأوا اليهود يفعلون ذلك ففعلوا مثلهم فنزلت هذه الآية.
    انظر إلى هذا الموطن الجديد وهو المدينة المنورة التي رحل المسلمون إليها عنوة وأجبروا على ترك ديارهم التي حببت إليهم فإن النبي r عاش في مكة ثلاثة وخمسين عامًا، وها هو اليوم يجبر جبرا على ترك هذا البلد الحبيب إلى قلبه.
    دعوة الإسلام أعظم من أن يتمسك الإنسان بتراب: إن الرجل الذي ينشد صلاح قلبه ودعوته لا يتمسك بالتراب إن دعوة الإسلام أعظم من أن يتمسك الإنسان بتراب، الذين يدعون إلى القومية الملحدون الذين لا يعلمون شيئا عن الولاء والبراء، فينشر بعضهم كتابًا موجود في الأسواق اسمه( قبل السقوط) وقد سقط هو قبل السقوط عندما يقول: والله لا يكون المسلم الهندي أقرب إلى قلبي من النصراني المصري لا يرى المسلم الهندي شيئا لأنه هندي، ويرى أن النصراني المصري أفضل من المسلم الهندي، أولئك قوم كل أمانيهم أن يتعلقوا بهذا التراب، الإسلام أعظم من ذلك إن أضطرك الأمر أن تترك هذا التراب، فدعه لدينك فإن هذا الدين أسمى، إنك إن تعلقت به تعلقت بالسماء، وإنك إن تمسكت بالأرض وطئت بالأقدام مثلما يوطأ هذا التراب المتمسك به خرج بعد ثلاث وخمسين عاما من مكة ما يضره أن يخرج في سبيل دينه ودعوته وإرضاء ربه U فلا يصدنك أن تُخرج من بلدك فتقعد انشر الخير حيث كنت،.
    ما يدل على شدة حب الصحابة لمكة:كانوا يحبون مكة أشد الحب بدليل أنهم لما دخلوا المدينة مرضوا جميعًا بالحمى، مرض بلال ومرض أبو بكر حتى كان بعضهم يهذي من الحمى بكلام غير مفهوم كما في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما دخل أبو بكر وبلال مرضا بالحمى وكذا عامر بن فهيرة، الركب مرضوا بالحمى فكان أبو بكر يهذي ويقول:
    كل امرئ مصبح في أهله

    والموت أدنى من شراك نعله


    كل واحد يصبح في أهله مسرورا جزلانا ويمكن أنه يموت بعد دقيقة واحدة الموت أقرب من شراك نعله الذي يلبسه.
    كل امرئ مصبح في أهله

    والموت أدنى من شراك نعله


    وكان بلال إذا ارتفعت عنه الحمى يقول:
    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة


    بوادي وحولي اذخر وجليل



    وهل أرد يوما مياه مجنة



    وهل يبدوًا لي شامة وطفيل


    الشامة والطفيل: عيون من عيون مكة، وبعضهم يقول جبال من جبال مكة، يقول يعني هل أعيش حتى أرى يوما هذه المياه وقد أيقن بالهلاك بعد استحكام الحمى عليه، ومرض كثيرٌ من الصحابة الذين دخلوا هذه المدينة واستوخموها وشعروا بالوخم، هذا شيء خطير جدًا أن نفسك لا تركن إلى المكان الجديد الذي تقيم فيه الدولة.
    إن من الأسباب التي تجعلك تنطلق إلى نشر هذه الدعوة: بنفس أن تحب المكان فما بالك وقد مرضوا جميعا وكرهوا المدينة جميعًا وهي مهد الدولة الإسلامية فاستوخموها جميعًا، فقال النبي r: «اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، اللهم اجعل البركة في المدينة ضعفي البركة في مكة، اللهم انقل حماها إلى الجحفة» الجحفه هذه مهل أهل مصر، مهل لأهل مصر عندما يذهبون إلى الحج فميقاتهم مهلهم في الجحفة، وقد خربت الجحفة وصارت الآن رابغ هي مهل أهل مصر.
    «اللهم انقل حماها إلى الجحفة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام فرأيت امرأة سوداء شعثت الشعر خرجت من المدينة واستقرت في الجحفة فأولتها الحمى» وصارت المدينة أحب بلاد الله إلى هؤلاء الأصحاب.
    استوخموا المدينة لأنهم كانوا يحبون مكة أشد الحب وأجبروا على تركها، وهذه بركة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام «اللهم انقل حماها إلى الجحفة» فانطلق الصحابة من يومها يسعون إلى نشر هذه الدعوة لاسيما وكان أول شيء بدأ به النبي r أن بنى المسجد، هذا أول شيئا يليق أن يفعل.
    الهجرة نصر من أعظم الانتصارات الإسلامية: خروجه عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وفراره من المشركين فهذا النصر يستوجب الشكر، ما هو الشكر الذي فعله؟ بنى المسجد ليعبد الناس إلى ربهم، بخلاف هؤلاء الذين يرقصون ويطبلون للانتصارات، أفراح سيناء ماذا فعلنا حفلات راقصة حتى الصباح وخمور؟ والمصالحات مع الدول العربية حفل راقص؟ انظر إلى هؤلاء وأولئك، ثم اعلم لماذا تخلف نصر الله عنا نحن لسنا جديرين بهذا النصر، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. أأشكر يكون بالمعصية،؟ ومتى تنوب المعصية عن الطاعة أيها العقلاء؟.
    إن من تمام الشكر أن يفعل شيئا يعبد الناس لربهم: ويرجع العاصين إلى حظيرة الإسلام، فأول شيئا فعله بنى المسجد، وستعلمون فيما يأتي من دروس السيرة إن شاء الله كيف كان لهذا المسجد الأثر العظيم في تهيئة نفوس هؤلاء الصحابة لحمل هذه الدعوة.
    شبهة والجواب عنها:بقيت نقطة تعد شبهة عند بعض الناس فقال بعضهم عمر بن الخطاب t لما أسلم وأراد أن يهاجر إلى المدينة تحدى المشركين جميعًا وهاجر علنًا، أعمر أشجع من النبي r الذي خرج متخفيًا، لماذا خرج عمر جهارا نهارًا وخرج النبي متخفيًا؟ فهذه شبهة عند بعض الناس، الجواب عنها: أن النبي r مشرع وهو بفعله هذا أعطاك أيها المسلم دليلا على أنك يجوز لك أن تختفي من أعداءك والحرب خدعة وأن تنجو بنفسك لأن التحدي قد يهلكك، فالنبي عليه الصلاة والسلام أفعاله وأقواله كلها تشريع بخلاف غيره لعمر أو لغير عمر أن يختار الطريقة التي تناسبه في الخروج، وكان عمر مهيبًا وشجاعًا وجبارًا في الجاهلية، فرأى أنه من تمام التحدي وكان يعلم قوته وبأسه عند أولئك الناس أن يخرج علنا ما يضره ذلك شيء، إنما النبي عليه الصلاة والسلام بصنيعه هذا يؤتي الأمة تشريعًا إلى يوم القيامة، إذا هو الحجة في كل شيء وألا فلا يعلم أحد وطأ هذه الأرض أشجع من النبي r، قال علي بن أبي طالب فيما رواه البخاري «كانت الحرب إذا قامت على قدم وساق احتمينا بالنبي r، وكان يقف ويجابه ويقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقد تترس باللئمة كما في غزوة أحد على ما يأتي بيانه إن شاء الله فلا يتصورن أحد بهذه الشبه أن عمر أشجع من النبي عليه الصلاة والسلام لهذا السبب الذي قدمناه.
    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم آت نفوسنا تقواها، وذكها أنت خير من ذكاها أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.
    انتهى الدرس الخامس أختكم أم محمد الظن

    ######
    لتحميل الدرس ملف ورد
    التعديل الأخير تم بواسطة هـمـ مسلمةـة ; 12-24-2011 الساعة 09:06 PM
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سلسلة السيرة الصحيحة
    الدرس[6]
    إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( النساء:1).
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(الأحزاب: 70،71 )
    أَمَّا بَعْــــدُ .........
    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ.
    هذا هو الدرس السادس من الدروس المستفادة من صحيح السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، كنا قد وقفنا في الدرس الماضي عند وصول النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة ثم نزوله في بني عمر بن عوف، والجدير بالذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام سكن في دار أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر يعني هو أول ما أسس في المدينة أسس مسجد قباء، مسجد قباء ،الذي نزل فيه قول الله U ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]. ثم بعد ذلك بنى مسجده عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صلاة في مسجد قباء تعدل عمرة».
    «وكان عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم يأتي مسجد قباء كل يوم سبت فيصلي فيه»، مكث النبي عليه الصلاة والسلام في دار أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر، فإنه قال عليه الصلاة والسلام: «أي دار أهلنا أقرب»، وكان الصحابة يتنازعونه الأنصار؛ لأنه لما دخل المدينة كما ذكرنا قبل ذلك جاء الأنصار بالسلاح وورد في بعض الروايات أنهم كانوا خمسمائة رجل مسلح حول النبي عليه الصلاة والسلام أول ما دخل المدينة فقال: «أي دار أهلنا أقرب، قال أبو أيوب: يا رسول الله هذه داري وهذا بابي»، وكان أبو أيوب بينه وبين عليه الصلاة والسلام رحم من جهة الأم الجدة، ولذلك قال: «أي بيوت أهلنا أقرب» فقعد في دار أبي أيوب سبعة أشهر وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب، وكان بيته دوران دور أرضي ودور علوي، فقال عليه الصلاة والسلام: «السُفل أرفق بنا» يعني اجعل لي في أسفل البيت فإنه أرفق بي وبالذين يأتونني؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أول ما دخل المدينة أتاه قومٌ كثيرٌ جدا فلو كان يسكن في العلو لاقتضى أن يمر كل صاعد بسفلى البيت فقد يجرح أهل بيت أبي أيوب لذلك قال له: «السُفل أرفق بنا» فتركه أبو أيوب وسكن هو في العلو كما في صحيح مسلم فبينما هو يمشي ليلة أبو أيوب الأنصاري إذا قال لنفسه ما يجوز أن أعلو سقيفة فيها رسول الله r فأمر أهله أن يتنحوا في ناحية، يعني أمرهم ألا يمشوا على ظهر هذه السقيفة أبدا هذه الليلة التي خطر له فيها هذا الخاطر، قال فتنحوا جميعًا في ناحية وباتوا فيها، فلما أصبح قال للنبي r إني لا أعلو سقيفة أنت فيها فصعد النبي عليه الصلاة والسلام في علو البيت، وكان أبو أيوب يرسل إليه الطعام كل يوم فإذا أكل وجيء بالأطباق قال أين موضع يده، فيقال هذه، فيتحرى أن يأكل هو أيضًا من موضع يده r إلتماسًا للبركة حتى كان يوم فأرسل إليه طعامًا فيه ثوم أو بصل فرده النبي عليه الصلاة والسلام ولم يأكله فسأل أبو أيوب عن موضع أصابعه فقيل لم يأكل ففزع وصعد وقال يا رسول الله: «أحرام هو،؟ قال: لا، ولكني أناجي من لا تناجي أي أناجي الملائكة- وإن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم فقال أبو أيوب: يا رسول الله أني أكره الذي تكره فما أرسل له بعد بصلا ولا ثوما» وروى ابن إسحاق في السيرة بسند حسن أن النبي عليه الصلاة والسلام ظل في أسفل البيت يعني لم يعلوا، ويمكن الجمع بين الروايتين أن أبا أيوب الأنصاري تركه أسفل البيت حتى خطر له هذا الخاطر الذي ذكرته فحلف عليه أن يصعد إلى أعلى البيت، وفي هذا احترام عظيم جدًا للنبي r مع أن هذا الفعل لا غضاضة فيه أن يمشي على سقف تحته رسول الله r هذا لا شيء فيه، ولكن فرط الحب العظيم الذي كان الصحابة رضوان الله عليهم يكنونه لهذا النبي الكريم هو الذي جعله يستعظم أن يمشي على سقيفة النبي r تحتها.
    في رواية ابن إسحاق، قال: ولقد سقط ماء الحُب ذات مرة الزير - زير انزلق ماءه على السقيفة، قال أبو أيوب: فنشفناه أي الماء بقطيفة لنا كنا نلتحف بها والله ما كان عندنا غيرها خشية أن يقطر الماء على النبي r.
    تقلص حب النبي في نفوس المسلمين مشكلة عظيمة تواجههم:إن المشكلة التي يعاني المسلمون منها الآن أن رقعة الحب لهذا النبي العظيم متقلصة جدا وهي تكاد تكون معدومة في قلوب بعض المنتسبين إلى الإسلام، حبك للنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يوجب عليك إتباعه، إن الذين لا يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام ولا يأتمرون بأمره ولا ينتهون عما نهوا عنه استطيع أن أقسم بالله أنه لا يحظى في قلوبهم بكبير مكان، وإن أقسم أنه يحب النبي عليه الصلاة والسلام فهذا كاذب وهو حانث في يمينه، لأن ما هي ثمرة الحب؟ ثمرة الحب الإتباع ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
    الثمرة الحقيقية لمحبة النبي عليه الصلاة والسلام: أن تتبعه في المنشط والمكره، في كل ما تحب، وفي كل ما تكره أما أن تزعم أنك تحبه فإن الذين يدعون الإيمان كثرة كافرة في هذا الكون ألا ترى إلى الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون يقول أنا قلبي أبيض أنا أحسن من كثير من اللذين يصلون، المهم القلب، نعم هو أبيض ليس فيه شيء، من الحب ولا من الإتباع ولا من الإيمان أبيض.
    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها



    أن السفينة لا تمشي على اليبس

    لا بد من ظهور علامة هذا الحب العظيم وهو الإتباع، وهذا هو الذي كان يميز جيل الصحابة عن هذا الجيل القائم الآن، والأجيال السابقة، أكثرهم مدعون فقط، لو أن عشر ما كان في قلوب الصحابة من الحب لهذا النبي الكريم موجود الآن لما رأيت هذه الذلة تعلو على وجوه المسلمين الآن.
    ما يدل علي حب الإمام مالك رحمه الله للنبيr:إن الإمام مالك رحمه الله قيل له ألا تركب بغلة وأنت ذاهب إلى الدرس، كان له درس في المسجد النبوي، وكان يصر أن يمشي على قدميه فقيل له: ألا تركب البغلة، فقال: إني لاستحي من الله أن أركب في مكان وطئه النبي r بقدمه، حب عظيم لا تظن أن هذه من السفاسف بل هذا هو عظيم الحب الذي ينبغي عليك أن يكون، دعك من الذي يقول هذا تنطع هذا تشدد، فإن الناس يتفاوتون في درجات الإيمان، ولما سمع الإمام مالك رجلا يرفع صوته في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أمر به أن يخرج من المسجد، وقال ألم تسمع قول الله U ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]. وأين هو النبي؟ قد مات لا، الإمام مالك إمام فاهم إمام فقيه يعلم أن رفع الصوت على النبي r دائمٌ أبدٌ إلى يوم القيامة منهي عنه، النهي دائما.
    فما وجه النهي إذن؟ إذا تلوت حديث للنبي r ما يجوز لك أن تشغب على الذي يتكلم أو ترفع صوتك عليه، لأنك إن رفعت صوتك على القائل كأنك ترفع صوتك على النبي r، وقد قال الله U ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
    عقوبة رفع الصوت علي النبيr: يعني رفعك للصوت يحبط عملك وأنت لا تشعر، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس t قال: «كان ثابت بن قيس رجلا رفيع الصوت _يعني صوته عالي فطرة جبلة _فكان يرفع صوته في مسجد النبي r فلما نزلت هذه الآية ترك الجماعة وقعد في بيته يبكي فافتقده النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أين ثابت؟ فقال جار له: ما أدري هو ليس بمريض، فذهب أنس وجماعة يعودونه فإذا هو صحيح، ولكنه يبكي فقيل له: ما بكاؤك؟ قال: قد حبط عملي، أنا من أصحاب النار» لما؟ لأنه كان يرفع صوته قبل النهي فلما نزلت الآية ظن ثابت وهذا إحساس كل مؤمن ظن ثابت أنه هو المعني بهذه الآية لأنه هو الذي كان يرفع صوته إحساس المؤمن كما في حديث الترمذي «إن المؤمن إذا عمل الذنب كالذبابة يراه كالجبل يكاد أن يسقط عليه، وإن الكافر ليعمل الذنب العظيم الذي هو كالجبل فلا يراه إلا كالذبابة قال به هكذا فطار» قال ثابت: إني قد حبط عملي إني من أصحاب النار، لماذا؟ كنت أرفع صوتي فذهبوا إلى النبي r فقال: «لا بل هو من أهل الجنة»، قال أنس: فكان يمشي بيننا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.
    لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي هذا فهم الإمام مالك وفهم غيره من الأئمة المتبوعين رضي الله عنهم، فهذا الحب العظيم هو الذي يميز هذا الجيل الفريد عن هذه الأجيال المتعاقبة عن التي جاءت بعده، وهو السبب في انتصارهم، وأن الله تبارك وتعالى لم يتخلى عنهم، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ إذن ما هو الحب؟ الإتباع، عقوبة لبس الذهب للرجال:ولقد قلت كثيرا جدا في هذا المسجد وغيره، إن كثيرا من المسلمين الذين يصلون معنا الآن يلبسون خاتم الذهب أو الدبلة الذهب، وقد نهى النبي r عن لبس الذهب، وقال: «هذا حرام على ذكور أمتي» وقال في الذي يلبس الذهب: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» هذا النهي وهذا الوعيد الشديد هل هز كثيرا من الذين يلبسون الذهب؟ أبدا، ومع ذلك يتشدقون بهذه المحبة المزعومة، لا أنت كاذب في هذه الإدعاء وأن أقسمت بالأيمان الغلاظ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: إن المحبة هي الإتباع أن تتبع النبي r في كل ما تفعل، وفي كل ما تذر، هذا هو الذي جعل نصر الله تبارك وتعالى تخلى عن هذه الأمة، فصارت على هامش الحياة أنه مما يحذ في النفس أن يصير المسلمون على هامش الحياة مع أنهم حملة الدين الحق، وكان المفروض أن يبلغوا هذا الدين للأمم لكن تقاعسوا، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. في الجحود والنكران وعدم الإتباع.فهذا أبو أيوب يقول ويشعر بعظيم الإثم يقول: أنا لا أمشي على سقيفة تحتها النبي r فينزل ويستحلفه أن يصعد إلى فوق ولما اندلق الحب، حب الماء أخذ اللحاف الذي يتغطى بها ونشف به هذا الماء خشية أن يقطر الماء على النبي r قال أبو أيوب: وكنت أصنع له طعاما فكان إذا أكل التمست مواضع يديه، وهذه بركة,
    بركة النبيr في نجاح الدعوة وإيمان الكثير:وهذه البركة كانت موجودة للنبي r منذ بعثه الله U ولقد عاينها الناس وكانت سببا في إيمان كثيرا من الذين لا يؤمنون إلا بالعيان، وهذه أيضا من الأشياء التي جعلت دعوة النبي r تنجح حتى على مستوى اليهود والنصارى هناك أناس كثيرون كاليهود وغيرهم لا يكادون يؤمنون إلا أن رأوا شيئا محسوسًا أمامهم، حتى بلغ بهم هذا الاعتزاز بالرؤية في كل شيء وأنها سبيل الاقتناع أنهم قالوا لموسى u ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]. فيريدون أيضا أن يروا الله تبارك وتعالى جهرة، فكان النبي r له من البركات التي يعاينها كل إنسان شيئا كثيرًا جدًا، فكان أبو أيوب وهذا من فرط الحب الشديد أنه يتتبع مواضع أصابعه الشريفة فيأكل من نفس الموضع، وهذا دليلٌ على الحب أيضًا.
    للإمام البخاري ولأنه كان إمامًا جليلا يحب النبي r ويقتفي أثره رأى يوما في منامه أن النبي r يمشي أمامه فكلما رفع قدمه وضع البخاري قدمه مكان قدم النبي r وهكذا، فذهب إلى بعض المعبرين فسأله عن ذلك، فقال: أنت تقتفي أثره، تقتفي أثره لأنه كلما رفع قدمه وضع البخاري رحمه الله قدمه مكان قدم النبي r، وكذلك كل إنسان كَلِبْ، إذا كلبت بهذا الدين وبحبه ترى منامتك الكثيرة عن هذا الانطباع وأن أحببت الدنيا ترى أيضًا منامتك عن هذا الانطباع أيضا.
    فهذا أبو أيوب t يضع يده يلتمس هو وامرأته، وفي الحديث الصحيح أن رجلا من الأنصار مشى خلف النبي r وقال: يا رسول الله أني أريد قميصك هذا، قميصه الذي يلبسه، وكان النبي r. ...........وقالت عمدت إلى قميصٍ واحد للنبي r فأخذته وارتكنت أنه لا يقول لا، فقال: والله أما أني ما أخذت لألبسه ولكني لأكفن فيه، فتنظر إلى تصرف هؤلاء الأصحاب، الحب الشديد هو الذي جعلهم يتقاتلون على وضوئه لما كان يتوضأ ما كانت تنزل قطرة من الماء على الأرض إنما كانوا يتقاتلون على وضوءه عليه الصلاة والسلام رجاء أن تنزل قطرة من الماء في يد أحدهم، وكانت أم سلمه أو أم سليم تأخذ عرقه، وكان شديد العرق عليه الصلاة والسلام فتتطيب به، مع أننا نعلم أن العرق له رائحة كريهة لكن كانوا يأخذون عرق النبي r يتطيبون به.الحب الشديد جدا ولذلك هذا الجيل ما ترى مثله أبدا، وهم أعظم أصحاب نبي وطئوا الأرض، أعظم من أصحاب موسى، وعيسى، وإبراهيم وغيرهم، إنك لا تكاد ترى لنبي من الأنبياء هذه الدقائق في حياته إلا لنبينا عليه الصلاة والسلام فإننا لا نعلم شيئا عن الأنبياء السابقين إلا أنهم أرسلوا إلى قومهم فقط، هل أحد منكم يعرف موسى إن كان تزوج وقد تزوج له كم ولد؟ كيف كان ينام؟ كيف كان يشرب؟ كيف كان يضحك؟ كيف كان يمزح؟ كيف كان يقعد؟ كيف كان يرقد؟ كيف كان يدخل الخلاء؟ كيف كان يتعامل مع أصحابه؟ لا يحفظ شيئا من هذا لأي نبي إنما حُفظ لنبينا عليه الصلاة والسلام وهذا من الدور العظيم الذي قام به أصحابه، أنهم كانوا يحفظون كل شيئا ويبلغونه.
    قال أبو أيوب: فأرسلت إليه طعاما فيه ثوم أو بصل فلم يأكل منه فذهبت التمس مواضع أصابعه فقيل لي لم يأكل ففزعت، فزع وصعد وقال يا رسول الله:«أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أناجي من لا تناجي إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم» فقال أبو أيوب: لا جرم إني أكره الذي تكره، وهذا أيضًا من عظيم الحب صديق صديقي صديقي، وعدوه عدوي، وهذا شيئٌ يكاد بنو آدم يجبل عليه، فرأى النبي r يكره البصل والثوم قال: لا جرم إني أكره الذي تكره أيضًا، قال r لهم: «ولكن كلوه إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم».
    حكم أكل البصل والثوم عند الذهب للمسجد:ولذلك نهي المسلم أن يأكل ثوما أو بصلا وهو قادم إلى المسجد، وفي ذلك الحديث المشهور الذي رواه الشيخان عن النبي عليه الصلاة والسلام «من أكل ثوما أو بصلا فلا يقربن مسجدنا» وفي بعض الروايات «فليعتزلنا أو فليعتزل مصلانا» لماذا؟ لأنك تؤذي إخوانك وتؤذي الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، ولكن يجوز لمن كان له عذر أن يأكل البصل والثوم وإن كان قادمًا إلى المسجد وهذا العذر يكون واضحٌ في الاستشفاء، لو قيل له أن دواءك مثلا أن تأكل الثوم والبصل فأكل جاز.
    ودليل هذا الحديث الصحيح الذي رواه أظن الإمام البخاري ولكنه في مسند الإمام أحمد وفي أخلاق النبي لأبي الشيخ أن المغيرة بن شعبة أكل بصلا ثم ذهب إلى المسجد فأنكر عليه النبي r فرفع قميصه فإذا هو رابط صدره، عنده برد، عنده برد أو مرض استلزم أن يأكل البصل فقال النبي r له: «أما إن لك عذرا».
    وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب t أنه خطب الناس فقال مما قال: أيها الناس إنكم تأكلون من شجرتين خبيثتين ( الثوم والبصل) فلا تأكلوهما فإن كنت لا بد فاعلا فأمتهما طبخا، يعني إذن يمكن لك أن تأكل البصل والثوم مطبوخًا وتأتي إلى المسجد، لماذا؟ لأنه ليس فيه الرائحة الكريهة بعد أن يطبخ التي تكون فيه قبل أن يطبخ، قال «إني أناجي وإن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم».
    رؤيا عبد الله بن سلام حبر اليهود:والنبي r في دار أبي أيوب سمع به حبر اليهود، حبر اليهود عبد الله بن سلام t وهذا رجلٌ بشر بأن يموت على الإسلام كما في صحيح مسلم، أنه جاء للنبي r فقال: يا رسول الله إني رأيت في النوم عمودا من نور وإني أعلو هذا العامود هو متشبث بأعلى هذا العامود، فقال النبي r له: «إنك تموت على الإسلام» فهذا عبد الله بن سلام حبر اليهود كان في حائط من حوائط المدينة يقطف التمر، فإذا به يسمع بمقدم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فعجل الرواح وجاءه في دار أبي أيوب.
    الأسئلة التي وجهها عبد الله بن سلام للنبي r وكانت سببا في إسلامه:جاء عبد الله بن سلام وقال للنبي r إني سائلك عن مسائل لا يعلمها إلا نبي فإن أجبتني أسلمت، فكان مما سأله كما في صحيح البخاري قال له: «ما أول علامات الساعة؟ فقال له: نارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: ومن يأتيك بالوحي؟، قال: جبريل، قال: جبريل، ذاك عدو اليهود، فتلا النبي r قول الله تعالى ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: 97]. قال له: إلى أي المرأة أو الرجل ينزع الولد يعني الولد أحيانا يكون شبه المرأة وأحيانا يكون شبه الرجل فما هو السبب في ذلك؟، فقال: «إن علا ماء الرجل كان الشبه للرجل، وإن علا ماء المرأة كان الشبه للمرأة، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله»ولكن يا رسول الله أكتم إسلامي ثم أرسل إلى يهود فسلهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم أن علموا بإسلامي بهتوني بما ليس في، فمكث عبد الله بن سلام خلف ستار أو في بعض الدار وأرسل النبي r لليهود فلما دخلوا عليه قال لهم: «اتقوا الله يا معشر يهود فإنكم لتعلمون أني رسول الله حقا»، فقالوا جميعًا ثلاث مرات: ما نعلمه، وهم كاذبون لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146].
    ، فالله تبارك وتعالى في هذه الآية يدمغهم ويدمغ كذبهم بأنهم يعرفونه لا يعرفونه كمعرفة أي أحد أن يمكن أن ينسى على مدار الزمن، إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولذلك قال تبارك وتعالى بعد ذلك ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12]. أي بعد هذا البيان، وبعد هذه الحجة الملجمة يكفرون، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ «يا معشر يهود اتقوا الله فأنكم تعلمون أنني رسول الله حق». ........... قال: «أرأيتم إن أسلم، قالوا: حاشا لله أن يسلم» وفي بعض الروايات: «أعاذه الله من ذلك، قال: فأخرج يا عبد الله، فخرج عبد الله بن سلام، وقال: إني أسلمت، فقالوا شرنا وابن شرنا، قال: يا رسول الله ألم أقل لك إنهم إن علموا بإسلامي بهتوني بما ليس في» وهذا خلق يهود، هذا خلقهم وإن المغفلين هم الذين لا يعلمون أن هذا خلق اليهود، إنما أوتي هؤلاء من جهلهم بهذا الدين جهلا ذريعا مطبقًا.
    ذم الله تبارك وتعالى اليهود في مواضع كثيرة جدًا من القرآن الكريم: وكان مما قال تبارك وتعالى لهذه الأمة: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51]. هذا كلام صريح جدًا وواضح، ومع ذلك تجد من يضع يده في يد اليهود هذا إما جاهل أو كافر، إما جاهل بهذه الآيات الكثيرة في كتاب الله، وإما كافر بها لا يحتمل هذا الأمر إلا واحدا من اثنين فقط، وأنتم ستعلمون فيما يأتي من السيرة فضائح اليهود، وكيف فعلوا بالمسلمين؟ ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 8].
    من خطط اليهود لهدم الإسلام: هؤلاء اليهود الذين الآن نعاني منهم دخلوا في كل شيء،حتى الأشياء الصغيرة دخلوا فيها مواد الروتري والليونز والماسونية العالمية كلها قائمة بأموال اليهود، مواد الروتري المنتشرة في مصر وغيرها من البلاد، هذه أصلا نوادي قامت لأجل أن تهدم الأديان كلها بما فيها اليهودية، ناس لا يريدون وحي السماء أياً كان يريدون أن يعيثوا في الأرض فسادا، ومع ذلك تجد من ينضم إلى هذه النوادي، ولهم خطة عجيبة كالذي يضع لك السم في العسل، هؤلاء رفضوا بلايين الدولارات أو بلايين البلايين؛ لأنهم هم الذين يحتكروا المال العالمي معروف أن اليهود هم الذين يحتكرون الأموال العالمية، فمسألة الأموال بالنسبة لهم لا تشكل شيئا، فيأتوا على مثل هذه البلاد ولا يفصح عن وجهه، لأنه لو قال أنا سأحارب الإسلام لن يرى أحدا ينضم إليه إلا إن كان كافرا، فماذا يفعل؟ يأخذه ويقول له عندك فقراء: يقول: نعم، خذ عدة الألوف هذه أنفقها على الفقراء والمساكين، وخذ كمان عدة ألوف ابني بها مساجد ومدارس ومعاهد ومستشفيات، ولكن لنا شرط واحد فقط أنك أنت بعد أن تصنع هذا الشيء تكتب لوحة صغيرة كده، وتقول أنشأ هذا نادي الروتري بكذا، بمصر الجديدة بمدينة نصر بالدقي بالزمالك بأي مكان فقط يريدون هذه اللافتة، ويدفعون في سبيلها ألوف الدولارات، لماذا؟ لأنك كرجل بسيط لا تمعن في التفكير في هذه العداوة أول ما تدخل المستشفى تعالج تستوقفك هذه اللافتة، بني على نفقة نادي الروتري، فأنت ينطبع في ذهنك أن نادي الروتري هذا نادي خيري، وأنه ينفق على المستشفيات، وينفق على المساجد، وينفق على كذا، فلو عرض عليك يوما ما أن تنضم إلى نادي الروتري، فأنت لا شك منضم، لما لا تنضم وهذا نادي خيري؟ هذه واحدة، ولو هوجم أمامك نادي الروتري أنت تدافع فبالتالي يعمي على هذه الجماهير.
    نجيب محفوظ وجائزة نوبل:الأيدي الصهيونية العالمية هي التي أعطت نجيب محفوظ جائزة نوبل، يا أيها الناس أفيقوا وفكروا جائزة نوبل ثلاثمائة وتسعين ألف دولار، هذه كم تشكل من القيمة في خزينة اليهودية العالمية؟ صفر ما لها أي قيمة أعطوا نجيب محفوظ جائزة نوبل على أي رواية، أولاد حارتنا، أولاد حارتنا هناك ترجمتها في الغرب موت الإله، لأنه يعرض بالله تبارك وتعالى وبجميع الأنبياء ومن جرأته وكفره أنه يعمد إلى أسماء صريحة فيضعها على الأنبياء، فقد سمى النبي r قاسم وهو أبو القاسم، هو جعل إنه رجل خير وأن دعوته لا تصل إلى أحد؛ لأن دائما الخير لا يسمعه أحد، كأنه نبي سلبي دعوته سلبية، وإبليس ولد ذكي لكن أبوه ظلمه، من أبوه؟ تعالى الله عما يقولوا الظالمون علوا كبيرا، فوصف ذلك الإله العظيم بأنه أب متزوج من باثنين، وظالم فضل امرأة الأخرى، وكان من جملة ظلمه أنه ظلم إبليس، اليهودية العالمية رأت مغنمًا أن تنشر هذه الرواية التي منع الأزهر تداولها سنة ثمانية وخمسين، ولذلك هذه الرواية ما أحد يعلم عنه شيئا إلا بعد ما أخذ جائزة نوبل العالمية، وأخذ عن هذه الرواية بالذات، لأن اليهودية قالت: ماذا يعني ثلاثمائة وتسعين ألف دولار في سبيل أن ننشر هذه الرواية رغم أنف الأزهر، وأن تنشر بذور الإلحاد في هذا الشعب ، وجاء وأخذ هذه الجائزة على هذه الرواية، ونشرت برغم أنف الأزهر وتباع على الأرصفة برغم أنف الأزهر هذا صنع اليهودية العالمية، لأن هذا الشعب الجاهل أو هذه الأمة الجاهلة تتوق إلى جائزة نوبل كما لو كانت الجنة كل ساعة كل يوم يتحدثون عن جائزة نوبل، لماذا لا نأخذ جائزة نوبل أليس فينا عباقرة، أليس فينا علماء، أليس فينا أدباء، أليس فينا دكاتره، يتحركون إلى جائزة نوبل كما لو كانت هي الجنة بعينها، فرأوا أن يرموا لهذه الأمة بفتات في سبيل أن ينشروا هذا الإلحاد الصهيونية العالمية اليهود، ما يرقبون فيكم إلا ولا ذمة أبدًا، وإنهم أن داهنوكم فلابد أنهم يضربونكم ضربة لا تقوم بعدها أبدا، وانتظروا إنهم إنما يعدون العدة حتى يدخلوا في كل شيء فإذا ضربوكم ضربة لا تقوم لكم قائمة، هؤلاء لا سلام لهم ولا ضمان ولا أمن لهم، وهذا يعلمه من له فضل إطلاع على الكتاب والسنة، قالوا شرنا وابن شرنا، ويقولون: حاشا لله أن يسلم، حاشا لله أن يسلم، يبغضون الإسلام بغضًا شديدًا لدرجة أنهم يقولون حاشا لله أن يسلم.
    قال لي أحد القسس وهو من نيجيريا ويتكلم العربية وكان رجلا عبقريا وهو مازال يسكن في مصر حتى الآن قال لي إنه بينما يصلي في بعض مساجد مصر الجديدة، وفي مسجد ضخم جدًا إذ قام أحد الناس بعد الصلاة، وقال: أنا متبرع بمبلغ مائة ألف دولار لهذا المسجد حتى يتم المستشفى والحضانة والمعهد، مائة ألف دولار طبعًا الجالسون لا يعرفون من هذا الرجل، إمام المسجد قام شكر الله له وجزاه خيرا وظل يتكلم في الصدقات والحس على الإنفاق وفضل الذين ينفقون في سبيل الله إلى آخره، قال لي: فلم أتمالك نفسي وقمت وأخذت الميكرفون وقلت يا جماعة هذا رجل من نادي روتري مصر الجديدة، وتكلمت عن نادي الروتري بإيجاز شديد سمح لي به الموقف، قال وأبنت لهم ﴿ولَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 14].
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
    ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شهر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها، وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وذكها أنت خير من ذكاها أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.
    انتهى الدرس السادس أختكم أم محمد الظن

    ######
    لتحميل الدرس ملف ورد
    التعديل الأخير تم بواسطة هـمـ مسلمةـة ; 12-24-2011 الساعة 09:08 PM
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    Flash حمل تفريغ سلسلة صحيح السيرة للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه الله

    التعديل الأخير تم بواسطة هـمـ مسلمةـة ; 12-31-2011 الساعة 09:37 PM
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: سلسلة صحيح السيرة لِلْشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي حفظه الله

    جزاك الله خيرا ام محمد وجعل الله هذا العمل فى موازينك

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •