لدعم استمرار بقاء فرسان السنة ساهم معنا

تكلفة الشهر 100 دولار  الدفع من خلال  باي بال من هنا

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: صفحة تفريغ كتاب العلم للشيخ الحويني حفظه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    Icon12 (18) صفحة تفريغ كتاب العلم للشيخ الحويني حفظه الله

    لدعم استمرار بقاء فرسان السنة ساهم معنا

    تكلفة الشهر 100 دولار  الدفع من خلال  باي بال من هنا

    شرح كتاب العلم


    المحاضرة الأولى


    لفضيلة الشيخ أبي إسحق الحويني

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    أما بعد:
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
    اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما بارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    صح عن النبي r فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، إنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
    وفي رواية أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن المعروف بيتيم عروة، عن عروة بن الزبير أن عائشة -رضي الله عنها- قالت له: يا ابن أختي اذهب إلى عبد الله بن عمرو، فإنه قد سمع من رسول الله r حديثاً كثيرًا، فاسمع منه، فذهب فحدثه بأحاديث فكان من جملتها هذا الحديث، «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس إنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». فلما رجع عروة إلى عائشة وحدثها هذا الحديث، أعظمته وأنكرته، وقالت: حدثك أنه سمع هذا من رسول الله r؟
    فلما كان من العام المقبل، وجاء عبد الله بن عمرو حاجاً، قالت له: يا ابن أختي انطلق إلى عبد الله بن عمرو فسله عن الحديث الذي حدثكه في العلم -هذا الحديث-.
    قال: فسألته، فحدثني نحواً من ذلك، فلما رجع عروة إلى عائشة -رضي الله عنها- قالت: أراه صدق، لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص.
    طبعاً لم يكن هذا مذهباً مسلوكاً لعائشة -رضي الله عنها- كما زعم بعض المعاصرين، أنه كان من منهجها أنها تستشهد برواية الحديث، يعني لا تسلم من حديثه إذا سمعته مرة، إنما تستسلم بأن تسمعه مرة أخرى، ولم يكن هذا طريقاً مسلوكاً لعائشة -رضي الله عنها- إنما كانت تفعله أحيانًا، وإنما فعلته في هذا الحديث؛ لأن فيه نبئًا عظيماً خطيراً، ولذلك أعظمته وأنكرته.
    وهذا الحديث سيرد علينا -إن شاء الله تعالى- ونحن نشرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري -رحمه الله- الذي سنشرحه في هذه المجالس.
    وإنما بدأت بهذا الحديث، وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث أيضًا في كتاب الاعتصام في الكتاب والسنة، رواه في موضعين من صحيحه، ورواه مسلم في كتاب العلم.
    ولجلالة هذا الحديث، قد رواه عن هشام بن عروة أربعمائة وخمس وسبعون نفساً، وألف فيه بعض العلماء جزءاً كبيراً، وأنا عندما تكلمت في هذا الحديث قديماً، وصلته بأكثر من مائة وخمسين راوياً عن هشام بن عروة، وأغلبهم من الثقات، يعني هذا الحديث متواتر فيما دون هشام بن عروة، أن هذا الحديث يرويه هشام بن عروة عن عروة، ويرويه محمد بن عبد الرحمن -أبو الأسود .. عن عروة.
    ويرويه أيضًا الزهري عن عروة، ورواه عمر بن الحكم بن ثوبان في صحيح مسلم أيضًا متابعا لعروة بن الزبير.
    هذا الحديث -كما قلت- من علامات نبوته r؛ لأنه قد تحقق مصداقه، لاسيما في عصرنا هذا، اتخذ الناس رءوسا جهالا.
    وصف الشيخ حفظه الله الإعلام بأنه أعور.
    وكما وصفت سابقًا الإعلام المعاصر بأنه إعلام المسيخ الدجال، ونحن نعلم بما علمنا رسولنا r أن الدجال أعور، فهذا إعلام أعور، لا يرى إلا بعين النقص وعين السخرية، لاسيما بعد هوان أهل العلم على أنفسهم وعلى الناس، وهذا شيء كنا نشتكي منه قديماً وازداد حديثاً، لاسيما بعد الثورة.
    أسوأ مافي الثورة أنها بلا رأس.
    وكنت قلت كلمة في أول محاضرة لي بعد الثورة، ارجعوا إليها فهي مسجلة، قلت: جعلوا أسوأ ما فيها أحسن ما فيها، وأسوأ ما فيها: أنها كانت بلا رأس،فجعلوا هذا أحسن ما فيها، وهل هناك جسم يحيى بلا رأس؟
    هذه الفوضى في كل مناحي الحياة، لاسيما في المنحى العلمي، والذي أعنيه بهذه الكلمات.
    المنحى العلمي (كنا قديما نعتذر من الجهل فصرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم).
    وهذه العبارة قالها ابن قتيبة قديماً، ابن قتيبة الإمام الكبير،صنف كتاباً في غريب الحديث، يتعاقب به الإمام الكبير القاسم بن سلام -أبو عبيدة-، فالقاسم ابن سلام كما قال إسحاق بن إبراهيم الحربي، لما سئل عنه، قال: جبل نفخ فيه الروح، لم يكن يضاهيه أحد في بابه، حتى أنه لما صنف كتاب "غريب الحديث"، وغريب الحديث، ليس الحديث المستغرب، إنما الحديث الذي يشتمل على ألفاظ تحتاج إلى تفسير، كما في أحاديث النبي r مثلاً، نهى عن المزابنه، والمحاقلة، إلى آخر هذه الألفاظ، فهذا يسمى غريب الحديث، فكان أبو عبيدة يتصدى لمثل هذه الألفاظ، ويفسرها أحيانًا من كلام العرب، وأحياناً من أشعارهم، هذا هو المقصود بكلمة "غريب الحديث" وليس الحديث الغريب، كما في الاصطلاح، الذي هو الغريب أو المنكر، لا، غريب من جهة اللغة.
    وصنف ابن قتيبة كتاباً يتعقب فيه أبا عييدة، فأعرض العلماء ذلك، وأنكروه على ابن قتيبة -رحمه الله-، وكيف أنه يتعقب مثل هذا الإمام الكبير، فكتب مقدمة رائعة رائقة هي تحفة فنية لفظية لغوية، أتمنى أن نقرأها عليكم لتعلموا قدر العلماء السالفين فيما يتعلق بإيصال المعاني.
    فكتب من جملة ما كتب: (وكنا زماناً نعتذر من الجهل فصرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم).
    أقول هذا الكلام يا إخوان، وأن أراقب الذي يجري على ساحتنا، وأنكره أشد الإنكار، لاسيما بعدما صار الخروج في التلفزيون أمراً ميسوراً جدًّا، ويستطيع كل إنسان أن يفتتح قناة فضائية، ما أهون فتح قناة فضائية في هذا الزمان، إنها تحتاج إلى ثلاثة ملايين فقط، وطبعاً هذا الرقم لا يساوي شيئًا، يستطيع أي واحد من التجار أن يفتتح قناة فضائية، وأن يفعل فيها ما يشاء.
    أنا رأيت قناة فضائية صاحبها يقوم الليل على الهواء، أتتصورون هذا؟! يقوم الليل على الهواء مباشرة، وخلفه صفين ثلاثة، ويدعو الله U على الهواء مباشرة، ويبكي على الهواء مباشرة، وهذا موجود، قناة تستطيع أن تصل إليها بسهولة.
    فمن الميسور جدًّا أن أي واحد في الجلوس يستطيع أن يخرج على قناة فضائية، وأن يتكلم بما يشاء.
    وطبعاً هذه القناة الفضائية يراها الملايين، لا يراها عدد محدود، كما كنا نفعل قديماً في المساجد، أقصى ما يمكن أن يحضر لشيخ من الشيوخ عشرة آلاف، أو عشرون ألفاً في خطب الجمعة... وفيها أكثر من هذا بكثير، يحضر مائة وخمسين ألف، ويحضر أربعمائة ألف، ويحضر نصف مليون، في الوقت الذي كان الحافظ ابن حجر العسقلاني لما كان يشرح فتح الباري، كان عدد الحضور -تقريباً- كم؟ تعرفون طبعاً فتح الباري شرح صحيح البخاري، هذا الكتاب الرائع، قاموس السنة، كم واحد كان يحضر للحافظ ابن حجر فيما ذكر السخاوي، ثلاثون نفساً فقط، الذين كانوا يحضرون للحافظ ابن حجر وهو يشرح فتح الباري، هذا الكتاب الذي نسميه نحن قاموس السنة.
    اليوم الحضور ألوف مؤلفة، فما بالك بالقنوات الفضائية التي يراها الملايين؟!
    رأيت أمس برنامجاً لرجل أنا أعرفه؛ لأني رددت عليه قديماً، وهو من أجهل الناس، ممن لا يرى أن النصارى كفار، ويقول: إن الله U لم يكفر الذين أوتوا الكتاب، إنما كان يصفهم بهذا الوصف فقط، لم يقل: يا أيها الذين كفروا الذين أوتوا الكتاب، وينافح عن هذا، ويقول سكان مصر الأصليين هم النصارى.. ويدافع عن هذا، وهذا لم يقرأ شيئًا من كتاب الله قط، كأنه لم يقرأ مرة في القرآن الكريم ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: 70] ولم يقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾ [البينة: 6] فقال: من أهل الكتاب، أي بعضهم، فذكرني بقول القائل: "لا يعرف صحيحاً ولا ضعيفاً، ويظن كل مدور رغيفًا"، يعني هو لا يسمع أن من بيانية، وليست تبعيضية كقول الله U: ﴿وَننَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82] فـهل"من" هنا تبعيضية؟ يعني بعض القرآن هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين والبعض الآخر لا؟ لكن "من" هذه بيانية، مثل ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [البينة: 1] من أهل الكتاب ولا من المشركين، هذا الذي يقوله أهل العلم.
    فلما نضع تقدير ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فهل من المشركين مسلمين، ومن المشركين كفار؟ كيف يجرؤ رجل كهذا وأمثاله على أن يخرجوا فيتكلموا بمثل هذا الكلام؟
    هوان العلماء على أنفسهم، ونحن أعلم أن عز العالم من عز الدولة، لما تكون الدولة عندها اهتمام بالقرآن، عندها اهتمام بالسنة، تجد العلماء فيها أعزة، لما تجد لاعبي الكرة والممثلين متقدمون، إذن...
    هؤلاء عزهم من عز الدولة.
    أسباب إختيار الشيخ حفظه الله لكتاب البخاري :
    السبب الأول:أنا اخترت كتاب العلم من صحيح البخاري؛ لأن العلم به يُعرف كل شيء، بدءاً بمعرفة الله -تبارك وتعالى- والعلم به، إلى أدنى شيء في هذه الحياة، لا تعرف الإيمان ولا التوحيد إلا بالعلم بالله I.
    السبب الثاني:واخترت أيضًا كتاب البخاري؛ لأنه أفضل كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله،.
    الفهم الخاطيء الذي جرأ المتهجمين على البخاري رحمه الله.
    وهناك فهم خاطئ هو الذي جرأ كثيرًا من المتهجمين على البخاري عليه، وهي هذه العبارة الدارجة، (كتاب البخاري أفضل كتاب بعد كتاب الله،) فأنتم تتصورون أن هذا مقارنة بين البخاري والقرآن، ولذلك يقولون: البخاري بشر، والبشر يخطئ ويصيب، مع أن تصويب العبارة، (أن هذا هو أصح كتاب إذا قيس بغيره من الكتب حاشا القرآن،) القرآن لا تضع كتاباً بجانب القرآن أبداً، هذه مسألة وحدها، إنما تجد البخاري إذا قيس بغيره من الكتب التي صنفها أهل العلم فلا شك أن كتاب البخاري سماء.
    مدة تصنيف البخاري كتابة:
    صنف البخاري كتابه في ستة عشرة سنة.
    أنا وأنت عندما نحب أن نؤلف كتاباً من الكتب، نأخذ فيه كم لو تأنينا واستأنينا؟ نأخذ فيه سنة مثلاً أو سنتين، ونحن لم نؤت ذكاء البخاري، ولا الفتح الذي عنده مكث ستة عشرة سنة يؤلف في هذا الكتاب، لذلك أي إنسان يعرف قدر نفسه لابد أن يخاف قبل أن يهجم على هذا الكتاب؛ لأن البخاري ككتاب لم يكن نتاج فهم البخاري وحده، إنما هو موافقة الأمة للبخاري عليه، عصمة الكتاب -إن جاز أن أقول بالعصمة- في أن الأمة تلقت كتابه بالقبول، وأنت تعرف الفشل له أعداءكثيرون، والنجاح يتيم، فالبخاري كان له حسَّاد، فلو وقع منه شيء من الخلل في كتابه في طوله وعرضه وزال هذا الخلل، لوجدت هؤلاء الحسَّاد يتكلمون في البخاري، البخاري يقول على ملايين العلماء، لا تنظر إلى عصرنا؛ لأنه كما قلت فيه هوان للعلم في عصرنا، كتاب البخاري كان لا بد أن يقرأ عدة مرات، العلماء كانوا يسمعون البخاري عدة مرات، وكان هذا الكتاب يقرأ ليل نهار من العلماء المتقنين، وليس من المتطفلين الذين يقرءوا البخاري على الناس، ولا يستطيعون ضبط ألفاظه، ولا ضبط رواته، الذين كانوا يقرءون هذا الكتاب ويقرءون كتب السنة، كانوا علماء كبار.
    فالبخاري ليس نتاج للبخاري وحده، وإنما لموافقة الأمة له، فهذا أصح كتاب بعد كتاب الله U، أو أنه أصح كتاب إذا قيس بغيره من الكتب التي أتت بعده.
    يعني تجد من بعد البخاري مسلم، مسلم عليه من الاعتراضات أكثر مما على البخاري، والبخاري له طريقة في تصنيفه، سنأتي عليها -إن شاء الله عز وجل- ولا مانع أن الدرس درسا علميًّا إنما هو درس عام.
    مقصد الشيخ حفظه الله من عقد الدرس بعد الجمعة:
    والقصد أن أعقد هذا الدرس بعد الجمعة أن يستفيد منه العوام، أن يستفيد الناس من الفوائد الكثيرة من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-.
    فوائد العلم الجمة:
    فالعلم هو الأول والأخير، وإنما جاء الخلل من قلة العلم، وإنما نربي الناس بالعلم إننا لا نملك شيئًا نربي الناس به، لا ننفق عليهم، ولا يربطنا بهم سبب ولا نسب، إنما نربيهم بالعلم، كما كان الصحابة ينظرون إلى النبي r فيتعلمون من سمته ومن دله ويتعلمون من لفظه، أو كما قال بعض العلماء: يتعلمون من لحظه ولفظه r.
    ونريد أن نرجع أدراجنا مرة أخرى إلى ما كان قديماً، وصرنا نغبض الزاد القديم إذا نظرنا إلى هذا الواقع الأليم الذي نعيشه الآن.
    الإنترنت المسيخ الدجال:
    أنا لا أريد أن أسود الشاشة، ولا أريد أن أبالغ في النقض عليها، عندنا أتكلم عن التربية، وعن شبابنا الذي انجرف، بعدما ظهر المسيخ الدجال، الذي هو الإنترنت، صار كل إنسان يستطيع أن يكتب ما يشاء، وأن يستهزئ بمن يشاء، ولا يعلم هؤلاء الكاتبون، أن كل حرف خطته أيديهم هو معروض عليهم يوم القيامة، فالذي يكتب صفحة أو يكتب تغريدة هذا أكبر بكثير من مثقال ذرة، والله U يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 8] وهذا الذي يكتبونه يسد عين الشمس، ولا أقول ذرة، ولا أقول مثقال ذرة.
    عقوبة السخريةوالإستهزاء بالآخرين:
    إن أي سخرية تكتبها إذا ترجمتها بعين رجل ينظر إلى الآخرة هي مجموعة من الحسنات تغادر كتابك إلى كتاب من استهزأت به، والأمر جِدٌّ ليس فيه لعب وإن كان لا أحد يعرفه، وأنت عند الناس مجهول العين، مجهول الحال، مجهول العدالة، فإن الله U يعرفه؛ لهذا أقول: لكل من تسول له نفسه أن يكتب باطلاً ليس فيه حق،أن يعلم أنه سيدلف يوماً بين يدي الله ليس بينه وبين الله ترجمان، فيسأله عما يكتب.
    معاناة المشايخ من تهجم الطلبة عليهم:
    نحن عانينا كثيرًا من تهجم الطلبة على أشياخهم، ولا ندعي عصمة في شيخ من الشيوخ، لا أنا ولا غيري، ولكن كانت الصورة مهتزة اهتزازا شديداً، ومتغيرة تغيراً شديداً، وأي إنسان ينظر فيما جرى في مصر في خلال العامين الماضيين لا يستطيع أبداً أن يثبت على قدمه، والأحداث متغيرة، فاليوم يقول شيئًا، وغداً يقول نقيضه، ليس لأنه متناقض، ولكن الحدث تغير، وأنا قريبا لو تذكرون كلامي عندما كنت أقول: إذا رأيت فتوى خاطئة لعالم فانظر إلى السؤال الموجه، فلأن تتهم الذي سأل أفضل من أن تتهم العالم، إن العالم يدري ما يقول، ولكن ربما وجه السؤال خطأً، وحتى لو أنت كنت ممن ينظر في الكتب، ورأيت أجوبة العلماء مقرونة بالسؤال، تعلم أن جواب العالم سديد، حتى وإن كان خطأً؛ لأنه على مقتضى السؤال.
    فلو أن السائل سأل بطريقة صحيحة، لأجابه العالم بطريقة صحيحة.
    سبب تغيب الشيخ وقلة ظهورة:
    فهذا شيء يا إخوان؛ لأني أحب لكم من الخير ما أحب لنفسي... وأنتم تعلمون أني كنت قليل الظهور، قليل الكلام، وما شغلني إلا أنني كنت أتأمل هذا الذي يجري على الساحة، وكنت أحدث بعض إخواني، وأسجل ملاحظاتي على ما أرى.
    أنا أحاول أن أستعيد شيئًا من المجد القديم، الذي كلما نظرت خلفي أحسد تلك الأيام، برغم شدتها إلا أنها كانت تجمعنا على قضية.
    هل يذكر أحدكم أنه كان يعاني كثيرًا حتى يأتي هذا الدرس؟ يأتي من بلاد بعيدة، ويأتي وهو معرض لأن يقبض عليه، وينزل قبل الكمين، ويمشي في الحقول، حتى يأتي، كان صاحب قضية، أما الآن فما هي قضيتك التي تقاتل عليها؟
    إنني أعقد هذا الدرس في كل أسبوع -إن شاء الله- بعد صلاة الجمعة؛ لأجدد العهد القديم، ولألملم أطراف شبابنا، التي ذهبت شزر مزر، ونرجع مرة أخرى إلى أسلافنا القدامى، الذين نقلوا إلينا نفس العز.
    أحيانًا من كثرة الهم يحصل لي ما كان يقوله موسى عليه السلام: ﴿وَيضِيقُ صَدْرِي ولَا يَنطَلِقُ لِسَانِي ﴾ [الشعراء: 13] كأنها صفة غالبة عليَّ، كأن لساني عقر، و كان قديماً منطلقاً، لأنه كان هناك قضية كبيرة أحارب من أجلها.
    أنا لا أريد أن أبث اليأس في أنفسكم، ولكن هذا ما تشعرون، أجلس كثير بيني وبين نفسي يكون من أجله كلام كثير ولكنني لا أستطيع أن أعبر عنه.
    كتاب الإمام البخاري -رحمة الله عليه- كتاب كبير، والهجوم عليه كثير، وحرس الحدود قليل، إنني أتمنى أن أجد فيكم ما كنت أأمله قديماً فيكم، وأن أجد فيك الروح الوثابة الفتية، التي تناضل عن دينها، ولا ترى شيئًا إلا هذا الذي قاله أبو بكر t يوماً لعمر: "أيها الرجل استمسك بهذا الغرس".
    كثرة مفاتيح البخاري رحمه الله:
    كتاب البخاري له مفاتيح كثيرة، سواء فيما يتصل بتصنيفه أو بشرطه، أو بتراجمه أو بترتيب أبوابه وكتبه، ولعلي من خلال كتاب العلم أرجع إلى هذه الأبواب فأبين شيئًا منها -إن شاء الله.
    أما البخاري كإنسان فهذا مما عقرت الأرحام أن تنجب مثله.
    مولده ووفاته:ولد في شوال ومات في شوال.ولد 13 شوال، ومات في أول شوال.ولد سنة 194، ومات ليلة عيد الفطر سنة 256، فكان عمره 62 إلا ثلاثة عشر يوماً.
    حياة البخاري حياة إنسان ليس له نظير.
    ما بين المولد وما بين الوفاة حياة إنسان ليس له نظير، قال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، كان آية من آيات الله الباهرة.
    بداية رحلته العلمية:
    ابتدأ رحلته العلمية وهو دون العاشرة، فقد عينيه وهو طفل صغير، فبكت عليه أمه طويلاً؛ لأنه كان له أخ اسمه أحمد، هو وأحمد فقط، بكت عليه أمه كثيرًا، فمن كثرة بكائها نامت، فرأت في الرؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال لها: يا هذه إن الله قد رد بصر ابنك بكثرة دعائك، أو قال لها: بكثرة بكائك، فوجدت أن الله -تبارك وتعالى- رد بصره إليه.
    بداية الإمام البخاري رحمه الله:
    وهو دون العاشرة اختلف إلى مجالس أهل العلم، كان في بخارى آنذاك عالم كبير يقال له الداخلي،ساق سندا، فقال فيه: أبو الزبير عن إبراهيم، فقال له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، قال له: اسكت يا غلام، دون العاشرة، ابن تسع سنوات مثلاً أو ثماني سنوات، فقال له البخاري: ليس بلهجة صبي صغير، إنما بلهجة عالم محقق قال له: ارجع إلى أصلك، الأصل هو الكتاب، كان العلماء قديماً يكون لهم كتب، فإما يحدث من حفظه أو يحدث من كتابه، فقال له: ارجع إلى أصلك، أي ارجع إلى كتابك، فدخل هذا العالم فأحضر كتابه، فقال له: كيف هو إذن يا غلام؟ قال: إنما هو الزبير بن علي عن إبراهيم، قال: صدقت يا غلام.
    تلك كانت بداية الإمام البخاري أنه يرد على عالم من أكبر علماء بخارى آنذاك.
    سمع الإمام من شيوخ بخارى، وكان خلفه أم يقظة، وهي التي ربت الإمام البخاري، وعندنا في التاريخ أمهات يبدأ بذكرهن ويعاد، ليست طبيعة الأمهات في عصرنا، أهم حاجة عند الأم الولد يدرس الجغرافيا والتاريخ والمواد الاجتماعية، والأب ينفق مئات أو ألوف الجنيهات لأصل هذا التحصيل الهزيل، وفي الآخر إذا ترقى الولد وتدرج وأخذ الشهادة الجامعية يخرج بورقة لا تسمن ولا تغني عن جوع، وتجده يعمل في محل، أو في بقالة، أو أي شيء، معك ماذا يا بني؟ معي ليسانس آداب، معي بكالوريوس هندسة، ويعمل في أي شيء، وتذهب الأعمار في مثل هذا.
    أمهات يقظات:
    يوجد أمهات عندهن يقظة، مثل أم البخاري، ومثل أم سفيان الثوري، والشافعي، والأوزاعي، كل هؤلاء علماء بلغوا مبلغ الاجتهاد، ويبدأ بذكرهم ويعاد إذا ذكر الفقه أو ذكر الحديث، الإمام الشافعي اليوم شطر الدنيا تدين بمذهبه.
    الشافعي كان كالشمس للدنيا، والعافية للناس، أمه ربته، سفيان الثوري ذاك الإمام الزاهد العابد،ديناً وعلماً وفقهاً، وكان لا يطاوله أحد في الكوفة بل يمكن في سائر بلاد الإسلام، لم يكن يوجد في معناه مثله.
    تدرجت محنة الإمام البخاري لما بلغ من الحج هو وأخوه أحمد وأمهم حجوا ثم تخلف الإمام البخاري -رحمه الله- لطلب الحديث في الحرمين.
    طاف الدنيا، ذهب للكوفة وإلى البصرة وإلى الجزيرة فيما يقال. وذهب إلى مصر شرف مصر بأن دخلها وأخذ عن كبار علمائها، كسعيد بن أبي مريم.. وعبد الله بن يوسف التلميسي وأحمد بن مشكاة، هؤلاء كانوا من العلماء المصريين، من شيوخ الإمام البخاري، وأخذ عن عمرو بن خالد، وهو من الجزيرة، أخذ عنه في مصر.
    ثناء شيوخه عليه:
    يقول الشيخ الحويني حفظه الله :لا أعلم شيخاً أثنى عليه شيوخه مثل الإمام البخاري -رحمه الله.
    ثناء الإمام أحمد :
    الإمام أحمد أثنى عليه ثناءً عاطراً، وفي آخر مرة دخل عليه بغداد، قال له: يا أبا عبد الله، أتذر العلم والناس، وتذهب إلى خراسان؟ لما وقعت المحنة بالإمام البخاري، قال: فأنا الآن أذكر قوله -أذكر قول الإمام أحمد.
    ثناء محمد بن بشار:
    محمد بن بشار .. هذا له كلام عاطر كثير عن الإمام البخاري رحمة الله عليه، عمرو بن علي أحد شيوخ البخاري زار أصحابه البخاري يوماً فسألوه عن حديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فذهبوا فرحين إلى عمرو بن علي، وقالوا: إننا سألنا البخاري عن حديث فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي شيخ البخاري: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث، على ماذا تفرحون؟ إذا قال لا أعرفه، اغسل يديك منه.
    مصنفات الإمام البخاري رحمه الله:
    صنف الإمام البخاري كتباً كثيرة، منها:
    1-كتاب التاريخ الكبير، صنفه ثلاث مرات.
    2-التاريخ الأوسط.
    3- والتاريخ الصغير.
    4-صنف أيضًا الأدب المفرد.
    5-صنف الصحيح الذي نتكلم عنه، وهو الذي يبدأ لذكره ويعاد، في سلسلة طويلة من الكتب كلها تشهد لهذا العالم الكبير بالتقدم على أقرانه بل على مشايخه.
    حفظ الإمام البخاري رحمه الله:
    الإمام البخاري كان باقعة في الحفظ، يعني اليوم فيه دورات تعقد لحفظ الصحيحين، وينفق عليها كثير من الأموال، ومع تقديري لهذا الحفظ لكنني من تجربتي أعلم أنه غير كثير فائدة، لاسيما أن القرآن إذا تركه صاحبه نسيه، وهذا كلام الله، فكيف يستقيم حديث النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري أو في مسلم مع كثرة ألفاظه ورواياته في نفس إنسان؟ لابد أن ينساه،لذلك كان يكلمني بعض الشباب أول أمس، يقول: أنا حفظت البخاري ومسلم عن ظهر قلب.. اضطرني أبي إلى العمل معه فنسيت كل شيء، قلت: يا بني هل تعرف كيف صنف البخاري كتابه؟ قال: لا، قلت: هل تعرف ما اسم صاحب الكتابة بالكامل؟ قال: لا، قلت: إذن أنت لا تعرف إذا وجه طعن إلى هذا الكتاب الذي تحفظه، أنت لا تستطيع أن تجيب عنه، قال: نعم، قلت: إذن ما فائدة حفظك؟
    نحن نحتاج إلى معرفة مفاتيح الكتب، أما حفظ الأحاديث، فهذا يأتي تباعاً، كما حفظنا أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-، .. درس تلقيه أو خطبة تلقيها، أو فتوى تفتيها، كل هذا تحتاج فيه إلى الرجوع إلى حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-، أنا لا أجحد أن تكون هناك ثمة فائدة، في الحفظ، لكنها فائدة قليلة، إذا قيست بما أنفقه الطالب من الوقت في هذا الكلام، أنا عندي أن يعرف كيف يدافع عن البخاري، يعرف كيف صنف البخاري كتابه، حتى يرد على هؤلاء المتاجرين، هذا أفضل من أن يحفظ الأحاديث.
    لو أن رجلا قال لرجل يحفظ البخاري: هذا الحديث مكذوب، ما يستطيع أن يدافع عن البخاري إلا أن الأمة اجتمعت على أن هذا أصح كتاب بعد كتاب الله، وهذا وإن كان فيه غنية، لكن ليس بكافي.
    هذا الكتاب هو قبة مصنفات الإمام البخاري رحمة الله عليه.
    قدر الإمام البخاري رحمة الله عليه :
    دخل الإمام البخاري بغداد، كما ذكر ابن علي في أسامي شيوخ البخاري، له كتاب اسمه هكذا "أسامي شيوخ البخاري".
    وروى عن عدة من شيوخه، أن الإمام البخاري لما دخل بغداد تهافت عليه الناس فسألوه أن يعقد لهم مجلساً في الحديث، فعقد لهم مجالس، وكان في أحد هذه المجالس عقدوا له امتحان، وهذا مما يبين قدر الإمام البخاري رحمة الله عليه.
    عدوا إلى مائة حديث، فقلبوا أسانيدها ومتونها، يعني جعلوا الأسانيد مقلوبة، وأعطوا المائة عشرة من الرجال، قالوا إذا انتهى الإمام من النداء كل واحد يقوم يقرأ عليه الإسناد والمتن.
    قام الأول، قال عشرة أحاديث، يقول البخاري في كل حديث، أنا لا أعرفه.
    قال الثاني عشرة أخرى، البخاري يقول: لا أعرفه.
    الثالث الرابع، إلى تمام العشرة، كل هذا والبخاري يقول: لا أعرفه، لا أعرفه.
    أما العلماء فقالوا: فطن الرجل، وأما العوام فاستصغروا البخاري؛ لأنه قال في كل حديث: لا أعرفه، لا أعرفه، في تمام المائة، فلما انقضى الأخير بإلقاء الأحاديث، قال الإمام البخاري للأول: أما حديثك الأول فإسناده عند الثاني، وأما حديثك الثاني فإسناده عند الرابع، وأما حديثك الثاني فإسناده.. حتى رد المائة حديث إلى أسانيدها، فما قام من مقامه إلا وقد أذعنوا له بالفضل.
    يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمة الله عليه معلقاً على هذه الحكاية: ليس العجيب أن يعرف البخاري الصواب، فهذا يعرفه كل أحد، ولكن العجيب أنه حفظ الخطأ على ترتيب ما ألقوه، حتى أنه يرد متن الحديث الأول بإسناد الرجل مثلاً الثاني أو الرابع، فيرد الأسانيد إلى متونها.
    هذا هو قدر الإمام البخاري رحمة الله عليه.
    وهذا يعرف عند المحدثين بالإغراب، الإغراب أن تأتي على متن مشكول بسند غريب، هذا اسمه الإغراب، ولذلك هذا الإغراب تكثر فيه المنهجية.
    (ما من عالم رباني إلا وله محنة، لما تقرا في سير العلماء تجد هذا العنوان "محنته".
    محنة الإمام ابن النابلسي:
    والعلماء الربانيون امتحنوا بامتحانات شتى، منهم: ابن النابلسي، هذا الإمام المصري الكبير، الذي يلقب بالشهيد، كان في دولة الباطنية، وكان يقول: (لو أن عند المرء عشرة أسهم، فإنه يجب أن يلقيها في هؤلاء،) فبادرهم هذا القول فأتوا به، وقالوا: بلغنا أنك قلت: إذا كان للمرء عشرة أسهم،فإنه يلقي فينا عشرة، وفي الروم واحدة -الروم هم النصارى-قال: كذبوا عليك، بل قلت: إذا كان لدى المرء عشرة أسهم، فيلقي فيكم تسعة، ويلقي العاشر فيكم، فأمروا به فسلخ حيًّا، وأمر يهوديًّا بسلخه حيًّا، والكلمة التي تكلم بها وهو يُسلخ كان ذلك في الكتاب مسطوراً، رق قلب اليهودي له، وهو يسلخه، لما وصل إلى قلبه طعنه بالخنجر حتى يريحه من هذا العذاب.
    لما تقرأ سير العلماء يخف عليك ما تجد.
    كان أبو حنيفة -رحمه الله- يقول: (ذكر سير القوم أحب إليَّ من كثير من الفقه لأنه يثبت).
    نصيحة الشيخ لطلبة العلم:
    وأنا أقول لطلبة العلم: كلما مرت عليك سحابة من الكآبة .. فعليك بسير العلماء فإنه ينفض عنك هذا الغبار، وأنا جربت هذا في حياتي كلها، لا يكاد يدور يوم إلا وأطالع سيرة عالم أو أكثر من العلماء، وفي بعض العلماء طالعت سيرتهم أكثر من مائة مرة، مثل سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك، وبلال الشافعي، وأحمد بن حنبل.. بن أسلم -رحمة الله عليهم جميعاً.
    الكلمة التي كان لها الأثر الكبير في مطلع حياة الشيخ حفظه الله:
    عندما تقرأ سير هؤلاء تشعر بحماسة تعتريك، يعني أنا لا أزال أذكر كلمة أبي مسلم الخولاني، هذه الكلمة قرأتها في مطلع حياتي العلمية، وأنا في سنة أولى كلية، سنة 75، 76، وهذه الكلمة كان لها أثر كبير عليَّ في فترة من فترات عمري، كان أبو مسلم الخولاني يصلي قائماً بالليل، كان يركع على عصا، فكلما تعب كان يضرب قدميه بالعصا، ويقول: (لأنتما أحق بالضرب من دابتي، أويظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً، ويقوم يصلي).
    فائدة:لما تقرأ في سير العلماء تأخذ علماً، تأخذ أدباً، أي مصيبة تعتريك تعلم أنها مصيبة قليلة إذا قيست بمصيبة العالم.
    الإمام البخاري لم يخل من مصيبة اعترته، وبسببها لم يستقر في بلد، كلما يذهب إلى بلد تطارده هذه المحنة، فيخرج منها إلى بلد آخر، حتى أنه دعا على نفسه بالموت، فلم يبق إلا شهراً واحداً ومات، رحمة الله عليه.
    سمعه بعض تلاميذه في الليل، وهو يقول: (اللهم إنه ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فما مضى شهر حتى قُبض) وطبعاً هذا بعض الناس كانت تصور أنه معارض لحديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لا تتمنوا الموت» وسنأتي للإجابة عن هذا بعد قليل.
    محنة الإمام البخاري تتلخص في ما يلي:
    كان هناك محنة في آخر عصر المأمون واستمرت في عصر المعتصم والواثق، حتى جاء المتوكل ورفع هذه المحنة، محنة أطلق عليها في الكتب: (محنة خَلْق القرآن)، أي أن القرآن محدث، وطبعاً أنا لا أريد أن أدخل في شرحها، لأن هذا يستغرق وقتاً طويلاً.
    لكن أفتى كل علماء المسلمين بأن من اعتقد أن القرآن مخلوق؛ لأن كلمة مخلوق ما هي؟ يعني لم يكن فكان أي مخلوق كان عدماً ثم كان، وكلام الله -عز وجل- صفة لازمة له، فعندما تقول القرآن مخلوق، يعني كأنك تقول: إن الله لم يكن متكلماً ثم تكلم، هذا باختصار.
    وصفات الله كلها أزلية، ليس هناك شيء اسمه صفة حادثة،لم يستفد اسم الخالق من الخلق، بل كان خالقاً قبل أن يخلق، وكان متكلماً قبل أن يتكلم، هذه المسألة الذين يقولون: القرآن مخلوق، يريدون أن يقولوا: أن الله -عز وجل- لم يكن متكلمًا ثم تكلم، فهذا كفر بصفة الكلام، والكفر بصفة واحدة من صفات الله -عز وجل- حتى لو أقر بكل ما أنزل الله -عز وجل- على نبيه صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
    مثل الرسل، لو آمن بكل الرسل، وكفر بنبي من هؤلاء الأنبياء لكان كافراً، ولا تنفعه ما عنده من الإيمان والعلم.
    هذا باختصار فتنة خلق القرآن.
    ففرقة اسمها الجهمية هي التي تبنت القول بخلق القرآن، فلما وجدوا أن العلماء جميعاً يكفرون قائل هذه المقالة عمدوا إلى أسلوب آخر كعادة المبتدع، يريد أن يحصل نفس الفكرة لكن من طريق آخر، فابتدعوا شيئًا يسمى اللفظ.
    القرآن مخلوق، هذا يكون كافر، لكن الذي يقول: ( لفظي بالقرآن مخلوق)، ماذا يكون؟ نحن قلنا عندما تقرأ القرآن أنت تتلفظ به أم لا؟، عندما تقول: ( لفظي بالقرآن مخلوق،) صحيح أم خطأ؟ .
    أن لفظي تحتمل أمران: تحتمل التلفظ وهو حركة اللسان، وتحتمل الملفوظ وهو القرآن، لما كانوا يقولوا القرآن مخلوق يقول .. طيب رجل قال مخلوق يضطر يستفسر منه، أنت ماذا تقصد؟ تقصد تلفظي، وهو حركة اللسان؟ أم تقصد الكلام الملفوظ الذي هو القرآن نفسه؟ .. فالعلماء لكي يسدوا الباب قالوا: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، مبتدع لماذا لا تكفره؟ لاحتمال أن يقصد حركة اللسان، وحركة اللسان مخلوقة بلا شك، أم أن هناك شك في ذلك؟ يعني أنت كنت ساكت، ثم قرأت، القراءة حادثة، حادثة الآن، لم تكن تقرأ منذ قليل، والآن تقرأ، فحركة اللسان حركة حادثة، إنما الملفوظ من القرآن كلام الله -عز وجل- غير مخلوق.
    فبدأت حركة اللفظية تسري في الأمة، والجمهية يلعبوا نفس اللعبة، فالعلماء واجهوها، فالبخاري في يوم من الأيام وهو في المسجد، يلقي درسا على الناس فسأله واحد، قال له: يا أبا عبد الله ما تقول لفظي في القرآن مخلوق؟ أم لا؟ سكت البخاري، فأعاد عليه السؤال مرة ثانية، سكت البخاري، فأعاد عليه السؤال لثالث مرة، فقال له البخاري -رحمه الله-: (القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعالنا مخلوقة).
    أفعالنا التي هي :حركة اللسان، الكلام واضح جدًّا، لا يلتبس، وهذا الذي عليه علماء الأمة كلهم، القرآن (كلام الله غير مخلوق، وأفعالنا مخلوقة، )لم يقل ألفاظنا، لم يتكلم ... طبعاً البخاري كان يحتار ... فكان فيه أكثر من مستن، لما كان يقول: حدثنا، كان فيه واحد يقول: حدثنا، وآخر يقول: حدثنا، وثالث يقول: حدثنا، إلى أن يسمع الكل، هذا كان يسمى بالمستن.
    فلما البخاري .. والذي يسأله هنا، وخلفه أمم، هل أحد يسمع شيء من الذي في الخلف؟ شغر عليه هذا الرجل، وقال البخاري يقول: ( لفظي بالقرآن مخلوق).
    كان إمام النيسابور آنذاك الإمام محمد بن يحيى الذهلى، يبدع من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فبلغ محمد بن يحيى الذهلي أن البخاري يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، قال: هذا الرجل لا يعول عليه، لابد أن يترك نيسابور.
    خرج البخاري من نيسابور، وذهب إلى سمرقند، وضعوه في سمرقند.. محمد بن يحيى الذهلي كان له حشمة في نيسابور كحشمة أحمد بن محمد في بغداد، فكلما يذهب محمد بن إسماعيل البخاري يذهب إلى بلد يصل كتاب إليهم: أخرجوا هذا الرجل.
    ظل البخاري يخرج من بلد إلى بلد، تطارده هذه الفرية أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولم يقلها الإمام البخاري.
    إلى أن وصل أخيراً إلى بخارى، مركزه ، فعبد بن طاهر بعث له، قال له: تعالى إلى قصري واقرأ كتاب الصحيح، وكتبك، فأرسل إليه البخاري، قال: (أنا لا أحمل العلم، ولا آتي أبواب السلاطين، فإن كان لك حاجة فائتني).هذه عزة العلم، فعز العلم والعالم كان من عز الدولة.
    فأوغر صدر عبد الله بن .. عليه فخرج إلى قريته،وإلى مسقط رأسه، ودعا على نفسه بما سمعتم.
    متى يجوز أن يدعو الإنسان على نفسه بالموت ومالدليل؟
    طبعاً لا تعارض بين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عن النفس بالموت، وبين قول النبي -عليه الصلاة والسلام- إنما نهى أن يدعو المرء على نفسه بالموت إذا عرضت له مصيبة من مصائب الدنيا، أما إذا خاف المرء على دينه فيجوز أن يدعو على نفسه بالموت.
    أدلنهم:
    1-قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يمر الحي على قبر الميت فيقول يا ليتني مكانك» بسبب كثرة الفتن التي تعتري الناس.
    2-واستدلوا أيضًا بآثار عن بعض الصحابة كأبي أبي هريرة رضي الله عنه عندما قال: «اللهم لا تدركني إمارة الصبيان، ولا سنة ستين» سنة ستين هجرية، قال: اللهم لا أعيش إلى سنة ستين هجرية، فمات أبو هريرة سنة ثمان وخمسين، سنة ستين هذه كانت إمارة يزيد بن معاوية رضي الله عن أبيه.
    فليس هناك تعارض بين نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو المرء على نفسه، وبين نهى عن تمني الموت، أو لا تتمنوا الموت.
    وفاة البخاري رحمه الله:
    مات البخاري ليلة عيد الفطر، لسنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة، إلى ثلاثة عشر يوماً.
    أنا قصرت ترجمة الإمام البخاري، ولن أقف عند كثير من عباراتها؛ لأنني ترجمت له كثيرًا قبل ذلك، لكنها سنة جارية عند أهل العلم إذا شرحوا كتاباً من الكتب فإنهم يترجمون بصاحب هذا الكتاب.
    موعدنا -إن شاء الله تبارك وتعالى- في الجمعة القادمة، في أول كتاب العلم من صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
    انتهت المحاضرة الأولى أختكم أم محمد الظن نسألكم الدعاء.
    رابط المحاضرة مفرغة بموقع الشيخ الحويني
    http://www.alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=12253
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: صفحة تفريغ كتاب العلم للشيخ الحويني حفظه الله


    شرح كتاب العلم
    لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني
    الدرس الثاني
    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
    اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    فقبل أن أدلف إلى كلامي عن كتاب الإمام البخاري -رحمة الله عليه، كثير من إخواني من التلاميذ، عندما أكون حاضراً في خطبة الجمعة، ولا أكون خطيبا، يهمس في أذني معتذراً، أنه يخطب وأنا حاضر، بالذات في هذا المسجد، فأنا لا أرجو أن يتصور إخواني من طلبتي أن هذا أمر غير حميد، بالعكس أنا كلما أنظر إلى غرسي، وإلى زرعي، وأراه بعيني لا شك أن المرء يحمد الله -تبارك وتعالى-، وهذا هو المنتظر، يعني كان ينبغي أن هذا الجيل يظهر من قديم، نحن ربينا -الحمد لله- أجيالا، يمكن أربعة أجيال في خلال ثلاثين سنة، أو خمسة أجيال، لم يصمد منهم إلا الواحد بعد الواحد، يعني هذا المسجد الذي يحضره مثلاً وهو ممتلئ عن آخره، أنا أتمنى أن يخرج عشرة فقط، لو خرج عشرة فتلك هي الغنيمة الباردة، وأما الباقون فيكفينا أنهم على الطريق، أنهم تحت الراية، وهذا شيء حميد، أن تكون في فسطاط أهل السنة والجماعة، وألا تنبذ باعتقاد مخالف قبل أن تموت، فإن النبذ بالاعتقاد المخالف أعظم من هتك العرض، مع بشاعة هتك العرض، لكن كون المرء يرمى ببدعة قبيحة من هذه البدع المنتشرة، بدعة الرفض، وبدعة التجهم.. إلى آخر الفرق التي ظهرت في هذه الأمة، وهي فرق مبتدعة، وفرق مقبوحة، لا يكون المرء تحت راية واحد منها، هذا من أعظم العافية، التي ينبغي لأي امرئ أن يحمد الله -تبارك وتعالى- أنه عافاه منها.
    فأنا -الحقيقة- أسجل سعادتي وسروري، عندما أرى أحد طلبتي أو تلاميذي يخطب وأنا موجود، وقديما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لسعيد بن جبير -رحمه الله-: "قم تكلم يا سعيد، قال: يا أبا العباس، أتكلم وأنت حاضر؟ قال: نعم، تخطئ فأسددك"، لأن المرء إذا وجد من يسدده، لا سيما في حياة مشايخه، فهذا من أعظم المنن، بدلاً من أن يحطب فيما يرى، ولا يدري أهو على صواب أم لا.
    وأنا أذكر أول ما بدأت أشتغل في سنن النسائي، في كتاب بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن، كتبت مجلدة بخط يدي، وصورت منها عدة نسخ، وكنت أعطيها لمن أظن فيه الخير والعلم بهذا الفن، حتى أستفيد من ملاحظاتهم، وكانت أكبر أمنية لي أن يقع هذا الكتاب في يد شيخنا الإمام حسنة الأيام الشيخ الألباني -رحمة الله عليه-، لماذا؟ لأنه إمام الفن، وهو صاحب القوس في هذا الزمان، وبورك له في عمله، وفي حياته، حتى صار اسمه يذكر في كل حواشي الكتب تقريباً، برغم أن هناك في جنبات الأرض من هم على علم بالحديث، بالحديث كصناعة، لكن فيما أرى والله حسيب الشيخ -رحمة الله عليه- أنه كان يتسنن بالحديث، لا يتخذ الحديث صناعة، نحن عندنا مشكلة، أن عندنا صنايعية، لا، نحن لا نريد الصنايعية، نريد رجالا يتسنون بالحديث.
    وقديما أتى عبد الله بن عبد العزيز -الإمام البغوي الكبير- وكنيته أبو القاسم، من مشايخ الدار قطني وهذه الطبقة، ولما تجده في الكتب -وأنا أقول هذا الكلام لطلبة الحديث- ساعات تجد في الإسناد ابن بنت منيع، ابن بنت منيع هو أبو القاسم البغوي، وإذا قال الدار قطني وطبقته: حدثنا ابن منيع، فهو أيضًا، بخلاف لو الترمذي، قال: حدثنا ابن منيع، يكون أحمد، وهو جد أبو القاسم؛ لأنه نُسِبَ إليه، كان أحمد بن منيع جد أبي القاسم لأمه.
    فأبو القاسم البغوي -رحمة الله عليه- ذهب إلى شيخه الإمام أحمد بن حنبل، أنظر التلامذة والشيوخ، شيء يسر القلب، فقال: "يا أبا عبد الله، إني ذاهب إلى فلان"، فلان هذا أحد الشيوخ الكبار، أصدقاء أحمد بن حنبل أو من طبقته، فاكتب لي إليه، شفاعة منك له، لكي عندما يعلم أني من طرفك يهتم قليلاً، فكتب له الإمام أحمد، قال: "قادم إليك رجل يشتغل بالحديث"، فالبغوي لم تمر عليه،فلفت نظره هذه الكلمة، فقال: "يا أبا عبد الله، هلا قلت له: قادم إليك رجل صاحب حديث؟" فقال له: "إن صاحب الحديث عندنا من يعمل بالحديث" ليس صنايعي، تفرق، صنعة التخريج وأخرجه فلان،هذا صدوق، هذه صنعة، مثل أي صنعة، صنعة حداد صنعة نجار صنعة طبيب، صنعة صيدلي، صنعة من ضمن الصناعات.
    فالشيخ الألباني كان ممن يتدين بالحديث.
    فالشيخ الألباني أحسبه والله حسيبه، كان ممن يتدين بالحديث، لذلك بورك له في أثره، إلى الآن يقولوا الألباني.. الألباني.. الألباني.. ولا تفتح حاشية كتاب إلا صححه الألباني ضعفه الألباني، على رغم أنف شانئيه والمشتغلين أيضًا بالحديث، وماتوا وهم أحياء، ماتوا قبل الممات.
    أكبر أمنية كانت للشيخ الحويني في بداية طلبه للعلم.
    فكان أكبر أمنية لي أن إمام الزمان يطلع على شغلي، وبعد ذلك يرمي في وجهي، لو رماه في وجهي أنا أراجع نفسي، لو قال: بعضه حسن وبعضه غير حسن.. جميل أيضًا، لو أثنى عليه، تلك الغنيمة الباردة أفضل مما ورثت عن أبي، -رحمة الله على أبي، وآبائكم أحياءً وأمواتًا.
    فكان عندنا أخ -معذرة أنا شردت عن البخاري، ولكن ستستفيدوا أيضًا -إن شاء الله.
    زارني أخ من نابلس اسمه نهاد كمال، وقال لي: إنني ذاهب إلى الأردن للشيخ الألباني، فرجوته أن يحمل هذا الكتاب -الجزء الأول من مبادئ الإحسان- وقلت له: أنا أتمنى أن يصل هذا الكتاب إلى الشيخ الألباني ووعدني وصدق في وعده -جزاه الله خيراً- وأوصل الكتاب للشيخ، بعد حوالي ستة أشهر، وأنا أعمل مع نفسي، ولا أعرف الكتاب وصل أم لا، جاءني أخ لا أعرفه، بشريط كاست، وقال لي: أنا كنت في مجلس الشيخ الألباني، وذكرك، ذكرني بماذا؟
    العلماء الكبار، وهذه ورثناها عن أئمة الجرح والتعديل، لما يقول فلان ليس بثقة، أوقعه انتهى الأمر، رحلته في طلب الحديث ضاعت، وسهره الليالي ضاع، والكتابات التي كتبها، والقراطيس، الحبر والدواة، كل هذا ضاع في الأرض.
    لو وقف أمام علماء الجرح والتعديل، وقالوا: هذا ليس بثقة، أو ضعيف، خُرِبَ بيته، ذهب رأس ماله.
    فالعاقل دائماً يتجنب مذمة أهل العلم؛ لأنه إذا لم يشعر بها اليوم، فالمذمة إذا كانت تدون في كتاب ستبقى له على الدهر، يعني المسألة ليست بسهلة.
    فخفت جدًّا، وقلت له: أين الشريط؟ قال لي: أنا نسيته في الحقيبة لم أتحمل، قلت له: أين تسكن؟ وكنت وقتذاك فقيراً، أتيت بالشريط، وأنا طوال الطريق، أقول: أليس من نكد الدنيا، لم يكن معي جهاز كاسيت الآن أسمع في الأوتوبيس لماذا؟ متعجل، أريد أن أعرف، حكم عليَّ بالإعدام، أم ماذا قال؟
    الحقيقة كانت مفاجأة بالنسبة لي، وأنا كنت شاباً يافعاً، ولا أطمح إطلاقاً أن الشيخ الألباني حتى يمرر اسمي على لسانه.
    فالسؤال كان: سأله بعض جلسائه في هذا المجلس، قال له: اذكر لنا أفضل الشروح لكتب السنن الأربعة، وأنا الحقيقة لا أنسى عبارته أبداً.
    ذكر شروح لأبي داود، وشروح للترمذي، وابن ماجة، وإن لم يذكر ابن ماجة شيء؛ لأن الشروح عليه قليلة جدًّا، فلما جعل ذكر النسائي -الذي أعمل أنا فيه- قال: أما سنن النسائي، فأنا لا أعلم، أو لم أطلع على كتاب يفيد في هذه الناحية، لكن وصلني أخيراً جزء من بعض المشتغلين بالحديث.. ، اسمه حجازي، فأنا أرى أنه كتاب مفيد بالنسبة لما يصنف في هذا الوقت.
    لا تعرف هذه الكلمة كيف كانت بالنسبة لي، كأنني ولدت من جديد لم أنم ليلتها، من كثرة ما أنا أعيد وأسمع، وأرجع الشريط، ثم قمت على مكتبتي، وكانت تحتاج إلى ترتيب، ولو أن المكتبة كانت ضعيفة جدا كنت أصف الكتب بجوار الجدار، الجدران الأربعة، وأنا متصور أنني أحد أصحاب المكتبات.
    فعندما أصفه، آتي بالفن على الفن، الحديث على الحديث، والفقه على الفقه، وفرح بنفسي، كنت أسكن آنذاك في عين شمس، في مكان ليس فيه كهرباء، فكنت أعمل "بالكلوب"، ولم يكن أيامها الحمد لله فيه أزمة جاز، ولا شيء.
    فسهرت طوال الليل أسمع وأقرأ، هذه كانت من أعظم المنن عليَّ، التي جعلتني أصعد إلى فوق، وأشعر بالثقة في عملي؛ لأنه لا أحد يقيم عملي، فأنا لا أعرف هل أنا أسير في الطريق الصحيح أم لا؟ فمن أكبر المنن أن تجد أحد في فنك الذي تعمل به، يقول لك: أحسنت وأنت مجيد.
    فالقصد أن المرء إذا خرج من هذا الجمع بضعة أشخاص، لكنهم يحسنون هذا الفن، وأنا لي رغبة كبيرة، أنكم تستمتعوا بكتاب البخاري، هذا الكتاب متعة، أنا والله أقرأ فيه أحيانًا لكي أستمتع بترجمة البخاري على الحديث، وأظل أتأمل.
    أنا لا أعرف والله الذي يتكلم على البخاري ماذا يستحق، لكن "لا يعرف الفضل لأهل الفضل، إلا ذو الفضل، ومن جهلت نفسه قدره، رأى غيره منه أعظم مما يراه".
    هذه كانت حاشية على المحاضرة،.
    في المرة الماضية ترجمنا ترجمة مختصرة للإمام البخاري، على أساس أنني ترجمت له كثيرًا وفي أوقات متفرقة، وإن كنت أتمنى من قلبي أنني أترجم له، وإن كان بعض الحضور لم يسمع، لماذا؟ لأن الجمهور دائماً متجدد فينبغي أن نعيد الكلام مرة ومرة ومرة، حتى لو كان بعض الموجودين حفظ هذا الكلام عن ظهر قلب، لماذا؟ لأننا نحن الآن نخاطب أهل المسجد، ونخاطب الملايين بعد ذلك، إذا عُرضت هذه المحاضرات في فضائية أو شيء، يسمعها الملايين، ويكون شيئًا جديداً بالنسبة لهم.
    لكن في ثنايا الكلام عن كتاب البخاري، أكيد سنذكر أشياء تتعلق بالبخاري من جهة الكتاب.
    مدخل كتاب البخاري رحمه الله:
    نحن اليوم سنتكلم عن مدخل لكتاب البخاري، لما تأتي أنت في الجامع لو لم يكن معك المفتاح، لا تستطيع أن تدخل، كل كتاب له مدخل، له باب ومفتاح، لابد أن تعرف أين ستدخل؟ ، ومن الذي ستلقاه؟.
    فكتاب البخاري أو كتاب مسلم، أو أي كتاب في الدنيا، حتى لو كتاب أنت مؤلفه، لابد أن يكون له مدخل، ولذلك أنت تكتب مقدمة في الأول هذه المقدمة ليست شيء لازم، المفترض أنك تقرب مادة الكتاب وموضوع الكتاب من خلال أسطر قليلة للقارئ.
    الدلالة على فهم أي قارئ لما يقرأ.
    أنت تريد أن تعرف، إذا كان فيه بني آدم يفهم أو لا يفهم في الكتب، ادخل أي مكتبة -مكتبة بيع كتب-، وراقب الذين يشتروا الكتب، إذا وجدت فتح الكتاب من أوله، اعرف أنه جاهل، إذا وجدته أنه فتحه من آخره، اعرف أنه فاهم، لماذا؟ لأن آخره هو الفهرس، فهرس موضوع الكتاب، فأرى أنا عندما أفتح الفهرس من الخلف، أقول: هذا الذي أريد، أو من خلال العناوين التي يضعها المؤلف أو المحقق، أو هذا الكتاب أنا أحتاجه، لكن أنت تبدأ بكتاب المحقق، يقول: وسهرت الليالي، وأتيت بالمخطوطات، وسافرت، وعملت، وأرجو أن يكون عملي سديداً، ليس موضوعنا، أنا ذاهب لأشتري كتاب، فلازم أنظر إلى فهرس الكتاب الأول، هذا يدل على أن هذا الإنسان فاهم ماذا يريد.
    فأي كتاب له مدخل، لما تذهب مثلاً في القصر الجمهوري، هل مفتاحه مثل مفتاح الجامع؟ ممكن تخرج نسخة على مفتاح المسجد، لكن لا تعرف أن تخرج نسخة على القصر الجمهوري، أول ما تدخل في القصر الجمهوري وتعرف تدخل، الحرس حولك، ما الذي أدخلك هنا؟ ومن أين أتيت؟ كان قصر الاتحادية في الماضي الذي يمشي في رابع شارع، أو ثالث شارع بجواره، كان يؤخذ تحري، وليس الذين صعدوا عليه وقفزوا، وكتبوا بالإسبريه، والكلام الفوضى العارمة التي تحدث في مصر الآن، لماذا؟ لأن له حِمَى وله حرمة، ولذلك -مع التشبيه- لما قال النبي r: «ألا إن حِمَى الله محارمه» أي مكان لملك لازم يكون له حِمَى، الحِمَى: عبارة عن مسافة حول القصر، هذه اسمها الحِمَى، لا تعرف أن تدخل في هذا الحِمَى، .
    البخاري كتابه كالقصر الكبير:
    أول ما يدخل منه وهو لص، لازم الحرس يمسك به مباشرة، لكن الآن حالنا كما قال الله U: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45].
    تدخل القصر اليوم تجده لا تجد به أحد، تجد اللصوص هم القاعدون بداخله، وناصبون خيامهم،قاعدون في القصر، أين الحماة؟ أين الحراس؟ لايوجد حراس، وهذه المحنة التي نعانيها الآن، كم من الناس.
    سأقول كلمة لوجه الله، لا أقصد بها التخذيل، ولا أقصد بها سين ولا صاد ولا لام ولا عين: نحن نعمل دورات في حفظ الصحيحين، أليس كذلك؟ وأنتم أكيد في الجالسين، ناس ذهبوا هذه الدورات، الذين حفظوه، والذين حفظوا نصفه، أو ربعه، وهذه الدورات بعض أهل الخير ينفق على الطلبة، ماكثين آكلين نائمين شاربين، ويصرف مثلاً بالخمسمائة ألف، والأربعمائة ألف وأنت طالع، ثم يأتيك الشاب يقول: أنا حفظت الصحيحين، بعد سنتين، بعد سنة، بعد ثلاثة شهور، لو تركت الصحيحين ماذا تعمل؟ ما الذي يحدث؟ إذا كان كتاب الله العزيز إذا الواحد لم يكن خلفه مباشرة، يتفلت منه، تأتي لي بالصحيحين باختلاف الألفاظ، واختلاف السياق، واختلاف مخرج الحديث الصحابي، وهذا الكلام، وننفق عشرات الألوف، لو أتيت بواحد من الذين يحفظوا الصحيحين، وأعطيته أي شبهة في الكتاب، كما سنعرض -إن شاء الله- تباعاً أشياء تتعلق بالبخاري؛ لأننا سنتكلم في مدخل البخاري عن صحيحه، وكيف صنفه وعن شرطه فيه، وعن المطاعن الموجهة إلى هذا الكتاب، على سبيل الإجمال، لأني أريد أن أشرح كتاب العلم، وأعرف أن كثير من الحاضرين في المسجد يتمنوا أن يستفيدوا، يعني لن أقلبها درس، لكن غصب عني لازم سيكون هناك جزء لا أعرف أتصرف فيه، جزء اصطلاحي، أخففه بقدر الإمكان، لكن لا أعرف أتصرف فيه، لازم أذكره.
    فلو أعطيته أي شبهة على الكتاب الذي يحفظه، لا يستطيع أن يجيب ما الذي استفدناه؟
    أنا سمعت الشيخ الألباني -رحمة الله عليه- قال: "جاء رجل يوماً إليَّ وقال: إن فلاناً يحفظ صحيح البخاري، قال: تشرفنا، نسخة زادت في السوق.
    هذا ليس هضماً من أن أحفظ الكتاب، أنا لا أريد أن يفهمني أحد خطأ، لكن يا جماعة أين حرس الحدود؟ أنا أحفظ كتاب من الكتب، ألا أعرفه بقيمة الكتاب؟ أعرفه لو واحد لص متسلسل جاء لكي يسرق شيء من أحاديث الكتاب بأن يؤولها تأويل خطأ، أو يطعن فيها، أعرف أرد عليه وأوقفه عند حده، هذا الذي نريده، هذا الذي نتكلم فيه من سنوات طويلة، والذي اصطلحت عليه بما تعرفونه بـ"حرس الحدود".
    فالبخاري كالقلعة العظيمة:
    فالبخاري كالقلعة العظيمة، دخلتها لو فيه حراس سيمسكوا بك،لما كان أهل الديانة هم الذين يمتلكون الحظوة في المجتمع، وليس لاعبي الكرة والممثلين، وأهل الديانة ملقون في الأرض الخراب، لا، شعبة بن الحجاج t إمام أهل البصرة، مر برجل يحدث بأحاديث مناكير، فقال له: "لتنتهين أو لأستعدين عليك السلطان" أي: الشرطة، تخيل لو أنك أخذ واحد وذهبت إلى قسم الشرطة، وقلت له: هذا الرجل يحدث بأحاديث ضعيفة، تخيل ما الذي يحدث لك!! لا الذي يحدث له، هو يخرج براءة.
    أنظر إلى أيام العز، عندما كان يمشي العالم بعز الدولة آنذاك، كانت الديانة منتشرة، وأعلام الدين ترفرف في كل مكان، وناس كثيرون تسللوا إلى هذا القصر المنيف، الذي عزَّ على كثيرين من أهل الذكاء الخارق أن يقتحموا هذا القصر.
    هم المبتدعة الأكبر في كل زمان ومكان.
    المبتدعة في كل زمان ومكان، همهم الأكبر أن يسقطوا صحيح البخاري، وكانوا أذكياء، وكانوا من واضعي الأصول أيضًا، أصول فقه وحديث، وحاولوا أنهم يدخلوا على البخاري، فلم يعرفوا أن ينالوا من البخاري، هذا أيام الذكاء، وأيام التحصيل استعصى عليهم كتاب البخاري.
    فنحن الآن فتحنا القلعة المنيفة وجدنا بعض اللصوص بالداخل، نريد أن ننظف، نريد أن نخرج اللصوص واحداً واحداً، ونعرفه من هو، ونعرفه مكانه الحقيقي، هذا الدرس محاولة أن نخرج هؤلاء اللصوص الأول، ونعمل جيش حرس حدود، يحمي هذا القصر من الخارج والداخل، يجد حراس أشداء لا ينامون،أربع وعشرين ساعة، مثل القصور الرئاسية.
    فنحن الآن نريد أن ندخل هذا القصر المنيف، ومعنا المفتاح.
    ما هو مفتاح كتاب البخاري الذي تضعه في الباب؟
    لابد أن تعلم أن أي شيء من العمل تتقرب به إلى الله لابد أن تكون مخلصاً فيه، حتى لا يكون العلم وبالاً وحجة على صاحبه.
    فيه بعض الآثار، وإن كانت لا تصح، أنه يُعذر الجاهل سبعين مرة، أكثر مما يُعذر العالم.
    جاهل سيؤاخذ أنه لم يتعلم، إنما عالم وخالف، إذن سيؤاخذ مرتين.
    الذي حدى بالإمام البخاري رحمه الله أن يؤلف صحيحه.
    الإمام البخاري -نحسبه والله حسيبه- هذه كلمة إجماع من كل من أرَّخ عن البخاري، بدء الفكرة عند البخاري أنه كان يجلس يوماً مع أستاذه أمير المؤمنين في الحديث، وكان صاحب مذهب في الفقه، وهو الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف بإسحاق بن راهوية.
    كان هذا الإمام الكبير إسحاق بن راهوية، وله مسند كأحمد، هو أحد أقران أحمد، وكان الإمام يحبه، قال: ما عبر إلينا أحدٌ الجسر مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء فلا زال الناس يختلفون.
    انظر إلى هذا النفس الذكي، إسحاق بن راهوية له مسند موجود منه الجزء الرابع في دار الكتب المصرية، وطُبع هذا الجزء الرابع في حوالي خمس مجلدات، مسنده كبير كمسند أحمد، وهو جالس في يوم من الأيام مع البخاري وغيره، قال: وددت أن أحداً يصنف لنا كتاباً في صحيح سنة النبي r، وسيرته، وأيامه، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي، العمل العظيم يبدأ بفكرة، والموفق من وفقه الله I، لماذا؟ لأن أهل العلم قبل البخاري كانوا يصنفون كتباً، ولم يكن التصنيف آنذاك مشهوراً، إنما كان واحد بعد واحد يجمع له بعضاً من أحاديث في كتاب في موضوع معين مثلاً، ثم يقرأه على الطلبة، ويكون هذا كتاب الشيخ الفلاني.
    مثل سعيد بن أبي يعروبة مثلاً، أحد تلاميذ قتادة، كان له كتاب اسمه "المناسك" وكتاب في بعض أبواب الفقه، حاجة بسيطة، ثم خلطها أحاديث صحيحة على ضعيفة، على مراسيل، على معاضيل، على أقوال، بعد طبقة سعيد بن يعروبة، والربيع بن صبيح، وهذه الجماعة.
    أتت الطبقة التي بعدهم، مالك في المدينة، وابن جريج في مكة، وعبد الله بن المبارك في خراسان، ومعمر بن راشد في اليمن، هؤلاء مجموعة من العلماء بدء كل واحد يصنف كتاب من الكتب، وكان وكيع له كتاب في الهبة وابن المبارك له كتاب في الهبة أيضًا، يذكر حديث حديثين ثلاثة، يعني البخاري عندما صنف كتاب الهبة من صحيحه، قال: في كتاب وكيع ثلاثة أحاديث مسندة، يعني عن النبي r، وفي كتاب ابن المبارك خمسة، وفي كتابي أكثر من خمسمائة.
    كان التصنيف نضج آنذاك، وبدأ المتأخر ينظر إلى المتقدم، وحاول أن يعمل إما على مثاله، لكن يجود عمله، بلا مراسيل، نجعلها أحاديث مسندة، فيه الضعيف والصحيح، وكان أفضل هذه الطبقة مالك -رحمه الله-.
    عمل الموطأ، وبدأ ينتقي فيه،كان ممزوج بأقوال الصحابة وفتاواه الشخصية، وأيضاً فيه مراسيل في الموطأ، وأحاديث مسندة كثيرة، بدأ كل سنة مالك -رحمة الله عليه- يسقط من الموطأ جملةً من الأحاديث هو لا يرضى عنها، ولذلك تجد المواطآت الرواة عن مالك، مواطآتهم تختلف من حيث الكثرة والقلة، يعني الموطأ الأخير موطأ -موطأ ابن يحيى- أقل عدداً مثلاً من موطأ محمد بن الحسن الشيباني، فيه مواطآت كثيرة طُبع بعضها مثل جزء من موطأ سويد بن سعيد، وابن وهب، وأحمد بن أبي بكر طُبع موطأه بالكامل، تختلف كثرة وقلة، بسبب مالك كان دائماً ينقح كلامه.
    الإمام البخاري -رحمة الله عليه- بعدما رأى كل هذه المصنفات التي أمامه، وإسحاق بن راهوية قال هذه الكلمة، وقع في قلبه أن يصنف كتاباً صحيحاً، ليس فيه ضعيف، وعضد هذه الفكرة تحتاج إلى مساندة- إسحاق قالها لمجموعة من التلامذة، لم تستقر -فيما نعلم- إلا في قلب البخاري، فانفعل لهذا العمل.
    الرؤى التي رآها الإمام البخاري رحمه الله قبل تصنيفه الصحيح.
    عضد هذه الفكرة بماذا؟ كما يقول إبراهيم بن معقل النسفي، أحد تلامذة البخاري، يقول: "قال لي أبو عبد الله يوماً" أو أنه لم يحكها عنه، وإنما نقلها، قال: "رأيت النبي r جالساً وبيدي منشة" وينش بها، -عليه الصلاة والسلام-، " فذهب إلى بعض المعبرين، فقال له: أنت تذب الكذب عن سنته، قال: فذلك الذي حدى بي أن أكتب هذا الكتاب"، يعني جاءت فكرة، ثم رؤيا؛ لأنكم تعلمون أن النبي r قال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا يا رسول الله: ما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له».
    هذه كلها لا تتكئ على الرؤيا، لكن مبشرات، كلما تأتيك رؤى وراء بعضها، هذه تجعل الواحد يستبشر، حتى البخاري -رحمة الله عليه-، أنت تعلم أن كل رجل ناجح له ناس يحقدوا عليه، وناس يحسدونه، والحسد من أيام آدم عليه السلام، وأولاده الاثنين، دب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد والبغضاء.
    فالبخاري كان له حاسدون وكان لهم حاقدون.
    فالبخاري كان يقول: "كلما تمالئ عليَّ الجهلة أرى من ليلتي ناراً عظيمة توقد ثم تطفئ بغير أن ينتفع بها أحد، فأتأول قول الله U: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64]".
    يعني انظر عندما يتأول، هذا التأويل يخفف الضغط على الإنسان، وممكن يكون كما قال النبي r: «إنها من المبشرات».
    ورأى رؤيا أيضًا، أنه يسير خلف النبي -عليه الصلاة والسلام-، كلما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يرفع قدمه، البخاري يضع قدمه مكان قدم النبي r، خطوة خطوة.
    فسأل بعض المعبرين، فقال له: أنت تقتفي أثره، هذا مع الجو العام الذي كان أيام البخاري، وعز الدين، وسلطان الدين، وهذا الكلام، الجو العام حتى مع نشأة البخاري، كل هذا ساعد في نضوج هذه الشخصية.
    أول ما دخل البخاري نيسابور،كان هناك أمن دولة، وأمن الدولة في أيام الدولة الإسلامية كانت أعتى من أمن الدولة هذه، لكن بالحق،إلا ما خفي.
    أول ما دخل نيسابور، كان يعقوب بن عبد الله والي نيسابور، البخاري طبعاً لما أتى، البخاري ليس هين، أتى خلفه خلق كثير، وكان يريد أن يعطي درس، قالوا: ممنوع يعطي درس، هذا البخاري، حتى لو كان البخاري.
    فذهب عمرو بن زرارة، وإسحاق بن راهوية، شيخ البخاري الذي تكلمنا عنه منذ قليل، ذهبوا ليعقوب بن عبد الله والي نيسابور، قالوا له: محمد بن إسماعيل كيف لا يجلس للناس؟ قال: اعذرونا، شرطنا مع الغرباء، أننا لا نمكن أحدًا من الجلوس إلا عندما نعرفه؛ صيانة للعقائد، لكي لا يتأتي لي واحد رافضي متشيع، وأتركه براحته، يضل خلق الله، كما حدث اليوم، الذي نخاف منه، وطول عمرنا ننبه عليه، الروافض سيأتوا لكي يحلوا لنا مشكلة السولار، والبنزين، ويرموا لنا ستة مليارات، وينشرون مذهبهم على حسابنا، وهذا الذي نخاف منه، طول عمرنا واقفون للروافض، وأنا قلت أيام حزب الله على هذا المنبر، عندما كان حزب الله يضرب إسرائيل، والدنيا كلها تقول: حسن نصر الله يا صلاح الدين، قم يا صلاح الدين، ومائة مولود في الإسكندرية آنذاك سموا بحسن، لأجل حسن نصر الله، في هذا الوقت الذي كان فيه بعض إخواننا فتنوا بأن واحد يؤدب إسرائيل، يلقنها علقة، والعرب طبعاً مهزومون، ويتمنوا أي انتصار، غرقى ولا يستطيعوا أن يفعلوا أي شيء في الهزائم والانبطاح، قلت على هذا المنبر: دين الروافض دين آخر يخالف دين الإسلام، ليس هذا هو الدين الذي نزل على النبي r، ولم يبعثه الله U إلى العباد به أبداً، دين الروافض شيء مختلف، لكن نحن مبتلون بالذين لم يقرءوا عن الشيعة، ولا يعرفوا شيئًا عن الشيعة، بل عندهم تفسخ حتى في ذاتهم، تفسخ التزامي، يطلع يقول لك: التقارب وغيره.
    مناشدة الشيخ الحويني حفظه الله للرئيس مرسي:
    أنا الحقيقة أناشد الرئيس محمد مرسي -ربنا يحفظه، ويسدده في هذه المحنة الملمة التي هو عليها- أن يتقي الله -تبارك وتعالى- ويحذر من هذا، وهو وعدنا قبل ذلك، عندما التقينا به، وعدنا أنه منتبه، أرجو أن يكون منتبه.
    وألا يكون أحد يلعب من خلفه، وزير السياحة يذهب يعمل وفود، وهو منشغل بالحجارة التي تُلقى عليه، وكل الأمور تبرم في البئر من أسفل، وهو لا يعرف شيء.. أرجو.. أرجو.. والله المستعان.
    فلما يأتي بني آدم في هذا المسجد لا نعرفه، ولا نعرف هويته، ولا نعرف حقيقته، لا نمكنه من المسجد طبعاً، شيء طبيعي، فكيف إذا كان في عز الدولة الإسلامية آنذاك.
    فقال له: شرطنا هكذا، أن أي غريب لا يجلس حتى نعرفه.
    فقال له: واحد قال للبخاري: بلغنا أن هذا الأمير قال: كيف يجلس ويحدث الناس وهو لا يحسن أن يصلي، فقال البخاري: ما أعلم شيئًا من ذلك، لا أعرف قال أم لا، لكن إذا خطر بباله أن يقول ذلك، لا أقوم من مجلسي هذا حتى أسرد له عشرة آلاف حديث في الصلاة.
    هذا يدل على ماذا؟ أن رأس مال الإمام كان كبيراً جدًّا، كلما كان رأس مال البني آدم كبيراً كلما يحسن التصرف لو كان ذكيًّا.
    يعني تخيل اليوم مثال: إنسان ذكي جدًّا وممتاز وعبقري -كما يقال بلغة اليوم- ويريد أن يعمل مركبة، يريد أن يخترع شيء عظيم، لكن كل الذي ورثه عن أبيه قيراطان.
    هذا الرجل لو أراد أن يعمل مصنع، لو أراد أن ينفذ الذكاء الذي عنده، هل يستطيع أن ينفذه؟ لا، لماذا؟ ليس عنده رأس مال، ببساطة شديدة، عبقري لكن ليس عنده رأس مال.
    تخيل واحد عنده مليارات، وعبقري، وممتاز، ألا يستطيع أن يعمل مصانع، ويأتي بأحسن المهندسين، وأحسن العمال، وأحسن الماكينات بماله، هذا يؤثر على جودة عمله أم لا؟
    رأس مال البخاري.
    البخاري كان كذلك، إذا كان رأس مال البخاري ستمائة ألف حديث، هذا رأس ماله، ألا يستطيع أن ينتقي من الستمائة ألف ثلاثة آلاف؟
    لما يكون الناس في صناعاتهم يعرفون، وأنتم تقروا لهم، وتقول له: أهل التخصص، واحترم التخصص، تأتوا على هذا الإمام الكبير العظيم هذا ولما يأتي يتكلم في تخصصه، تقول له: أنت غير فاهم، والله شيء عجيب.
    البخاري رأس ماله ستمائة ألف حديث، لم يكن ينتقي ما يعجبه، ولكن وضع له شرطاً في الكتابة.
    فكرة تصنيف البخاري كتابه .
    نحن قلنا: بداية البخاري فكرة تصنيف الكتاب، كانت فكرته أتت من أين.
    عزم البخاري إذن -رحمة الله عليه- على أن يصنف كتاباً، دائماً أول عمل مبتدأ العادة لا بد أن يكون ناقصاً ويعتريه العوار من أماكن شتى، واحد يؤلف لأول مرة، ولذلك تجد المؤلفات في الكتب في الفنون، أول واحد يؤلف في فن معين، تجده ناقص كثير، يعني في علم الحديث عندنا مثلاً، لما ترى كتاب علوم الحديث للحاكم، برغم أنه نفيس، وجميل، ينقصه الكثير، كتاب الراماهرمزي المحدث الفاصل أيضًا ينقصه الكثير.
    كل واحد يأتي يضع لبنة على الجدار، ويمشي، أهم شيء أن لا يأتي واحد يهدم، إنما واحد يجد اللبنة مائلة، يقول: نريد أن نعدلها، أو نشطفها، بحيث تكون متسقة مع البناء، لا يأخذها ويرميها في الوراء.
    متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
    لا، كانوا متعاونين في بناء مجد هذه الأمة الشامخ، طوبة وراء طوبة، إلى أن يكتمل البناء ويصبح جميل.
    فالبخاري أول واحد بعد مالك، برغم أن تجربة الإمام مالك لم تكن تجربة واضحة جدًّا، لكن أعتقد أن البخاري استفاد منها، لكن قال: أنا أريد أن أختار من الستمائة ألف هذه أختار ألفين وكسر، يقرب على ثلاثة آلاف، بغير المكرر.
    أحاديث كتاب البخاري سبعة آلاف وخمسمائة كم وثلاثين حديثاً بالمكرر، لكن الحديث بدون تكرار، داخلة تقريباً على ثلاثة آلاف -ألفين وكسر.
    اتفقنا أن البخاري في غاية الذكاء؟ أم لا؟ رأس ماله كبير؟ أم لا؟ أهل أن يدخل ويحسن ويجيد والناس تقول الله الله؟ أم لا؟.
    شرط كتاب البخاري.
    لما دخل البخاري على الرأس المال الكبير هذا، أحب أن يعمل له شرط، يقول: أنا أعمل لنفسي شرط في الكتاب، لا أخالفه، أعتقد أن هذا الشرط ظل مع الإمام كثيرًا، إلى أن استقام له ما أراد، برغم أنه لم يكتب بيده أنا اشترطت ماذا؟ أتعب من خلفه إلى أنه عرفوا ماذا هو يقصد، صنفه على أي جهة، يا ليته كان قال، مثلما فعل مسلم في مقدمة صحيحه.
    لكن البخاري لم يعمل شيء من هذا.
    غاب البخاري يؤلف في هذا الكتاب ستة عشرة سنة، الكتاب صار للناس إماماً، وكان يُقال: اتق صاحب الكتاب الواحد، البخاري لم يكن له كتاب واحد، كان له كتب كثيرة، اتق صاحب الكتاب الواحد لماذا؟ لأنه ظل يجود فيه، ويذهب ويأتي وينظر فيه، ويقول لفلان انظر لي فيه، ولفلان انظر فيه، فاعرف أنك لكي تتعقبه ستتعب جدًّا، وستخطئ عليه.
    إنما لما يكون واحد عنده إسهال كتب، كل شهر يخرج جزء، وكل شهر يطلع كتابين، قص ولزق، كل المسألة ماكينة تصوير، الشغل الذي أراه من إخواني، "خطوات الشيطان" "الطريق إلى الجنة" مجلدان، أنا أريد أن أفهم، ما الذي قدمته؟ العلم هو التحرير، لابد أن تقدم شيء جديد، هذا يقص ويلزق،أنا أعرف دكتور ترك الدكترة، وترك العيادة وأغلقها وعمل في التحقيق، تحقيق الكتب؛ لأنها تدر عليه أكثر، ثم أنه يعمل من الباطن، يعني يأتي بمجموعة أطفال صغار. يقول لهم اعملوا بالطريقة الفلانية كذا كذا كذا، وينزل كتب، الكتاب مجلدين، وثلاثة وأربعة، تأتي أنت تقرأ كطالب علم، أو كعالم، ترى الأمرين لكي تصحح كلمة واحدة مصحفة، وأنت تعلم التصحيف هو سوس الكتب، ليس أضر على الكتب من التصحيف، أكبر مصيبة أن يكون الكتاب فيه تصحيف، يعني ينسبوا لحمزة الزيات -وإن كنت أنا أشك في نسبة هذا الكلام له- حمزة بن حبيب، وهو من طبقة الأعمش، حمزة بن حبيب الزيات، وهو صاحب قراءة حمزة المشهورة.
    بدأ يقرأ من الصحف -كما تقول الرواية، وأنا أقول لكم أني أستبعدها بحسي الحديثي، من كثرة ما عملت أصبحت صنايعي، الواحد لحيته شابت.
    يقرأ في المصحف لوحده، وكان دائماً المصحف يلقن قديماً، لازم تقرأه على شيخ، فقرأ "ألم ذلك الكتاب لا زيت فيه"، لأنه كان قديماً لا يكتبوا النقط، كما كانوا يُعْجِمُوْنَ الكلام، لا تعرف أين النقطة، راء ونبرتين، أنت ضع النقط براحتك.
    "لا زيت فيه"! فقال له: قم واطلب القرآن على شيخ، فانتشرت الحكاية، فقال لك: حمزة الزيات، لأنه لا في عائلة زيات، ولا زيت، ولا أي شيء.
    التصحيف أخطر شيء في الكتب.
    أنا أذكر أنني بعدما تزوجت بيوم، اشتريت كتاب الكامل لابن عدي، الطبعة الأولى التي نشرتها دار الفكر في بيروت، هذا الكتاب عندما أمسكته لم أكن مصدقاً أني أمسك الكامل لابن عدي إطلاقاً، بعدما عملت فيه، كان فيه أيام وساعات كثيرة أنفقها لكي أصلح اسماً خطأ، ومن طريف ما وقع لي ولا أنساها إطلاقاً؛ لأنها أخذت مني يوم كامل، سحابة نهار ونصف الليل، وأنا أبحث عن اسم واحد.
    وجدت في السند عنتر بن القاسم، أتيت بكتب الرجال التي عندي أبحث عن عنتر، فلم أجد، وأنا مستغرب، والإسناد متوقف على هذا، لا عارف أقول الإسناد صحيح أم ضعيف، ولا عارف أقول هذا خالف فلان، أو خالف علان.
    وبعد فترة وجدت إسناد في كتاب، وجدت أن عنتر هذا، طلع عبثر بن القاسم، أحد الرواة عن الأعمش.
    تخيل مثلاً لو لم أتحرى قليلاً، وقلت: عنتر مجهول، حكمت على الإسناد بالضعف مباشرة، وعبثر هذا ثقة، فضلاً عن عبد الله وعبيد الله، ياء زائدة، وأنت تعلم قديماً لم يكونوا يضعوا نقط، فأنت وحظك.
    فلازم تدرس الكتب، وتعرف الخطوط، وهذا لأنه لم يكن هناك إعجام قديماً.
    أنا أريد أن أقول لكم، لا تملوا، ولا تستطيلوا المدة، ولا تقولوا: متى سننتهي؟ "إذا هبت رياحك فاغتنمها" لأني أريد هذه المرة بعد سنتين ثورة، وأنا جالس في حالي وأتأمل الخلق، وأرى إلى أين تذهب الأمة، يعني لم يضع سكوتي هدرا، صار عندي تجربة، أرجو أني كلما نتكلم قليلاً نضع قليلاً منها.
    فبعد هذا الطول والمدة التي سكت فيها فيه أشياء كبيرة جدًّا، تتعلق حتى بكتاب البخاري، ما كنت أعلمها ولا أدريها، إلى أن أصبحت تأتي لي رسائل وكتب، فهذا الكتاب الجليل -إن شاء الله- أنا سأجعل كتاب العلم مفتاحا لهذا الكتاب، بحيث أنك لو دخلت على أي كتاب من كتب البخاري سيكون معك المفتاح؛ لأنه عبارة عن قصر منيف بداخله غرف، هذه الغرف هي عدد كتب البخاري، وطبعاً كل كتاب عن كتاب له ميزة، سنذكر -إن شاء الله- تباعاً هذا.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
    انتهى الدرس الثاني أختكم أم محمد الظن.
    http://www.alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=12259
    رابط تفريغ المحاضرة
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    632

    افتراضي رد: صفحة تفريغ كتاب العلم للشيخ الحويني حفظه الله

    شرح كتاب العلم
    لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني
    الدرس الثالث
    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، .
    أما بعد:
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
    اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
    فلازلنا مع صحيح الإمام أبي عبد الله، صحيح البخاري لو أنصفوه، لما خط إلا بماء الذهب، ليس لأن مؤلفه في الذروة من الفهم والتوفيق ولكن لأن أهل العلم اجتمعوا على أنه أفضل كتاب، حتى قال الإمام النسائي -أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن المشهورة-، قال: (ليس في هذه الكتب أفضل من كتاب محمد بن إسماعيل)، وهذه شهادة الإمام النسائي معدود من النقاد الكبار، حتى قال الدار قطني: لا أفضل عليه أحداً من أهل عصره، كان قمة، وأنا تصديت لشرح سننه وتخريجها، والوقوف على كنوزها من حوالي عشرين سنة، توصلت إلى كتاب الجنائز ثم توقفت، ولم ينشر من هذا التراث غير مجلدين اثنين.
    لما استقرأت سننه وجدت نفسي أمام إمام كبير، لاسيما فيما يتعلق باختلاف الأسانيد والترجيح، وكانوا قديماً يرجحون بالإشارة، وهذه مشكلة صحيح البخاري أيضًا، كثير من كلامه يكون بالإشارة، فيأتي واحد عقله محدود على الكتاب، يريد أن يفهم فلا يستطيع، فيتهم الكتاب لا يعرف كيف صنف الإمام كتابه؟.
    لكن على أي حال الإمام النسائي، قال: هذا أفضل كتاب، وكذلك ابن خزيمة، إمام الأئمة، ويقال له الأستاذ، وقليل من العلماء أخذ لفظ الأستاذ.
    الأستاذ ليس على مثل أيامنا، الأستاذ ممتهن، لا، لم يكن يلقب بلقب الأستاذ إلا مَن حصَّل ثمانية عشر علماً، فيقولوا: هذا الأستاذ، أي شيء فخم.
    فابن خزيمة أيضًا فضَّل صحيح البخاري، وهؤلاء أئمة لهم كتب، وهم في نفس طبقة الإمام البخاري، يعني النسائي مثلاً أدرك كثير من شيوخ البخاري وروى عنهم، إلا الطبقة الأولى فقط عند البخاري، الطبقة الأولى التي عند البخاري الذين أوصلوه للتابعين، البخاري فقط هو الذي وصل إليهم، أما من أول مسلم وأنت نازل، فلم يدرك فيهم أحد الطبقة الأولى.
    الطبقة الأولى مثلاً مثل مكي بن إبراهيم، مثل محمد بن عبد الله الأنصاري، مثل أبو نعيم الفضل بن دكين، مثل محمد بن يوسف الفريابي، مثل الخلاد بن يحيى.
    هؤلاء أوصلوه للتابعين مباشرة، والتي هي الأسانيد الثلاثية عند البخاري، مثل سلمة بن الأكوع مثلاً، أسانيده ثلاثية من طريق مكي بن إبراهيم.
    هذه الطبقة فقط التي أدركها البخاري من الأئمة الستة، ويشترك مع الإمام أحمد بن حنبل فيها، وأحمد بن حنبل هذا من مشايخ البخاري يعني كأن البخاري يتساوى مع أحمد بن حنبل في هذه الطبقة من الشيوخ.
    لكن النسائي، ابن خزيمة، أبو داود، أبو داود أيضًا أدرك قليل أقل من البخاري، لكن عنده شيوخ..
    لكن على أي حال هؤلاء الأئمة يشتركون مع البخاري في نفس الطبقة، ويشهدون لكتاب محمد بن إسماعيل بهذا.
    مدة تصنيف البخاري كتابه وعدد ماصلاه من ركعات في تصنيفه
    قلت لكم في المرة الماضية أن البخاري ظل ستة عشر عاماً يصنف كتابه ومن الغريب أنه ما وضع حديثاً في هذا الكتاب إلا اغتسل وصلى ركعتين.
    عدد أحاديث الكتاب بدون المكرر في حدود ألفين وسبعمائة، قريب من ثلاثة آلاف، إذن صلى كم ركعة، صلى خمسة آلاف ركعة، ونصف، واغتسل مثلهم، وحول تراجم كتابه ما بين قبر النبي r والروضة، يعني عنده استعداد إيماني، كان يتدين بهذا، لم يكن مجرد واحد يريد أن يؤلف كتاباً من الكتب، ويضع فيها موهبته، أو يضع فيها رأيه، كان يتدين بهذا.
    وقيل له مرة أن يملي، قال: "ليس لي نية"، ليس له نية، ليس له نفس كما عندنا، لا. لم يعقد نيته أن يملي، لماذا؟ لأنه سيملي حديثاً للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان يقول: "أنا منذ عقلت ما رويت حديثاً إلا عملت به".
    تدين الإمام أحمد بن حنبل بالحديث.
    حتى الإمام أحمد بن حنبل، كان هذا ديدنة دائماً، يتدين بالحديث، حتى لما روى حديث أن أبا طيبة الحجام، أن أبو طيبة حَجَمَ النبي r، استدعى الحجام، مع أنه لم يكن راغبا في الحجامة، وليس لها داعي عنده، حجمه وأعطاه أجره، لكي ينفذ الحديث؛ لأن الحديث هكذا، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حجمه أبو طيبة وأعطاه أجره.
    لذة العمل بالأدلة.
    العمل بالأدلة فيه لذة لا يعرفها إلا من عاناها، لذة ومتعة، كل شيء يصلك تعمل بها، اعمل بأي شيء منها، لا تدع الأدلة تمر عليك إلا وقد أخذت بنصيبك منها.
    العلاج الأمثل لمعالجة العلل التي تصيب الناس كما وصفه النبي r.
    لماذا كان الدين سهلاً عند الصحابة؟ وكان الدين عندهم كالنفس؟ ليس فيه أي مشقة، الأطباء يقولوا: لو أحسست بمشقة في شيء، إذن فيه علة.
    تريد أن تبلع، شعرت أن البلع غير منضبط، إذن عندك علة، متى يكون ليس عندك علة؟ عندما لا تشعر بشيء، فمهما أحسست بشيء فإن العلة موجودة.
    نحن عندنا علل كثيرة، كثير من الناس يتصل بي، يقول: أنا عندي مخاصمة مع فلان،ولا أكلمه، وأبي وأمي وإخوتي وجيراني، ماذا أفعل؟ هو يعرف جيداً ماذا يفعل؟ هل هناك أحد لا يعرف في هذه المسائل ماذا يفعل؟ الأدلة في هذا مشهورة يعرفها كثير من الناس.
    أقول له: خذ آية من القرآن، الكنز، المفتاح، الذي يحفظ لك حسناتك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم» الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، لا يمل بحسن الخلق، لماذا؟ لأن المسألة حساب، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال في الحديث المشهور: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: الذي لا متاع له ولا دينار، قال: «لا، المفلس: رجل له حسنات»، اجتهد يصوم في عز الحر، يقوم في عز البرد، عنده مجاهدات، وعنده صدقات، ويحج كل سنة، ويعتمر، لكن سيء الخلق، سريع الغضب، يتعدى على خلق الله هذا الرجل يأتي، وقد شتم هذا، ضرب هذا، سفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيئاتهم، ثم طرحت عليه، ثم طرح في النار.
    حرمة الاعتداء على الأعراض.
    الأحمق الذي يسلط الناس على حسناته التي تعب فيها، هذا إنسان أحمق بكل ما تحمله الكلمة من معاني، لماذا يفلس؟ مظالم، ظلم العباد، لذلك أنا مشفق على الشباب الذي يدخل على الإنترنت ويكتب الشتائم والله العظيم هؤلاء سيقومون يوماً لرب العالمين مفلسون، أعظم شيء الاعتداء على الأعراض.
    النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن أكثر ما يدخل الناس الأجوفان: الفم والفرج»، يأكل حرام، وفيه لسان مثل المبرد، يقرض أعراض الخلق، لماذا يا بني؟ سعيد أنك تسب واحد، وتقرض عرضه، ماذا تستفيد؟ خرجت طائفة من حسناتك مباشرة إلى حساب الذي سببته، ويوم القيامة لا أحد يرحم الآخر، ولا أحد يقول له خذ، إطلاقاً ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: 11]، أولاده الذي يأكل حرام، ويرتشي، ويأتي لهم بالعربيات، وفلل، ولا يخرج الزكاة لكي يعمل لهم مصانع، والعيال آخر متعة، يرموهم في النار مباشرة.
    ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج: 12]، إلى أن يصل به الحال، يريد أن يدخل العالم كله جهنم، ولا يدخل هو، هذا الكلام لن يحدث.
    فبدلاً من أنك جالس تسب الناس، وتخرج حسناتك كلها، وبعض الناس لا يكون له حسنات، يعني مثلاً لو واحد يربي كلب، كل يوم ينقص من أجره قيراط، وفي حديث: قيراطين، ماذا عمل هذا المسكين؟ ليس عنده قيراط ولا متر، فكل هذا عبارة عن سيئات توضع عليه.
    فضيلة حسن الخلق.
    حسن الخلق يمضي إلى الله U وليس له خصوم، هذا الذي يرفعه، ليس له خصوم، الحسنة التي يعملها تظل كما هي، لا يأخذها أحد، ولا يسلط عليها إطلاقاً.
    حسن الخلق هذا درجة عالية جدًّا جدًّا، التي تورث سلامة القلب.
    فلذلك أنبه إخواننا السعيدين ويعملوا "تغريدات" ويسبوا، ويقوموا بعمل تعليقات، مباشرة الخبر ينزل من هنا تجد ثلاثمائة تعليق، جالسين ليل نهار على هذا الجهاز الملعون.
    فأنا أبصر إخواني بهذا.
    فأرجع إلى البخاري -رحمة الله عليه- وأقول: إن هؤلاء الأئمة كان لهم نية، وعلى رأسهم الإمام البخاري، والإمام أحمد، هذه كانت مسألة سهلة جدًّا عندهم، من كثر استعمال الأدلة أصبحت سهلة عندهم.الصحابة كانوا كذلك، ليس هناك أحد منهم يشعر بمشقة في شيء، الدين يحتاج إلى بذل معين لشيء يدخل، لا يلوي على شي، فمن كثرة عملهم بالأدلة أصبحت كالنفس، ليس لديهم مشكلة، نحن لدينا المشكلة، المشكلة -كما أقول لكم- عندما يتصل بي كثير من الناس، وهذه ظاهرة ملحوظة للذين يتصلوا بي، عندهم إشكالات ولا يعرفوا يتنازلوا عن الكبر، أنفسهم تأبى عليهم.
    الآية –الكنز.
    الآية -الكنز- ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] وأنت تعلم ﴿بِالَّتِي هِيَ﴾ فيها نوع من الملاحاة.
    ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، لماذا؟ لأن هناك طرف آخر يريد أن يغلبك والنفس حظها يكون كبير في باب المجادلات، أنت تناظرني تريد أن تغلبني، لا. لا تغلبي، وأحاور بك وأدور، مثل ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: 23]، "التي هو في بيتها" يعني متمكنة وصاحبة قرار.
    ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ﴾ [فصلت: 34]، لم يقل: "كان ولياً حميماً" ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] ، يعني هو في ظاهره ولي حميم، حتى وإن كان يبطن لك الكراهة، كيف هذا؟ لك حشمة، لا يعرف يعتدي عليك، سيجد ألف واحد يضربوك، ويهينوك؛ لأن لك حشمة، فهو مغلوب، فلازم يظهر مودتك، وإلا الدنيا تُقلب عليه.
    وهذه الحشمة الكبيرة لا تأتي إلا بثمن ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]، يغبط، لا يعرف يصل إلى هذه المرتبة إلا واحد مستواه عالي جدًّا، وهذا لم يأخذ هذه المنزلة إلا بصبره على أذى الناس، وبذله الود.
    المراد بحسن الخلق كما وصفه الأعرابي.
    والحقيقة فيه واحد أعرابي أو عربي، لخص هذه القصة كلها في كلمتين:
    واحد يسأله، قال له: ما هو حسن الخلق؟ قال: "كف الأذى، وبذل الندى"هذا هو حسن الخلق، الذي لا يستطيع أن يفعل هذه، لا يكون حسن الخلق، يكف أذاه عن الخلق، ليس هذا فحسب، بل ويعطيهم.
    أي إنسان عنده إيمان بالآخرة والجزاء والثواب، لا يتردد إطلاقاً في أن يفعل هذا، فالأئمة -البخاري وغيره- كانوا يستعملون الأدلة، لذلك لم تكن عندهم مشكلة في أن يصلي ستة آلاف ركعة مثلاً، لماذا؟ لأن حياتهم كانت هكذا.
    فالإمام البخاري كان عنده نية، وظهرت نيته في قيمة كتابه.
    التحاسد بين أصحاب الفن الواحد كما وصفه ابن عباس.
    أنت تعرف كل إنسان ناجح يكون له أعداء، خصوصاً من أهل المهنة الواحدة، كار واحد، اثنين مؤلفين مثل بعض، اثنين محدثين مثل بعض، اثنين فقهاء مثل بعض، تجد فيه تحاسد، كما قال ابن عباس: "العلماء أشد تغايراً من التيوس في زربها" التيس في الزريبة، ينطح مباشرة، فيه حسد؛ لأن من يمتلك الحجة يمتلك القلب، لذلك قالوا: العلماء لهم هيبة وحشمة أفضل من السلطان، نعم السلطان ممكن يوقفك، وتضع عينك في الأرض، وحاضر يا أفندم، وتؤمر يا أفندم، وقلبك يلعنه، إنما العالم فلا، العالم لأن معه الأدلة فمسلط على القلب.
    ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] أنت تقهره بالحجة، من يملك الحجة يملك القلب مباشرة، والعلماء هذا عملهم أنهم بامتلاكهم للأدلة والتنظير يمتلكون نواصي قلوب الناس.
    فيكون هناك نوع من التغاير بينهم.
    شيء طبيعي تجد أعداء للبخاري، يعني مثلاً رجاء الحافظ، رجاء بن مرجى، أحد الحفاظ الكبار، وحتى اسمه رجاء الحافظ، أول ما تسمع رجاء الحافظ تقول هذا الرجل باقعة في الحفظ، لذلك أتوا بأفضل صفة فيه ووضعوا له، يعني في المتأخرين عندنا، يقول: قال الحافظ، ونقصد به من؟ ابن حجر العسقلاني، قال شيخ الإسلام، يبقى ابن تيمية، هذا شيء فخم، لا أحتاج أن أسميه، الدنيا كلها تعرف هذا اللقب.
    رجاء بن مرجى الحافظ كان عنده شيء أيضًا، فنزل في بلد البخاري أظن في نيسابور، ثم ثلاثة أيام مقيم في البلد، يطمع في لقاء البخاري فلما لم يلقاه في ثلاثة أيام، قال: يبدو أن أبا عبد الله لم يرانا أهلاً للقائه هيا بنا عليه، وانطلق هو ومجموعة من الحفَّاظ على البخاري، سلم عليه وكعادة العلماء قديماً قبل أن يجلسوا يتناظروا، يتناظروا لا يجروا شكل بعض، لا. أنا عندي فائدة أريد أن أعطيها لك، وأنت عندك فائدة تريد أن تعطيها لي، ونتداول الفوائد، مثل المذاكرة والمناظرة.
    فقال له: كم تروي في العمامة؟ عندك كم حديث في العمامة وفضلها وشكلها؟
    طبعاً لم يصح حديث في فضل العمامة، لكن في باب المذاكرة كانوا يأتوا بالأشياء الغرائب التي تميز واحد عن واحد، يعني أتذكر من اللطائف أن الإمام الطبراني -سليمان بن أحمد صاحب المعاجم المشهورة- كان يناظر أبا بكر الجعابي، وأبو بكر الجعابي كان شيء عالٍ جدًّا في الحفظ، والوزير قال لهم: طالما أنكم جلستم، وأنتم من أنتم، فهيا تناظروا.
    الطبراني مشهور أنه يأتي بالغرائب، يعني معجم الأوسط للطبراني كنز، أنا لي اهتمام خاص بالمعجم الأوسط، والمعجم الصغير أيضًا كنز، مرتبه على أسماء شيوخه.
    المعجم الصغير روى فيه حديثاً واحداً لكل شيخ لقيه، عدد شيوخه ألف ومائة ويزيد، لكل شيخ حديث واحد.
    المعجم الأوسط مثل الصغير، لكن لا يروي حديثاً واحداً فقط لكل شيخ، طائفة من غرائب أحاديثه.
    فالطبراني يأتي له بحديث على ناحية، أبو بكر الجعابي يأتي له بحديث على ناحية، هذا لا يعرف، وهذا لا يعرف.
    فقال لهم: أنتم تساويتم مع بعض، لا نستطيع أن نفضل أحدكم على الآخر، الطبراني يغلبه بالحفظ، وأبو بكر الجعابي يغلبه بدهائه.
    فقال له: طالما تساويتم نريد أن ننهي الموضوع، فأبو بكر الجعابي، قال: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، الطبراني قال له: ما هو؟ قال له: حدثنا أبو الحباب قال حدثنا سليمان بن أحمد، قال حدثنا فلان عن فلان عن فلان، الطبراني قال له: أنا سليمان بن أحمد، فخذه عني عالية، بدلاً من أن ترويه عن أبي الفضل عني، لا، خذه مني مباشرة، فاجئه بهذا، هذه كانت تبين فضل عالم على عالم.
    فخجل أبو بكر الجعابي، وصاحب الوزارة، قال: وددت لو أنني الطبراني، وفرحت كفرحه.
    فكانوا لو فيه حديث منكر غريب على ناحية، في بلد، ممكن يركب له أيام وليالي، يركب ويأتي به.
    فكانوا في المذاكرات والمناظرات يأتوا بالأحاديث الغرائب.
    فرجاء بن مرجي يقول له: عندك كم حديث في العمامة؟ قال له هات ما عندك.
    فقال واحد واثنين.. إلى سبعة عشر، قال: هذا آخر ما عندك؟ قال: نعم، فالبخاري أتى عليه بسبعين.
    هذا سبعة عشر آخر شيء عنده، البخاري أتى له بسبعين، ثم حانت من البخاري التفاته، نظر إلى وجه رجاء بن مرجى فوجد أن وجهه تغير، قال: فسكت، سكت رعاية له، وإلا كان عنده أكثر، كان ممكن يبدأ يسرد أكثر.
    فهذا الإمام الكبير، الذي لا تعرف قيمته السفهاء، ولم يتسافهوا عليه إلا لهوان العلماء، وقلة بضاعتهم في معرفة قيمة هذا الكنز الكبير.
    علم الحديث مهمل، ممكن تجد عندنا فقهاء كبار، وعندنا لغويون كبار، وعندنا فرائضيون كبار، لكن ليس عندنا محدثين كبار، بكل أسف، لماذا؟ المعاهد العلمية، وبما فيها الأزهر كمعهد علمي، أهملوا تماماً جانب الحديث، أخرجوا لي الأزهر العريق هذا كله، أخرج لي كم عالم يُشار له بالبنان، وقال هذا العالم أزهري؟ أنا أعلم أن هناك ناس فضلاء في الأزهر، وفيه ناس على مستوى عالي، لكن بماذا أحكم عليه؟ أحكم عليه بكتبه بمصنفاته، أمسك الكتاب، أقول: والله هذا الكتاب رائع جدًّا، ومؤلفه في الذروة من الفهم، ليس عندنا هذا الكلام، أنا لم أراه، أنا لا أعرف رجلاً أزهريًّا ألف في علم الحديث كتاباً يمكن أن يُشار إليه بالبنان، فيما يتعلق بالتخريج، والجري وراء العلل، لا أعرف، وأنا رجل مصري، والأزهر في مصر، أنا لا أعرف.
    معظم الذين نبهوا وبرزوا في علم الحديث، ليس لهم أي علاقة بالمعاهد العلمية، ولا بالجامعات، السعودية فيها جامعات كثيرة جدًّا، من الذين نبغ في علم الحديث فيها؟ كثير منهم -الذي أعرفه أنا- طائفة في الجامعات، وطائفة خارج الجامعات، لكن قلَّة، المعاهد كانت قديماً كانت تُعنى بالفقه وبالأصول وبالكلام، لكن الحديث لا.
    لذلك هذا الكنز لا أحد يعرفه، هذا الكنز لابد أن يُفك، وهذه محاولة مني، أنا كرف جدًّا بصحيح البخاري، من يوم أن عرفت يميني من شمالي، وأن البخاري هذا حياتي، أقرأ فيه باستمرار، وأتأمل فيه باستمرار، وأنا معترف بالعجز عن فهم كل ما في كيس صحيح البخاري، عندي شيء وفاتتني أشياء، الذي عندي أحاول أن أبثه فيكم، بحيث أن نستنهض الهمم للذود عن هذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب ليس لأن البخاري هو الذي صنفه، لأنه كتاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أعلى كتاب عندنا، لو جاز أنك تسقطه، الباقي لا تبحث عنه، لا تقول لي مسلم، ولا تقول لي أبو داود، ولا أحمد، ولا غيره، كله سيقع؛ لأنهم لم يشترطوا مثلما اشترط الإمام البخاري.
    الطريقة التي صنف بها البخاري كتابه الصحيح.
    الإمام البخاري أبو عبد الله -رحمة الله عليه- صنف كتابه على المعتاد كتابه جعله كتباً، كتاب بدء الوحي، كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الوضوء، كتاب الغسل، كتاب التيمم، كتاب الحيض، انتهى من الطهارة كلها، دخل على الصلاة والمواقيت والأذان، إلى آخره.
    وبدأ يقسم كتابه كتباً، ويأتي بطائفة من أحاديث الكتاب -من الأحاديث الصحيحة- التي بمجملها تغطي معظم أحاديث الكتاب، ولكن كثير من الأحاديث هو لم يأت بها، لماذا؟ لأنها ليست على شرطه، هو اشترط شرطاً معيناً، الإمام البخاري، وحاول أن يطبق هذا الشرط في كتابه، وبكل أسف لم ينص على شرطه، لم يقل: أنا سأشترط في هذا الكتاب كذا وكذا وكذا، لم يفعل ذلك، لذلك أتعب الناس، القاضي عياض أول ما بدأ يفتش عن هذه القصة، ما هو شرط البخاري،؟ وبدأ العلماء يتكلموا من بعده، كل واحد يقول: شرطه كذا، وهذا يقول: شرطه كذا، وهذا يضيف شرط، لكن مسلم قال شرطه في الأول، بعبارته الفخمة، عبارته فخمة الإمام مسلم لما تقرأ المقدمة تستمتع بها.
    فالبخاري -رحمة الله عليه- عمل لنفسه شرطاً، وطبَّق هذا على كتابه.
    جزء من شرط البخاري للطلبة النابهين الذين يبحثوا تستطيع أن تستخلصه من كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري، البخاري له مصنفات، له كتباً كثيرة، طُبع منها طائفة قليلة بالنسبة للمذكورة عنه، طُبع الصحيح -صحيح البخاري-، وطُبع التاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط، وقد طُبع قديماً باسم التاريخ الصغير، لكنه خطأ، هو التاريخ الأوسط وليس الصغير، التاريخ الصغير لم يُطبع، وعنده خلق أفعال العباد، وجزء رفع اليدين، وجزء القراءة خلف الإمام، وجزء الكُنى.
    كتاب التاريخ الكبير للبخاري ليس مجرد ذكر للرواة، لا، فيه مباحث الاتصال والانقطاع، ولكن ستتعبك، ستتعبك لكي تفهم البخاري ماذا يقصد من تعداد أسانيد في ترجمة واحد، يعني يريد أن يثبت فلان سمع من فلان مثلاً، أحيانًا ينص يقول: فلان سمع من فلان، وأحياناً أخرى لما يكون السماع مختلف فيه، لا يقول لك مختلف فيه، يأتي ببعض الأسانيد خلف بعضها، إسناد مرة يقول لك سمع، وإسناد يقول لك نبئت، وإسناد يقول لك عن، أنت وشطارتك، تفهم ماذا يقصد البخاري، لذلك أنا قلت قديماً: لا يستقيم البخاري لغبي، ارحمونا، لا تدخلون فيما لا تعرفونه.
    لماذا؟ كان يتكلم بالإشارة، يحتاج إلى شخص ذكي.
    شرط البخاري سنتعرض إليه فيما بعد، نقسمه قطعة قطعة؛ لأني لو أخذت أتكلم عن شرط البخاري، سنقلب المحاضرة إلى مصطلح، لكن سنأخذها مع الأسانيد، كلما نقرأ إسناد، نقول: لطائف الحديث الموجودة في هذا الإسناد.
    لكن على أي حال، البخاري صنَّف كتابه كتباً -كما قلت لكم- بدأ ببدء الوحي، وانتهى بكتاب التَّوحيد, آخر كتاب في صحيح البخاري كتاب التَّوحيد.
    أنا اجتهدت وأنسب هذا لنفسي لأنه لو قاله عالم أتكئ عليه، لكن أنا أقوله لنفسي على أساس أن هذا فهمي أنا، ممكن يكون خطأ، فأنا المسئول عن هذا الخطأ، ممكن يكون صحيح، أو فيه نوع من التوفيق، فالحمد لله.
    الغرض من بدأ الإمام البخاري كتابه بكتاب الوحي وانتهائه بالتوحيد.
    بدأ البخاري بكتاب بدء الوحي، وروى فيه سبعة أحاديث فقط، وختم كتابه بكتاب التَّوحيد، أنا فهمت أن البخاري قصد بهذا لأن كتاب التَّوحيد، إنما كتاب الإيمان لا، الإيمان وضعه ثاني كتاب بعد بدء الوحي، إنما كتاب التَّوحيد آخر كتاب في صحيح البخاري.
    فهمت أنا من هذا: أن من أراد أن يخرج من الدنيا على التَّوحيد فعليه بالوحي، عليه أن يبدأ كل عمله بالوحي، يكون بدايته بدء الوحي، ونهايته التَّوحيد، هذه هي الدنيا كلها، وبين هذا وذاك كل ما يلزم المسلم من أمور دينه ودنياه، فأنت عندك كتاب الأدب، وكتاب الطلاق، وكتاب النكاح، وكتاب الجهاد وغيره، كل الكتب.
    كأنما هذا الكتاب من بدءه إلى آخره، هذا حياتك التي ستلقى الله بها فإذا أردت أن تخرج من الدنيا على التَّوحيد، كلمة التَّوحيد لا إله إلا الله، عليك أن تبدأ كل أمورك بالوحي.
    أول حديث في البخاري وآخر حديث.
    أول حديث في البخاري: «إنما الأعمال بالنيات» وآخر حديث في البخاري: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
    أول حديث «إنما الأعمال بالنيات» لماذا؟ لأن كل ما سيأتي بعد كتاب بدء الوحي إلى كتاب التَّوحيد يحتاج إلى نية، إذا أردت أن تلقى الله U بعمل جليل، يبقى كل عمل لابد له من نية، نية التقرب إلى الله، العبادة هكذا، ..
    طيب هذه تنفيذ الأحكام الشرعية، إنسان التزمها وعنده نية وإلى آخره، كأنه أراد أن يقول له: أفضل من كل هذا الذكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]، أكبر من الصلاة، ذكر الله أكبر من الصلاة في أنه ينهاك عن الفواحش؛ لأن الذكر متعلق بالمحبة، لازم تربطها ببعضها، الذكر متعلق بالمحبة، وليس هناك أحد يخالف حبيبه، لاسيما إذا كان حبيبه يراه، وهو بعينه، وعلى بساطه وفي سلطانه، يخجل، وطبيعة الحب أنه يكسر صاحبه،طبيعة الحب هكذا..
    فلما يكون واحد يحب واحد لهذه الدرجة، لا أعتقد أنه يستطيع أن يخالفه، وخصوصاً وهو يراه، لذلك يقال: أن الذاكر، الإنسان إذا تعلق بالله -تبارك وتعالى- وكان يستلذ بمجرد نطق اسمه في خلوته، هذا يقربه من الله أكثر من هذه العبادات كلها، وأنت تعرف الحديث المشهور: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» حديث جليل، أجل حديث في صفة الأولياء، «فقد آذنته بالحرب» أقول له: أنا سأحاربك؛ نصرة لهذا الولي، «وما تقرب عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه»، هذا هو الحب الأول، والذي هو من أول بدء الوحي إلى كتاب التَّوحيد، كل أعمال البر والأحكام الشرعية إلى آخره، هذا أول شيء تقربك من الله -سبحانه وتعالى-، أن الذي يقول لك: افعل ولا تجادل، ولا تقول لماذا؟ ليست وظيفتك؟ أنت وظيفتك أنك إذا تأكدت أن الخطاب آتٍ من سيدك لازم تنفذ، هذا الشيء الذي يُقرِّب.
    «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» هذا حب القرب.
    إذن أنا عندي حبان: واحد مبني على الثاني:
    الأول: أنك تنفذ الأوامر.
    الثاني: النوافل، تصعد، لماذا؟ لأن النافلة ليست فرض عليك، لكن من حبك إياه، أي شيء هو يحبه تفعلها.
    وأنا ضربت قبل ذلك مثلاً بتقريب المعنى، بواحد مثلاً صاحب شركة، أو مدير عام، وله فرَّاش، الفرَّاش يأخذ مرتب مقابل عمل، يا بني تدخل تنظف المكتب، وتمسح التراب، قائم بهذا تماماً، ومن كثر ما هذا الفرَّاش ذكي، وفهم الرجل، سمع في التليفون واحد يقول له: والله يا أخي أنا ملئت بيتي ورد، أنا أحب الورد، أدخل البيت أجد ورد على يميني وورد على شمالي، وأيضاً لما يبخروا البيت، شيء جميل جدًّا، أحب البخور وأحب رائحته، التقط هذه الكلمة من الرجل وهو يكلم صاحبه، فقام بإحضار ورد، ووضعه على يمينه وعلى شماله، وقام بتبخير المكتب، هو لم يطلب منه أن يعمل هذا، لكن وافق هذا محبةً لهذا المدير، أو صاحب الشركة.
    لما الرجل في الحالة الأولى ينظف ويضبط الدنيا كلها، يأخذ مرتبه، لما يقول له: يا سعادة الباشا زد لي في المرتب، يقول له: لماذا أزيدك؟ نحن متفقين، تنظف المكتب وتكنسه في مقابل مبلغ كذا، لكن لما يكون هو بادر، وعمل قصة الورد والبخور، يقول: يا سعادة البيه أنا عندي ظرف اليوم وأزوج ابنتي أو أي شيء، يقول له: خذ، صحيح الكلام؟
    لماذا؟ لأنه عمل شيء زيادة محبوبة إلى هذا المدير، ولله المثل الأعلى، نحن فقط نضرب المسألة ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: 35]، مسألة تقريب فقط، تقريب نوره -تبارك وتعالى.
    فهذا هو الحب الثاني الذي يوصلك، الحب الأول، نعم ستتقرب إلى الله U به، لكن لن تصعد به الدرجات العالية فوق، لن تكون من المصطفين الأخيار، فأنا أريد أن أقول: شيء يوصل إلى شيء، الحب الأول يوصلك للحب الثاني.
    لذلك الذكر؛ لأنه متعلق بالقلب، فهذا شيء فخم جدًّا، مثل يذكرك الله U في الملأ الأعلى، مثل ما في الحديث، «إذا أحب الله عبداً» الحب الثاني، وهو حب القرب، «نادى جبريل، يا جبريل: إني أحب فلاناً».
    انظر لما ربنا U يقول: «إني أحب فلاناً» عبد من عباده يمشي على الأرض، «إني أحب فلاناً فأحبه» يحبه مباشرة، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً، نسأل الله أن يجعلنا منهم، شيء فخم جدًّا جدًّا.
    ثم يوضع له القبول في الأرض، أهل السماء يحبوه بالأمر، ثم يوضع له القبول في الأرض، إلى أن يحبه حصى الأرض.
    وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن صالح، كان يحج مع أبيه، أبي صالح، الذي اسمه ذكوان، من الرواة المشهورين عن أبي هريرة، وله مسند كبير، عن أبي هريرة، ليس مسند مكتوب، لكن أحاديث كثيرة.
    كان عمر بن عبد العزيز يحج في هذه السنة، هذا الحديث قيل لذلك، «إن الله إذا أحب عبداً»، وهو يمر الناس كلها وقفت، وقالوا أمير المؤمنين عمر، عمر، عمر، فسهيل يقول لأبيه: يا أبت ألا تنظر إلى محبة الناس لعمر؟ كلهم قائمون يشيرون إليهم، ويقولوا: عمر، عمر.
    فقال له أبوه: إني سمعت أبو هريرة يقول، وذكر الحديث، يوضع له القبول في الأرض، الناس تحبه، بدون أن يكون بينه وبين الآخرين مصالح، لماذا يحبه؟ لم يعطيه شيء، ولم يمشي له في شيء، ولم يعمل له شيء، لكن محبوب، إذا تكلموا مع بعض في العائلة في الخلوة، يقولوا: فلان، يا سلام على فلان، ربنا يبارك في فلان، نحن ندعو لفلان، هذا هو القبول، هذا يكون نتيجة الحب الثاني، حب القرب.
    فالذكر متعلق بالقلب، لذلك الذاكر لله -تبارك وتعالى- المحب له U هذا الخطوة منه تساوي خطوات كثيرة من غيره، يعني كما قال الراجز:
    من لي بمثل سيرك المدلل ** تمشي رويداً وتجيء في الأول
    قال له: أنا نفسي أمشي مثل، السير المدلل الجميل، لكن يا أخي الغريب أنه يمشي على مهله، لكنه يطلع الأول، أنا أفهم الذي يطلع الأول يجري، في السباق يجري لكي يوصل الأول، لا، هذا يمشي على مهله ويطلع الأول، هذا هو الذاكر، بينه وبين الله U خبيئة من عمل ولذلك هو أحد المقربين يوم القيامة، الذين يستظلون بظل العرش، حديث: «سبعة يظلمهم الله U في ظله يوم لا ظل إلا ظله» منهم: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» يبكي لوحده، ممكن إنسان يبكي في ملأ، لماذا؟ لأن الطبع سرَّاق -كما يقولوا- الطبع يسرق، يعني لو نحن الآن تكلمنا كلام مؤثر، وواحد بكى وتنهنه، تجد واحد يبكي بجواره، مع أنه لم يكن مستعد أن يبكي، لماذا؟ لأن الطبع سرَّاق، يسرق، وأنا لما كنت أصلي قديماً عند الشيخ كشك الله يرحمه ويحسن إليه، كلامه مكرر يعني الذي يداوم على سماع خطب الشيخ كشك، يجد كلام مكرر، لكن -سبحانه وتعالى- لما أظنه فيه من الإخلاص، كل ما يقولها ويكررها كأنه يقولها لأول مرة.
    كنت أنا أكون واقف، والشيخ كشك -الله يرحمه- لأنه لم يكن عنده أحد يقرأ له، كتاب إحياء علوم الدين هذا قرآن الخطباء، أي واحد خطيب جمعة أو أي شيء، خصوصاً من الأزهر، ستجد أن إحياء علوم الدين هذا ركن ركين عنده، وإحياء علوم الدين مليء بالأحاديث مكذوبة ومنكرة وباطلة وإلى آخره، فيه حيَّات وأفاعي كثيرة جدًّا.
    فالحديث الذي أثر فيَّ جدًّا جدًّا، رأيت واحد شيبة كبير، ونهنه، أنا فطرت بالبكاء، وأنا أنظر إليه، مع أني سمعت هذا الحديث قبل ذلك، أنظر إليه وأبكي، يبدو أنه كان عنده مشكلة، فكلٌ يبكي على ليلاه، فالحديث كان حديث مكذوب، موضوع، أنا لا أعرف أنه موضوع إلا بعد ذلك، قال: «إذا ماتت أم الإنسان ينادي ملك من السماء: يا ابن آدم، قد ماتت التي كنا نكرمك من أجلها، فاعمل صالحاً نكرمك من أجله» يبدو أن أمه ميتة وكان يعقها أو شيء، أو مشتاق لها، لا أعرف، لكن بكاؤه كان شديداً، أنا أخذت كل الخطبة بكاء.
    فالطبع يسرق، لكن الذي يبكي لوحده، جالس لوحده يبكي، هذا فعل الشوق، الشوق الذي يعمل ذلك، والمحبة هي التي تعمل ذلك، ولذلك سئل فضيل بن عياض، لم يبك المرء؟ قال: إذا قرح القلب ندت له العينان، مباشرة العين تفضح صاحبها، يكشف مباشرة، تنظر في عينه تعرف؛ لأنها جاسوس القلب وطليعته، أي ملك من الملوك يكون له جاسوس، جاسوس القلب العين، تكشف مباشرة، فإذا قرح العبد كان مقرحاً مجروحاً، العين تترجم مباشرة ما يكون في العين عن طريق البكاء، فلذلك أنا فهمت أن آخر حديث في البخاري يكون هذا الحديث، لكي يقول لك: هذا هو المختصر المفيد، هذا هو الحبين: الحب الأول: أن تفعل ما افترضه الله عليك، الحب الثاني: آخر حديث، الذي سيوصلك إلى درجة القرب.
    البخاري -رحمة الله عليه- رتَّب أبواب كتبه بطريقة رائعة، يمكن يظهر هذا الترتيب معنا في كتاب العلم، لا يبوِّب أي كلام، تبويب يخدم التبويب الذي بعده، والتبويب هذا يخدم الذي بعده، وهكذا وأنت ماشي، يعني كأنها سلسلة آخذة بعضها برقاب بعض.
    هذه هي النظرة العامة على كتاب الإمام البخاري -رحمة الله عليه.
    فيه طعون موجهة للبخاري من جهة السند ومن جهة المتن، مشكلة الجماعة الأغبياء الذين يدخلون على البخاري أنهم جهلة تماماً بعلم الإسناد، هذه أكبر مشكلة، ينظرون في المتون فقط، إذا المتن راقه ووجده معقول، يكون الحديث صحيح، لم يعجبه يبقى باطل، هذا عملهم كله، أخرج لي واحد من هذه الجماعة يتعلق بإسناد، مع أن القاعدة عند العقلاء، الذي عنده عقل ويفهم: أنه لا ننظر إلى الكلام إلا بعدما ننظر إلى ناقل الكلام الأول.
    نحن عندنا أي كلام في الدنيا: سند ومتن.
    أنت عندنا تخرج تتكلم عني، وتنقل عني كلاماً، ألا تقول: حدثني أو سمعت، هذا هو الإسناد، هل يأتيك كلام من الهواء؟ أم لابد له من ناقل؟ أليس الأخبار كلها يدخلها الصدق والكذب؟ أي خبر في الدنيا إما صحيح أو خطأ، إما صدق، وإما كذب، هل هناك غير ذلك؟ لا يوجد، فأنت لابد أن تنظر إلى من الذي نقل الكلام الأول، قبل أن تفكر، ممكن واحد -كذاب- يخترع أخبار أو سيء الحفظ، وعنده توهمات، ينقل لك خبراً من الأخبار، أنت شخصيًّا لا تعتد به.
    أبو لمعة الأصلي والخواجة بيجو، كثير منكم لا يدرك هذه الحقبة برنامج يعلِّم الناس الكذب، فلو أن هناك رجل مثل هذا، أنت تعرف أنه يمشي بهذا النظام، وقال لك خبر،من الممكن أن تصدقه؟ أنت ليس لك علاقة بالحديث، ولا بالإسناد، ولا بنقد الرواة، ولا بأي شيء، أنت في حياتك، هل تصدق هذا الرجل؟ لماذا؟ لأنه نقل لك أكثر من ثلاثة أربعة وقائع، وتبين أنها كلها خطأ.
    لذلك الصحفيين، نحن كلما يتكلم أحد في كذب، نقول له: كلام جرائد، ما معنى كلام جرائد؟ يعني كذب، يؤلف الخبر.
    وأنا حكيت حكاية قديماً، حكاها واحد كان في جريدة الأخبار، في النهاية عمل عمود، اسمه أبو نظارة، ويأتي بحكايات.
    أبو نظارة هذا الذي كان يحكي في برنامج إذاعي في البرنامج العام حوالي سنة سبعين.
    قال: نحن عادة نترك في الجريدة في الصفحة الأولى مساحة فارغة حتى لو أتى لنا خبر في اللحظة الأخيرة نضعه، يكون سبق، نكون متابعين للأحداث، فيتركوا عمود فارغ، بحيث لو أتى خبر نضعه، لو لم يأت خبر نملأه.
    فكانوا منتظرين خبر من الأخبار، ولم يأت، والجريدة لازم تدخل الطبعة الأولى، ماذا نفعل؟ نخرج الجريدة والعمود فارغ؟ نفكر، نفكر، نفكر.
    فقالوا: ذئب في المهندسين، هذا هو العنوان، اطلع شهود العيان على ذئب يمشي يتفسح في الشوارع، ومن الممكن أن يعض أولادنا ويأكلهم، أين رئيس الحي؟
    يريد أن يملأ الفراغ، طلعت الطوبة في المعطوبة، وقرءوا ذئب في المهندسين، وأنت تعرف المهندسين، ناس هاي لايف.
    ذئب؟ كيف ذئب يمشي يتجول ويهز ذيله؟ أين المسئولين والسلطات؟ كلموا رئيس الحي، كيف يكون عندك ذئب في المهندسين وعيالنا تذهب إلى المدارس، وينزلوا الأسواق ونساؤنا.
    أخذ يتقصى، يا إخواننا أين الذئب؟ يبحثوا عن الذئب، فلم يجدوا الذئب، أصبحت قضية، وبدءوا يفردوا صفحات في الجرائد، والذئب وأين الذئب؟
    أقيل فيها رئيس الحي؛ لأنه لم يستطع أن يمسك الذئب.
    أتوا برئيس حي من طنطا، كان الولد ابن بلد ويفهم، أول ما مسك رئيس الحي، خلاص الذئب.
    فذهب في الأرياف وأتى بكلب له شعر، وأتى باثنين غفر، وربطوا الكلب، ووضعوه في عربية، ومصور، وقتلوه.
    الجرائد ثلاثة أرباع كلامها هكذا، لا أريد أن أقول كله هكذا، ثلاثة أرباع كلامها.
    واحد يتوهم سيناريو يعمله من رأسه، يرمي الأبرياء بالتهم.
    فنحن عادتنا نقول: كلام جرائد.
    فبدون أن ندخل في معضلات الإسناد، الناس كلها تعرف أن الخبر لابد له من ناقل.
    وهذا الترتيب العقلي الذي يقبله أي إنسان، ليس هناك خبر يأتيك من الهواء.
    فكونك تنظر في الكلام دون أن تنظر إلى ناقل الكلام، هذه جناية على الكلام نفسه.
    لأنه إذا أتانا متن من المتون، أنا فهمته بطريقة، وأنت فهمته بطريقة، من الحكم علينا؟ أنا وأنت مختلفان، من الحكم علينا؟ واحد ثالث، لماذا؟ هو يفهم عني؟ الثالث الذي أنت أتيت به معصوم؟ مرسل؟ لكي يكون هو عاقل ويحكم على عقلي؟ أنا أرفض هذا.
    من هو العقل الذي يدخل يفصل بين الكلام ولا أحد يتكلم؟ المعصوم -عليه الصلاة والسلام-، أنا مختلف وأنت مختلف، هو يفصل بيننا، إذن كلامه انتهى نهائي، لا مراجعة، ولا ولا، إلى آخره.
    إذن الجناية على الكلام ترك النظر في المخبر.
    فأنا لما أقول: هذا الحديث لا يعجبني، مثل واحدة كاتبة لبنانية في صحيفة لبنانية، معترضة أشد الاعتراض أن النساء أكثر أهل النار، هل هي عنصرية؟ أو عصبية؟ أو نحن الذين أدخلناهم النار؟ كيف يكون في النظام العالمي الجديد وفي القرن العشرين تقولوا: النساء أكثر أهل النار؟ لا، الرجال هم أكثر أهل النار، من الذي عمل القنبلة الذرية، من الذي عمل الصواريخ عابرة القارات؟ من الذي عمل حرب النجوم؟ من الذي عمل الكيماوي وإبادة البشرية؟ أليسوا الرجال، المرأة التي معها السلاح الأبيض تخرط به البصل، تدخل النار، وصاحبنا الذي عمل القنبلة الذرية يدخل الجنة، لا، أنا معترضة على هذا الكلام.
    هذه الأفكار، وقس على هذا، كل الذين ينظروا في المتون، ينظروا بهذه الطريقة.
    لابد من النظر إلى الإسناد ابتداءً، كلهم ينظروا إلى المتون، ويأتوا بأشياء لا يفهموها، العلماء تكلموا قبل ذلك فيها.
    أنظر إلى جهود العلماء قبلك يا أخي، تواضع قليلاً، لا تطير بجناحين، وأقول: أنا العقل الوحيد الذي يفهم في الدنيا، انظر إلى المختصين أفضل منك، والمختصون في مهنتهم ماذا قالوا؟ ولا واحد من هؤلاء يقدر يتكلم في حرب النجوم، ولا حرب الفضاء ولا القنبلة الذرية، لماذا لا يتكلم؟ لأنه جاهل، ما هو جاهل بالدين أيضًا، ما الذي جرَّأه على حِمى الدين، وأنه يخرج يتكلم براحته؟ هوان العلماء، هوان العلماء على أنفسهم وعلى العامة، لم يقوموا بالدور الذي ينبغي عليهم أن يقوموا به، ويكون عندهم شكيمة، وعندهم قوة، ولابد أن تحميهم الدولة، وليس كل واحد يخرج يتكلم كيفما شاء، ويقول: حرية رأي، لا، هذه فوضى وليس حرية رأي، خصوصاً إذا كان يتعلق بكلام الله ورسوله.
    فالإمام البخاري كتابه كالعادة إسناد ومتن، إذا تكلمنا من جهة الإسناد، فالذي كان يتكلم فيها العلماء الكبار جدًّا، يتكلم من جهة الإسناد، لأن الجماعة لا يفهموا فيه، فلا يدخلوا، الذي تكلم في أسانيد البخاري ومسلم مثلاً، واحد مثل الدارقطني، أبو الحسن هذا..، بعد الدارقطني قُفِل الباب في معناه ومعنى الأئمة الكبار لأعلى.
    له كتاب "العلل" أملاه من حفظه، هذا شيء غير متصوَّر، أنا لا أقول لك اذهب اشتري "العلل "للدارقطني عشرة مجلدات، لكن لو تقدر تطلع فقط على أول حديث في مسند أبي بكر الصديق، هذا الحديث أنا لما كنت أذهب قديماً في أوائل الثمانينيات لدار الكتب المصرية كنت ذهبت لكي أنقل علل الدارقطني، لم يكن هناك تصوير، ولا أي شيء، ولم يكن معك أموال تستطيع أن تصور، كانت الصفحة الميكروفيلم تسعة مليم، أقل من قرش، لم أعرف أشتريه، لأنه كبير عليَّ.
    فكانوا قديماً في أوائل الثمانينيات يمكنونا من النسخ الأصلية، يعني "العلل" للدارقطني هي خمس مجلدات كلها، كان مفقود منها الرابع تقريباً.
    أخذت المجلد الأول، وظللت أكتب، والله يا جماعة أنا دماغي تدور، من أسانيد حديث: «شيبتني هود وأخواتها» لا أنساه أبداً.
    «شيبتني هود وأخواتها» هذا الحديث شيبني، لم يشيبني في المعنى، شيبني في النقل فقط، وأنا أنقل، يقول: رواه فلان، واختلف عليه، ورواه فلان وترتان عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومن عن أبي بكر الصديق، ومن عن عمر بن الخطاب، أنا أكتب، ودماغي تدور، هذا الدارقطني واضع قدم على قدم أملاه من حفظه، من دماغه، هذا شيء هائل هائل.
    الذي يتكلم في البخاري واحد مثل الدارقطني، هو الذي يعرف قدر الكتاب، ولما ينتقد يأتي بها، ممكن نوافق الدارقطني، وممكن نخالفه، لكن في الآخر إمام، يتكلم وفاهم فيما يتكلم.
    لذلك الكلام عن أسانيد البخاري ورواته ينبغي إن لم يكن على جهة التعليم، ينبغي أن يكون بين الفاهمين لكتاب البخاري، لا نخرج على الناس ونتكلم، هذا الراوي ضعيف، والعوام يفهموا أن ضعيف، أن حديثه ضعيف، والقصة لا تكون هكذا، الضعف يكون نسبي، ويكون فيه شيخ دون شيخ، وفي رواة بلد دون بلد، المسألة فيها تعقيدات، لن يستطيع أن يأتي بها ببساطة.
    لكن على أي حال، أسانيد البخاري نقاوة، إلا في بعض أسانيد العلماء مختلفين مع البخاري فيها، ليس كلهم، بعضهم.
    يعني أبو جعفر العقيلي، إمام كبير، له كتاب "الضعفاء" الكبير، وكان أحد النقَّاد.
    قال: إن البخاري عرض كتابه على أبو ذرعة الرازي، وعلى أحمد بن حنبل، وعلى أبي حاتم الرازي، أسامي عالية جدًّا، فوافقوه عليه إلا في أربعة أحاديث، هم معتقدين أن هذا الحديث ليس صحيح، له علة، فيقول: أبو جعفر العقيلي -وهو أحد النقَّاد-: "والحق فيها مع البخاري" يعني انتقدوا أربعة أحاديث فقط لا غير، في ألفين وسبعمائة أو قريب من ثلاثة آلاف.
    من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط
    كل إنسان عمله بشري، لابد أن يتعرض للنقد.
    فالدار قطني له كتاب "التتبع" مشى وراء هذه الأسانيد.
    أنا أقول لكم بصورة إجمالية.. قطع في الصوت ساعة وست دقائق
    لما البخاري يخرج حديثاً لراوٍ متكلم فيه، هل أحد يتكلم في العلماء، أحمد بن معين، أبو حاتم الرازي، النسائي، قال ليس بشيء، ضعيف.
    لن تجد واحد راوي، النقَّاد كلهم أسقطوه، وله في البخاري حديث، هذا غير ممكن، إنما يكون فيه راوي مختلف فيه، واحد يقول ثقة، وثاني يقول: ليس بشيء، وثاني يقول: لا بأس به، وثاني يقول: ضعيف، وثاني يقول: لعله مناكير، وثاني يقول: ثقة حجة.. مختلف فيه.
    اختلاف النقَّاد في الراوي- على حسب ما وصلهم من أحاديثه، أنا كيف أحكم عليك؟ أنت كشخص، أقول فلان هذا جدع، بماذا أعطيتك هذه الصفة؟ أكيد إما عملت معي موقف تُحمد لك، أو رأيتك تعمل هذا الكلام.
    واحد ثاني يقول لك: فلان هذا جدع، تقول له فلان؟ لكن أنا لا أحبه، كأن على وجهه قتيلا.
    لماذا اختلفنا؟ عرفت منه ما لم يعرف الطرف الآخر..
    معرفتي به غير موجودة عند من قال هذا لا يعجبني، أو على وجهه قتيل.
    إذن أنا وأنت نختلف في تقييم إنسان بحسب المعلومات التي عندنا.
    الرواة هكذا، الأحاديث التي يرووها، كان النقَّاد قديماً، راوي من الرواة يأتوا بأحاديثه كلها، يحفظوها ثم ينظروا فيها، ويقارنوها بأحاديث زملائه، نفس طبقته، يعني الناس الموجودة معنا الآن، هل كلنا مثل بعض في الضبط والحفظ؟ لا، لماذا؟ هذا الكلام الذي أقوله يهم ناس معينين منتظرين، يصطادوه، وفيه ناس أتوا ليسمعوا كلمتين يستفادوا، أو ناس أتت للمشاهدة، يقولوا لك: هذا الرجل الذي يظهر على التلفزيون تعال نشاهده.
    ... الناس لهم مآرب، يعني لو تكلم الآن على الجن والسحر، من الذي يحفظه؟ الذي تهمه هذه القضية، لكن غالب الناس الموجودين، هذه معلومة، لكن من الذي أخذها قضية ووضعها في قلبه، ويسألني بعد المحاضرة، يقول لي تليفونك لو سمحت، معي مشكلة، المبتلى بهذا الكلام، فالناس على اختلاف انتماءاتهم واهتماماتهم، كل واحد يضبط همه في هذه المسائل.
    فأنت قلت مثلاً في المحاضرة الماضية: الرئيس الدكتور محمد مرسي، اتق الله في مسألة الشيعة، كثير من الناس.. اتق الله، واحد يقول: الشيخ أبو إسحاق سب الدكتور مرسي، كيف سبه؟ قال له: اتق الله، هل أحد يقول لأحد اتق الله إلا إذا كان واقع في خطأ؟ سبه، وفيه ناس قالت هذا الكلام، ليست عليَّ، على شيخ آخر جليل محترم، قال له: اتق الله أيضًا، أنا قرأتها في الجريدة، قالوا: فلان الفلاني ينقلب على الدكتور مرسي، لماذا انقلب عليه؟ لأنه قال له: اتق الله.
    فلو وحد ونحن في زماننا... أنا قلت: اتق الله، خرج واحد وقال: سب الدكتور مرسي، أنا كناقد أتى أمامي المخبر الذي ينقل الخبر، والخبر، وجدت كل المسجد يقول له: اتق الله، وهذا الوحيد الذي قال: سب الدكتور مرسي، النقَّاد كانوا كذلك، يقول: إذا كان كل القاعدون معه، لم يقولوا هذا الكلام، إذن هذا الرجل كان نائم، لماذا؟ لأنه لو كان حقاً ما قال، كان على الأقل عشرة أو خمسة عشر قالوا مثله، لكن كونه ينفرد أنه يقول المعلومة الفلانية، والآخرون من نفس الطبقة الجالسين في المسجد، لم يقولوا نفس الكلام، إذن هذا سيء الحفظ، لا يُنظر إلى كلامه، ضعه في ديوان الضعفاء والمتروكين، إذن فلان الفلاني إذا غلب عليه كل ما نرى أخباره نجده يسير على ناحية، وأصحابه وزملائه يقولوا كلام آخر في نفس المجلس، إذا زاد هذا منه وكثر يبقى هذا سيء الحفظ مغفل، أي لقب.
    فلم يكونوا يحكموا بالتشهي، فلان حلو، فلان جدع، فلان فوق، فلان تحت، لا.. لابد أن يعمل دراسة علمية عن الحديث، ويقارنها بأحاديث طبقته، وينظروا هل يوافقهم أ ويخالفهم.
    إذا كان يوافقهم عادةً وهم ثقات، إذن هذا الرجل ثقة، إذا كان عادة أنه يخالفهم، إذن سيء الحفظ مدلس.
    هذه كانت دراسة عسيرة جدًّا جدًّا، ثم أن هل الرواة عشرة خمسة عشرة؟ لا، الرواة بالألوف المؤلفة، وكل واحد عنده ألوف الأحاديث، فانظر ألوف في ألوف، وعندهم دراسة.
    عظمة أمتنا وما ابتليت به.
    نحن أمة عظيمة، نحن ابتلينا بعقوق الأسلاف، عقوق الخلف، الذي يقرأ عن هذه الأمة يفتخر أنه ينتسب إليها، حتى ولو كنا في زمان الضعف والهوان، الكتب المخطوطة التي لم تُطبع ثلثي التي طُبع، والذي طُبع لو وضعه كتاب بجوار كتاب يأخذوا نصف الكرة الأرضية، ليس هناك أمة عملت في دينها مثل المسلمين أبداً، كل الكتب التي رأيتها حتى في اللغة، وهذا الكلام كله لخدمة الكتاب والسنة، خدمة كتاب الله U وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، أين الأمة التي عملت عشر عشر عشر عشر عشر عشر عشر معشار الذي عمله المسلمون؟ لكن ابتلينا بعقوق المسلمين لهذا التراث الجليل الكبير.
    لذلك الأئمة لما ينقدوا راوي من الرواة، واحد يقول لك: هذا إنسان جيد، هذا نصف نصف، البخاري ماذا عمل؟
    رواته نقاوة، ينقي، إذا روى لواحد مختلف فيه، ناس قالوا ثقة، وناس قالوا أنه ضعيف، فماذا يعمل البخاري؟ ينتقي، انتقاء رجل خبير، هو يعرف، لا تستعلم عليه وتستأسد عليه أبداً.
    ابن اللبون إذا ما لز في قرن ** لم يستطع صولة البزل القناعيس
    اغسل يدك وخف.. لا أحد يثبت للبخاري.
    وهذا البيت جميل جدًّا: "ابن اللبون" الذي مازال يرضع، أمه ولدته عجل ظريف، ومازال يرضع اللبن، هذا ابن اللبون.
    "إذا ما لز في قرن، لم يستطع صولة البزل القناعيس"، البزل: الجامد، يعني لو أتيت بعربة كاروا، ويجرها اثنين، جحش وأبوه، الجحش الصغير وأبوه.. وهم الاثنين يجروا العربة، هل الجحش يستطيع أن يجر مثل أبيه؟ لا يجر مثل أبيه.
    يقول: "إذا ما لز في قرن" وضعوا الاثنين بجوار بعضهم، ابن اللبون لا يستطيع ينافس البزل القناعيس، الشيء الفخمة الضخمة.
    فالبخاري سماء، لما ينتقي إياك أن تقول عليه مأخذ، لابد أن تعرف أنه انتقى من أحاديث هذا الراوي ما لم ينكره أهل العلم عليه.
    ليس كل رواية للضعيف تكون كاذبة، الضعيف ممكن يحفظ، كيف تعرف أنه حفظ أو لم يحفظ؟
    طريق الطبقة وزملائه، تجده موافق لأغلب الثقات، في رواية هذا الحديث، يبقى حفظه، ليس معنى أنه ضعيف، أن كل كلامه يقع، ستجد كلام دون كلامه، تجد كلامه واقع، لكن تجد منه الجيد، انتقى.
    فالإمام البخاري كان ينتقي من أحاديث المتكلم فيهم، ما لم ينكره أهل العلم عليه.
    لا تأتي تنظر في إسناد البخاري، تقول: هذا إسناده ضعيف، أنا الحقيقة أنكر هذا..
    إن شاء الله نحن نطبق علم الحديث تطبيقًا عمليًّا على كتاب البخاري، مرة في المقدمة ، بإذن الله تعالى.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
    انتهى الدرس الثالث أختكم أم محمد الظن.
    http://www.alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=12260
    رابط تفريغ المحاضرة
    قال الإمام الخطابي رحمه الله

    أنسْتُ بِوَحدتي ولَزِمتُ بيتي *** فدامَالأنسُ لي ونَمَى السُرورُ
    وأدّبَـنـي الزمـانُ فــلا أبـالي *** هُـجِـرْتُفــلا أُزَارُ ولا أَزورُ
    فـلـستُ بسائـلٍ ما دُمـتُ حيًّـا *** أسَارَ الجُـنْدُأم رَكِبَ الأميـرُ

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    71

    افتراضي رد: صفحة تفريغ كتاب العلم للشيخ الحويني حفظه الله

    الله يبارك فيكم / هل من تفريغ لباقي الدروس

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •