قراءات في الإنفاق
د. سليم يعقوب (أبو أميرة)






لا يخفى على أيِّ متابِع بسيط أنَّ العمل الدَّعوي والإغاثي يعاني كثيرًا من شحِّ الموارد والنَّقص الشديد، خاصة إذا ما قارنَّاه بما ينفِقه أصحاب المعتقدات الأخرى؛ كالرَّافضة وما ينفقونه لنَشر التشيُّع، وحجم ما تنفِقه جمعيَّات ومنظمات التنصير، أو ما تنفقه الشركات اليهودية لخدمة دولتهم، وكما هو معلوم فإنَّ نظام الزَّكاة الذي أقرَّه دينُنا الحنيف والحث على الصدقات - هو النِّظامُ الأمثل لتحقيق التوازن والاكتفاء، وقد شاهدنا أمثلةً عن الفائض عندما طُبِّق في عهود سابقة؛ مما يعني أنَّنا لا نقوم بتطبيقه حاليًّا بالطريقة الصحيحة.



الأسباب في رأيي تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

الأول: هو بسبب تهرُّب فئة من كِبار التجَّار من إخراج زكاتهم، التي قد يكفي أحدها لسدِّ احتياجات دولةٍ كاملة، وأيضًا تقصير الشَّريحة الكبرى من عامَّة الناس في باب الصَّدقات مقارنة مع ما ينفقونه على الكماليَّات من باب الإسراف والتبذير؛ كالزَّواجات، السفر، الأجهزة، البيوت والقصور، السيارات... إلخ.



السبب الثاني: أنَّ القليل الذي يتم إخراجه من الزكاة والصدقات لا يتمُّ توجيهه بالطريقة الصحيحة وبحسب الأولويات، ويتمُّ إهدار جزء كبير منه في مواضع تعتبر الأقل أهميَّة، ويعود ذلك لعدَّة مسببات، أذكر بعضًا منها على سبيل المثال:

عدم إلمام المُحسِن بالصورة الكاملة لخارطة احتياجات الأمَّة الإسلامية ومتابعة المستجدات، وعدم بذل الجهد للبحث والتقصِّي من خلال استفسارات بسيطة من أهل الخبرة من الثِّقات العاملين في هذا المجال، التي قد يتم إنجازها بمكالمة هاتفية.



كثير من المنفِقين يوجِّه نفقاته بناء على العاطفة والعلاقات الشخصيَّة، وثقته بالشخص الذي يتعامل معه، وما يسمعه منه وما يصل إليه من معلومات ونصائح "المستشار الشخصي أبي فلان"، التي تعتبر نافذة ضيِّقة جدًّا للاطِّلاع على المجال، في حين أنَّ المفترض أن يقوم بتقييم الأداء الفعلي للمنشأة التي يدعمها بكلِّ سهولة، فنجد مركزًا دعويًّا لديه أضخم المباني والتجهيزات، ولديه من فائض الأوقاف، وحجم كبيرٌ من الموظفين والإداريين والموارد، لا يسلَّم فيه إلَّا عدد أقل من عدَد الأصابع العشرة شهريًّا، وعلى مدى سنوات، بينما مكتب آخر يعاني من نَقْص شديد في جميع ما ذُكِر، يسلَّم لديهم شهريًّا المئات، وبرامج نشطة ونوعية، ولكن المحسن لم يكلِّف خاطره أن يسألَهم عن عدد المسلمين، وتقارير أخرى توضح الأداء، أو أن يتواصَل مع مكاتب أخرى للمقارنة.



- عدم الإلمام ببعض القواعد الشرعيَّة التي ترتِّب أولويَّات الإنفاق؛ كالفرق بين العمل اللازم والعمل ذي النَّفع المتعدِّي، وتقديم ما فيه خدمة لنشر التوحيد على كثيرٍ من الأعمال الأخرى، فتجد من يصرُّ على بِناء مسجد في منطقة تعتبر حاجتها قليلة، رافضًا أن يوجِّه المبلغ لمركزٍ إسلامي يدعو للتوحيد، قد يدخل بسببه الآلاف في دين الله، ولو تأمَّل أن أجر أحدٍ منهم قد يفوق أجرَ بناء عشرة مساجد، لتغيَّر رأيُه، والإيضاح متوفِّر لمن يرغب، وأنصح بشدَّة أن يستشير المحسِنُ مَن يثق به من العلماء وطلَّاب العلم لمعرفة القواعد الأساسيَّة؛ ليقيس عليها ترتيب الأولويَّات، ولكي تبرأ ذمَّته.



اختلال ميزان الوَلاء؛ فنجد مَن يسخِّر نفسه - لعِتق رقبة قريبِه الذي تورَّط في قضيةِ قتلٍ - لجمع مبالِغ تصِل في بعض الأحيان إلى 50 مليونًا تحت شعار: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]، حتى تجرَّأ بعض الشباب على القتل، وأصبح لدينا سماسرة ووسطاء امتهنوا هذه القضايا، وأصبحَت مصدرًا لثرائهم العاجِل، وزادت أطماعُ أهل الدَّم من بضعة ملايين إلى 10 ثمَّ 20 ثم خمسين، ألَا يعلمون أنَّ الآجال بيَدِ الله؟ ألا يعلمون أنَّ بضعة ريالات قد تنقِذ نفسًا طاهرةً بريئة من الموت؟ هل فكَّرنا يومًا كم مليونٍ نستطيع أن نعتق رقابهم من النَّار بإدخالهم في دين الله! وليس من الموت، إن سخَّرنا هذه الميزانيات في مجال الدَّعوة؟



تقديم مصلحة المحسِن الشخصيَّة على منفعة الأمَّة؛ فيكون التركيز على ما سيحصل عليه هو من أجرٍ، لا ما سيكون فيه منفعة أكبر للأمَّة؛ ولذلك تجِد كثافة نسبيَّة في مجالات بِناء المساجد، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار، مع إهمالٍ لباقي الأبواب التي تعتبر أهم، وتُحقِّق له هدفَه ضمنيًّا بأجور مضاعفة؛ "الساجد قبل المساجد".



التطبيق الخاطئ والفهم الجزئي للأحاديث والآثار: "الأقربون أَوْلى بالمعروف"، ((أنا وكافِل اليتيم))، ((مِفحص قَطاة))، فنجِد مَن يوجِّه زكاته إلى قريبه الذي يسكُن في بيت ملك وراتبه 5000؛ لأنَّه مسكين لا يجد ما يكفيه، بينما يموت آلاف الأطفال بسبب أنَّهم لا يجدون وجبةً قيمتها في بعض الأحيان لا تتجاوز الرِّيال، ونجد مَن يبني جامعًا بقيمة مليونَي ريال، يصلِّي فيه ثمانية أشخاص فقط، بينما يستطيع بناء مجمَّع متكامل في إحدى دول إفريقيا، الهند، إندونيسيا، سيريلانكا، الفلبين...، يضمُّ مسجدًا يكتظُّ بالمصلِّين، وثلاثةَ فصول ممتلِئة لتعليم القرآن، وبئرًا؛ كل ذلك بقيمة 150 ألف ريال، ومَن لا يصدِّقني فليأخذ جولةً في الحيِّ الذي يقع خلف جامع الحديثي مخرج 10؛ وهو مجرَّد مِثال، وليسأل أحَدَ الجهات العاملة في المجال عن تكلِفة بناء المجمَّعات والحاجة الماسَّة لها في الدُّوَل المذكورة.



الحذر الزَّائد والخوف المبالَغ فيه، بناء على شائعات نَسمعها من بعض العامَّة الذين ليس لديهم أي عمَل دعوي أو أي خبرة في المجال، أو من خلال وسائل التَّواصل الاجتماعي؛ ممَّا أقصى البعض عن العمَل النظامي والمتاح رسميًّا، ومن خلال القنوات المرخَّصة، وصدِّقوني سمعتُ آراء ونصائح تضرُّ بالعمل الدَّعوي من أشخاص تحِلُّ لهم الزكاة.



الإفراط والتفريط؛ نجد من ينفِق مئات الآلاف دون دراسة وتدقيق كافيَين، ولمجرَّد أنه استمع لمتحدِّث لبِق عن مشروع نوعيٍّ، بالمقابل هناك مَن يدقِّق ويشترط بأدقِّ التفاصيل، فهو يريد مساهمته تحديدًا في الأساسات أو الحديد أو الأسمنت؛ لأنَّ اللمبات والبويات مدَّة الاستفادة منها قصيرة نسبيًّا، فيتم الانتهاء من العظم خلال 6 أشهر، ثم يتعطَّل المبنى لسنوات بسبب إحجام المحسِنين، والله إنِّي لأرجو من الله أجرَ المشروع كاملًا، ولو كانت مساهمتي ريالًا واحدًا فقط، فنحن نتعامَل مع الكريم الوهَّاب، ومِن سوء الأدب أن نشترط في كميَّة الأجر التي نستحقُّها، وقد يقع المرء - والعياذ بالله - في التألِّي على الله.



عدم مراعاة التوزيع الجغرافي للإنفاق؛ فنجد أنَّ بعض المكاتب في المدن الكبرى تحصل على نصيب أكبر نسبيًّا من المكاتب التي تقع في بعض المدن الصغيرة والنائية، علمًا بأن بعضها لديهم كثافة سكَّانية وأنشطة متميزة.



النَّقص في التخطيط وخاصة للتدفُّقات النقدية وتوزيعها بحسب أولويَّات المنشأة؛ فنجد مبالغةً في الإنفاق على بعض احتِفالات التكريم أو طباعة الكتيبات دون دراسةِ مدى الاحتياج لها وأولويَّتها؛ لذلك فقد نجد بعض المستودعات ممتلئةً بكتيبات لم يستفد منها، بينما تُعاني مكاتب أخرى من نقص ميزانيَّات الطِّباعة للكتيبات الهامَّة.




هذه باختصار بعض النِّقاط التي يفضل مراعاتها من قِبَل المحسِنين والعاملين في المجال الدَّعوي والخيري، أسأل اللهَ أن ينفع بها.