المشترك في مشاريع إصلاح التعليم في العالم الإسلامي
يونس الجزولي





شهد العالم الإسلامي مشرقًا ومغربًا، في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تغلغُلًا استعماريًّا أجنبيًّا، استهدف طمسَ الهُوِيَّةِ الدينية والثقافةِ الإسلامية، وتغييرَ البِنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ فظهرت نُخبة مثقَّفةٌ، غيورةٌ، واعيةٌ بمسؤولياتها الدينية والوطنية، تطرحُ حلولًا للرد على الإشكالات الحاصلة، وتطرحُ تصوراتٍ ورؤًى جديدة، وتعملُ على صياغة مشاريعَ إصلاحيةٍ ترنو إلى إعادة تكوين الإنسان العربي، بِجَعْلِ قاعدة إصلاح التربية والتعليم مدخلًا أساسيًّا لأيِّ إصلاح مستقبلي منشود.

وسأحاول من خلال هذه الورقة تَرَسُّمَ الخيط الناظم الذي يجمع بين هذه المشاريع الإصلاحية، معتمدًا في ذلك على لغة تربوية تقريرية بعيدة عن الإنشاء الوصفي، عبر تحديد ثلاثة مستويات:
1- منطلقات ومرتكزات الإصلاح المشتركة.
2- تشخيص مظاهر الأزمة المتوافق حولها.
3- الحلول والمقترحات المشتركة.

1- منطلقات ومرتكزات الإصلاح المشتركة:
تتوزع المنطلَقات والمرتكَزات المشتركة بين مُصلِحِي التعليم في عالَمِنا الإسلامي إلى: ذاتيَّة، وفكرية، وحضارية، من أهمها ما يلي:
أ- الاستناد إلى المرجعية الفكرية الإسلامية في ثوابتها القطعية (القرآن الكريم، والسيرة النبوية الشريفة)، بالإضافة إلى التراث التربوي الإسلامي، فهذا قاسِم مشترك بينهم، رَغم اختلافهم في الوصفات الإصلاحية.

ب- الانطلاق من تجرِبتهم الذاتية، القائمة على الممارسة الميدانية كمربِّين ومدرسين في ميدان التربية والتعليم، وما تراكم لديهم من خبرة أهَّلَتْهُم لاكتشاف الداء ومَكْمَن الدواء.

ج- الارتكاز على قاعدة إصلاح التعليم كمُنطَلَق للإصلاح الشامل؛ لأن تربية الناشئة عامل حاسم لبناءِ المجتمع بناءً سليمًا، ونهضتِه في جميع المجالات.

د- الشعور بالمسؤولية التاريخية والوطنية والدينية من موقعهم كنُخبة عالِمَة تحمل على عاتقها بلْوَرةَ مشاريعِ الإصلاح؛ للخروج بالأمَّة من الانحطاط والفساد والجُمود والتخلف والتبعيَّة.

2- تشخيص مظاهر الأزمة المتوافق حولها:
يكاد يتفق أغلب المصلحين في تشخيصهم للواقع الإسلامي على أنَّ مظاهرَ الأزمة تعود إلى عامِلين هامين، هما:
أولًا: أزمة الذات المسلمة.
وثانيًا: الآثار السلبية للوجود الاستعماري.

ومن تجليات ذلك نجد:
أزمة وِجدان وبناء النفسية المسلمة على مستوى الطفل والأسرة والمجتمع كمؤسسات للتنشئة الاجتماعية وما يرتبط بها من أخلاق وآداب وقيم.

تهميش لغة القرآن والثقافة الإسلامية، وسيطرة اللغات الأجنبية واللهجات المحلية؛ لإذكاء النعرات الطائفية وإثارة الفتن.

إضعاف التعليم الديني ووصفه بالجمود والركود والعجز عن مسايرة الركب الحضاري، والتخلُّف في مضامينه وأساليبه ومناهجه، وطمس الهُوية الدينية الإسلامية وإقبار معالمها.

فساد النظام التعليمي من حيث المناهج والبرامج والكتب المدرسية وطرائق التدريس.

3- الحلول والمقترحات المشتركة:
الدعوةُ إلى إصلاح ذواتنا، وبناءُ أسس التفكير المنهجي السليم، والاهتمامُ بتربية الطفل وتعليم المرأة.

الدعوةُ إلى الاهتمام البالغ بالمدرسين، من خلال إصلاح أحوالهم، وتكوينهم وفق أساليب بيداغوجية حديثة، وإعطائهم المكانةَ الاجتماعية المرموقة التي يستحقونها باعتبارهم قادةَ الإصلاح التربوي.

الدعوةُ إلى تعريب الحياة العامة، من خلال الاهتمامِ بلغة القرآن وإضفاءِ الرُّوح عليها، وجعلِها لغة التدريس في المؤسسات التعليمية، والعملِ على تطويرها وتطوير مناهجها.

الدعوةُ إلى إصلاحِ التعليم الديني، وتجديد مناهجه وطرائقِ تدريسه، وتحديث مناهج تدريس العلوم الإسلامية.

الدعوةُ إلى إصلاح التآليف (الكتب المدرسية) وتجديدها لمسايرة تطورات العصر.

ختامًا: يمكن القول: إننا اليوم في أَمَسِّ الحاجة إلى التوافق حول صياغة مشاريع إصلاحية موحَّدة، تنبُع من مرجعية إسلامية أصيلة، ومنفتحةٍ تكون قادرةً على مواجهةِ التحدي الثقافي والأيديولوجي الغربي باعتباره استعمارًا جديدًا خفيًّا، ومواكبةِ المستجدات العلمية والتكنولوجية؛ للوصول بالأمَّة إلى مصافِّ الدول المتقدمة.