القرآن الكريم: المصدر الأول للإسلام
أ. د. عبدالحليم عويس




تستمد العقيدة والشريعة والأخلاق والحضارة الإسلامية رؤيتها للكون والإنسان وتنظيم العلاقة بالله وبالإنسان من خلال مصدرين أساسين هما: القرآن والسنة:
والقرآن الكريم (المصدر الإسلامي الأول والأعظم) هو كتاب الله المنزل على محمد ابن عبد الله - عليه الصلاة والسلام - بلسان عربي مبين، منجماً في مدة (ثلاث وعشرين سنة)، والمتعبد بلفظه ومعناه؛ ولا يجوز عليه التبديل ولا التحريف ﴿ إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].
ويحتوي القرآن على (114) سورة، وعلى ثلاثين جزءاً، وستين حزباً، و(240) ربعاً، وعلى نحو (6219) آية.

وينقسم القرآن من حيث الإجمال والتفصيل إلى أربعة أقسام:
1- التشريع المجمل، وهو معظم العبادات.
2- التشريع الذي فيه البيان على نحو ما؛ كالأحكام المتعلقة بالجهاد والدفاع عن النفس والعلاقات الدولية.
3- التشريع التفصيلي؛ ومثاله القصاص والحدود، والحلال والحرام من الطعام، وأصول روابط الأسرة، والميراث.
4- القواعد العامة للتشريع والاجتهاد[1].
وعموماً فقد بني التشريع على التدرج والتيسير والتقليل من الأحكام.

أما من ناحية (الموضوع القرآني) فهو كتاب حياة، ومنهج وجود للإنسان؛ بالمعنى الممتد للوجود؛ أي في الماضي والحاضر والمستقبل؛ فالماضي هو ما حكاه القرآن عن قصص الأولين منذ بدء الخليقة، ومروراً بقافلة الصراع بين الأنبياء وأممهم، وحاضراً من ناحية التشريع الصالح في الحياة الدنيا، فضلا عن ملابسات مسيرة الدعوة الإسلامية، والقيم المستخلصة منها، ومستقبلا... فيما يتعلق بالمستقبل الإنساني على وجه الأرض في ظل تدهور القيم الإنسانية، وفقدان الصلة بالله، وما يلي ذلك من قيامة وحساب وثواب وعقاب وجنة ونار... ويتخلل ذلك كله (منهج تربوي) في تلقي الحقائق والتعامل معها والنظر في آفاق الكون والنفس، كما يتخلل ذلك كله نظرية في المعرفة، التجريبي منها والتجريدي.
وفي الوقت نفسه ثمة إجابات شافية عن كل التساؤلات الكبرى حول (الميتافيزيقيا)، وحول الطبيعة البشرية، وأسلوب التعامل المنسجم مع الفطرة والسنة الكونية، وكل ذلك يرتبط بالمنهج... أي بالشريعة ولا ينفك عن العقيدة، كما لا يمكن إحداث أي فصل - سواء على مستوى التصور أم التطبيق - بين أجزاء القرآن الكريم ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85].

وقد حظي القرآن الكريم بعناية كبيرة دلت عليها الحقائق التي ذكرناها من ناحية جمعه وتدوينه، وليس في البشرية الآن كتاب يدانيه في هذا، كما يشهد المستشرقون المنصفون أنفسهم، وحسبنا أن نراجع واحدا من أبرز الكتب الحديثة عن التوراة والأناجيل والقرآن في ضوء الحقائق العلمية[2] لمؤلفه الجراح الفرنسي العالمي (موريس بوكاي) لنعرف أن القرآن هو المصدر الوحيد في الأرض الذي يصح أن ينسب بكل ثقة واطمئنان إلى الله - سبحانه وتعالى -.
وكما اعتنى المسلمون بالقرآن؛ عبادة، وتلاوة، وحفظاً في الصدور، وكتابة، ونشراً في الآفاق، وترتيلاً بالصوت... كذلك أقاموا حول القرآن سورا من العلوم التي تعيش عليه، وتستمد وجودها منه، وتصنع مناهجها، وموضوع بحثها، من بُعْدٍ من أبعاده، وجانب من جوانبه، وهذه العلوم تسمى علوم القرآن، وهي تصل إلى نحو خمسين علماً.

إن الموضوع الأساس للقرآن الكريم - وباختصار شديد - هو الإنسان وليس الطبيعة، أي الثقافة وليس العلم التجريبي، وإن كان القرآن الكريم لم يكتف بأن كشف للإنسان عن نفسه، وأوقفه على سبل صلاحها وإصلاحها، وسبل غوايتها وضلالها، وقص عليه في سبيل تحقيق الصلاح والفلاح تاريخ النبوات، وتاريخ (الإنسان) عبر التاريخ؛ بل أعطاه - كذلك - (مفاتيح) اكتشاف الكون أو الطبيعة الخارجية من حوله؛ ممثلة في (منهج) علمي قائم على كل وسائل المعرفة الحسية والعقلية والوجدانية والدينية، كما أزاح فيه القرآن الكريم عن كاهل العقل الإنساني كل ما يعوقه عن الملاحظة والتفكر، والنظر في النفس والاجتماع والطبيعة، كما أوضح فيه القرآن الكريم أن الكون خاضع لسنن كونية ثابتة، وأنه يتصف بالحركة والانتظام والكمية والتقدير والتصنيف[3].
ولم يكتف القرآن الكريم بتمكين الإنسان من آليات النظر والبحث والمعرفة فحسب، بل إنه أخذ بيد الإنسان إلى العمل المعيشي الذي يمثل قوام حياته، والذي يستطيع تطويره والإبداع فيه من خلال آليات المعرفة التي مكنه القرآن منها.
ولهذا لفت القرآن الكريم (وهو كتاب دين وحضارة) أنظار أتباعه إلى أهم الحرف والمهن، عن طريق الإشارة إلى الحرف تارة، وضرب الأمثلة المستمدة من تلك الحرف تارة أخرى، أو الحديث عن مكونات تلك الحرف والمهن تارة ثالثة، مما يؤكد للمسلمين أهمية تلك الحرف والمهن وضرورتها في حياة الفرد والمجتمع.

ومن أهم هذه الحرف والمهن التي أشار إليها القرآن: الزراعة، صناعة الخبز، وطحن الحبوب، والرعي، وحلب اللبن من الماشية، والتجارة، والدباغة، والحرف الجلدية، والأحذية، والاحتطاب، وصناعة النسيج، والحياكة والألبسة، والطباعة والنقوش، والتنجيد، والصباغة، والنجارة، وصناعة المعادن، وسبك المعادن، والصياغة، وصناعة النقود، والبناء والعمارة، والصيد وغيرها.
وقد قدم القرآن للمسلمين نماذج حرفية من حياة الأنبياء - عليهم السلام - ليعلموا أن سنن الله في العمل والاجتهاد، ولكن ذكر هذه الحرف والمهن في القرآن الكريم ليس مفصلاً، بل جاء على سبيل الإشارة؛ ذلك لأن كتاباً مجملاً في تشريعاته كالقرآن الكريم لا يمكن أن يتناول الحرف والمهن اللازمة لقيام الحضارة الإسلامية عبر العصور، وإنما أتى بنماذج ينبغي أن تكون في كل مجتمع، كما ينبغي أن تنمو وتزداد كمَّاً ونوعاً باختلاف المكان والزمان؛ حتى تفي بحاجات الإنسان المتطورة عبر العصور، بحيث يظل المجتمع الإسلامي دائما وأبدا مجتمع الكفاية، وعدم الحاجة إلى الآخرين؛ في طعامه وشرابه وكسائه[4] وغير ذلك من أمور حياته.
وقد بلغ عدد الحرف التي أشار إليها القرآن الكريم أكثر من ثلاثين حرفة.
••••


وهكذا - من خلال هذه الصفحات الوجيزة - نكتشف بعض الآفاق التي علمها القرآن للمسلمين وللحضارة الإنسانية على كل مستويات الإبداع الدنيوي، ومستوى الصلة بالله، وتنظيم الحياة باسمه تعالى، ووفق منهجه التشريعي والعِبَادي، والأخلاقي.
وصدق الله العظيم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9].



[1] الشيخ محمد خضر حسين: خلاصة التشريع الإسلامى ص 24، دار القلم، الكويت ط 4، عام 1404هـ.

[2] اسم الكتاب: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، طبع دار المعارف بمصر.

[3] عدنان زرزور، مقدمة كتاب من روائع حضارتنا للدكتور مصطفى السباعي ص26 ، 29.

[4] جمال محمد محمد الهنيدي: التربية المهنية والحرفية في الإسلام ص 171، ص 252 (بتصرف) طبع مصر.