اسم الكتاب: أحكام النساء





المؤلف: علاء الدين بن العطار الشافعي




المحقق: د. إيمان بنت محمد علي عزام




إصدار: دار البشائر الإسلامية (سلسلة دفائن الخزائن)




الطبعة: الأولى، 1435هـ 2014م




عدد الأجزاء: 4 مجلدات




بين أيدينا كتاب «أحكام النساء» لابن العطار الشافعي، وهو أول كتاب فقهي أفرد في الأحكام المتعلقة بالنساء، وقد عالج مؤلف الكتاب هذا الموضوع المهم على طريقة الفقهاء؛ مستندا إلى الأدلة من القرآن والسنة، وأقوال علماء الأمة؛ مؤكدا أن الذي سيذكره فيه تضمن أحكاما اختصت اختصاصا كليا بالنساء، وأحكاما أخرى يشترك في أصل الحكم فيها الرجال والنساء، ثم ينفرد كل منهما بكيفيات وهيئات، وأحكاما ثالثة يتفق فيها الرجال والنساء، ولكن تجهلها أو تهملها معظم النساء, وأحكاما رابعة تعم الجنسين؛ منها أحكام معروفة، ومنها ما يندر حصولها ويجهل حكمها؛ إلى غير ذلك مما يتعلق بمباحث الكتاب النفيسة.



وقد قامت الدكتورة إيمان عزام بدراسة وتحقيق هذه النادرة العلمية، ونالت بها درجة الدكتوراه في الفقه الاسلامي من كلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بتقدير ممتاز، حيث اعتمدت على نسخة مخطوطة فريدة، وبذلت جهدا جليلا لتذليل صعابها؛ فاعتنت بها عناية تامة، من حيث إثبات النص صحيحا، مع ضبط الآيات والأحاديث والنصوص المنقولة، كما وضعت حواشي مهمة، مع فهرسة علمية تعين الباحث في الرجوع إلى ما يريده من المجلدات الأربعة.



وقد أسهم الكتاب في حفظ نصوص سابقة، وانفرد بذكر مسائل لم تذكرها كتب المذهب الشافعي المشهورة، وأظهر شخصية ابن العطار من خلال اختياراته الفقهية فيه ومهارته العلمية، ويقظته في توضيح مواضع الوهم, واهتمامه بالوعظ والربط بالواقع ومحاربة البدع.



مكانة كتاب «أحكام النساء» بالنظر إلى: مؤلفه، وزمن تأليفه، وخصوصية موضوعه



إن أعمال التراث تستمد أهميتها من أبعاد مختلفة، من أبرزها: مكانة مؤلفها ومقدار الثقة فيه، وزمن تأليفها، وأهمية موضوعها، ومخطوط «أحكام النساء» الذي قامت الدكتورة إيمان عزام بتحقيقه؛ اجتمعت فيه الأسباب السابقة، التي لو انفرد أحدها لكان داعيا إلى تحقيقه والعناية به، فكيف وقد اجتمعت كلها؟



وبيان ذلك فيما يلي:




أولا: مكانة مؤلف كتاب «أحكام النساء»: علاء الدين ابن العطار عالم فقيه، ومحدث من دمشق الشام؛ عاش في النصف الأخير من القرن السابع والربع الأول من القرن الثامن الهجريين (654- 724هـ)، وهو عصر اشتهر بعناية حكام المماليك بالعلماء والمدارس، وكان رحمه الله من أخص تلاميذ الإمام النووي الشافعي، صاحب التصانيف الشافعية المعتمدة التي دارت حولها الشروح والتصانيف، وقد أوصاه شيخه النووي بإكمال المجموع لما أدرك أهليته لذلك، وعلم مكانته الفقهية؛ لكن لم يقدره الله له، وهو صاحب رحلات واسعة، حيث جاب البلدان، وأخذ عن كبار علمائها، فرحل إلى الحجاز واليمن ومصر ونابلس وغيرها من البلدان، وتولى مشيخة دار السنة بدمشق لمدة ثلاثين سنة.




قال الذهبي عنه: «كتب وجمع ودرس وأفتى واشتهر ذكره»، وقال ابن كثير: «له مصنفات وفوائد وتخاريج ومجاميع»، وقال عنه ابن حجر: «نسخ الشيخ علاء الدين الأجزاء وكتب الطباق وغلب عليه الفقه، وصحب الشيخ محيي الدين النووي، واشتغل عليه وحفظ التنبيه بين يديه حتى كان يقال له: مختصر النووي».



وهذا كله فصيح صريح في بيان مكانة المؤلف لا يحتاج معه إلى مزيد بيان.



ثانيا: زمن تأليف كتاب «أحكام النساء» لابن العطار رحمه الله:




ألف ابن العطار كتابه «أحكام النساء» في الربع الأول من القرن الثامن الهجري؛ حيث ذكر أن فراغه منه كان سنة عشر وسبعمائة، وهي فترة زمنية تشرئب لها أعناق المهتمين بالتحقيق، بعد أن صار وجود ما يصلح للتحقيق تحت مظلة الجامعات قليل فيما قبل ذلك من القرون.



ثالثا: أهمية موضوع الكتاب وخصوصيته




إن موضوع الكتاب هو فقه أحكام النساء الخاصة بهن، والنساء نصف المجتمع، وهن شقائق الرجال، ومربيات الأجيال، والجهل فيهن شائع ذائع، والعلم بأمور الدين بينهن قليل بل نادر، فالحاجة ماسة - إذن - إلى تقريب الأحكام لهن، وتيسير الفقه بين أيديهن.



وأول الخطوات جمع ما تناثر من جزئيات المسائل وفروع الفقه من سائر الأبواب في كتاب واحد، وإذا قصرت الهمم عن تعليم النساء الفقه كله، فلا ينبغي أن تضعف عن تعليمهن ما يتعلق بهن، فبرغم اشتراكهن في كثير من الأحكام مع الرجال، فإن هناك من الأحكام ما استأثرن به على جهة الاختصاص في كافة أبواب الفقه.



ولقد أدرك المتقدمون أهمية هذا الموضوع، وبالتالي أهمية كتاب «أحكام النساء» لابن العطار، فوجدنا الناشري (ت815هـ) عني به واختصره، والناشري عالم فقيه جليل، وعناية مثله بكتاب «أحكام النساء» ينبئ بالتأكيد عن أهمية الكتاب ومكانته.



ثم إن كتاب «أحكام النساء» كما ذكرت المحققة هو الكتاب التراثي الفقهي الوحيد الذي عالج أحكام النساء على طريقة الفقهاء؛ ولذلك صار في تحقيقه سد ثغرة ضرورية في المكتبة الإسلامية؛ لأنه مهما قدمَ للنساء من دراسات فقهية معاصرة، فيظل للتراث قيمته ووزنه وفضله وأصالته واكتمال الثقة فيه، وفضل علم السلف على الخلف معروف ليس هو محل إثبات.
التعريف بمحتوى كتاب «أحكام النساء»
أولا: أنواع الأحكام التي حواها كتاب «أحكام النساء» لابن العطار:




ذكر ابن العطار رحمه الله في آخر تقديمه للكتاب ضابطا مهما، وهو أن أعمال الجوارح الظاهرة، وهو علم الفروع، منه ما يتوافق حكم النساء فيه مع حكم الرجال، ومنه ما يتخالف حكمهما فيه؛ ثم قال رحمه الله: «والذي نذكره في هذا الكتاب ما يخالف أحكام الرجال».



وبدراسة الكتاب نلاحظ أن ابن العطار رحمه الله لم يقتصر على ذكر الأحكام المختصة بالنساء، والتي يختلف فيها حكمهن عن حكم الرجال، مع التسليم بأن هذا النوع من الأحكام شكل النسبة العظمى من أحكام كتابه، والتسليم كذلك بأن هذا النوع شغل المقام الأول من اهتمام ابن العطار رحمه الله.



وفي محاولة لتصنيف الأحكام التي ضمنها ابن العطار كتابه؛ فقد قاد استقراء المحققة للمخطوط إلى حصر تقريبي لأنواع الأحكام التي حواها، فوجدت ثمانية أنواع من الأحكام تضمنها كتاب «أحكام النساء» لابن العطار، وهي:



النوع الأول: أحكام اختصت اختصاصا كليا بالمرأة: ومعظمها في كتاب «الطهارة» و«الصلاة» و«اللباس والزينة» ونحو ذلك.





النوع الثاني: أحكام يشترك في أصل الحكم فيها الرجال والنساء، ثم ينفرد كل منهما بكيفيات وهيئات: ومن ذلك: الغسل؛ فالمرأة كالرجل؛ لكنها تزيد في غمر ضفائرها بالماء، ومنها: الوقوف بعرفة حكمها كحكم الرجل؛ لكنها تقف قاعدة في حاشية الموقف...إلخ.




النوع الثالث: أحكام يتفق فيها الرجال والنساء، وتجهلها أو تهملها معظم النساء: ولا يتنبه لها النساء لذيوع الجهل بينهن، أو يشتهر اعتناء الرجال بها دونهن، نحو: الاستياك، والختان، والعقيقة عند البلوغ لمن لم يعق وليها عنها...إلخ.




النوع الرابع: وهو الأحكام التي تعم الجنسين: وهي التي يتفق فيها النساء والرجال مطلقا، وأحكامها في الأغلب معروفة، فينبه إليها المصنف في عجالة، ثم يتجاوزها إلى غيرها؛ نحو قوله: «حكم المرأة في التيمم حكم الرجل»، وقوله في كتاب الزكاة: «وتجب الزكاة في الركاز على كل مكلف؛ رجلا كان أو امرأة، محجورا عليه، أو مطلق التصرف»، وكثير من الأحكام في كتاب البيوع، وفي كتاب «الجنايات والحدود»...إلخ.




النوع الخامس: أحكام تعم الجنسين، ثم يندر حصولها، فيجهل حكمها: ومثال هذا النوع: قوله في كتاب الحج، فصل: النذر: مسألة: «ولو نذر رجل ذبح ولده ذكرا كان أو أنثى».




النوع السادس: أحكام تختص بالرجل: ويذكرها ابن العطار على سبيل المقابلة، وقد جاءت في الكتاب في مواضع قليلة، ومن ذلك قوله: «ويكره للرجل أن ينام مستلقيا على وجهه، فقد صح أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم" رأى رجلا مستلقيا على وجهه، فقال: إن هذه بطحة يبغضها الله تعالى».




ومنه: قوله بعد ذكره مقدار ما ترخي المرأة من الذيل: ولهذا كان إرخاء الإزار على الكعبين للرجال في النار؛ لما فيه من الفخر والخيلاء، والتشبيه بالنساء؛ فإن ذلك شرع لهن للستر، وهو مفقود في حق الرجال.



النوع السابع: أحكام يذكرها لا تختص بها النساء ولا يختص بها الرجال: ولكن يذيع إتيانها على مخالفة الشرع في مجتمعه، واحتمال جهل النساء بحكمها مع إتيانهم لها احتمال قوي، ومن أمثلته: «حكم الأجراس التي تعلق على الدواب، وضرب النقارات في الحرب، وحكم الشبابة، والأرغن».




النوع الثامن: أحكام تلحق آثارها المرأة، وإن كان فاعلها هو الرجل: وهو نوع من الأحكام ظهر في أبواب النكاح في فصول نحو: الطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والأيمان.




وعموما، فإن المحققة رأت في دراسة الكتاب أن في خروج ابن العطار رحمه الله عن شرطه في ضابط كتابه ظهورا جديدا لروحه الوثابة إلى نفع الناس؛ حيث كان هذا النفع، ومهما استدعى خروجا عن الضوابط والقيود.