الإصابة في تمييز الصحابة

للحافظ ابن حجر العسقلاني





أصل كتاب الإصابة أن ابن حجر لما طالع كتاب ابن الأثير (أسد الغابة) رأى أن فيه فوتا كثيرا، وخلطا لبعض الصحابة ببعض، وكذلك وقع في (التجريد) للذهبي، فجمع هذا الكتاب، وله قيمة كبيرة، حيث ألفه ابن حجر في مدة تقارب الأربعين سنة. بداية من (809)، وحتى (847هـ)، كما نص عليه قبيل شروعه في باب الكنى، ألفه في قمة نضوجه العلمي، حيث كان إتمامه لاحقا لكثير من كتبه الكبيرة: كفتح الباري، وتهذيب التهذيب، وتقريبه، ولسان الميزان، وتغليق التعليق.
وللكتاب ترتيب ابتكره الحافظ، وهو مع جدته صعّب الاستفادة من الكتاب، بحيث يضطر الباحث عن اسم رجل إلى استعراض الأقسام الأربعة أحيانا، ولو أن الكتاب ترك على الترتيب المعروف، ونبه الحافظ في مقدمة كل ترجمة إلى وصف الرجل بكونه بالغا أو طفلا أو مخضرما، أو ذكر خطأ، لكان أسهل في الوصول إلى المراد فيما يبدو، والله أعلم.
وكتاب الإصابة يكشف عن اطلاع واسع مدهش لابن حجر، ويقضي له بالرسوخ والنبوغ، وفيه من الفوائد شيء عظيم، فمن أهم ذلك - سوى تمييز الصحابة -: التنبيه على أوهام من سبقه في هذا الفن، كابن عبدالبر، وابن قانع، وابن شاهين وأبي موسى، وابن الأثير والذهبي، وابن منده، وأبي نعيم، وعلى ذكر الأخيرين، فإن الكتاب حافل بالمحاكمة بينهما، وقد عقب ابن حجر مرة بتعليق مهم حين قال: (12/621): «أبونعيم لا يزال ينسب ابن منده إلى الغلط، فيصيب في ذلك تارة، ويخطئ تارة، ولو سلم من التحامل عليه لكان غالب ما يتعقبه به صوابا». ومن فوائده: بيان أغلاط من غلط في الصحابة، من شراح الحديث والفقهاء. ومن فوائده: جمع طرق بعض الأحاديث، والبحث عن متابعات لها - خصوصا من كتب تراجم الصحابة -، والحكم على بعض الأحاديث والقصص، وإيراد بعض أشعار الصحابة، وهو مقل في هذا، مقارنة بمن سبقه. ومن فوائده: النقل عن كتب مفقودة، وهذا كثير. ومن فوائده: بيانه لمصادر المؤلفين قبله أو عاداتهم، كقوله: «جرت عادة ابن منده إذا لم يسم والد الصحابي يكنيه باسم ولده»، كعمرو بن أبي عمرو والأسود بن أبي الأسود، وكتنصيصه على أن من عادة ابن عبدالبر متابعة ابن شاهين (9/428)، ومن عادة أبي موسى المديني اتباع أبي نعيم في ذكر كل ما زاد على ابن منده (9/524).
ومن فوائده: ضبط كثير من الأعلام ضبط حرف، وهذا كثير أيضا، على عادة ابن حجر في مصنفاته.

ومن فوائده: إظهار القرابات بين الصحابة، من جهة آبائهم أو أمهاتهم.

ومن المهم معرفة أن ابن حجر لم يكمل كتابه، بحيث ترك المبهمات ولم يصلها، والظاهر أنه لم يكمل الكنى أيضا، فهو يحيل إلى مواضع ستأتي، ثم لا يجدها القارئ، وقد كان ينوي تبييض الكتاب مرة أخرى (13/289).
قطوف من مقدمة الإصابة في تمييز الصحابة من كلام ابن حجر:

(تسمية من ألف في جمع الصحابة):

أول من عرفته صنف في ذلك أبو عبدالله البخاري، أفرد في ذلك تصنيفا، وجمع أسماء الصحابة مضموما إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه، كخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد، ومن قرنائه كيعقوب ابن سفيان، وأبي بكر بن (أبي) خيثمة، وصنف في ذلك جمع بعدهم كأبي القاسم البغوي، وأبي بكر بن أبي داود، وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كأبي علي بن السكن، وأبي حفص ابن شاهين، وأبي منصور الماوردي، وأبي حاتم ابن حبان، وكالطبراني ضمن معجمه الكبير، ثم كأبي عبد الله ابن منده، وأبي نعيم، ثم كأبي عمر ابن عبد البر، وسمى كتابه «الاستيعاب»، لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك ففاته شيء كثير، فذيل عليه أبو بكر ابن فتحون ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة، وذيل أبو موسى المديني على ابن منده ذيلا كبيرا...، إلى أن كان في أوائل القرن السابع، فجمع عز الدين بن الأثير كتابا حافلا سماه: «أسد الغابة»، جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة، إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها للحافظ أبي عبدالله الذهبي، وعلّم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه، ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة.
(طريقة ترتيب الكتاب):
ورتبته على أربعة أقسام، في كل حرف منه:
فالقسم الأول: فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
القسم الثاني: من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي " صلى الله عليه وسلم" لبعض الصحابة من النساء والرجال، ممن مات " صلى الله عليه وسلم" وهو في دون سن التمييز.
القسم الثالث: فيمن ذكر في الكتب المذكورة من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي " صلى الله عليه وسلم" ، ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث، وإن كان البعض منهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة، فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا بمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها.
القسم الرابع: فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط البين، وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه (من هذا) الفن اللبيب الماهر.
الفصل الأول: في تعريف الصحابي

أصح ما وقفت عليه من ذلك (أن) الصحابي من لقي النبي " صلى الله عليه وسلم" مؤمنا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
الفصل الثاني: في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيا

وذلك بأشياء: أولها أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي، ثم بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروى عن آحاد من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا، وكذا عن آحاد التابعين، بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة: أنا صحابي.

الفصل الثالث: في بيان حال الصحابة من العدالة

اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلا نفيسا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره، عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران:110)، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}(البقرة: 143)،
وقوله:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}(الفتح:18). وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (التوبة: 100)، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 64)، وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ...} إلى قوله سبحانه: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } (الحشر: 8-10). في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتمد قوله.
فائدة: أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة رضوان الله تعالى عنهم أجمعين.
قال ابن حزم: ويليهم عشرون، وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبوهريرة، وأنس، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبوسعيد، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبوبكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة.
قال: وفي الصحابة نحو من مئة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، كأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وغيرهم (وسرد الباقين).
قلت: وسأذكر في ترجمة كل من ذكره من هذا القسم أن ابن حزم ذكر أنه من فقهاء الصحابة، فإن ذلك من جملة المناقب.
أهمية الكتاب ومزاياه (1):
هذا الكتاب من أهم ما ألف في تراجم الصحابة، ولا يستغني عنه طالب علم أو باحث، وقد تميز بمزايا كثيرة، قلّ أن تجتمع في غيره، ومنها:

1- مكانة مؤلفه العلمية المرموقة.
2- مما يؤكد أهمية هذا الكتاب: أهمية الموضوع الذي يتحدث عنه، فهو يشتمل على تراجم لصحابة رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، والبحث عن أحوالهم، وتمييزهم من غيرهم، ومعرفة من ذكر معهم وليس منهم.
3- يعتبر هذا الكتاب أجمع الكتب المؤلفة في أسماء الصحابة وأشملها وأوسعها، فقد حوى أكثر من اثني عشرة ألف ترجمة.
4- يعد أيضا من أهم الكتب المؤلفة في تراجم الصحابة، وأكثرها انتشارا، وتحريرا وتدقيقا، وقد اطلع مؤلفه على كتب من تقدمه في هذا النوع من التصنيف، واستفاد منها، فهذبها ورتبها، وتجنب ما فيها من أوهام، وزاد عليها زيادات رآها في بعض طرق الحديث أو المصنفات الأخرى، فجاء كتابا حافلا نافعا، ليس له نظير في بابه.
5- هذه المقدمة النفيسة التي قدم المؤلف بها للكتاب، وما ذكر فيها من فصول مهمة يحتاج إليها من أراد معرفة الصحابة، وما ذكر في ذلك من ضوابط لمعرفة الصحابة.
6- من أهم ميزات الكتاب أن الحافظ ابن حجر استدرك على من قبله، وبين إذا كان ذكرهم للمترجم في الصحابة صوابا أو خطأ، ومثال ذلك ترجمة (حنش بن المعتمر).
7- إن المؤلف قد بذل في هذا الكتاب جهدا كبيرا، ومكث في تصنيفه أربعين سنة، فقد قال في آخر الكتاب: انتهت كتابتي مع ما في الهوامش في ثالث ذي الحجة، عام سبعة وأربعين، وكان الابتداء في جمعه في سنة تسع وثمانمائة، فقارب الأربعين، لكن كانت الكتابة فيه بالتراخي، وكتبته في المسودات ثلاث مرات، من أجل الترتيب الذي اخترعته، وهذه المرة الثالثة، وقد خرجت النسخة مسودة أيضا لكثرة الإلحاق، ولم يحصل اليأس من إلحاق أسماء أخرى، والله المستعان «الإصابة» (6/728)، فهي مدة طويلة جدا، ولذلك فإن هذا الكتاب صار خلاصة آراء وأحكام الحافظ ابن حجر فيما يتعلق بالصحابة، كما أن المؤلف قد وقف على أناس وصفوا بالصحبة في غير المظان المعروفة.
8- يمكن أن يقال: إن هذا الكتاب يمثل خلاصة ما كتبه العلماء والأئمة في معرفة الصحابة قبل الحافظ ابن حجر، فالمطالع لهذا الكتاب يظهر له أن المؤلف قد اطلع على كتب من قبله، ومحصها، وأخذ منها وترك، بحسب ما رآه مناسبا.
9- احتوى هذا الكتاب على قدر كبير من الأحاديث، مع بيان طرقها والحكم عليها، مما يزيد في قيمة الكتاب العلمية.
10- إن هذا الكتاب قد حفظ لنا نقولا كثيرة من مصادر، صارت تعتبر في عداد المفقود، مثل: «معرفة الصحابة» لابن السكن، وكتاب «الصحابة» للعقيلي، و«الصحابة» لمطين، ولابن شاهين، وغيرهم.
11- ثناء العلماء عليه: قال السخاوي في «فتح المغيث» (3/93): انتدب شيخنا لجمع ما تفرق من ذلك، وانتصب لدفع المغلق منه على السالك، مع تحقيق غوامض, وتوفيق بين ما هو بحسب الظاهر كالمتناقض, وزيادات جمة, وتتمات مهمة, في كتاب سماه «الإصابة» جعل كل حرف منه غالبا على أربعة أقسام.



الهوامش

1- دراسة مختصرة عن كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»، موقع: الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها.
منقول