كتاب:


السياسة اللغوية في البلاد العربية الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري



إعداد الدكتور عثماني الميلود





في الوقت الذي يميل فيه الخطاب اللغوي العام إلى الجدل وإثبات الذات أو دحضها، وفي الوقت الذي تتضخم فيه الأنات بفعل هذا العامل أو ذاك، إما بمفعول عقدي أو أيديولوجي، فإن خطاب العقل والمنطق وتحليل الوقائع والمقارنة والاستدلال، كل ذلك يجد طريقه، لا من أجل الرد على هؤلاء أو أولئك، ولكن من أجل بناء معرفة جديدة والتطرق لقضايا نادراً ما اندرجت في الأدبيات العربية المعاصرة لا لسانياً أو ثقافياً أو سياسياً.
تكمن قيمة الكتاب الذي نروم عرض بعض مضامينه فيما يلي:
الخوض في موضوع لم يتم التطرق إليه بجدية.
اعتماد مقاربة جديدة وجريئة ودقيقة.
التوسع الدلالي والفكري في قضايا كانت تبدو خارج الخطاب اللساني العربي.
والكتاب عموماً هو ثمرة تراكم ذاتي وموضوعي في مواضيع وقضايا طفت على السطح منذ سنين لكنها لم تثر بالقدر الكافي، والعمق المطلوب، في حين تم الوعي بها وبغيرها في كتاب الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري بشكل جلي ومقصود، خاصة وأن دراسات جيو – استراتيجية تؤكد، اعتماداً على مؤشرات عدة، أن اللغة العربية ستتبوأ موقعاً حيوياً واستراتيجياً مع حلول 2050 (غرادول، 2007) (2). ولهذا يبدو ذكياً العمل في هذا الاتجاه حيث ستحتاج اللغة العربية، في هذا التاريخ المستقبلي، إلى خطط ودراسات واسترايتجيات من شأنها تأبيد ريادة هذه اللغة، وتيسير تداولها، ومنحها حظوظ التطور وسرعة في الانتشار، لكي يتأكد أن خصومها يدركون قوتها، وهم يستبقون الأحداث والزمن من أجل تغيير منطق التطور، والعبث بآمال المستقبل.
من هنا نتلقي بلطف وتفهم شديدين سعي د. عبد القادر الفاسي الفهري إلى تحديد علامات سياسة لغوية عربية قائمة على مفاهيم الطبيعة والديمقراطية والعدالة الفاعلية، وذلك في إطار "سياسة لغوية رشيدة وناجعة، تحفظ التماسك والتنوع والانفتاح على ثقافات الغير ولغاته" (ص 19)، وإن تتبعاً خطياً، لا تيماتياً أو مفهومياً، يفي بالغرض، لكون الكتاب ألف وفق مواضيع وقضايا تدرك في الزمان والمكان، كما تدرك في ذاتها كحقائق ووقائع ومصطلحات ومفاهيم.
وقبل استعراض قضايا الكتاب وأسئلته، لا بد من القول أن السياسة اللغوية، بعامة، هي مجموع التدابير المتخذة في بلد من البلدان حيال لغته. وتخضع هذه السياسة اللغوية للتخطيط أو الخطط المرسومة من لدن كل أطراف الشأن العام، ومن الناطقين بها، خاصة إذا كانت أطراف الشأن العام اللغوي منقسمة على نفسها، وتخشى، بوعي ومسؤولية، انفراط السلم الاجتماعي وتحول اللغة من عنصر موحد وجامع إلى حاضنة للصراع والتفرقة والتنابذ والكراهية. ولعل د. عبد القادر الفاسي الفهري قد أدرك الطابع الإشكالي لهذه المسألة منذ أمد بعيد (2). ومعنى هذا القول إن الباحث يعالج واقعاً لغوياً عربياً شديد التعقيد، ويحاول الإلمام بمشكلة غاية في التعقيد، ويعلم علم الخبير أن ملابسات الفترة ورهاناتها وحساباتها الصغيرة والكبيرة، الظاهرة والباطنة، معقدة جداً. فمثل هذه الكتب لا تعد قارئها براحة البال، بل ستنغص عليه طمأنينته، وتزعزع بعضاً من أحكامه الجاهزة، غير أنها في المقابل، تعده بالشمولية والدقة والتفصيل وحسن الاستدلال.
يتمحور هذا الكتاب الضخم نسبياً، والمتعدد في قضاياه وإشكالاته، على سلسلة من الإشكالات والقضايا والمفاهيم والحقائق والوقائع:
أوضاع اللغة العربية وتحدياتها.
البيئة السياسية وصنع القرار اللغوي والديمقراطية.
العدالة اللغوية – البيئية ووسائطها.
الثقافة والحضارة واللغة.
اقتصاديات اللغة.
في سبيل تخطيط واستنهاض لغوي – ثقافي جديد.
- 1 –
يستهل الكاتب مؤلفه بلائحة من الإشكالات التي تواجه كل من يرغب في تفحص المسألة اللغوية بالعالم العربي (نذكر من بينها: الازدواجية / الهوية والتماسك والتنوع / علاقة اللغة بالهوية)، ولم تفته الإشارة إلى مناقشة مشكل العامية في الوطن العربي الذي هو ثمرة من ثمار الأزمنة الكولونيالية التي جعلت من تشجيع العاميات ودعمها شكلاً من أشكال الفعل الثقافي والسياسي للنفوذ الاستعماري، والواقع أن عبد القادر الفاسي الفهري يمتلك الذكاء والأداة للحسم في مثل هذه القضايا رغم طابعها الإشكالي واستمرار عوامل نشأتها وشراسة المدافعين عنها، ينتصر الكاتب للمعالجة الوظيفية؛ إذ باعتقاده أن الحل الأمثل والواقعي لهذا الإرث الاستعماري المعقد أن نعمد إلى تصنيف الوسائط اللغوية، إلى جانب اللغة العربية والأمازيغية، وفق الدور الذي نرغب أن تقوم به، دون أن نسعى لمعيرتها، فقيمتها وغناها هو في كونها ليست لغة معيارية قادرة على احتضان التعبيرات الثقافية والإبداعية المختلفة. ففي ألمانيا وفرنسا، مثلاً، توجد إلى جانب اللغة المعيار "لغات" مستعملة في كل مناحي الحياة. وهذه الظاهرة المسماة اصطلاحاً بالازدواجية اللغوية (diglossia) هي عنصر إغناء للغة المعيار بما تتميز به من صيغ وتلوينات تستفيد منها اللغة المعيارية في إطار جدلي بين الثابت المعياري والمتغير العامي. ولعله من أجل تقليص الهوة بين التنوعات اللغوية (المعيار والعامية) نكون بحاجة ماسة إلى سياسة لغوية تخطيطية بواسطتها تتقوى حظوظ اللغة المعيار في أن تصبح قريبة من "الفطرية" من برامج تتميز بـ "الإغماس المبكر" للطفل في بيئة لغوية ملائمة. ومن هنا، ومن خلال علاقة اللغة بالهوية، يمكن للمجتمع أن يبلغ أوجه من فضائل التوحد والتماسك الاجتماعي. وردفاً على ما سلف ينفي الفهري عن اللغة العربية أية"... هوية إقصائية، بل هي هوية مفتوحة على الهجمات المحلية وعلى المستقبل، إنها هوية متعايشة" (3).
- 2 –
إن السياسة اللغوية التي يدعو إليها د. عبد الفاسي الفهري، تأخذ بعين الاعتبار التشابك الدلالي والترابط النسقي بين الظواهر اللغوية وموازياتها السياسية. فإذا كانت السياسات اللغوية، وهي تخطط للغة، تأخذ بعين الاعتبار عناصر أساسية (الجماعاتية / الديمقراطية التداولية / النظرية النقدية / المساواتية / الليبرالية / اللغة وقضية النوع)، فإن البيئة السياسية وطبيعة النظام الديمقراطي وصحة النظام التمثيلي ووجود سياسة لغوية ديمقراطية، كل ذلك من شأنه أن يمنح صاحب القرار والمخطط اللغوي رؤية واضحة ودقيقة، لكن المتأمل لواقع البيئة السياسية العربية يجد أنها تتميز بضعف القرار السياسي الأمر الذي يشجع كل من هب ودب على الخوض في مواضيع وقضايا مصيرية تحتاج إلى عشرات المختصين، ولا يمكن للفرد أو مجموعة غير مختصة أن تدعي القدرة على ذلك، على الرغم من أننا نؤمن أن الشأن اللغوي متاح لجميع المواطنين على قدم المساواة، زد على ذلك أن البيئة السياسية العربية تمتاز، عندنا، بالتنافس الحاد، والعداء القاتل، والحروب اللغوية الدموية. وفي غمار هذه الصورة القاتمة يقدم الفهري صورة عن نموذج السياسة اللغوية المغربية، ليقترح من أجل تطويره وإثرائه الحلول الآتية:
الحسم في لغة الإعلام.
ضرورة التحرر من لغة الأجنبي.
إخراج أكاديمية محمد السادس للوجود، فتغييبها لا معنى له ما دام الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد جعل منها أفقاً علمياً لتطوير اللغة العربية (4)، ومؤسسة تكون معربين جدداً، بتفكير جديد وجيد منفتح، يبلورون تداخل الثقافات والآداب والمعارف والفنون، بل معربين متعددين.
غير أن قارئ هذا الكتاب يصدم بخيبة أمل كبيرة حينما نلاحظ أن مقدار المثبطات التي تتسم السياسة اللغوية العربية أو المغربية الرسمية، فوق الممكن:
غموض مواقف النخب الصريحة والضمنية.
وجود لوبيات مرتبطة بمصالح في الداخل والخارج.
غياب الديمقراطية عن فعل السياسة اللغوية.
وجود حجر لغوي.
تغييب المواطن عن القرار اللغوي.
ضعف القرار اللغوي.
سياسة تبلور التعارض بين ما هو رسمي وما هو عملي (5).
يؤكد الكاتب على الهوة السحيقة ما بين الحكام والشعب بفعل ضعف القرار اللغوي، أي ما سما الفهري بـ "الانفصام الهُوِّي" (6). ويحمل الباحثُ أصحاب القرار السياسي المسؤولية قائلاً: "إن الدولة تتحمل مسؤولية هذا الانفصام في الاختيارات اللغوية بين الحاكمين والمحكومين، والإخفاق في إقرار سياسة لغوية ديمقراطية، تخدم مصالح الشعب وتطلعاته ومستقبله، وتحترم اللغة – الأم، ولغة القوى العاملة الطبيعية، أي اللسان العربي، ولسان الدساتير والقوانين ولسان التربية والتعليم، والإعلام الطبيعي" (7).
- 3 –
إن أية سياسة رشيدة وناجعة لا بد أن تقترن بقيم حقوق المواطنة، والأمر يتعلق بمفهوم نحته الفهري وأدمجه، بشكل دقيق ومنتج، في نسق قضايا كتابه ومفاهيمه هو مفهوم "العدالة اللغوية" (8). ولعل تبني الكاتب لهذا المفهوم يجد تفسيره في وجود مظاهر اللا عدالة اللغوية، ولهذا يعدد المؤلف، انطلاقاً من مفهوم "مبدأ الترابية" (9) الذي يسعى إلى إيجاد آلية لدعم اللغتين الدستوريتين الوطنيتين، فالعدالة اللغوية هي ثمرة وجود أس واعتبارات كثيرة (العدالة / الكرامة / الديمقراطية) إذا توافرت عاشت هاتان اللغتان أوضاعاً مريحة، وغلا فإن الحرب اللغوية ستستعر، وما تشجيع الصيغ اللهجية على حساب اللغة المهذبة والمثقفة ليست إلا الرؤوس المحترقة لنار ستأتي على الأخضر واليابس، لهذا يدعو د. عبد القادر الفاسي الفهري إلى إعمال مبادئ القانون والعدالة والمساواة، وهي المبادئ الغائبة لصالح وضع يجعل العربية، مثلاً، ليست سيدة – ملكة (10) مشرقاً (امتداد الإنجليزية وانتشارها في كل مجالات الحياة باعتبارها لغة الفرص الأولى)، ومغرباً (امتداد الفرنسية وانتشارها باعتبارها لغة الفرص الضائعة كونياً).
- 4 –
إن إصلاح أشكال اللا عدالة اللغوية في المغرب والمشرق يحتاج إلى مقاربة مغايرة قوامها وضع الخطط الملائمة لربح رهانات المستقبل واستنهاض لغوي – ثقافي جديد. ومن عناصر هذه المقاربة إيجاد وجود منظور سياسي – سيادي والاقتناع بالدور الحضاري للغة العربية في مجالات الإعلام والإشهار والإعلان، وما يصاحب ذلك من تهيئ ظروف اقتصادية ومجتمعية وحقوقية وقانونية، وذلك لإحلال اللغة العربية المنزلة التي تستحق في مجالات العلم والفكر والثقافة.
خاتمة القول، إننا بعد هذا الكتاب بحاجة إلى إرساء صيغ الشراكة والتعاون، على أسس معقولة وملموسة بين أطراف البلاد العربية على المستوى السياسي؛ بتفعيل المؤسسات الموجودة، وتفعيل الدستور وتنزيله في مختلف مستوياته.

الهوامش:

عبد القادر الفاسي الفهري (2013): السياسة اللغوية في البلاد العربية، دار الكتاب المتحدة، ط 1، لبنان.
Graddol, David, English Next, Londres, The British Council & The British Company (UK) Ltd, 2006 (nlle éd., 2007)
(ومن أجل قراءة مؤلف غرادول بصيغة ب يدي إيف: هذا الكتاب يتنبأ أن عولمة وتعميم اللغة الإنجليزية على العالم سيكون مثل بداية النهاية). http://www.britishcouncil.org/learni...nglishnext.htm
الفهري (1998): المقارنة والتخطيط في البحث اللساني العربي، ط 1، دار توبقال، البيضاء.
السياسة اللغوية في البلاد العربية، ص 41.
انظر الصفحات + 125 – 126، 140.
نفسه، ص 125
نفسه، ص 126
نفسه، ص 158.
وانظر أيضاً الرابط الآتي: http://www.lematin.ma/journal/L-arab...te/171586.html
نفسه، ص 160
نفسه، ص 169.
نفسه، ص 200.