التأثر بأطروحات المستشرقين
أ. د. علي بن إبراهيم النملة


من الحديث عن العبث في علوم الدين عند المستشرقين إلى الحديث عن العبث في علوم الدين لدى بعض المسلمين الذين تأثَّروا بطروحات المستشرقين، وزعموا أنهم فهموا الإسلام أكثر من فهم أهله له، وتأثَّر المسلمون بالمنحى الاستشراقي في فهم الدين عندما أخضع المستشرقون بخاصَّة - وعلماء اللاهوت بعامَّة - الدِّينَ إلى النقد على اعتبار أن الدين - عندهم - نصوص مأثورة عن بشر، وكلامُ البشر يؤخذ منه ويردُّ، ويعتريه الصواب والخطأ، حتى ظهر عندهم (علم نقد الكتاب المقدَّس)، فطبَّقوا على الدين الإسلامي قضايا النقد اللاهوتي، الذي مارسوه في ديانتهم على وجه الخصوص.



لعلَّ هذا ناتج عن الشعور بأنَّ الكتاب المقدَّس في عهديه القديم والجديد قد تعرَّض للتحريف، وتأثَّر بهم بعضُ أصحابنا - بعلم منهم في الغالب، أو دون علم - فظهرَت أعمال لمستْ النصَّ القرآنيَّ، وسعَت إلى نقده، متجاهلة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 41، 42].



من أسباب ذلك العبَث في النصوص الشرعية الثابتة، ثبوتًا قطعيًّا نصًّا ودلالة: أنَّ أصحابنا تتلمذوا على فئة من المستشرقين واللاهوتيين، في مجال مقارنة الأديان، فأخذوا عنهم هذه الجرأة على النصوص.



في سماء الثقافة العربية والإسلامية أسماءٌ معاصرة - ومنهم أحياء يرزقون - ممَّن خاضوا في هذا، وأصدروا المقالات العلميَّة والكتب التي تعالج النصَّ بصورة عبثيَّة، لم يشهد التراث العربي الإسلامي لها مثيلًا بهذه الجرأة، وإنْ وجدَت رؤًى وأفكارٌ ذات علاقة بالتأويل والتعطيل، والتمثيل والتشبيه والتكييف، مما لا يدخل - بالضرورة - في هذا المفهوم السطحي للعبث بالنصوص الشرعية.



حول ولوج أصحابنا هذه المتاهة يقول ولفرد كانتول سميث في كتاب له بعنوان (الإسلام في التاريخ الحديث): "وقد سافر كثيرٌ من الشباب المسلم إلى الغرب، واطَّلعوا على روح أوروبَّا وقيمها، وأُعجبوا بها إلى أبعد حدٍّ، وينطبق هذا بخاصَّة على الطلاب الذين درسوا في جامعات أوروبَّا بعدد لم يزل يزداد مع الأيام، وهم الذين سبَّبوا استيراد كثير من أفكار الغرب وقِيَمه إلى العالم الإسلامي... وكان مما صدَّره الغرب إلى العالم الإسلامي تلك الأفكار المتعدِّدة والاتِّجاهات العقلية الدقيقة الفجَّة والميول الحديثة التي كان في نشرها أوفَر نصيب لنمط التعليم الغربي، ويفوقها في ذلك تأثير معاهد الغرب الحقوقية والاجتماعية ونفوذها الزائد..."[1].



مثل هذا ما قاله موريس بوكاي في كتابه المشتهر: الكتب السماوية والعلم، الذي شاع لمدَّة من الزمان وكأنَّ مفكِّري العرب قد تناسوه - الآن - مع ما فيه من فائدة وعلم قابل للامتداد في التأثير زمانًا ومكانًا[2].



تردَّدَت كلمة أصحابنا رغبة عن ذكر الأسماء لأشخاص يُرجى لهم الرجوع إلى الحقِّ، على اعتبار أنَّ الرجوع إلى الحقِّ خير من التمادي في الباطل.



يظلُّ العبث في النص الشرعي بخاصَّة، وفي علوم الدين بعامَّة، قائمًا ما قام هذا الدين، وأنْ يعبث به الغرباء عنه لدوافع وأهداف معلنة وغير معلنة، فهذا أمر قابِل للفهم، فقد عبثوا بالنصِّ وهو ينزل، لكن أنْ يَتصدَّى للعبث به أبناءُ جلدته فهذا أمر يحتاج إلى تأمُّل، وتظل الهداية من الله تعالى، وأحدنا لا يملك أن يهدي من أحبَّ، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 272].






[1] محسن عبدالحميد: أزمة المثقَّفين تجاه الإسلام، ص (131)، نقلًا عن محمَّد خليفة حسن: أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر - مرجع سابق - ص (276، 277).




[2] موريس بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم: دراسة الكتب المقدَّسة في ضوء المعارف الحديثة - القاهرة: دار المعارف، 1978م - ص (141).