فوائد صحية للصيام والقيام
أ. د. علي فؤاد مخيمر


أولًا: الصيام:
لقد فرض الله عز وجل الصيام على المسلمين، كما فرضه على الأمم السابقة، والله سبحانه وتعالى لا يفرض على عباده فرضًا، ولا يأمرهم بأمر إلا وهو يعلم سبحانه أن في ذلك مصلحةً وفوائدَ تعود عليهم في عاجل أمرهم وآجله؛ وذلك لأنه خلق العباد، وهو وحده العليم بما يصلح شؤون حياتهم، وصدق ربُّ العزة القائل: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، ففرض الصيام ليكون إصلاحًا للجسد لا تعذيبًا كما يظنُّ الواهمون، فالصوم مصحَّةٌ للأبدان والأذهان والقلوب، وقد روي حديث: ((صوموا تصحُّوا))؛ رواه الطبراني وهو حديث ضعيف.

وفي ضوء هذا الهدي الرباني والنبوي برَع كثيرٌ من العلماء والباحثين في البحث والتنقيب عن حقائق علمية إعجازية في الصيام وسنة القيام، وتوصَّلوا مبدئيًّا إلى أن الجسد خلقه الله تعالى مُهيَّأً لقبول الصيام الذي فرضه الله عليه من غير ضررٍ يقع عليه، بل في الصيام منافعُ روحيةٌ وصحيةٌ عظيمة، فالامتناع عن الطعام والشراب وجميع الشهوات والمفطرات فترةً تتراوح بين 12 - 16 ساعة يوميًّا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، مع توجيه الإسلام أتباعه إلى الاعتدال في تناول الطعام والشراب، يعود عليهم بالفوائد الروحية والصحية، فالامتناع عن الطعام يؤدي إلى تحسُّن وظائف الأعضاء، وإحداث تمثيل غذائي جديد بطريقة مغايرة، لما كانت عليه الأعضاء قبل الدخول في شهر رمضان.

فوائد الصيام الطبية:
أثبت الأطباء أن فراغ المعدة والأمعاء يؤدي إلى فوائد صحية كثيرة؛ منها:
1 - إتاحة راحة فسيولوجية لجميع أعضاء الجسم.
2 - طرح السموم والفضلات من الدهون والمواد الغذائية الأخرى خارج الجسم، عن طريق البول والإفرازات التي تخرج من الجسم.
3 - تتخلَّص الأمعاء من الجراثيم الضارة التي تراكمت فيها.
4 - المحافظة على الأنسجة والخلايا، وخصوصًا الجهاز المناعي.
5 - تجديد خلايا الأنسجة للأعضاء الحيوية في الجسم.
6 - تقوية الذاكرة وتحسُّن أعضاء الحس والشعور.

7 - الشفاء من الأمراض المزمنة، فقد عجز الطب عن علاج أمراض كثيرة مزمنة، واكتشفوا أن الصوم علاجٌ لهذه الأمراض، ومنها: الربو والسعال، والتهاب القصبات الهوائية، وبعض أمراض القلب والروماتيزم، والتهاب الوريد المزمن، وحب الشباب، وارتفاع الكوليستيرول في الدم، وعسر الهضم وسوء الامتصاص، والبول السكري، والجيوب الأنفية، وغير ذلك.

8 - تخليص الجسم من الشحوم وتراكمها في الجسم، وهي التي تؤدي إلى مرض السمنة، وهو مرض عصري يؤدي إلى أمراض كثيرة تنتهي بوفاة الإنسان، ومن هذه الأمراض قصور القلب أو حدوث مرض الشريان التاجي (الجلطة في القلب أو المخ)، وارتفاع الضغط الدموي، وغير ذلك.

وأكد العلماء أن الصوم قد عالج هذه الأمراض الخطيرة، إضافة إلى فاعليته الكبيرة في علاج السمنة بدلًا من النُّظُم الغذائية والتجارب التي أجريت لعلاج السمنة التي آلت كلُّها إلى الفشل، بل إن بعضها عاد على الجسد بمضاعفات جلَبت بعض الأمراض الأخرى الخطيرة.

9 - عالج بعض حالات العقم؛ لأنه يُنشِّط إفراز الهرمونات المنشطة للجريبات fsh)) وهرمون اللوتنة وهرمون البرولاكتين (prolactin)، ويُحسِّن أداء هرمون الذكورة testostex – one))، ويُنشِّط النطف، وقد لوحظ ازدياد حالات الحمل في شهر شوال الذي يلي رمضان.

10 - الصيام وقاية وتقوية لجهاز المناعة والكبد، فالجهاز المناعي يُجدِّد نشاطه وخلاياه عن طريق الصيام؛ حيث يعد هذا الجهاز الخطَّ الدفاعيَّ للجسم ضد أي ميكروب أو فيروس، والكبد هو ذلك العضو الظاهر البارز في جسم الإنسان الذي يتحدَّى الله تعالى به أطباء الدنيا، فهو يعد الجهاز الرئيسي لتنقية الجسم من السموم بإبطال مفعولها الضار، وتحويلها إلى مواد نافعة مثل «اليوريا، والكرياتين، وأملاح الأمونيا وغيرها»، فالكبد يقوم بأداء مهامه الوقائية وخدمة الجسم طوال العام؛ من التمثيل الغذائي، وتحويل الشحوم إلى جزئيات تذوب في الماء غير سامة، فيفرزها الكبد عن طريق الجهاز الهضمي، أو تخرج عن طريق الكلى، وكذلك الكبد ينتفع من الدهون المتجمِّعة أثناء الصيام والقادمة من مخازنها المختلفة، فيؤكسد الأحماض الدهنية حتى تصبح غير فعَّالة، ويتخلَّص منها الجسم، من هنا نعلم أن عمليات الهدم في الكبد أثناء الصيام تغلب عمليات البناء في التمثيل الغذائي، فيؤدي ذلك إلى طرح السموم والزوائد من الكبد، ويشفى الكبد الدهني، ويزداد نشاط خلايا الكبد.

الصيام شهادة صحية للجسم:
يُعتبر الصيام شهادة صحية لأجهزة الجسم بالسلامة من الأمراض؛ إذ لولا الصيام لظلَّت أعضاء الجسم غارقةً في المواد الدهنية والسموم بسبب امتلاء المعدة والأمعاء، ومن هنا وجد الأطباء أن الصيام أو ما أطلقوا عليه التجويع، فيه فوائد صحية، ففتحوا له مصحَّات علاجية، وأيقن الجميع أن الصيام هو الأصل في علاج كثير من الأمراض، وأنه هو النظام الغذائي الأمثل في تحسين الكفاءة الكبدية، وما زال البحث جاريًا في الجامعات العالمية للوقوف على مزيد من فضل الله تعالى وأسراره التي وضعها في فريضة الصيام.

الحكمة من وراء الإفطار على الرطب أو التمر أو الماء:
من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلمالحكيمة أنه دعا إلى الإفطار على رطب أو تمر أو ماء؛ كما جاء في سنن أبي داود والترمذي أنه صلى الله عليه وسلمقال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور))، وأنه صلى الله عليه وسلمكان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن فحسوات من ماء، وهناك أحاديث أخرى بروايات مختلفة من خلالها أثبت الطب أن التمر به نسب عالية من السكريات التي توفِّر الطاقة للجسم خلال فترة الصوم، ويقضي على صداع الجوع الذي ينتج من هبوط نسبة السكر في الدم؛ ولهذا ننصح بالسحور، وأن يتضمَّن طعامًا حلوًا كالتمر ونحوه؛ لما فيه من السكريات والبروتينات والدهون والفيتامينات، والمعادن التي تُمتصُّ مباشرة من الجهاز الهضمي ليَروي ظمأ الجسم من الطاقة، خصوصًا تلك الأنسجة التي تعتمد أساسًا على السكريات كخلايا المخ والأعصاب، وخلايا الدم الحمراء وغيرها.

ومن الهدي النبوي أداء صلاة المغرب بعد الإفطار على التمر والماء؛ ليعطي للمعدة فرصة في الهضم والامتصاص، لتأخذ جميع الأعضاء من الطاقة ما يعينها على أداء وظائفها، وتسلم من الهدم والدمار، والأمر يكون على العكس من ذلك لو بدأ الصائم فطره بتناول المواد البروتينية أو الدهنية، فالجسم لا تعود إليه الحيوية والنشاط؛ حيث إن المواد البروتينية وغيرها لا تُمتصُّ إلا بعد فترة طويلة من الهدم والتحلُّل.

نصائح مهمة:
1 - الاعتدال وعدم الإسراف في إعداد الأطعمة والحلويات للاحتفال برمضان.

2 - مراعاة الأشخاص المصابين بأحد الأمراض المزمنة، وذلك بإعداد بعض الأصناف التي تتناسب مع مرضهم ومع حميتهم الغذائية.

3 - إذا كنت شخصًا بدينًا، ونقص وزنك أثناء صيام شهر رمضان، فعليك المحافظة على هذا الوزن والاستمرار في ممارسة نفس العادات الغذائية والسلوك الغذائي.

4 - الاعتدال في إقامة الولائم بالمنزل، وفي تلبية الدعوات إليها من قِبل الآخرين؛ فالترشيد في الطعام والشراب هو دواءٌ وعلاجٌ لأمراض البطن المستعصية، وصدق من قال: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»[1].

5 - تنفيذ وصية الإسلام للصائم الذي يفطر بعد جوع نهاره ألا يسرف في الأكل لقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلمإذ يقول: ((بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان ولا بد فاعلًا، فثُلُث لطعامه، وثُلث لشرابه، وثُلث لنفسه))[2]؛ رواه النسائي، ورحم الله الشافعي في قوله: «البطنة تذهب الفطنة»، وما أصدق الحكمة القائلة: «قليل من الصوم يصلح المعدة»، فهذا قليل من كثير عن فوائد الصيام، وعما أثبته العلم الحديث عن أهمية الصوم للجسم الإنساني وتفاديه لأمراض كثيرة.

وأخيرًا أوجِّه نصيحتي للإخوة الصائمين بأن يفهموا المنهج الرباني في حكمة الصيام، وأن ينبذوا العادات والتقاليد السيئة التي سادت في مجتمعاتنا، ولا يجعلوه شهر طعام وشراب، فيفقدوا الحكمة من وراء فرضيته.

ثانيًا: قيام الليل وصلاة التراويح:
يقول الإمام الشافعي: «العبادات مُعلَّلة بمصالح الخلق»؛ أي: إن العبادات لو أُدِّيَتْ على النحو الذي أراده الله لجعلت من المؤمن شخصيةً سويةً صاحبة أُفق واسع ونظر ثاقبٍ، فالصلاة عمومًا تُبرئ مِن ألم الفؤاد والمعدة والأمعاء وكثير من الآلام، ففيها فائدة روحية، واطمئنان قلبي وهدوء نفسي، كذلك توجد فيها صحة جسمية إذا ما أُقيمت على وجهها الصحيح، ولقد أحسن الله تعالى إلينا كثيرًا بأن فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة؛ لأن في الصلاة تطهيرًا للنفس وحفظًا للصحة وسلامةً للجسم، ومن هنا تتضح حكمة من صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، ذلك أن الصائم يكون قد أكل وشرِب، ولعله قد زاد في كمية طعامه وشرابه عند تناول وجبة الإفطار؛ لذا كانت هذه النافلة في شهر رمضان من خير أنواع العلاج لما قد يَنجُم من خطر زيادة الدهون في الطعام، ومِن ثَمَّ فإن الصلاة عمومًا تعد صِمامَ أمانٍ في حياة المؤمن الذي يؤديها على الوجه الذي بيَّنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهذه حقيقة علمية سوف نُبيِّنها إن شاء الله في فوائد قيام الليل وصلاة الفجر، وما يعود على الإنسان من استقرار نفسي ورُوحي وبدني.

نعم تعد صلاة المسلم في الدرجة الأولى التزامًا بأمر الله تعالى، كما أنها تصل العبد بربه، وهي سبب لرُّقِيِّه في الدنيا والآخرة، وتجعله دائمًا في حالة نظافة وطهارة؛ لأن من شروط صحة الصلاة طهارة المصلي من الحدث، وطهارة بدنه وثوبه ومكان صلاته من الخبث.

قيام الليل وأثره في بناء الرجال:
لقد اهتمَّ الإسلام ببناء الرجال في ظل العبادات: الفرائض منها والنوافل، وعلَّمنا أن المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، فمقام العزة والقوة لا يتأتَّى من فراغ، ولكن لا بد من تربية عالية في ظل طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،فكانت الصلاة هي باب العبودية لله عز وجل، فهي صيانة للنفس وتحصين لها من هواجس الشيطان، وقد شرعت صلاة قيام الليل لتربية الرجال، ونظرًا إلى ما فيها من فوائد خاطب الله حبيبه بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [المزمل: 6]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأْبُ الصالحين من قبلكم، ومَنْهاةٌ عن الإثم، وقُرْبةٌ إلى الله تعالى، وتكفيرٌ للسيئات، ومَطْردةٌ للداء عن الجسد))[3]؛ (رواه الترمذي).

هذا ولقد أرشدنا سيدُ البشر صلى الله عليه وسلم إلى أعدل النوم، وهو نوم سيدنا داود عليه السلام؛ حيث كان ينام من أول الليل، ثم يقوم منه، ثم يعاود النوم قليلًا، ثم يقوم لوقت السحر[4]، وكذلك كان نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخي القارئ، يجب علينا أن ننتبه إلى حديث أبي هريرة رضى الله عنه الذي أخرجه ابن ماجه وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَعْقِد الشيطان على قافِيَة رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عُقَد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عُقْدة، فإذا قام فتوضَّأ انحلَّت عقدة، فإذا قام إلى الصلاة انحلَّت عُقَدُه كلُّها، فيُصبح نشيطًا طيب النفس، قد أصاب خيرًا، وإن لم يفعل أصبح كسلًا، خبيثَ النفس، لم يُصِب خيرًا))[5].

فالنشاط لا يناله الجسدُ إلا بعد الوضوء وأداء الصلاة بحركاتها الرياضية التي يذهب في ظلِّها الخمول والكسل، فتعود للجسد حيويتُه ونضارتُه وقوته التي يُمارس بها شؤون حياته.

ولا شك أن الشيطان يستحوذ على كل من نام على غير وضوء، ولم يصلِّ العشاء والذين لم يذكروا الله عند نومهم، أما من قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يصبح، وصدق ربُّ العزة إذ يقول: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42].

الفوائد الصحية لقطع النوم لأداء قيام الليل وصلاة الفجر:
إذا نام الإنسان طويلًا تقلُّ نبضات قلبه؛ فيجري الدم ببطء شديد، فإذا قطع المسلم نومه لأداء ركعات قيام الليل وصلاة الفجر في وقتها، وقى نفسه من أمراض القلب وتصلُّب الشرايين وحدوث الجلطات.

وأكد خبراء وأطباء القلب أن أداء صلاة الفجر في موعدها المحدَّد يوميًّا خيرُ وسيلةٍ للوقاية والعلاج من أمراض القلب وتصلُّب الشرايين، بما في ذلك احتشاء عضلة القلب المسببة للجلطة القلبية وتصلُّب الشرايين المسببة للسكتة الدماغية.

وأكَّدت الأبحاث العلمية والطبية أن مرض احتشاء القلب هو أخطر الأمراض، وكذلك مرض تصلُّب الشرايين وانسداد الشريان التاجي وسببها الرئيسي هو النوم الطويل لعدة ساعات سواء في النهار أو الليل، وأظهرت نتائج الدراسة أن الإنسان إذا نام طويلًا، قلَّت نبضات قلبه إلى درجة قليلة جدًّا لا تتجاوز «50 نبضة» في الدقيقة، وحينما تقلُّ نبضات القلب يجري الدم في الأوعية الدموية والشرايين ببطء شديد، الأمر الذي يؤدي إلى ترسُّب الأملاح والدهنيات على جدران الأوردة والشرايين خاصة الشريان التاجي؛ مما يؤدي إلى انسداده، ومن هنا جاءت نصيحة الأطباء بالامتناع عن النوم لفترات طويلة؛ بحيث لا تزيد فترة النوم على أربع ساعات حيث يجب النهوض من النوم وأداء جهد حركي لمدة 15 دقيقة على الأقل، وهو الأمر الذي يوفِّره أداء صلاة القيام وصلاة الفجر بصورة يومية.

طرد الداء من الجسد بقيام الليل وصلاة الفجر:
يؤدي قيام الليل إلى تقليل إفراز هرمون الكورتيزون، وهو هرمون طبيعي «يفرزه الجسد»، خصوصًا بعد الاستيقاظ بعدة ساعات، وهو ما يوافق وقت السحر «الثلث الأخير من الليل»؛ مما يقي من الزيادة المفاجأة في مستوى سكر الدم الذي يُشكِّل خطورة على مرضى السكر، ويُقلِّل كذلك من الارتفاع المفاجئ في ضغط الدم الذي يؤدي إلى السكتة الدماغية والأزمة القلبية.

يقلل قيام الليل من مخاطر تخثُّر الدم في وريد العين الشبكي الذي يحدث نتيجة لبطء سريان الدم أثناء النوم، وزيادة لزوجة الدم بسبب قلة تناول السوائل أو زيادة فقدانها، أو بسبب السمنة المفرطة وصعوبة التنفُّس.

يؤدي قيام الليل إلى تَحسُّن وليونة العمود الفقري ومفاصل الجسد، نتيجة الحركة الخفيفة والتدليك بالماء عند الوضوء.

قيام الليل يُخلِّص الجسم من الدهون الثلاثية التي تتراكم في الدم خصوصًا بعد تناول العشاء المحتوي على نسبة عالية من الدهون التي تؤدي إلى أمراض شرايين القلب.

يُقلِّل قيام الليل من مخاطر الموت المفاجئ بسبب اضطراب ضربات القلب، لما يصاحبه من تنفُّس هواء نقي خالٍ من ملوثات النهار، وأهمُّها عوادم السيارات.

قيام الليل يُنشِّط الذاكرة ويُنبِّه وظائف المخ الذهنية المختلفة لما فيه من قراءة وتدبُّر للقرآن، وذكرٍ للأدعية وأذكار الصباح والمساء، فيقي الإنسان المسلم من أمراض الزهايمر وخرف الشيخوخة والاكتئاب.
يقلل قيام الليل من شدة حدوث مرض طنين الأذن.

أخي القارئ، هذه فوائد الصلاة في جوف الليل، تربَّى الصحابة رضوان الله عليهم في ظلِّها، وفي ساحة المسجد النبوي، فخرَج من بينهم الأبطال والقادة في المعارك الحربية، وقد كانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار؛ كما وصفهم القرآن الكريم في قوله: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾[الذاريات: 17 - 19].

فهل آن الأوان لتصحيح الأخطاء وتقويم المسار، فنَعِيَ قيمة الصلاة بالعبودية لله الواحد القهار، ونتمسَّك بذلك، فارِّين إلى الله تعالى ليأخذ بأيدينا ويُنجينا من هذا التيه.


[1] قال السخاوي في «المقاصد الحسنة»: (ص: ٦١١/ برقم: ١٠٣٥): حديث: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»، لا يصحُّ رفعُه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره، نعم عند ابن أبي الدنيا في الصمت من جهة وهب بن منبه قال: أجمعت الأطباء على أن رأس الطب الحمية، وأجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت، وللخلال من حديث عائشة: الأزم دواء، والمعدة داء، وعودوا كل بدن بما اعتاده، وأورد الغزالي في الإحياء من المرفوع: ((البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وعودوا كل بدن بما اعتاد))، وقال مخرجه: لم أجد له أصلًا، وللطبراني في الأوسط من حديث يحيى بن عبيدالله البابلتي عن إبراهيم بن جريج الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: ((المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم))، وقال: لم يروه عن الزهري إلا زيد بن أبي أنيسة، تفرَّد به الرهاوي، وقد ذكره الدارقطني في العلل من هذا الوجه، وقال: اختلف فيه على الزهري، فرواه أبو قرة الرهاوي عنه فقال عن عائشة، قال: وكلاهما لا يصحُّ، قال: ولا يعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو من كلام عبدالملك بن سعيد بن أنجر، وقال العجلوني في «كشف الخفاء»: (٢٥٣/ ٢): ومثله في "اللآلئ"، وزاد: ولم يرو هذا مسندًا، عن إبراهيم بن جريج، وكان طبيبًا؛ فجعل له إسنادًا، ولم يسند غير هذا الحديث؛ انتهى.

[2] أخرجه الترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل(4/ 590/ 2380) من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه بلفظ: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطن، بحسْب ابن آدم أكلات يُقِمْن صُلْبه، فإن كان لا محالة، فثُلُث لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنفسه))، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».

[3] أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب: الدعوات، باب: (5/ 552) من حديث بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (....)؛ هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال، إلا من هذا الوجه، ولا يصح من قبل إسناده.

[4] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الجمعة، باب: من نام عند السحر(2/ 50/ 1131)، ومسلم في صحيحه، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوَّت به حقًّا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم (2/ 816/ 1159)، كلاهما من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ: ((أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)).

[5] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الجمعة، باب: عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلِّ بالليل (2/ 52/ 1142)، ومسلم في صحيحه، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح (1/ 538/ 776) كلاهما من حديث عمرو بن عبدالله بن العاص رضي الله عنه.