حديث: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟



الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح




عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ - أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ - فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ فَقَالَ عمر بن الخطاب: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ - قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ كَغَطِيطِ الْبَكْرِ - قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ - أَوْ قَالَ أَثَرَ الْخَلُوقِ - وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ)).

تخريج الحديث:

الحديث أخرجه مسلم (1180)، وأخرجه البخاري في " كتاب: الحج" "باب: غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب"، حديث (1536) تعليقًا، وأخرجه في الكتاب نفسه "باب: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج"، حديث (1789)، وأخرجه أبو داود في " كتاب: الحج" "باب: الرجل يحرم في ثيابه"، حديث (1819)، وأخرجه الترمذي في " كتاب: الحج" "باب: ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة"، حديث (836)، وأخرجه النسائي في " كتاب: مناسك الحج" "باب: في الخلوق للمحرم"، حديث (709).

شرح ألفاظ الحديث:

"وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ": بكسر الجيم، قال النووي رحمه الله: "فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء والأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية وتشديدها والتخفيف أفصح، وبه قال الشافعي رحمه الله وموافقوه"؛ [انظر: شرح النووي؛ لمسلم حديث (1180)].

والجعرانة: موضع ماء بين الطائف ومكة المكرمة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم هوازن مرجعَه من غزاة حنين والطائف، وأحرم منها وما زال الاسم معروفًا؛ [انظر: معجم البلدان (2/140)].

((عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ - أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ)): تقدم معنى الجبة: وهي بضم الجيم وتشديد الباء مفتوحة ثوب واسع الكمين مفتوح من الأمام يلبس فوق الثياب.

وأما الخلوق: بفتح الخاء نوع من الطيب يركب فيه زعفران، وقيل: أعظم أجزائه الزعفران، والمراد بأثر الصفرة: رائحة الزعفران.
وفي الأخرى: ((متمضخ بالخلوق))؛ أي: متلوِّث به، مُكثِر منه.

"فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ كَغَطِيطِ الْبَكْرِ": الغطيط: هو كصوت النائم الذي يُردِّده مع نفسه، و(الْبَكْرِ): بفتح الباء هو الفتي من الإبل، وفي الرواية الأخرى (محمر الوجه)، والاحمرار شدة الوحي وثقله؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5].

"فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ": بضم السين وكسر الراء المشددة؛ أي: أُزيل ما به، وكشف عنه.
((اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ)): في الرواية الأخرى: ((أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات))، وهذا من المبالغة في الإزالة، ويحتمل لأن الطيب كان كثيرًا يحتاج إلى تكرار في إزالته، ويؤيده رواية (متمضخ)، وهذه الرواية تدل على أن الطيب الذي معه كان بجسده أيضًا؛ لأنه قال: "وأما الطيب الذي ببدنه".


"وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّك"؛ أي: من اجتناب المحظورات؛ لأن ظاهر الحديث يدل على أنه يعرف أعمال الحج ومحظوراته؛ لكنه يسأل عن العمرة، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن حكمهما واحد من حيث المحظورات؛ قال ابن العربي رحمه الله: " كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد"؛ [انظر: الفتح حديث (1536)].

من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: الحديث دليل على أنه يحرم على المحرم استعمال الطيب ولبس المخيط الذي على قدر البدن أو جزء منه، وهذان المحظوران تقدم الكلام عليهما قريبًا، وبقية محظورات الإحرام هي:
حلق الشعر: ودليله قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: 196]، وحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه المتفق عليه، وسيأتي.

تقليم الأظفار: وهذا محظور بإجماع العلماء، كما نقله ابن المنذر.

تغطية الرأس بملاصق: ودليله حديث ابن عمر السابق وفيه: ((وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ)).

قتل الصيد: ودليله قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: 95]، وحديث أبي قتادة المتفق عليه وسيأتي.

عقد النكاح: ودليله حديث عثمان بن عفان مرفوعًا: ((لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب))؛ رواه مسلم، وسيأتي بإذن الله تعالى.

الجماع في الفرج ومقدماته من مباشرة ونحوها: ودليله قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]، والرفث قال ابن عباس رضي الله عنهما: الجماع، وقيل: الجماع ومقدماته، واختاره ابن جرير الطبري.

هذه هي محظورات الإحرام عددها ثمانية، وهي على ثلاثة أقسام:

قسم محرم على الذكور فقط: كلبس المخيط الذي على قدر البدن أو جزء منه، وكتغطية الرأس بملاصق.
وقسم محرم على الإناث فقط: كلبس النقاب والقفَّازين.
وقسم محرم على الذكور والإناث: كالتطيب وبقية المحظورات.

الفائدة الثانية: الحديث دليل على أن من أصابه الطيب، أو لبس محظورًا ناسيًا أو جاهلًا، فإنه يجب عليه إزالتُه في الحال، ولا كفَّارة عليه.

ووجه ذلك: أن الرجل جاء مستفتيًا، ويظهر من حاله أنه جاهل بأحكام العمرة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم، بإزالة الطيب وخلع الجبة، ولم يأمره بكفَّارة لجهله بالحكم.

الفائدة الثالثة: الحديث دليل على أن محظورات العمرة هي محظورات الحج، ويطلق عليها محظورات الإحرام.
ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله الرجل عما تلبَّس به من محظورات، أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أجابه على الحج؛ لأن ظاهره أن الرجل كان عالِمًا بالحج وأحكامه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ))؛ أي: أنهما في المحظورات سواء؛ لأن سؤال الرجل كان عن محظور.


الفائدة الرابعة: الحديث فيه بيان شدة ما يجده النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي.

الفائدة الخامسة: الحديث دليل على أن القاضي والمفتي إذا لم يتبيَّن له الحكم، فإنه يمسك حتى يتبيَّن له، وهذا يؤخذ من إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة حتى نزل عليه الوحي، وهكذا أهل العلم إذا لم يعلم أحد منهم الإجابة أمسك، ولا يتكلم بما لا يعلم حتى يسأل من هو أعلم منه.


مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الحج)