الحجامة للمحرم



الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح




عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».
زاد البخاري: «واحْتجمَ وهوَ صائمٌ».
وورد نحو هذا الحديث في الصحيحين من حديث ابن بحينة رضي الله عنه.

تخريج الحديث:
حديث ابن عباس رضي الله عنه أخرجه مسلم، حديث (1202)، وأخرجه البخاري في "كتاب: جزاء الصيد" "باب: الحجامة للمحرم"، حديث (1835)، وأخرجه أبو داود في "كتاب: المناسك" "باب: المحرم يحتجم"، حديث (1835)، وأخرجه الترمذي في "كتاب: الحج" "باب: ما جاء في الحجامة للمحرم"، حديث (839)، وأخرجه النسائي في "كتاب: مناسك الحج" "باب: الحجامة للمُحْرِم"، حديث (2846).

وأما حديث ابن بحينة رضي الله عنه، فأخرجه مسلم حديث (1203)، وأخرجه البخاري في" كتاب: جزاء الصيد" "باب: الحجامة للمحرم"، حديث (1836)، وأخرجه النسائي في "كتاب: مناسك الحج" "باب: حجامة المحرم وسط رأسه"، حديث (2850)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب: جزاء الصيد" "باب: موضع الحجامة"، حديث (3481)، وأما زيادة البخاري: «واحتجم وهو صائم»، فقد أنكرها كِبارُ الحُفَّاظ؛ كالإمام أحمد، وابن المديني، وابن معين، والقطَّان، وأبو حاتم رحمهم الله، وقالوا: إنها لفظة غير محفوظة، وقال منها رحمه الله: "سألت أحمد عن الحديث، فقال: ليس فيه للصائم إنما «وهو محرم»؛ [انظر: تنقيح التحقيق (2/ 325)، وتلخيص الحبير (2/ 203)، والفتاوى (25 / 253)].

شرح ألفاظ الحديث:
«احْتجمَ»: الحجامة: امتصاص الدم عن طريق المحْجم.

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديثُ دليلٌ على جواز الحجامة للمُحْرِم مطلقًا لضرورة وغيرها، وبه قال الأئمة الأربعة وبعض السلف، واشترطوا ألَّا يقطع شَعْرًا مع الحجامة، فإن قطع شعرًا فعليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في الباب الذي تقدم، ولقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]، [انظر: بدائع الصنائع (2/ 191)، ومغني المحتاج (1/ 521)، والمغني (5/ 126)].

والقول الثاني: أنه الحجامة للمُحْرِم لا تجوز إلا لضرورة، وبه قال بعض المالكية [انظر: الكافي لابن عبدالبر (1/ 386)].

والأظهر والله أعلم القول الأول، وهو جوازها مطلقًا؛ لظاهر حديث الباب، وأما إيجاب الفدية على مَنْ أزال شَعْرًا للحجامة، فهو إيجاب يحتاج إلى دليل، فالأظهر أنه لا قوة عليه لوجهين:
الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما احتجم لم يأتِ ما يدلُّ على أنه أمر بالفدية لمن قطع شَعْرًا يسيرًا للحجامة، والمقام مقامُ بيانٍ، والقاعدة [أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز].

الوجه الثاني: أن الشَّعَر الذي يُزال من أجل الحجامة قليلٌ، لا يزال به الأذى حتى نقيسه على حادثة كعب بن عجرة رضي الله عنه، فهو قليل بالنسبة لبقية شعر الرأس فلا فدية فيه، ولا شكَّ أن أخذه بلا سببٍ مُحرَّم؛ لكن أخذه لحاجة؛ كالحجامة جائز بلا فدية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [انظر: مجموع الفتاوى (26 / ــ)].

تنبيه: يتحرَّج بعض المحرمين من حكِّ الرأس أثناء الإحرام، فتراه إذا أراد أن يحكَّ رأسَه طرقه أو نقره بأصبعه خوفًا من تساقُط الشعر، وهذا تنطُّع في الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هلك المتنطِّعون))، قالها ثلاثًا؛ رواه مسلم، فله أن يحك رأسه حتى لو سقط منه شيء بغير قصد فهو معفوٌّ عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل وهو مُحرِمٌ، وغسل الرأس قد يحصل منه تساقُط بعض الشعر، فلا داعي لطرق الرأس، وروى مالك في الموطَّأ، والبيهقي في سُنَنه أنه قيل لعائشة رضي الله عنها: "إن قومًا يقولون بعدم حكِّ الرأس؟ قالت: لو لم أستطِعْ أنْ أحكَّه بيدي لحككتُه برجلي، وهذا من المبالغة منها رضي الله عنها في حلِّه، وبه يُعلم أيضًا أنه يجوز للمُحْرِم أن يمشط شعره ولا بأس.

الفائدة الثانية: رواية البخاري أنكرها الإمام أحمد، وأعلَّها جماعةٌ من أئمة الحديث، واستدلَّ بها من قال: إن الحجامة للصائم لا تفطر، وهو قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو ظاهر اختيار البخاري، ورجَّحه ابن حزم رحمهم الله جميعًا؛ [انظر: المحلَّى (6/ 204)، وبدائع الصنائع (2/ 107)، وبداية المجتهد (2 / 154)، والمجموع (6/ 349)].

والقول الثاني: أن الحجامة تفسد الصيام، وهو مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهم الله؛ [انظر: المغني (4/ 350)، وحقيقة الصيام لابن تيمية، ص (81)، وتهذيب مختصر السنن (3/ 242)].


واستدلوا بأدلة منها حديث شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعًا: ((أفطر الحاجم والمحجوم))؛ رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وصحَّحَه.


ولكل فريق أدلة أخرى يطول المقام ببسطها لا سيَّما والمقام في الحديث عن أحكام الحج، فلعلَّها تأتي في غير هذا الموضع.