حديث: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، فتمتَّع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهلَّ بالعمرة إلى الحج، فكان مِن الناس مَن تمتَّع، فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم يهدِ، فلمَّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس: "مَن يكن منكم قد أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن أهدى، فليَطُف بالبيت وبالصفا والمروة، ليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، ومن لم يجد هديًا فليصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله"، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم إلى مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعًا، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم وانصرف، فأتي الصفا، فطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجَّه، ونحر هدية يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس.

قال البخاري: باب من ساق البدن معه[1]، وذكر الحديث.

قال الحافظ: (قوله: باب من ساق البدن معه؛ أي: من الحل إلى الحرم، قال المهلب: أراد المصنف أن يعرف أن السنة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حج إلا عرفة، وهو قول مالك، قال: فإن لم يفعل فعليه البدل، وهو قول الليث، وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن، وإلا فلا بدل عليه، وقال أبو حنيفة: ليس بسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كله في الإبل، فأما البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف، ومن ثم قال مالك: لا يساق إلا من عرفة، أو ما قرب منها؛ لأنها تضعف عن قطع طول المسافة.

قوله: (تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج).

قال الحافظ: (يحتمل أن يكون معنى قوله: "تمتع" محمولًا على مدلوله اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغير ذلك، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين.

قال الحافظ: وقوله: بالعمرة إلى الحج؛ أي: بإدخال العمرة على الحج، وإنما المشكل هنا قوله: بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج؛ لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا استقر على أنه بدأ أولًا بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال لما أدخل العمرة على الحج لبَّى بهما، فقال: لبَّيك بعمرة وحجة معًا، وهذا مطابق لحديث أنس، لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس، فيحتمل أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما؛ أي: في ابتداء الأمر، ويُعين هذا التأويل قوله في نفس الحديث: وتمتَّع الناس ...إلخ، فإن الذين تمتعوا إنما بدؤوا بالحج، لكن فسخوا حجهم إلى العمرة حتى حلَّوا بعد ذلك بمكة، ثم حجوا من عامهم؛ انتهى.

قوله: (وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة).

قال الحافظ: وفيه الندب إلى سَوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس)[2].

قوله: (فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال للناس: "من يكن منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضى حجَّه").

قال ابن دقيق العيد: هو موافق لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196]، فلا يجوز أن يحل المتمتع الذي ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محلَّه.

قوله: (ومن لم يكن منكم أهدى فليطُف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد).

قال النووي: معناه أنه يفعل الطواف والسعي والتقصير ويصير حلالًا، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح، وإنما أمراه بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل؛ ليبقى له شعر يحلقه في الحج.

قال الحافظ: وقوله: "وليحلل" هو أمر معناه الخبر؛ أي: قد صار حلالًا، فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، وقوله: "ثم ليهل بالحج"؛ أي: يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى (ثم) الدالة على التراخي، وقوله: "وليهد"؛ أي: هدي التمتع.

قوله: (ومن لم يجد هديًا فليصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)؛ أي من لم يجد الهدي بذلك المكان، ويتحقق ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، فينتقل إلى الصوم كما هو نص القرآن.

قال الحافظ: والمراد بقوله: "في الحج"؛ أي: بعد الإحرام به.

وقال النووي: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأ على الصحيح، وأما قبل التحلل من العمرة، فلا على الصحيح، قاله مالك: وجوَّزه الثوري وأصحاب الرأي، وعلى الأول فمن استحب صيام عرفة بعرفة، قال: يحرم يوم السابع ليصوم السابع والثامن والتاسع، وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط ويستقر الهدي في ذمته، وهو قول الحنفية، وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية أظهرهما لا يجوز، قال النووي: وأصحهما من حيث الدليل الجواز[3]؛ انتهى.

قال في "المبدع شرح المقنع[4]": الضرب الثاني يعني من الفدية على الترتيب، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: دم المتعة والقران، فيجب الهدي فإن لم يجد، "فصيام ثلاثة أيام في الحج"، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن صامها قبل ذلك أجزأ، وإن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى، وعنه لا يصومها، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم، وعنه إن ترك الصوم لعذر لم يلزمه إلا قضاؤه، وأن تركه لغير عذر فعليه مع فعله دم، وقال أبو الخطاب: إن أخَّر الهدي والصوم لعذر، لم يلزمه إلا قضاؤه، وإن أخر الهدي لغير عذر، فهل يلزمه دم آخر على روايتين، قال: وعندي أنه لا يلزمه مع الصوم دم بحال، ولا يجب التتابع في الصيام، ومتى وجب عليه الصوم، فشرع فيه، ثم قدر على الهدي، لم يلزمه الانتقال إليه إلا إن يشاء، وإن وجب ولم يشرع، فهل يلزمه الانتقال إليه على روايتين.

النوع الثاني: المحصر يلزمه الهدي فإن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل.

النوع الثالث: فدية الوطء يجب به بدنة، فإن لم يجدها صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله لقضاء الصحابة رضي الله عنهم به.

قوله: (فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم إلى مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعًا، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم وانصرف فأتى الصفا).

قوله: (ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجَّه).

قال الحافظ: (سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي، وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة، ويتحلل منها كما أمر به أصحابه.

قوله: (وفعل مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس).


قال الحافظ: إشارة إلى عدم خصوصيته صلى الله عليه وسلم بذلك، وفيه مشروعية طواف القدوم والرمل فيه إن عقبه بالسعي، وتسمية السعي طوافًا، وطواف الإفاضة يوم النحر)[5]؛ انتهى والله أعلم.


[1] صحيح البخاري: (2/ 205).

[2] فتح الباري: (3/ 539، 540).

[3] فتح الباري: (3/ 540).

[4] (3/ 107).

[5] فتح الباري: (3/ 541).