دروس وعبر من حجة سيد البشر - حسن العشرة مع نسائه صلى الله عليه وسلم



د. رمضان النجدي




ما أن تمر علينا هذه الأيام المباركات كل عام، إلا وتهب علينا نسائم الإيمان، ويتفيأ العبد ظلال هذه المشاهد العظيمة مِن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكثيرة هي الدروس والعِبَر مِن حجة سيد البشر -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

درس عظيم مبارك، وهو حسن العشرة مع نسائه، ومعاملته لهنّ معاملة مفعمة بالمحبة والمودة، والرفق بهن، والشفقة والصبر على ما يمر بهن مِن أحوال يتضجر منها غالب الناس عادة؛ فقد وقف صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، في أكبر محفل عرفته البشرية يومها، في قلب الجزيرة العربية فيما يزيد على مائة ألف مسلم ومسلمة، وخطب خطبة جامعة، عُرفت بخطبة الوداع، ذكر فيها أربعة بنود، فيها جماع الدين والملة: بند للجاهلية وصورها، وبند لحرمة الدماء والأموال والأعراض، وبند للاعتصام بالكتاب والسُّنة، وكانت النساء البند الرابع؛ حيث قال: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (رواه مسلم)، وهذا يدل على حضور شأن النساء في خطبه الجامعة، وعلى مكانة المرأة في المجتمع المسلم، وإلا لما أفرد لها بندًا كاملًا في خطبة وداعه.

أنموذج عملي

لقد كانت حجته صلى الله عليه وسلم أنموذجًا عمليًّا على هذا، وكان حاله كما ثبت عنه عن عائشة -رضي الله عنها-: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ونحن في هذه المقالة نتوقف عند هذا المعنى العظيم في حياته صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» مِن خلال مشاهد متعددة في حجته صلى الله عليه وسلم .


المواقف العظيمة

والإنسان يتعجب أشد العجب من هذه المواقف العظيمة، والواحد منا اليوم في سفره مع أهله وأبنائه، وليس بسفر طويل كالحج مثلًا، تجده يتضجر وتضيق نفسه مما يعرض لهن مِن أحوالٍ، هذا وهي زوجة واحدة؛ فما بالنا بتسع؟؛ فهذا رسول الله معه تسع نسوة، لكل منهن أو بعضهن مواقف وعوارض، وليس هن فحسب، بل أكثر من مائة ألف فيهم الرجال والنساء، بل والأطفال، لكل منهم مشكلته وسؤالاته، وهو مع هذا كان رفيقًا شفوقًا تجد عنده حسن المعشر، والمواساة والملاطفة، وغيرها مِن المعاني العظيمة التي تجلت في حجته؛ فدعونا نستعرض بعضًا مِن هذه المواقف، ونستلهم دروسًا وعبرًا مِن حجة سيد البشر -صلى وسلم عليه رب البشر.

المشهد الأول

قال ابن القيم -رحمه الله- في الزاد: «وأخذ معه نساءه جميعًا، وطاف عليهن كلهن ليلة بات بذي الحليفة»، وهذا مِن حسن عشرته وعدله؛ فقد كانت عادته في سفره أنه يقرع بين نسائه في سفره، أما في حجة الوداع؛ فقد أخذ نساءه جميعًا؛ ففضلًا عن معنى أداء الفريضة عليهن، فيه معنى حسن العشرة، وحرصه على استرضائهن كلهن.

العدل التام

وتأمل طوافه عليهن جميعا ليلة بات بذي الحليفة؛ ففيه العدل التام بينهن؛ فهو سيحرم مِن غده، ويريد التفرغ للنسك والعبادة؛ فلم يقسم وأعطى الجميع حقه -عليه أفضل الصلاة والسلام-، ونحن في غنى أن نجيب عن هذه الشبهة السمجة، كيف وقع هذا؟ وإلا فقد قص صلى الله عليه وسلم عن نبي الله سليمان -عليه السلام- وهو مِن أنبياء بني إسرائيل، وهم أساس هذه الشبهات مِن يهود ونصارى، ومَن تبعهم مِن ملاحدة وزنادقة، أنه طاف على سبعين امرأة في ليلة واحدة، وليس تسعًا.

حث النساء

وكما أخذ نساءه جميعًا، حثَّ غيرهن من النساء على أداء فريضة الحج، ولو كن بهن مرض؛ فقد ثبت عنه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى ضُبَاعَةَ بنْتِ الزُّبَيْرِ؛ فَقالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ؟»، قالَتْ: واللَّهِ لا أجِدُنِي إلَّا وجِعَةً؛ فَقالَ لَهَا: «حُجِّي واشْتَرِطِي، وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». وكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَد»ِ. (متفق عليه)، وهذا حرص منه صلى الله عليه وسلم على أن تكون النساء معه في أداء الفريضة ولو بهن عوارض: كالمرض، ويوجهن ويعلمهن؛ فـ«إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، كما ثبت عنه -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

المشهد الثاني

يقصه جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- راوي حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ؛ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ؛ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (رواه مسلم)، إنه موقف يعجز اللسان أن يعبِّر عن بعض معانيه، امرأة ولادتها مِن اليوم أو الغد، ومع هذا تخرج في هذه الرحلة الشاقة اليوم؛ فما بالنا بيومها؟!

الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

والله إنه الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خالطت بشاشته الإيمان، ورسول الله المعلِّم المربي يترفق، ويعلمها أن تغتسل للإحرام -لا لرفع الحدث-، وتضع خرقة وتشدها موضع خروج الدم، وتكمل عبادتها التي ضحت لأجلها وخرجت، وهي في هذا الحال، ويكرمها؛ فيحنك ابنها ويسميه محمدًا -هو محمد بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-، ورضي الله عن أمه أسماء بنت عميس، وصلى الله على رسول الله وسلم تسليمًا كثيرًا.

المشهد الثالث

وهو مشهد عظيم نترك الحديث لصاحبته تقصه علينا؛ فعن صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حجَّ بِنِسِائِهِ حتَّى إذا كان بِبَعْضِ الطَّريقِ نَزَلَ رجلٌ فساقَ بِهِمْ فأسرعَ؛ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «كَذَاكَ سوقُكَ بالْقَوَارِيرِ» -يعْنِي النساءَ-؛ فَبَيْنَا هُمْ يَسِيرُونَ بَرَكَ بصفيةَ ابنةِ حُيَيٍّ جملُها وكانَتْ من أحسنِهِنَّ ظهْرًا؛ فبَكَتْ وجَاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمحتى أُخْبِرَ بِذَلِكَ؛ فجَعَلَ يمسَحُ دُمُوعَهَا بيدِهِ، وجعلَتْ تَزْدَادُ بُكَاءً، وهو يَنْهَاهَا؛ فلمَّا أكثرتْ زَبَرَها وانتهَرَها، وأمرَ الناسَ فنزلُوا، ولم يكن يريدُ أن ينزلَ، قالَتْ: فنزلُوا وكان يَومِي؛ فلَمَّا نَزَلُوا ضُرِبَ خِبَاءُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ودخلَ فيه، قالَتْ: فلَمْ أَدْرِ عَلامَ أَهْجِمُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ؛ فخَشيتُ أنْ يكونَ في نفْسِهِ شيءٌ؛ فانطلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ فقلتُ لَهَا: تَعْلَمينَ أَنِّي لم أكُنْ لِأَبيعَ يَوْمِي من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أبدًا، وَإِنِّي قَدْ وهبْتُ يَوْمِي لَكَ على أن تُرَضِّي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنِّي, قالَتْ: نعم. قال: فأَخَذَتْ عائشةُ خمارًا لها قَدْ ثَرَدتْهُ بزعفرانٍ فرَشَّتْهُ بالماءِ لَيُذَكِّىَ ريحَه، ثم لبِسَتْ ثيابَها، ثمَّ انطلَقَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فرفَعَتْ طَرَفَ الخِبَاءِ؛ فقالَ: «مالَكِ يَا عَائِشَةُ؟ إنَّ هَذَا لَيْسَ بِيَوْمِكِ”، قالتْ: ذلِكَ فضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ؛ فَقَال معَ أَهْلِهِ؛ فلَمَّا كانَ عندَ الرَّوَاحِ، قالَ لِزَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ: «أَفْقِرِي أُخْتَكِ صَفِيَّةَ جملًا»، وكانَتْ مِنْ أكْثَرِهِنَّ ظهْرًا؛ فقالَتْ: أنا أُفْقِر ُيَهُودِيَّتَكَ!؛ فغَضِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حينَ سَمِعَ ذلِكَ مِنْهَا؛ فهَجَرَها فَلَمْ يُكَلِّمْهَا حتَّى قَدِمَ مَكةَ وأيامَ مِنًى في سفَرِهِ حتى رجعَ إلى المدينةِ والمحرمِ وصَفَرٍ؛ فلَمْ يَأْتِها ولم يَقْسِمْ لها حتى يَئِسَتْ مِنْهُ؛ فلَمَّا كانَ شهرُ ربيعٍ الأولِ دخلَ علَيْهَا فَرَأَتْ ظِلَّهُ فقالَتْ: «إنَّ هذا لَظِلُّ رجلٍ»، وما يدخلُ علَيَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فدخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؛ فلمَّا دخلَ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، ما أدري ما أصنعُ حينَ دخلْتَ علَيَّ، قال: وكانتْ لها جارِيَةٌ وكانتْ تُخَبِؤُهَا مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فقالَتْ: فُلَانَةٌ لكَ؛ فمَشَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى سريرِ زينبَ، وكان قَدْ رُفِعَ فَوَضَعَهُ بيدِهِ ثمَّ أصابَ أَهْلَهُ ورَضِيَ عَنْهُمْ. (رواه الإمام أحمد في مسنده)، ومرة أخرى -والله- يقف الإنسان عاجزًا أن يعبِّر عما في صدره عن روعة هذه المواقف!

كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ

اسمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يلاطف الرجل الذي يسوق ركب النساء، ومثل هذه الشخصيات لا يهتم بشأنها أحد في العادة: «كَذَاكَ سَوْقُكَ بِالْقَوَارِيرِ»؛ فهو إنكار مفعم بملاطفة، بل تأمل هذا الوصف الذي يشع رقة وحنانًا (القوارير)؛ لتعلم مدى عظمة هذه الشخصية العظيمة المباركة!

شفقة وحسن معاشرة

وانظر إليه وهو يمد يده على خد زوجته ليمسح دموعها، شفقة وحسن معاشرة، ولطفا بليغا، وقارن بينه وبين مَن يمد يده اليوم لا ليمسح الدموع، بل يلطم الخدود، بل -والعياذ بالله- قد يكسر عظمًا، أو يترك زرقة في موضع مِن البدن، أو يحدث جرحًا، وكل هذا لا يجوز حتى مع جواز التأديب بالضرب. هذه حاله -عليه الصلاة والسلام-؛ ولما زاد بكاؤها زبرها ونهرها، ومع هذا أنزل الركب، ولم يكن يريد أن ينزل شفقة عليها وإصلاحًا لشأن مركبها!

حسن عشرة متبادل

بل انظر إلى فقهها وهي تعرف مَن يحب رسول الله، وهي عائشة؛ فتصلح غضبه بشأن ما يحبه، حتى لو فاتت ليلتها، وهذا حسن عشرة متبادل بين رسول الله وزوجاته، وفيه دليل على فضل عائشة -رضي الله عنها- ومكانتها عند رسول الله، وعند بقية زوجاته ويلاطف عائشة بأنها ليست ليلتها، وعائشة تفرح وتستشعر كرم الله عليها بقربه وبمنزلتها عنده.