«احفظ الله يحفظك» مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ



الشيخ: رائد الحزيمي


روى البخاري (71)، ومسلم (1037) عن مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)، والفقه في اللغة: هو الفهم، ثم غلب إطلاقه على فهم الدين والشرع، والفقه في الدين: معرفة أحكام الشريعة بأدلتها، وفهم معاني الأمر والنهي، والعمل بمقتضى ذلك، فيرث به الفقيه الخشية من الله -تعالى- ومراقبته في السر والعلن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الْفِقْهُ فِي الدِّينِ: فَهْمُ مَعَانِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِيَسْتَبْصِرَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِه، أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة/122). فَقَرَنَ الْإِنْذَارَ بِالْفِقْهِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مَا وَزَعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، أَوْ دَعَا إلَى وَاجِبٍ، وَخَوَّفَ النُّفُوسَ مَوَاقِعَهُ، الْمَحْظُورَةَ».
وقال النووي -رحمه الله-: «فِيهِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ ؛ وَسَبَبُهُ: أَنَّهُ قَائِدٌ إِلَى تَقْوَى اللَّهُ تَعَالَى». (شرح النووي على مسلم) (7/ 128).


فهم مراد الله

فتحصل من ذلك: أن الفقه في الدين هو: فهم مراد الله من عباده، سواء كان مراده تصديقا لخبر، أم عملا بأمر، أم انتهاء عن نهي، وليس فهم العلم فحسب؛ بل الفهم الحامل لصاحبه على الامتثال، ثم الناس يتفاوتون في ذلك، علما وعملا وحالا؛ فمن مقل ومستكثر، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.

كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين، لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا -[- فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ، تَصْدِيقًا عَامًّا، وَطَاعَةً عَامَّةً». (مجموع الفتاوى) (28/ 80).

حديث عظيم

وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «هذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين.
والفقه في الدين هو: الفقه في كتاب الله -عز وجل-، والفقه في سنة رسول الله -[-، هو الفقه في الإسلام من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام الله التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه -سبحانه وتعالى-، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق الله وحق عباده، ومن جهة خشية الله وتعظيمه ومراقبته؛ فإن رأس العلم خشية الله -سبحانه وتعالى-، وتعظيم حرماته، ومراقبته -عز وجل- فيما يأتي العبد ويذر، فمن فقد خشية الله، ومراقبته فلا قيمة لعلمه، إنما العلم النافع».


أهمية التفقه في الدين

ومن تفقه في دينه فقد سلك طريق العلم الموصلة للجنة، و من واظب على طلب العلم لله، و تفقه في دين الله زادت خشيته لله، وسلمت عقيدته وصحت عبادته، وحسنت معاملاته مع الناس، وكان ممن أراد الله لهم الخير كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، وقد حثت النصوص الشرعية على طلب الفقه، مع بيان فضل الفقه في الدِّين، ومن ذلك قوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} سورة التوبة 122.

ومن يرغب في طلب العلم، ومنه الفقه فإنه يسير في طريق الجنة، كما جاء في الحديث: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، ونَزُفُّ إليه البشرى بأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وأن الحيتان في البحر والنمل في جحوره يستغفرون له مادام يطلب العلم لوجه الله -تعالى-، ولرفع الجهل عن نفسه، ولنشر العلم النافع بين أقاربه، ولإصلاح مجتمعه، وهذا ورد في حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر»، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-: «لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه، وما عُبِدَ الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد».

ثمرات الفقه في الدين

ولا شك أن التفقه في دين الله له ثمرات على العبد في دينه ودنياه ومن يلي.

معرفة الحلال والحرام

فعَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: إِنْ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ لَيْسَ بِنِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا» حسنه الألباني عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُو حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا». ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم: 64)، الحاكم وصححه الذهبي، ولن يتأتي للعبد معرفة هذه الفرائض إلا بالفقه في الدين، ومعرفة أن هذه الفرائض التي فرضها الله -تعالى- لا يجوز تضييعها، وأن الحدود التي حدها -سبحانه- لا يجوز تعديها، وأن الأشياء التي حرمها لا يجوز انتهاكها وهذه الحرمات هي حدوده -سبحانه- فيحرم القرب منها وتعديها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} (البقرة: 187)، وقد توعد الله أولئك الذين يتعدون حدوده وينتهكون حرماته: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (النساء: 14)، وإن اجتناب الحرمات أمر واجب فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» مسلم.

عبادة الله على بصيرة

فالعبادة هي التقرب إلى الله -تعالى- بما شرعه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:21)، فالله -عز وجل- خلق الخلق: الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له وأرسل الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ لبيان هذه العبادة وإيضاحها للناس، فعلى العبد أن يفهم هذه العبادة ويتبصر فيها، وأن يلتزم بها ويعمل بها جملة وتفصيلا؛ فالنصيحة للمسلمين التفقه في هذه العبادة والتبصر بها ومعرفتها من طريق الكتاب والسنة، أي من طريق القرآن العظيم ومن طريق أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة ثم القيام بها علما وعملا.

الوقاية من النار

ومن ثمرات الفقه في الدين أن يقي الإنسان نفسه وأهله من النار، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6)، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومجاهد وقتادَة: «{قُوا أَنْفُسَكُمْ} بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم»، والوقاية لا تتمُّ إلا بالإيمان وصالح الأعمال بعد اجتناب الشرك والمعاصي، وهذا يتطلب العلم بذلك وتوطين النفس على العمل بما يعلم من ذلك فعلاً لما يفعل، وتركًا لما يترك، فليأخذ العبدُ نفسَه وأهله بهذا نصحًا له ولهم؛ حتى يقي نفسه ويَقي أهله.

ميراث الأنبياء

الفقه في الدين ميراث الأنبياء، روى الترمذي عن أبي الدرداء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذ به أخذ بحظٍّ وافر»؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 2159).

حاجة الناس إلى العلم

قال الإمامُ أحمدُ بن حنبل: الناس محتاجون إلى العلم أكثرَ مِن حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعامَ والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعددِ الأنفاس؛ (مفتاح دار السعادة لابن القيم جـ 1 صـ 77)، وروى الترمذي عن أبي أمامة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فضل العالم على العابد كفَضْلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللهَ وملائكته وأهلَ السموات والأرَضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت - ليصلُّون على معلِّم الناسِ الخيرَ»، (صحيح الترمذي للألباني حديث 2161).

التصدي للشبهات


ومعرفةُ العلوم الشرعية تساعدنا في التصدي للشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام ضد القرآن الكريم، وضد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وضد الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين، كما أن الفقه في الدين حصنٌ لكل مسلم ضد الأفكار المنحرفة والعقائد الفاسدة.

معرفة الحقوق

وأخيرًا فإن الفقه في الدين يساعد المسلم على معرفة حق الله -تعالى- عليه، وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحق الصحابة الكرام، وحق علماء أهل السنَّة، وحق ولاة الأمور، وحق جيرانه الذين يحيطون به من المسلمين وغير المسلمين، فيُصبِح المجتمع قويًّا، مترابطًا، تنتشر بين أفراده المحبةُ والمودة، ويرفع منزلة الأمة بين باقي أمم العالم.