عكا ما بين 585 - 587 هـ


د. محمد منير الجنباز


بعد هزيمة الصليبيين في حِطِّين، ووقوع معظم قادتهم في الأسر، ومقتل كبارهم في الحرب، سهُل على صلاح الدين فتح المدن، وكان مِن بينها عكا التي هاجمها بعد طبرية، وسلَّمها أهلها دون قتال، ثم رحلوا عنها وتملَّكها المسلمون، وذلك سنة 583هـ، مستهل جُمادى الأولى.
أما الإفرنج، فلم يبقَ بأيديهم سوى صُور التي تجمَّع فيها كلُّ الإفرنج الذين نزحوا من المدن التي استردَّها المسلمون، ومن الذين هربوا من موقعة حِطِّين، وكانوا جمهرة الإفرنج، وقد أخذهم الحنقُ والغضب من المسلمين، والمدينة الثانية هي أنطاكية، وقد وقعت مع صلاح الدين لما حاربها هدنة ثمانية شهور.
وعلِمت أوروبا بما حلَّ بالصليبيين بالشام على يد صلاح الدين، فأرسلت حملة كبيرة، ومددًا عظيمًا عن طريق البحر، من روما وصقلية وفرنسا وبريطانية، وتوالت الحملات، وكان مقصدها صُور التي ضاقت بأهلها، وقد عدَّ بعض القادة تجمُّع الصليبيين في صور من أخطاء صلاح الدين؛ حيث جعلها لهم نقطة تجمع، فاستشرت وقويت - أقول: لكنه الوفاء بالعهد، والله المستعان - فهاجم الصليبيون في صور صيدا، لكنها صمدت وردت المهاجمين، فقصدوا عكا؛ لأنها مفتاح القدس، فكان لهم جيش بري وآخر يحاذيهم في البحر، إلى أن وصلوا عكا فأحدقوا بها برًّا وبحرًا، وقاتلهم صلاح الدين، لكنه لم يستطع زحزحتهم عن عكا، كما لم يستطع المسلمون الوصول إلى عكا، فقد عزلها الإفرنج بإحكام، وعبَّأ صلاح الدين كل قُواه في البر والبحر، وتقدم ابن أخت صلاح الدين تقي الدين عمر، وحمل من جهته حملة شديدة على مَن يليه من الإفرنج، فأزاحهم والتجؤوا إلى إخوانهم من الإفرنج، وأخلَوا مكانَهم، فأخذه المسلمون وشقُّوا طريقًا إلى عكا، فدخلوا وأمدوا المسلمين بالمؤن والسلاح والقادة، ثم حاول المسلمون إجلاء الفرنج عما بقي بأيديهم حول عكا، فلم يَقدِروا، وطالت المناوشات والحروب، وتفرَّق عسكر صلاح الدين، فقد طال ابتعادهم عن أهلهم وأكثرهم من الجزيرة، والفرات، وأطراف الشام، كما خاف صلاح الدين من سقوط مدن الساحل الأخرى فأرسل لها جندًا يحرسها، وعلِم الإفرنج بذلك فاجتمعوا على المباغتة وخرجوا كالجراد المنتَشِر، وباغتوا القائد تقي الدين عمر فتراجع أمامهم، فأمدَّه صلاح الدين بفرقة من القلب، فعطَف الإفرنج على القلب لنقص جنده فاخترقوه، وصعِدوا التل قاصدين خيمة صلاح الدين، ثم أبعدوا عن الجيش وانقطع سيلهم، وهنا عطفت عليهم الميسرة وتلقتهم في طريق العودة، كما نادى صلاح الدين أصحابه في القلب فاجتمعوا إليه وحصروا الإفرنج العائدين بينه وبين المسيرة، فأخذتهم السيوف، وقتل منهم طائفة فاقت العشرة آلاف كما أُسِر آخرون، وكانوا من خيرة فرسان الإفرنج، وأعدَّ صلاح الدين جيشَه للهجوم مستغلًّا ما خسِره الإفرنج، وإذا بالصياح من داخل مخيم صلاح الدين، فقد ظن بعض الجنود أن الهزيمة كانت على صلاح الدين، فقاموا بالنهب والسلب والهروب، مما أوقع الاضطراب في صفوف الجند، فأجَّل صلاح الدين هذه الخطوة ليُصلِح العسكر ويعيد الأمور إلى نصابها، مما أعطى الصليبيين فرصة لإصلاح شأنهم أيضًا.
وأصبحت الأرض والمقام فيها لا يطاق من رائحة القتلى والنتن[1]، ورحل المسلمون خشية انتشار الأمراض في الجيش التي بدأت تظهر بوادرها، إلا أن الإفرنج لم يرحلوا وتمسَّكوا بما معهم، بل انبسطوا في الأرض بعد رحيل جيش المسلمين، وشدَّدوا في حصار عكا، ثم حفَروا خندقًا بينهم وبين صلاح الدين؛ كيلا يستطيع الوصولَ إليهم وفك الحصار، ومرِض صلاح الدين فلم يستطيع منعهم من حفر الخندق، وهكذا لاح في الأفق بوادر تفوق الصليبيين، وضاقت الأرزاق في عكا، وفي ذروة الأزمة أسر المسلمون مركبًا للإفرنج في البحر وكان محملًا بالأقوات، فتنكَّروا في زي بحارة من الإفرنج وأدخلوه إلى عكا، وقد مرَّ من بين سفن الصليبيين ولم يشكُّوا أنه لهم، وفي سنة 586هـ شرع صلاح الدين في عمل عسكري لفك الحصار عن عكا، فحاصر الإفرنج الذين حول عكا وقاتلهم، فكانوا يقاتلون من الخنادق ولا يخرجون إلا بغتة للإغارة، وهم بين نارين، يصدون هجمات صلاح الدين من جهة، وهجمات أهل عكا من جهة أخرى، ومع ذلك صمدوا وتشبثوا بمواقعهم، ثم صنع الإفرنج أبراجًا عالية بارتفاع أسوار عكا وجعلوا لها عجلًا كثيرًا وكسوها بجلود أشبعت بمواد كيميائية لا تؤثر فيها النيران، ودفعوا الأول منها باتجاه الأسوار ليحتموا به من سهام المسلمين ونيرانهم، وبعد قتال من الجانبين واقتراب البرج من السور، وقبل هبوط الإفرنج على السور تمكن صناع النار اليونانية من صنع نار أحرقت البرج بمن فيه، ثم أحرقت البقية من الأبراج، وفشِلت هذه الخطة الإفرنجية، ثم تمكن المسلمون من إدخال مدد إلى عكا عن طريق البحر، بواسطة حملة بحرية انطلقت من مصر وهزمت أسطول الإفرنج، ثم جاءت الحملة الصليبية الثالثة التي تجمَّعت بعد أن علم الصليبيون بسقوط القدس وغيرها من المدن، فأما الحملة البرية، فكانت بقيادة ملك الألمان، وكان طريقها من القسطنطينية إلى آسيا الصغرى ثم بلاد الشام، ولما وصلوا إلى آسيا الصغرى تصدَّى لهم قليج أرسلان قائد السلاجقة، فأوقع بهم إصابات وخسائر على طول الطريق، ونقص عددهم، ثم وصلوا إلى أنطاكية، وأراد ملكهم أن يَستحِمَّ في نهر هناك فغرِق ومات.
ثم انتشرت الأمراض بين جنوده، فهلك منهم أربعون ألفًا، وعاد ألف إلى ديارهم بحرًا فهبَّت على سفنهم عاصفة فأغرقتهم، وكفى الله المؤمنين القتالَ، كما اشتبك الإفرنج مع العساكر المصرية[2] المحاصرة لهم من الجنوب، وصبر الفريقان ثم ظفر عسكر مصر وصدوا الإفرنج بعد أن كبَّدوهم عشرة آلاف قتيل، وخمدت جمرة الإفرنج، ثم أتى للإفرنج مددٌ من البحر من قِبل فرنسا بقيادة ابن أخي ملك فرنسا، ومعه الأموال والمدد والرجال والسلاح فقويت نفوس الإفرنج، ونصب هنري المجانيق حول عكا والنفاطات، وقبل اكتمالها هجَم عليه أهل عكا فدمَّروها وأخذوا ما يُمكِن أخذه؛ إذ كانوا يمنعون أي عملٍ يُهدِّد أسوارَهم، ثم عمل الإفرنج تلًّا من تراب بعيدًا عن البلد، ثم نقلوا هذا التل بالتدريج وهم يستترون به إلى أن اقتربوا من البلد وصار بإمكان المنجنيقات أن تعمل وراءه لقصف البلد، وكان المدد من الطعام والسلاح يَصِل إلى عكا من جهة البحر، وألهب بابا روما حماس نصارى أوروبا فتوالى أيضًا المددُ إلى الصليبيين، ثم إن القائد هنري حشد الصليبيين وأراد قتالَ صلاح الدين، وأبقى قِسْمًا من جيشه أمام عكا لمناجزتها، فانسحب صلاح الدين قدر ثلاثة فراسخ، وجمع أمراءه ورتَّبهم لهذه الجولة، وخرج الصليبيون من خنادقهم كالجراد المنتشر في عدد الرمل والحصى، ولما أشرفوا على جيش المسلمين وجدوه مستعدًّا للقائهم، وقد صُفُّوا صفًّا لم يشهد مثله من قبل، فارتاعوا لذلك، ولقيهم أهل السهام فأمطروهم بالسهام، فلما رأوا ذلك تراجعوا وتَحوَّلوا إلى جهة أخرى والسهام تُلاحِقهم، ثم اقتربوا منهم والتحموا معهم، ونَدِم الإفرنجُ على خروجهم من الخنادق؛ لأنهم لم يتوقَّعوا هذا الجيش، فلَزِموا أماكنهم وباتوا ليلهم، ثم عادوا إلى خنادقهم والرُّماة خلفهم، وكانوا لا يتركون قتلاهم، بل يحملونهم معهم لكيلا يعلم المسلمون ما أصابهم، وكان صلاح الدين مريضًا يَنتابه مغصٌ شديد، فلم يتمكَّن من إعطاء الأوامر للجيش بالهجوم؛ لذلك لم يصطدم بالعدو سوى الرماة، وخرج بعد مدة أربعمائة فارس من الإفرنج واصطدموا بسرية للمسلمين، فتصنَّع المسلمون الهربَ حتى أبعدوهم عن عسكرهم، فخرج لهم كمين فأبادهم أجمعين.
ولتطاول الزمن على عكا وحصارها طلب الأجناد من صلاح الدين تسريحهم إلى أهليهم واستبدال آخرين بهم، وفَعَل مِثلَ ذلك بجند عكا وقادتها، ويعد هذا من التفريط، ولكن لا حيلة له بمنعهم، فاستبدلوا في فترة الشتاء؛ حيث رفع الصليبيون الحصار البحري خوفًا على سفنهم من العواصف، وفي سنة 587هـ، وبعد أن ولى الشتاء عاوَد الإفرنج الحصار وضيَّقوا على البلد، فلم يَعُد يَنفَذ إليها أحد إلا سابح يأتي بكتاب أو خبر، وأدَّى تهاون صلاح الدين إلى عدم حسم الموقف وهو يَظُن أن الوقت لصالحه، فإذا الأمر غير ذلك، فقد وصلت إمداداتٌ هائلة، وتبنَّى الحملات ملوك أوروبا، فقد جاء فيليب ملك فرنسا على رأس حملة كبيرة، وأرسل صلاح الدين إلى أمير بيروت لينجد أهل عكا بحرًا ففعل وسير السفن، وفي البحر التقت مع خمس مراكب لملك الإنجليز، وكانت طليعة له فأسرها المسلمون، ومع ذلك فالإفرنج لم يَكُفوا عن عكا، وصلاح الدين من ورائهم يُقاتِلهم، والخندق بينه وبينهم ليُخفِّف عن أهل عكا شدة الحصار، ثم وصل ملك الإنجليز بعد أن استولى على قبرص وجعلها محطة لجنده، وكانت تابعة للروم، ووصل إلى عكا في خمس وعشرين سفينة كبيرة مملوءة رجالًا وعتادًا، فعَظُم شر الإفرنج، وازداد حصار عكا وصعُب الأمر على سكانها، ثم أرسلت إلى عكا سفينة عظيمة فيها أقوات وجنود، فحاصرتها سفن الإنجليز، ورأى قائدها ألا يستسلم ويَغنمها الأعداء، فأحدث فيها خرقًا وأغرقها، ونوع الصليبيون في مهاجمة عكا؛ تارة يزحفون بالدبابات فيحطمها أهل عكا، وتارة يزحفون بالأكباش لدك السور والأبواب، فيستولي عليها المسلمون، ثم تقدموا نحو البلد بتل ترابي يحركونه رويدًا رويدًا حتى اقتربوا من الأسوار، ثم تسلم الإفرنج عكا حيث استسلم قائدها علي بن أحمد المعروف بالمشطوب، وكان أن تخلى عنها عدد من الأمراء وهربوا ليلًا فدب الوهن في بقية المدافعين، ثم قام صلاح الدين بعدة حملات لم تفلح في فك الحصار، ورفع أهل عكا أعلامًا فهم المسلمون منها أنهم في ضائقة فزادوا من حربهم للإفرنج وكادوا يدخلون عليهم خنادقهم، لكن الإفرنج عادوا وحفظوا الخنادق، ثم اتصل المشطوب بالإفرنج وعرض عليهم تسليم البلد وبذل لهم أموالًا وأُسارَى، وقدَّم لهم الصليب وحلفوا على ما تم الاتفاق عليه، وملكوا البلد ثم غدروا وتحفَّظوا على المسلمين، ثم قتلوا أغلبَهم، واستبقوا عندهم رؤوسَ القوم ليُفادوا بهم، وسقطت عكا في جمادى الآخرة 587هـ.
وهكذا كانت معارك عكا ملحمة بحد ذاتها دامت أكثر من سنتين، وكثرت حولها المعارك، وتُعَد من أكبر المعارك وأطولها في الحروب الصليبية، فقد شَهِدت معارك بريَّة وبحرية، وحرب خنادق، وغارات ليليَّة برية وبحرية، وبطولات فدائية.


[1] تصديقًا لهذا؛ فقد كنت يومًا في البر، فإذا برائحة منتنة قاتلة، قد ملأت حيزًا واسعًا، فأبصرت فإذا جيفة حمار قد أثرت هذا التأثير، فما بالك بآلاف القتلى من البشر والدواب؟! كما أن لها أثرًا لا ينكر في نقل الأوبئة والطاعون.

[2] بقيادة أخي صلاح الدين الملك العادل.