معركة عين جالوت (25 رمضان 658هـ)
د. محمد منير الجنباز





25 رمضان 658هـ






قائد جيش المسلمين: السلطان المُظفَّر قُطُز، يساعده بِيبَرس البندقداري.

قائد جيش المغول: كتبغانوين، وهو من أشهر قادة هولاكو.



لَمَّا فرغ التتار من بغداد سنة 656هـ، وقتلوا من أهلها ما يُقارِب المليون نسمة، وخرَّبوا وأحرقوا ما شاء لهم أن يفعلوا، توجَّهوا إلى بلاد الشام عن طريق الفُرات، ودخلوا حلب وغدروا بأهلها، كما دخلوا دمشق دون مقاومة، ثم أرسلوا إلى حكام مصر يطلبون منهم تسليم البلاد، ووصَلوا حتى غزَّة، فكان ردُّ الملك المظفر عليهم أن جمع جندَه، وتوجَّهوا للشام لقتال التتار.



وعلِم "كتبغا"، وكان في البقاع - بلبنان - فسار بجنده لقتال قطز، ولم يستشِرْ هولاكو الموجود في حلب آنذاك، والتقى الجمعان في "عَيْن جالوت" بفلسطين في الخامس والعشرين من رمضان بعد ظهر يوم الجمعة، فقال المظفر: "في هذا الوقت بعد الزوال تهبُّ رياح النصر، ويدعو لنا الخطباء على المنابر"، ثم أمر بالهجوم وباشر بيبرس - قائدُ الفرسان - القتالَ بنفسه فنكَّل بالعدو.



ولَمَّا هزمهم الله تابَع فلولَهم قريبًا من حلب حتى قطع دابرهم، وبرز في هذا القتال أيضًا مَلِك حماة المنصور، الذي كان مع جيشه في طليعة جيش قطز، فقاتل قتال الأبطال، وتحرَّرت بلاد الشام من التتار بعد هذه الموقعة، وهي أول هزيمة قاسية لهم بعد أن دخلوا بلاد الإسلام وشرعوا يُخرِّبونها كيف شاؤوا، وقُدِّر عددُ قتلاهم بأكثر من عشرين ألف قتيل؛ منهم كتبغا نفسه، وهرب التتار من المدن التي احتلوها إثر سماع الخبر، فتَبِعهم السكان.




ويُروى أن الدائرة كادت أول الأمر أن تكون على المسلمين، ولَمَّا رأى ذلك السلطان قطز صعِد على صخرة، وخلع خوذته، وصاح: "واإسلاماه!"، ثم ركِب جواده وهجَم على الأعداء كالأسد الضاري، يضرب بهم ذات اليمين وذات الشمال، وخلفه جندُه يقتحمون مثله ويفلقون هامات المغول، ثم قُتل جواده، فأسرع إليه أحد الأمراء ونزل عن فرسه وقدَّمها له، فأبى السلطان أن يفعل ذلك، وقال له: اركب وقاتل، فما كنتُ لأحرِمَ المسلمين في هذا الموقف من نفعك، ولم يزل صامدًا يقاتل حتى جاءه أحد غلمانه بفرس فركِبها، فقال له أحد الأمراء: أيها السلطان، لِمَ لَمْ تركب فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رأَوك لقتلوك وهلك الإسلام بسببك؟ فقال السلطان: أما أنا، فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام، فله ربٌّ لا يُضيِّعه، لقد قتل فلان وفلان وفلان حتى ذكر خلقًا كثيرًا من الملوك، فأقام الله للإسلام مَن يحفظه غيرهم، ولم يَضِع الإسلام، فمَن أنا حتى يضيع الإسلام بقتلي؟! وكان هذا ضربًا من قوة الإيمان والتواضع أيضًا الذي كان يتحلَّى به السلطان المظفر، رحمه الله.