الطموح والجنوح
علياء ناصف

حق مشروع لأي إنسان أن يبذل قصارى جهده من أجل طموحه الذي يسعى لتحقيقه، شريطة ألا يجنح بطموحه هذا إلى ارتكاب ما يخالف الدين والشريعة، وإلا تحول هذا الطموح بذلك إلى جنوح عن الطريق المستقيم، طريق الحق والخير والجمال، الطريق الذي يسلك للوصول إلى مرضاة الله تعالى والذي بدونه لا راحة ولا سلام يعرف أو يلتمس.

إن طالب العلم عليه أن يطمح إلى الاستزادة منه، والعامل عليه أن يطمح إلى إتقان عمله على أفضل صورة ممكنة، ليس العالم والعامل فحسب، بل على كل إنسان أن يطمح إلى حسنة الدنيا وحسنة الآخرة كما جاء في قوله تعالى: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً } (البقرة:201).

واختلف المفسرون في تفسير «حسنة الدنيا»، وبحسب تفسير ابن كثير فإن «الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ‏ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك»

وبحسب ما جاء في تفسير الطبري: «قال أبوجعفر: اختلف أهل التأويل في معنى «الحسنة» التي ذكر الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم يعني بذلك: ومن الناس من يقول: ربنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في الآخرة.

من الخطأ أن يظن أحد أن هناك تعارضا بين أن يكون الإنسان راضيا بحاله، قانعا بما قدره الله له، وبين أن يتطلع إلى حياة أفضل، ومن الخطأ أيضا أن يسخط الإنسان على حاله، فيتبرم ويغضب ويقارن بين حاله وأحوال الناس، وهو لا يعلم أن لكل إنسان نصيبه من الابتلاء، ومن الوارد أن يدفعه سخطه إلى طموح أهوج غير مدروس، تكون نتيجته وبالا على صاحبه، ولذلك فإن من يسخط على حاله فهو في فقر حقيقي، لأن الغنى في القناعة.

ومن ثم فإننا جميعا يجب أن نأمل ونطمح أن نتحلى جميعا بالرضا والقناعة، فالقناعة تجعل الإنسان في غنى عن الناس، وفي فقر إلى رب الناس فقط.

يصل الطموح ببعض الناس إلى آفة الطمع، فإن كان ما يطمح إليه الإنسان هو جني المزيد والمزيد من الأموال، ليحقق الثراء والرفاهية وفقط، فربما يصل به طمعه إلى فكرة الحصول على المال بأي وسيلة ممكنة، مشروعة أو غير مشروعة، فالمهم عنده فقط هو المال، حتى وإن مال عن طريق الحق من أجل الحصول عليه.

إن مثل هذا الإنسان هو الراكض اللاهث على الدنيا وزينتها، يعمل ويجهد بدنه وحاله من أجل طمعه في المال، ومثل طموحه هذا هو جنوح إلى دنيا تصير إلى زوال.

وإن من الناس من يلهيه الطمع الدنيوي في جمع المال عن ذكر ربه وعن دينه، يقول المولى عزوجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المنافقون:9).

إن من يعي الحقيقة يعلم جيدا أن ذكر الله سبحانه وتعالى هو المكسب الحقيقي، بل إن من يظن أن دينه يؤثر على طموحه، فلا وقت عنده إلا لصراعات المال والتجارة الدنيوية، فليعلم أن الخسارة في انتظاره، ولا يوجد خسارة أكبر ولا أعظم من خسارة الدين.

ومن الوارد أن ينجح مثل هذا الإنسان في حياته وترى الحيرة في عقول البعض من فكرة كيف يكون الرزق الوفير من نصيب البعيد عن الله، الغافل عن دين الله، ولكن لنقرأ جميعنا قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} (الأنعام:44).