خطوط عريضة عن أبرز المحن التي تعرض لها ابن تيمية



عبده قايد الذريبي



تعتبر المحنة التي تعرض لها ابن تيمية محنة من طراز خاص؛ حيث لا نظير لها في تاريخ محن علماء الأمة؛ ذلك أن حياة ابن تيمية من أولها إلى آخرها كانت عبارة عن محنة مستمرة؛ فقد ظل طوال حياته ينتقل من محنة لأخرى، ومن ابتلاء لآخر، ومن سجن لآخر، ومن الشام لمصر، ومن حاسد لحاقد.

وقد شملت محنته كافة صنوف الأذى؛ حيث مُنع من الإفتاء والتدريس، وشُهِّر به في كل مكان، ونُفي وعُذِّب وسُجن، حتى وصل الأمر بأهل الباطل إلى تكفيره، وحبك المؤامرات والدسائس لتصفيته وسفك دمه، ولكن أنى لهم ذلك؟ فإن الله يحميه.

وقد أشار ابن تيمية إلى أبرز المحن التي تعرض لها بقوله: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"[1].

وفيما يلي خطوط عريضة عن أبرز المحن التي تعرض لها وأماكنها، وأسبابها، وماهيتها، ومدتها:
المحنة الأولى: كانت في القاهرة؛ حيث تم استدعاؤه من دمشق إلى القاهرة بتآمرٍ تمَّ في الشام ومصر عام 705 هـ، ثم سُجن في القاهرة سنة ونصف.

والسبب وراء هذه المحنة أن السلطان بيبرس الجاشنكير - كما ذكر ذلك ابن كثير في حوادث عام 705 هـ - طلب ابن تيمية إلى مصر يوم الخامس من رمضان عام 705 هـ، فتوجه إليها ابن تيمية فدخلها يوم22 رمضان، فعُقد له مجلس بالقلعة، وقد اجتمع فيها القضاة وأكابر الدولة، وفي المجلس أراد ابن تيمية الكلام إلا أنه لم يُسمح له، وادَّعى عليه ابن مخلوف المالكي (قاضي المالكية وكان من أشد خصوم ابن تيمية) ومعه نصر المنبجي (الصوفي الضال الحلولي الاتحادي، وكان صاحب حُظوة ووجاهة عند أمير مصر بيبرس الجاشنكير)؛ حيث ادعى ابن مخلوف على ابن تيمية أنه يقول: "إن الله فوق العرش حقيقة، وإن الله يتكلم بحرف وصوت"، فسأله القاضي عن ذلك، فأخذ ابن تيمية يبدأ حديثه في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: "أجب، ما جئنا بك لتخطب"، فعلم أنها المحاكمة لا المجادلة، فقال: "ومن الحاكم فيَّ؟" قيل له: "القاضي المالكي"، فقال له الشيخ: "كيف تحكم فيَّ وأنت خصمي؟"، فغضِب غضبًا شديدًا وانزعج، فأصدر حكمه عليه، وحُبس ابن تيمية في برج أيامًا، ثم نُقل مع أخويه: شرف الدين عبدالله، وزين الدين عبدالرحمن إلى الحبس المعروف باسم "الجُبِّ" في ليلةعيد الفطر[2].

وقد حاول بعض العلماء إخراج ابن تيمية من السجن مقابل أن يرجع عن بعض النقاط في العقيدة، ولكن ابن تيمية رفض، وآثر السجن على التنازل عما يعتقد؛ حيث بقي في سجن الجب ثمانية عشر شهرًا، ثم خرج بشفاعة الأمير (حسام الدين مهنا) ملك العرب يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة[3].

المحنة الثانية: كانت في الإسكندرية حيث تم نفي ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية عام 709 هـ، ثم سُجن في الإسكندرية سبعة أشهر.

والسبب في ذلك أن بعض الأشاعرة - ومعهم الصوفية - ألَّبوا عليه القاضي، وتقدموا بشِكاية ضده فحواها: أن ابن تيمية يتناول ابن عربي وغيره من أعلام التصوف، فقرر القاضي نفي ابن تيمية إلى الإسكندرية، وفيها سُجن سبعة أشهر، حيث دخل السجن في شهر صفر عام 709 هـ، وخرج منه يوم عيد الفطر عام 709 ه[4].

المرة الثالثة: كانت في دمشق حيث تم سَجْنُ ابن تيمية هناك عدة مرات:
المرة الأولى: كانت عام 720 هـ، لمدة ستة أشهر.
والسبب في ذلك فتوى ابن تيمية بأن الطلاق البدعي لا يقع، وأن الطلاق بالثلاثة إنما يقع واحدة، وأن الحلف بالطلاق يقع يمينًا إذا لم يُنوَ به الطلاق، فثارت عليه ثورة عنيفة من معارضيه؛ حيث تم جمع علماء المذاهب لمناقشته ومناظرته، إلا أنه ألزمهم الحجة والمحجة، فلجؤوا إلى التأليب عليه؛ حيث أمر نائب السلطنة بسَجنه بسبب هذه الفتوى، فسُجن في القلعة بدمشق، ولم يخرج منه إلا في العاشر من محرم سنة 721 هـ بأمر من السلطان.

المرة الثانية: كانت عام 726 هـ؛ حيث سُجن في دمشق لمدة سنتين وثلاثة أشهر[5].
والسبب فتواه في مسألة: (شد الرحال وإعمال المِطيِّ إلى قبور الأنبياء والصالحين)؛ حيث تم العثور على جواب لابن تيمية كتبه قبل سبعة عشر عامًا، يتضمن الجواب القولين الواردين في المسألة، وترجيحه لأحدهما.

إلا أن أهل الباطل - كعادتهم دائمًا - حرَّفوا فتواه وسعوا ضده؛ حيث أُمر بأخذه لسجن القلعة في دمشق في يوم6 شعبانسنة726هـ[6].

وقد أشار إلى ذلك العلماء الذين ترجموا لابن تيمية، ومنهم ابن كثير؛ حيث قال: "يوم الخميس دخل القاضي جمال الدين بن جملة وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلتُ الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعًا بها"[7].

قال ابن كثير معلقًا على ذلك: "فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام؛ فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذِكْرُ قولين في شدِّ الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفُتيا، ولا قال: إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها... والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا يخفى عليه خافية: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227][8].

وقبل ذلك تعرض ابن تيمية للمنع من التدريس والإفتاء، وتعرض للتشهير والضرب والتعذيب، وقد بلغ مجموع سنوات سجنه خلال الأربع المرات التي سبق ذكرها خمس سنوات تقريبًا.

وقد ضُيِّق على ابن تيمية، ومُنع من الكتابة، ولم يُترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، وأراد أهل الباطل من خلال التشهير بابن تيمية، ومنعه من التدريس والإفتاء، ونفيه وتعذيبه وسجنه - تجحيم علمه، والفتك بإرادته وعزيمته، ولكن أنَّى لهم ذلك أمام هذا الإمام الفذ الشجاع المقدام؟ فلقد استطاع ابن تيمية بفضل الله مواجهةَ هذه المحنة بوسائلَ عدة، تمكن من خلالها من تحويل محنته إلى منحة، قال البزار: "ولقد سُجن أزمانًا وأعصارًا وسنين وشهورًا، وَلم يولهم دُبُرَه فرارًا، ولقد قصد أعداؤه الفتك به مرارًا، وأوسعوا حيلهم عليه إعلانًا وإسرارًا؛ فجعل الله حِفْظَه منهم له شعارًا ودِثارًا، ولقد ظنُّوا أن في حبسه مشينة؛ فجعله الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه وادُّه أقر به عَيْنَيْه، فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجلَّه، ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق أجمل حُلَلِه؛ كونه حُبس على غير جريرة ولا جريمة، بل على قوة في الحق وعزيمة، هذا مع ما نشر الله له من علومه في الآفاق، وبهر بفنونه البصائر والأحداق، وملأ بمحاسن مؤلفاته الصحف والأوراق؛ كبتًا ورغمًا للأعداء أهل البدع المضلة والأهواء، وصُنُعًا عظيمة من رب السماء لعوائده لخاصة الأولياء أهل المحبة والولاء"[9].





[1] "الوابل الصيب"، لابن القيم، ص: 48.



[2] ينظر: "البداية والنهاية"، لابن كثير: 14/ 43.



[3] ينظر: "البداية والنهاية"، لابن كثير: 14/ 51.



[4] ينظر: "العقود الدرية"، لابن عبدالهادي، ص: 283.



[5] وقد سُجن مع ابن تيمية في سجن القلعة في دمشق جماعة من أصحابه، ثم أُطلقوا عدا ابن قيِّم الجوزية، فقد بقي محبوسًا فيها حتى توفي ابن تيمية، ولم يُفرج عنه إلا بعد وفاة ابن تيمية بشهر.




[6] ينظر: "العقود الدرية"، لابن عبدالهادي، ص: 345.



[7] "البداية والنهاية"، لابن كثير: 14/ 143.



[8] ينظر: "البداية والنهاية"، لابن كثير: 14/ 143.



[9] "الأعلام العلية"، للبزار، ص: 77.