من حقوق ومكانة أهل الأعذار عند السلف وحقوقهم علينا
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري




الحمدُ للهِ الْمُتفضِّلِ علينا بالنِّعَمِ القديمةِ، والأيادي الجميلة، حَمْدَ مَنْ يعلَمُ أنَّ مولاهُ الكريمُ يُحبُّ الحمدَ، فلَهُ الحمدُ على النِّعَمِ التي لا تُحْصَى، وكيفَ تُحْصَى؟! وقد قال جلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، ونسأَلُهُ الزِّيادةَ بفضلِهِ، والْمَعُونةَ على شُكْرِهِ، ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، وصَّلى اللهُ على البشيرِ النذيرِ، السِّراجِ الْمُنيرِ، سيِّدِ الأوَّلين، ذاكَ محمدٌ رسولُ ربِّ العالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وعلى آلهِ الطيِّبينَ وأصحابهِ الْمُنتَخَبين، وأزواجهِ أُمَّهاتِ المؤمنين، رِضْوانُ الله عليهِم أجمعين.


أمَّا بعدُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.


عبادَ اللهِ:
لقد تحدَّثنا في الْجُمُعتينِ الماضيتينِ عن حُقوقِ أهل الأعذارِ في القرآن الكريم، وعن حُقوقهِم ومكانتهِم في سُنَّةِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وفي هذه الْجُمُعَةِ إن شاء الله نتحدث عن حقوقهم ومكانتهم عند السلف، وحقوقهم علينا.


أيها المسلمون:
يقولُ الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24، 25]، فاللهُ جَعَلَهُ حقَّاً وليسَ إحساناً، وكان الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتولَّى تطبيق ذلك بنفسه، وعلى مثلِ ما كان عليه الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سارَ خليفَتُهُ الصدِّيق رضي الله عنه.


ثم كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أولُ مَن أُتيحَ له بعد اتسعت رِقعةُ الإسلام أن يقوم بتحقيق أول مشروعٍ للضمان الاجتماعي، بطريقةٍ فذَّةٍ وفي أسمى صورةٍ عَرَفَها التاريخ، وكان أُسلُوبُه البالغ الْمَدى من حيث الدِّقة والرأفة والحزم في تطبيقه لهذا النظام الكامل، من أروعِ ما تحدَّث به الناسُ على مَرِّ العُصُور، كيفَ لا، وهو القائلُ رضيَ اللهُ عنهُ: (لوْ ماتَ جَمَلٌ ضَيَاعاً على شَطِّ الفُرَاتِ لَخَشِيتُ أنْ يَسْأَلَني اللهُ عنهُ) رواهُ ابنُ سعدٍ في الطبقات، فأنشأَ رضيَ اللهُ عنه الدواوين، وقيَّدَ أسماء الناسِ، وفرضَ العَطاءَ للناسِ جميعاً على اختلاف طبقاتهم وحاجاتهم، قال ابنُ سعدٍ: (وكانَ عُمَرُ يَفْرِضُ للمَنْفُوسِ مائةَ دِرْهَمٍ، فإذا تَرَعْرَعَ بلَغَ بهِ مائتَيْ دِرهمٍ، فإذا بلَغَ زادَهُ، وكانَ إذا أُتِيَ باللَّقيطِ فَرَضَ لهُ مائةَ درهمٍ، وفَرَضَ لهُ رِزْقاً يَأْخُذُهُ وليُّهُ كُلَّ شَهْرٍ ما يُصْلِحُهُ، ثمَّ يَنقُلُهُ من سَنَةٍ إلى سَنَةٍ، وكانَ يُوصي بهِمْ خيراً، ويَجْعَلُ رِضاعَهُمْ ونفَقَتَهَمْ من بيتِ الْمَالِ)، ثمَّ ساقَ بسَنَدِهِ عن هشامٍ الكَعْبي قال: (رأيتُ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ يَحملُ ديوانَ خُزَاعةَ حتى يَنزلَ قُدَيْداً، فتأْتيهِ بقُدَيْدٍ فلا يَغيبُ عنهُ امرأَةٌ بكْرٌ ولا ثيِّبٌ، فيُعْطيهُنَّ في أيديهِنَّ، ثمَّ يَرُوحُ فينزِلُ عُسْفَانَ، فيفعلُ مِثلَ ذلكَ أيضاً حتى تُوُفِّيَ)، ثمَّ ساقَ بسندِهِ: (عنْ جَهْمِ بنِ أبي جَهْمٍ قالَ: قَدِمَ خالدُ بنُ عُرْفُطَةَ العُذْرِيُّ على عُمَرَ فسأَلَهُ عمَّا وَراءَهُ؟ فقالَ: يا أَميرَ المؤمنينَ تَرَكْتُ مَن وَرائي يَسأَلُونَ اللهَ أنْ يَزيدَ في عُمُرِكَ مِن أعمارِهِمْ... قالَ عُمَرُ: فاللهُ الْمُستعانُ، إنما هوَ حَقُّهُمْ أُعْطُوهُ، وأنا أَسْعَدُ بأدائهِ إليهِم مِنهُمْ بأخْذِهِ، فلا تَحْمَدَنِّي عليهِ) انتهى.


وأُثِرَ عنهُ رَضيَ اللهُ عنهُ: (أنه مَنَعَ التسوُّلَ، وفَرَضَ لذوي العاهاتِ راتباً في بيتِ الْمَالِ، حِمايةً لَهُم من ذُلِّ السؤالِ).


أيها المسلمون:
ولَمَّا جاءَ عهدُ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أمرَ ابنَ شِهابٍ رحمه اللهُ أنْ يكتُبَ له السُّنَّةَ في مواضعِ الصَّدَقةِ، (فكَتَبَ: هذهِ مَنازِلُ الصَّدقاتِ ومَواضِعُهَا إنْ شاءَ اللهُ، وهيَ ثمانيةُ أسْهُمٍ: فَسَهْمٌ للفُقَراءِ.. - إلى أنْ قالَ-: والنِّصْفُ الباقي للفُقَراءِ مِمَّنْ لا يَغْزُو من الزَّمْنَى والْمُكُثِ - أيْ: أصحاب العجز الأصلي - الذينَ يأخُذونَ العَطَاءَ إن شاءَ اللهُ - وسَهْمُ المساكينِ نصفٌ لكُلِّ مسكينٍ بهِ عاهةٌ لا يَستطيعُ حِيلَةً ولا تَقَلُّباً في الأرضِ - يعني: أصحاب العجز الطارئ كالعاملِ الذي يُصَابُ في عَمَلهِ -، والنصفُ الباقي للمساكينِ الذينَ يَسأَلُونَ ويستطعمُونَ... ومَن يَحْضُرِ المساجدَ من المساكينِ الذينَ لا عَطَاءَ لهم، ولا سَهْمَ، ولا يَسأَلُونَ الناسَ إن شاءَ اللهُ... وسَهْمُ ابنِ السبيلِ يُقسَّمُ ذلكَ لكُلِّ طريقٍ على قَدْرِ منْ يَسلُكُها، ويَمُرُّ بها منَ الناسِ، لكُلِّ رَجُلٍ مِنَ ابنِ السبيلِ ليسَ لهُ مأْوىً، ولا أَهْلٌ يأْوِي إليهِم، فيُطْعَمُ حتى يَجِدَ مَنزِلاً، أو يَقضيَ حاجتَهُ، ويُجعَلُ في مَنازلَ مَعلُومةٍ على أيدي أُمَناءَ، لا يَمُرُّ بهِمُ ابنُ سبيلٍ لهُ حاجةٌ إلاَّ آوَوْهُ وأَطْعَمُوهُ، وعَلَفُوا دابَّتَهُ، حتى يَنفذَ ما بأيديهِم إن شاءَ اللهُ) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال.


وأَمَرَ عمرُ بنُ عبد العزيز لكلِّ أعْمَى بقائدٍ يَقُودُهُ، ولكلِّ مُقْعَدين بغلامٍ يخدِمُهُما، ولكُلِّ زَمِنين أي كبيرين مريضين بغلامٍ يَخْدِمُهُما، قال عبداللهُ بنُ رافع: (وكانَ عُمَرُ بنُ عبد العزيز إذا كَثُرَ عندَهُ أَرِقَّاءُ الخُمُسِ فرَّقَهُ بينَ كُلِّ مُقْعَدَيْنِ وبينَ كُلِّ زَمِنَيْنِ غُلاماً يَخْدِمُهُما، ولكُلِّ أعْمَى غُلاماً يَقُودُهُ) انتهى، وكذلكَ فَعَلَ الوليدُ بنُ عبد الْمَلِك، حيثُ جعَلَ لكُلِّ مُقْعَدٍ خادماً، ولكُلِّ ضَريرٍ قائداً، كَمَا بنى مستشفى للمجذومين في ضواحي دمشق يَحملُ اسْمَهُ حتى الآن.


وفي الدولة العباسية: أمَرَ الخليفةُ المنصورِ بإجراءِ الأرزاقِ للقواعدِ من النساءِ اللاتي لا أزواجَ لَهُنَّ، وعلى الأيتامِ والعُميانِ.
وفي الدولةِ المملوكيةِ: أنشأ السلطان قلاوون مستشفى بالقاهرة للعنايةِ بالمرضى والْمُعوَّقين، وتُسمَّى ذلك الوقت بالبيمارستان، يُشرفُ قلاوون بنفسهِ على رعايتهم، وكان المريضُ عند خُروجه من المستشفى يُعطى بضْعَ قِطَعٍ من الذهبِ حتى لا يَضطرَّ للعَمَلِ وهو في فترةِ النقاهةِ.


عباد الله:
ومن أوجُهِ عنايةِ السلف الصالح بأهل الأعذار من ذوي الاحتياجات، إقامتهم للأوقاف، لإسكانِ النساءِ المنقطعاتِ والأراملِ والْمُسنَّاتِ اللواتي لا مُعيلَ لَهُنَّ، ومن الأوقافِ التي عُرفت في التأريخ الإسلامي: مؤسساتٌ لإمدادِ العُميانِ والْمُقْعَدينَ بمن يقودُهم ويخدِمُهُم.


وفي المملكة العربية السعودية – حَرَسَها الله - نصَّ النظامُ الأساسي للحكم في مادته (27) على أن: (تكفل الدولة حقَّ المواطن وأُسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي، وتُشجِّع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية) انتهى.

وباعتبار أن الأشخاص ذوي الإعاقة مشمولون بحكم هذه المادة، فقد أخذت الدولة – وفقها الله - على عاتقها حماية حقوقهم وتعزيزها، وسعت إلى تحقيق العيش الكريم لهم ولأُسَرِهم، وقد كَفَلَ نظامُ رعاية الْمُعوَّقين الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم م/37 وتاريخ 23 /9 /1421 حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيزها، وقد تضمَّنت المادة (2) منه أن الدولة تكفل حُقوق المعوَّقِ في خدمات الوقاية والرعاية والتأهيل، وتُشجع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية في مجال الإعاقة، كما وضعت هذه المادة الإطار العام لمجمل الخدمات التي يجبُ توفيرها من قبل الدولة لهذه الفئة وشملت المجالات الصحية، والمجالات التعليمية والتربوية، والمجالات التدريبية والتأهيلية، ومجالات العمل، والمجالات الاجتماعية، والمجالات الثقافية والرياضية، والمجالات الإعلامية، ومجالات الخدمات التكميلية، إلى غير ذلك من المجالات التي تُقدِّمها الدولة – وفقها الله – لذوي الأعذار.

الخطبة الثانية
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدُهُ ورسولُهُ.


أمَّا بعدُ:
(فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخيرُ الْهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ بدعَةٍ ضَلالَةٌ)، و (لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ).


أيها المسلمون:
إن الاهتمامَ بأهلِ الأعذارِ ورعايتهم ليسَ مَنَّاً أو تفضُّلاً عليهم، بل هو حَقٌّ قرَّرتُه الشريعةُ الإسلامية لهم، من مجموعة مبادئ أهمُّها: الإخاءُ والمساواةُ والعدالةُ، وعلى أهل الأعذارِ أن يتذكَّرُوا الواجبات التي تجبُ عليهم نحوَ أنفُسِهم: من اليقينِ والرِّضا بما قدَّره الله، والصبر على الابتلاء، والتزام الدُّعاء بكشفِ البلاءِ، وعلى جماعة المسلمين أن يتذكَّرُوا واجباتهم نحو إخوانهم أهل الأعذار: من التسامح فيما يصدر عنهم من أفعال، ومواساتُهُم، وعيادتهم وزيارتهم والسؤال عنهم، والدُّعاءِ لهم، والرِّفق بهم والشفقةِ عليهم والتخفيف عنهم، وتقديم قضاء حوائجهم على غيرهم.


عباد الله:
من الأُمورِ المهمَّةِ: تفعيل وتكثيف برامج التوعية لأفراد المجتمع، لأن الْمُتسبِّب الأول بعد قضاء الله وقدره في كثير من الإعاقات هم بعض أفراد المجتمع، فتُكَثَّف التوعية بأسباب الإعاقات، وأُسس التعامل مع حالاتها المختلفة، والتركيز على أهمية الجانب الوقائي بدفع الضرر قبل وقوعه، فالوقايةُ خيرٌ من العلاج، وتوفير العلاج المناسب لهم، وتوفير فُرَص التعليم المناسبِ لهم، وتوفير ما يُعينهم ويُسهِّل تعليمهم ووصولهم إلى فصولهم بالمدارس والجامعات والمساجد من توفير المصاعد والمواقف والمداخل المخصَّصة لهم، وتوفير العيش الكريم لهم، وتأهيلهم لإعادتهم لأعمالهم، وتوسيع إنشاء المراكز الاجتماعية، ومشاركة أصحاب الأعمال الخاصة من الشركات والمؤسسات بتوظيفهم احتساباً للأجر من الله، (ويجدر القولُ بأن وزارة العمل بالمملكة تشجيعاً للقطاع الخاص على توظيف المعوَّقين، فإن مكاتب العمل تحتسب المواطن المعوَّق عند توظيفه في القطاع الخاص عن أربعة أشخاص عند احتساب نسبة السعودة في الْمُنشأة)، وأيضاً: استثناؤهم من الدوام الكامل على حسب إعاقتهم، وتخصيص من يقوم بخدمتهم في بيوتهم، وأماكن دراستهم وعملهم، وتشجيع إنشاء الأوقاف عليهم، والتواصي والتذكير بالتدابير الوقائية من العاهات في الإسلام، كأمر الإسلام بغضِّ البصرِ والبُعد عن الشُّبُهات ومواطنها، وحذَّرَ الإسلامُ من خلوة الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم، وحضَّ الإسلام على الزواج حفاظاً على الفضيلة وإبعاداً عن الرذيلة، وأمَرَ الإسلامُ بأكل الطيِّبات، ونهى عن الخبائث حفاظاً على العقل والصحة، وأثنى الإسلامُ على المؤمن القوي، وحثَّ الإسلام على تعلُّم السباحة والرماية وركوب الخيل، تقويةً للبدن ووقاية له من الوهن، وأمرَ الإسلامُ بالبقاء مع الجماعة حرصاً على المحافظة على الهداية وخوفاً من الزللِ والانحراف، وأمَرَ الإسلامُ بالاستخارة والاستشارة وقايةً من الخطأ أو تقليلاً من أخطاره، وتطييباً للنفوس.