السير إذا دفع من عرفة
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حين دفع؟ فقال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص.

العنق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك.

قال البخاري: باب السير إذا دفع من عرفة، وذكر الحديث وفي آخره قال هشام والنص فوق العنق[1].
فجوة متسع وفجاء، وكذلك ركوة وركاء، مناص ليس حين فرار.

قوله: (حين دفع) في "الموطأ": حين دفع من عرفة.

وقوله: (كان يسير العنق) هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة.

قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص غاية المشي، ومنه نصصت الشيء: رفعته، ثم استُعمل في ضرب سريع من السير[2].

قال ابن عبدالبر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تُصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، وفيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكونه؛ ليقتدوا به في ذلك[3].

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة؛ رواه أحمد وأبو داود.

قوله: "حين صلى الصبح" في حديث جابر عند مسلم: "ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس"، واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز الجمع والقصر بعرفة لأهل مكة، فلم يجوزه الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، وجوَّزه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

وقال ابن القيم: خطب صلى الله عليه وسلم واحدة، فلما أتمها أمرَ بلالًا فأذَّن، ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع"، ومن قال: إنه قال لهم: "أتِمُّوا صلاتكم فإنا قوم سفر"، فقط غلط، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة؛ حيث كانوا في ديارهم مقيمين[4].

ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن عُروة بن مُضرِّس بن أَوس بن حارثة بن لامٍ الطائي، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيئ أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفه ليلًا أو نهارًا، فقد أتَمَّ حجَّه وقضى تَفثه"؛ رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي.

قال المجد: وهو حُجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف.

وعن عبدالرحمن بن يعمر: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا ينادي: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر، أدرك أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه"، وأردف رجلًا ينادي بهنَّ"؛ رواه الخمسة.

قال الشوكاني: وقد أجمع العلماء على أن من وقف في أي جزء كان من عرفات، صحَّ وقوفه، ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عرنة، وليست هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم[5]؛ انتهى.

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نحرتُ ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف"؛ رواه أحمد ومسلم وأبو داود، ولابن ماجه وأحمد أيضٍا نحوه، وفيه: كل فجاج مكة طريق ومنحر.

وعن أسامة بن زيد قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى؛ رواه النسائي.

قال الموفق: والمستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبل القبلة؛ لما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القِبلة"؛ انتهى.


تتمة:
ما يفعله العوام من استقبال عرفة واستدبار القبلة عند الدعاء بدعة مخالفة للسنة، ولا أعلم لذلك أصلًا من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا قول من يقتدي به، وبالله التوفيق.


[1] صحيح البخاري: (2 /200).

[2] فتح الباري: (3 /518).

[3] فتح الباري: (3 /519).

[4] بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار: (3 /56).

[5] نيل الأوطار: (2 /117).