باب جواز التمتع


الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح







عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك، أهلَّ بهما جميعًا.

ورواه البخاري أيضًا من حديث مروان بن الحكم.

ورواه مسلم أيضًا من حديث عبدالله بن شقيق.



وعند مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصةً، وفي رواية: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصةً، يعني متعة النساء ومتعة الحج.



عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، قال رجل برأيه: بعدُ، ما شاء.



وفي رواية لمسلم: وقد كان يسلم علي حتى اكتويت، فتُركت، ثم تركت الكي فعاد.



تخريج الأحاديث:

حديث سعيد بن المسيب رحمه الله أخرجه مسلم، حديث (1223)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب التمتع والقران والإفراد بالحج...."، حديث (1569)، وأخرجه النسائي في "كتاب مناسك الحج"، "باب التمتع"، حديث (2732).



أما حديث أبي ذر رضي الله عنه، فأخرجه مسلم، حديث (1224)، وانفرد به عن البخاري، وأخرجه النسائي في "كتاب مناسك الحج"، "باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي" حديث (2808)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب المناسك"، "باب من قال: كان فسخ الحج لهم خاصة"، حديث (2985).



أما حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه، فأخرجه مسلم، حديث (1226)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب التمتع في عهد رسول الله" حديث (1571)، وأخرجه النسائي في "كتاب مناسك الحج"، "باب القران" حديث (2725).



شرح ألفاظ الحديث:

((بعسفان)): عسفان موضع بين الجحفة ومكة المكرمة، وهي قرية تبعد عن مكة ثمانين كيلومتر، وسميت عسفان لتعسف السيل فيها؛ [انظر معجم البلدان (4/ 122)].



((دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك))؛ أي: في إظهار الرأي والاجتهاد في هذه المسألة وإشاعة العلم.



((فلما أن رأى علي ذلك، أهلَّ بهما جميعًا))؛ أي: أهل علي رضي الله عنه بالعمرة والحج جميعًا، وظاهر هذا أنه قران ويسمى القران تمتعًا؛ لأن القارن يتمتع بترك أحد السفرين، فهو يأتي بالعمرة والحج في سفر واحد، وعثمان رضي الله عنه في حديث الباب كان ينهى عن المتعة، وكذلك الجمع بين العمرة والحج، وكل ذلك ترغيبًا للإفراد كما فعل عمر رضي الله عنه، ولذا جاء في رواية البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليًّا رضي الله عنهما وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فيحتمل أن النهي عن المتعة والقران، ويحتمل أنه على المتعة فقط، والله أعلم.



((كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصةً)): المقصود بذلك وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم بيانه، وأن المقصود بالخصوصية هو وجوب فسخ الحج إلى العمرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، وأما غيرهم فليس واجبًا وإنما مندوبًا، وهذا هو معنى الخصوصية ومثله الرواية الأخرى لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، فجواز متعة النساء كانت خاصة لهم في ذلك الزمن، ووجوب فسخ الحج إلى العمرة في تلك الحادثة إنما خاص بهم، وأما لغيرهم فهو مندوب، والله أعلم.



((نزلت آية المتعة في كتاب الله)): المقصود بها قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: 196]، فهي دليل على جواز التمتع.



((قال رجل برأيه: بعدُ، ما شاء)): قيل إن عمران رضي الله عنه يقصد بذلك عثمان رضي الله عنه، وقيل: المقصود عمر رضي الله عنه؛ لأنه أول من نهى عن المتعة، ومن بعده كان تبعًا له، وهذا هو الأظهر والله أعلم، واختاره النووي والقرطبي وابن حجر رحمهم الله؛ [انظر شرح مسلم للنووي حديث (1226)، والمفهم (3/ 350)، والفتح المرجع السابق].



((وقد كان يسلم علي حتى اكتويت، فتُركت، ثم تركت الكي فعاد))؛ أي: فعاد السلام علي، وقد كان عمران رضي الله عنه يشتكي البواسير كما مر في كتاب الصلاة، وكان يصبر على البواسير، وكانت الملائكة تسلم عليه إكرامًا له، فلما اكتوى انقطع سلامهم، فلما ترك الكي عاد السلام عليه من الملائكة؛ [انظر شرح النووي لمسلم والمفهم للقرطبي المرجع السابق].



من فوائد الأحاديث:

الفائدة الأولى: حديث سعيد بن المسيب رحمه الله فيه نهي عثمان بن عفان رضي الله عنه عن المتعة، ويقال في النهي هنا ما قيل في نهي عمر رضي الله عنه عن المتعة، وإنما هو نهي تنزيه من أجل الترغيب في الإفراد.



الفائدة الثانية: رد علي على عثمان رضي الله عنهما، وبيان ما عنده في مسألة الحج يؤخذ منه أنه ينبغي للعالم أن يشيع ما عنده من العلم، ويظهره إذا رأى ما يخالف النص، ويناظر ولاة الأمر وغيرهم في بيانه بالتي هي أحسن، وهذا لمن قوي على ذلك مناصحة للمسلمين وبيانًا للحق بقوله وفعله، وهذا ما فعله علي مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهما؛ حيث بيَّن بقوله وأيضًا بفعله حينما أهل بهما جميعًا.



الفائدة الثالثة: سكوت عثمان عن فعل علي رضي الله عنهما، وقوله فيه دلالة على أن المجتهد لا يلزم المجتهد الآخر بتقليده، فعثمان رضي الله عنه لم يُنكر على علي رضي الله عنه اعتراضه ولم يلزمه باجتهاده.



الفائدة الرابعة: قصة أبي موسى رضي الله عنه مع عمر رضي الله عنه، وكذا علي مع عثمان وقول عمران بن الحصين رضي الله عنهم جميعًا، كل ذلك فيه دلالة على وجود الخلاف في المسائل الفرعية بين الصحابة ودخول الاجتهاد بينهم، وإنكار بعض المجتهدين على بعض، بالنص وهو الإحالة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره.




الفائدة الخامسة: حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه فيه دلالة على جواز نسخ القرآن بالقرآن لقوله: ((ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج))، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في جواز نسخ القرآن بالسنة، ودل حديث الباب على جوازه وهو الأظهر، ووجه الدلالة قول عمران بن الحصين رضي الله عنه: ((ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات))، ومفهوم هذا أنه لو نهى عنها لكان المتعة ممنوعة، وهذا نسخ حكم القرآن.




الفائدة السادسة: قول عمران بن الحصين رضي الله عنه فيه دلالة على أن المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة لا آراء الرجال.