نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام



الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح






عَنْ أَبي موسى رضي اللهُ عنه قَالَ: قَدمْتُ عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُنيخٌ بالْبَطْحَاء. فَقَالَ: «بمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بإهْلاَل النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «هَلْ سُقْتَ منْ هَدْيٍ؟» قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «فَطُفْ بالْبَيْت وَبالصفَا وَالْمَرْوَة. ثُم حِلَّ» فَطُفْتُ بالبَيْت وَبالصفَا وَالْمَرْوَة، ثُم أَتَيْتُ امْرَأَةً منْ قَوْمي فَمَشَطَتْني وَغَسَلَتْ رَأْسي. فَكُنْتُ أُفْتي الناسَ بذَلكَ في إمَارَة أَبي بَكْرٍ وَإمَارَة عُمَرَ، فَإني لَقَائمٌ بالْمَوْسم إذْ جَاءَني رَجُلٌ فَقَالَ: إنكَ لاَ تَدْري مَا أَحْدَثَ أَميرُ الْمُؤْمنينَ في شَأْن النُسُك، فَقُلْتُ: أَيُهَا الناسُ مَنْ كُنا أَفْتَيْنَاهُ بشَيْءٍ فَلْيَتئدْ، فَهذَا أَميرُ الْمُؤْمنينَ قَادمٌ عَلَيْكُمْ، فَبه فَائْتَمُوا، فَلَما قَدمَ قُلْتُ: يَا أَميرَ الْمُؤْمنينَ مَا هَـذَا الَذي أَحْدَثْتَ في شَأْن النُسُك؟ قَالَ: إنْ نَأْخُذْ بكتَاب الله فَإنَ اللهَ عَز وَجَلَ قَالَ: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، وَإنْ نَأْخُذْ بسُنة نَبينَا عَلَيْه الصلاَةُ وَالسلاَمُ، فَإنَ النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحل حَتى نَحَرَ الْهَدْيَ.

تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم حديث (1221)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي"، حديث (1559)، أخرجه النسائي في "كتاب مناسك الحج"، "باب التمتع" حديث (2737).

شرح ألفاظ الحديث:
((مُنيخٌ بالْبَطْحَاء)): أناخ البعير إذا أبركه، ومنيخ أي مضطجع، فهو أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده مضطجع، والبطحاء هي بطحاء مكة، وهي المسماة الأبطح والمحصب وتقدم بيانها، وكان قدوم أبي موسى رضي الله عنه من اليمن؛ كما دل على ذلك رواية مسلم الأخرى؛ حيث قال: "كان رسول الله بعثني إلى اليمن، فوافقته في العام الذي حج فيه"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذًا إلى اليمن في السنة العاشرة كل منهما واليًا على قسم منها، فلما علما بحج النبي صلى الله عليه وسلم، قدِمَا من اليمن.


((ثُم أَتَيْتُ امْرَأَةً منْ قَوْمي فَمَشَطَتْني)): يحمل على أنها امرأة من محارمه كما قال الكرماني، وذكر ابن حجر رحمهما الله أن المرأة زوج بعض إخوته؛ [انظر الفتح على الإحالة السابقة في البخاري].

((فَكُنْتُ أُفْتي الناسَ بذلك)): أي أفتيهم بالمتعة، وفي الرواية الأخرى عند مسلم: ((أنه كان يفتي بالمتعة)).
((مَنْ كُنا أَفْتَيْنَاهُ بشَيْءٍ فَلْيَتئدْ)): أي فليمهل في العمل بهذه الفتيا.

((إنْ نَأْخُذْ بكتَاب الله فَإنَ اللهَ عَز وَجَلَ قَالَ: ﴿ وَأَتمُوا الْحَج وَالْعُمْرَةَ لله ﴾)): ظاهر معنى استدلال عمر رضي الله عنه أن الله عز وجل أمر بإتمام الحج، وهذا دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، وعليه فإنه يستمر بالإحرام إلى فراغ الحج، وبيَّن أن الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي ألا يحل المحرم حتى ينحر هديه؛ لأن هذا هو فعله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر هديه، ولكن هذا قد أجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ولولا أني معي الهدي لأحللت))، وسيأتي توجيه كلام عمر رضي الله عنه.

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث فيه دلالة على جواز الحوالة على إحرام الغير وجواز الإحرام من غير تعيين للنسك، وتقدم بيان ذلك في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أهلَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثانية: الحديث فيه دلالة على جواز تغيير نوع النسك، ووجه ذلك أن أبا موسى رضي الله عنه أهلَّ بما أهلَّ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو القران، ولما لم يسق أبو موسى رضي الله عنه الهدي، أمرَه النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل نُسكه إلى التمتع، وتقدم بيان ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث جابر رضي الله عنهما؛ حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم أن يجعلوها متعة.

الفائدة الثالثة: الحديث فيه دلالة على فضل أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه؛ حيث كان من أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم الذين لهم الفتيا، ولذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وفي الحديث أدب أبي موسى رضي الله عنه؛ حيث توقف عن الفتيا وأحال الناس إلى من يظن أنه أعلم منه وهو عمر رضي الله عنه، فقال: ((مَنْ كُنا أَفْتَيْنَاهُ بشَيْءٍ فَلْيَتئدْ، فَهذَا أَميرُ الْمُؤْمنينَ قَادمٌ عَلَيْكُمْ، فَبه فَائْتَمُوا)).

الفائدة الرابعة: الحديث فيه دلالة على صرف عمر رضي الله عنه الناس عن التمتع واختُلف في سبب ذلك:
فقيل: إن الذي نهى عنه عمر رضي الله عنه هو فسخ الحج إلى العمرة، وأن ذلك خاص بمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام وأما بعده فيتمتع.

وقيل: إن عمر رضي الله عنه نهى عن ذلك كراهةَ أن يترفهوا بين العمرة والحج، فيطؤوا النساء، ولذا جاء في رواية مسلم الأخرى أن عمر رضي الله عنه قال: ((قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه، ولكن كرِهت أن يظلوا معرسين بهنَّ في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم)).


وقيل: إنما نهى عمر رضي الله عنه عن التمتع بشكل عام، وهو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج في نفس العام، وكره ذلك كراهة تنزيه لا امتناع، وذاك للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل واختاره النووي كما تقدم بيانه في شرح الحديث الثالث والعشرين قبل خمسة أبواب، وأن نهي عمر يحمل على النهي عن المفضول ترغيبًا في الفاضل لا نهي تحريم عن المتعة، وأن الإجماع منعقد على جواز الأنساك الثلاثة؛ [انظر الفتح المرجع السابق].

ومما يدل على أن النهي ليس للتحريم، رواية مسلم: "ولكن كرِهت أن يظلوا معرسين بهنَّ".