الرقية الشرعية: حقيقتها، فضلها، ضوابطها، أحكامها
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري


الحمدُ لله الذي خلَقَ فسوَّى، وقدَّرَ فهدى، وعَلِمَ السِرَّ والنجوى، نحمده سبحانه على حُلْو النِّعَم ومُرِّ البلوى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وله الأسماءُ الْحُسْنى، والصفاتُ العُلَى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبيُّ المصطفى، والرسولُ الْمُجْتبى، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلى آله وأصحابهِ ومَنْ لسُنَّتهِ اقتفى.




أمَّا بعد: فيا أيها الناسُ اتقو الله، واعلموا أنَّ معيار صحة الإيمان، وميزان صدق اليقين، ثلاثة براهين: الشكر على النعماء، والرِّضا بالقضاء، والصبر على البلاء، ولقد رغَّبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم في التداوي من الأمراض المختلفة، فقال: (يا عبادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فإنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ داءً إلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أوْ قالَ: دَوَاءً، إلاَّ دَاءً واحِداً، قالوا يا رسولَ اللهِ، وما هُوَ؟ قالَ: الْهَرَمُ) رواه الترمذيُّ وقال: (حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ)، ولذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوي نفسه بالرقية، وكان يأذن لغيرهِ في أن يُعالِج غيرَهُ بالرقية، فعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما قال: (لَدَغَتْ رَجُلاً مِنَّا عَقْرَبٌ ونحنُ جُلُوسٌ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ أَرْقي؟ قالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ منكُم أنْ يَنْفَعَ أخاهُ فلْيَفْعَلْ) رواه مسلم، وللرقية آداب ينبغي لمن يُعالج غيرَهُ بها أن يُراعيها.



وإذا كُنَّا نعيشُ اليوم في عصرِ تفشِّي الأمراض المستعصية -الجسدية والنفسية-، فإن الحصانةَ تكْمُنُ في الرُّقيَةِ الشرعية، تُرَبَّى عليها النفوسُ، وتُعمَرُ بها البُيوت، ويُحَصَّنُ بها الأولاد، وما انتَشَرَ القَلَقُ والاضطرابُ والأرَقُ والاكتئابُ، وكَثُرَ الْمَسُّ والسِّحرُ والعينُ إلاَّ لَمَّا غَفَلَ كثيرٌ منَ الناسِ عن الله، وأهمَلُوا أنفسهم عن الحصانةِ الشرعيَّةِ.



فما هي الرُّقية؟ وما حُكْمُها؟ وما حكم التداوي؟ وهلِ الرُّقية تُنافي التوكُّل؟ وهل هيَ على التوقيف؟ وما ضوابطُهَا العامَّة؟ وما ضوابطُها للرَّاقي وللمَرْقِي؟ وحُكم التفرُّغ لها وفتح عياداتٍ لَها؟ وأخذ الأُجرةِ عليها؟ وما هي المخالفات والبدع الْمُتعلِّقةِ بالرُّقَى والرُّقاة؟.



أيها المسلمون: أما عن تعريف الرُّقية: قال ابنُ الأثير: (الرُّقْيَةُ: العُوْذةُ التي يُرْقَى بها صَاحِبُ الآفَةِ، كالْحُمَّى والصَّرَعِ وغيرِ ذلكَ من الآفَاتِ) انتهى.




وقال العَدَويُّ: (هيَ الْعُوْذَةُ بضَمِّ الْعَيْنِ، ما يُرْقَى بهِ من الدُّعاءِ لطَلَبِ الشِّفَاءِ) انتهى.




ولقد اتفَقَ الفُقَهاءُ على إباحةِ التداوي، قال الْمَرغيانيُّ: (التداوي مُباحٌ بالإجماعِ) انتهى، واستحبَّهُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وعامَّة الخَلَفِ كما قالَهُ النوويُّ، وذهبَ بعضُ الحنابلةِ إلى وُجُوبهِ، وقيَّدهُ الباقون بما إن كان يخشى الموت بتركه، أو هلاكاً أو شِدَّةِ الأذى، أو ظنِّ التَّلَفَ إنْ تَرَكَهُ، وذهَبَ الإمامُ أحمد بن حنبل إلى أن تركَ التداوي أفضل اتكالاً على الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيثُ قال: (والتَّدَاوِي غيرُ واجبٍ ومَنْ نازَعَ فيهِ: خَصَمَتْهُ السُّنَّةُ في الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ التي خَيَّرَها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ الصَّبْرِ على البَلاءِ ودُخُولِ الجنَّةِ وبينَ الدُّعاءِ بالعافيَةِ، فاختارَت البَلاءَ والجنَّةَ، ولو كانَ رَفْعُ الْمَرَضِ واجباً لم يكُنْ للتَّخْييرِ مَوْضِعٌ) انتهى.




وأمَّا حُكمُ الرُّقية: فقد قال الحافظُ ابنُ حجر: (قدْ أجْمَعَ العُلَمَاءُ على جَوَازِ الرُّقَى عندَ اجتماعِ ثلاثةِ شُرُوطٍ: أنْ يكونَ بكلامِ اللهِ تعالى أوْ بأسمائهِ وصِفاتِهِ، وباللِّسَانِ العَرَبيِّ أوْ بما يُعْرَفُ معناهُ من غيرِهِ، وأنْ يُعتقَدَ أنَّ الرُّقْيةَ لا تُؤَثِّرُ بذاتها بلْ بذاتِ اللهِ تعالى) انتهى، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا، و(عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: كُنَّا نَرْقي في الجاهليَّةِ، فقُلْنا يا رسولَ اللهِ: كَيْفَ تَرَى في ذلكَ، فقالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بأْسَ بالرُّقَى ما لمْ يَكُنْ فيهِ شِرْكٌ») رواه مسلم، و(عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا اشْتَكَى يَقْرَأُ على نَفْسِهِ بالْمُعَوِّذاتِ ويَنْفُثُ، فلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عليهِ وأَمْسَحُ بيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِها) رواه البخاريُّ، وعنها رضيَ اللهُ عنها قالت: (كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أهْلِهِ نَفَثَ عليهِ بالْمُعَوِّذاتِ) رواه مسلم، وعنها رضيَ اللهُ عنها قالت: (كانَ إذا اشْتَكَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رَقَاهُ جبْرِيلُ، قالَ: باسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، ومِنْ كُلِّ داءٍ يَشْفِيكَ، ومِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ، وشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ) رواه مسلم، وعنها رضيَ اللهُ عنها: (كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا اشْتَكَى مِنَّا إنسانٌ مَسَحَهُ بيَمينهِ ثمَّ قالَ: «أَذْهِبِ الباسَ رَبَّ الناسِ، واشْفِ أنتَ الشَّافي، لا شِفاءَ إلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَمَاً»، فلَمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وثَقُلَ، أَخَذْتُ بيَدِهِ لأَصْنَعَ بهِ نَحْوَ ما كانَ يَصْنَعُ، فانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثمَّ قالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لي واجْعَلْني مَعَ الرَّفِيقِ الأعلَى»، قالتْ: فذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فإذا هُوَ قدْ قَضَى) رواه مسلم، وعنها رضيَ اللهُ عنها قالت: (أَمَرَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أوْ أَمَرَ أنْ يُسْتَرْقَى منَ العَيْنِ) رواه البخاري، و (عن أُمِّ سَلَمَةَ رضيَ اللهُ عنها: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رَأَى في بَيْتِها جاريَةً في وَجْهِهَا سَفْعَةٌ - أي صُفْرَةٌ - فقالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا، فإنَّ بهَا النَّظْرَةَ») رواه البخاري ومسلم، أي: أصابتها عَيْنٌ، (وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأَسْمَاءَ بنتِ عُمَيْسٍ: «ما لي أَرَى أَجْسَامَ بَني أَخِي ضَارِعَةً - أي نحيفةً - تُصِيبُهُمُ الحَاجَةُ»، قالتْ: لا، ولَكِنِ العَيْنُ تُسْرِعُ إليهِمْ، قالَ: «ارْقِيهِمْ»، قالتْ: فَعَرَضْتُ عليهِ، فقالَ: «ارْقِيهِمْ») رواه مسلم.




فدلَّت هذه النصوص على جواز الرقية، سواءً لدفع البلاء قبل وقوعه، أو لرفعه بعد وقوعه.



أَلاَ وإنَّ من صفاتِ الذين يدخلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ أنهم لا يطلبون الرُّقيةَ من أَحَدٍ لِعِظَمِ توكُّلِهم على اللهِ تعالى، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (يَدْخُلُ الجنَّةَ من أُمَّتي سَبْعُونَ أَلْفاً بغيرِ حِسابٍ، قالُوا: مَنْ هُمْ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «هُمُ الذينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم، وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (مَنْ اكْتَوَى أو اسْتَرْقَى فقدْ بَرِئَ مِنَ التَّوكُّلِ) رواه الترمذيُّ وقال: (حَسَنٌ صحيحٌ)، فرُقْيَتُكَ لنفسِكَ مشروعةٌ، ورُقيَتُكَ لغيرِكَ فَضْلٌ منكَ وإحسان، وطلبُكَ الرُّقيةَ مكروهٌ قادحٌ في التوكُّلِ، وقدْ رَقَى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ نفْسَه، ورَقَى غيرَهُ، ولم يطلب الرُّقيةَ من أَحَدٍ، وحالُهُ أكملُ الأحوالِ.




وهل الرقية على التوقيف؟ نعم، إن الرقية توقيفية من وجه، وهو أن تكون بالقرآن، وما ثبت من التعاويذ النبوية، ولا يلزم الاقتصار على ما وردت الإشارة إليه من السور والآيات الكريمة، والرُّقى النبوية، فتجوز الرُّقية بما لم يرد مادام أنه من القرآن والتعاويذ السليمة؟ وقد تقدَّم قولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (لا بأْسَ بالرُّقَى ما لمْ يَكُنْ فيهِ شِرْكٌ) رواه مسلم.




ولتعلم أخي المسلم أنَّ للرُّقية الشرعية ضوابط عامة، وهي: أولاً: سلامةُ الاعتقاد، وتصحيح الأعمال القلبية، ثانياً: إخلاص النية وسلامة المقصد، ثالثاً: صدق التوكل على الله والاعتماد عليه، رابعاً: اعتقاد طالب الرُّقيةِ أن النفعَ والضُّرَ بيد الله، خامساً: الإقبالُ على اللهِ مع التوبةِ النصوح، والتخلص من المعاصي والآثام والمظالم، سادساً: العمل بالقرآن الكريم وتدبر ألفاظه، سابعاً: الدُّعاءُ وأثره العظيم في الرُّقية.



وأمَّا الضوابط الشرعية للراقي، فهي:

أولاً: أن يكون الراقي مسلماً، ثانياً: أن يكون الراقي عدلاً في دينه، ثالثاً: أن يعتقد الراقي أن الله هو الشافي، رابعاً: أن يكون الراقي عالِماً بطُرُقِ الْمُعالجةِ بالرُّقيةِ الشرعية.



وأما حكم أخذ الأجرة على القرآن والرقية به وبالأذكار: فقد اتفقَ الفقهاءُ على جوازِ أخذِ الْجُعْلِ على الرُّقيةِ بالقرآنِ وبالأذكارِ، حيثُ أقرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أبا سعيدٍ على أخذ الْجُعْلِ على رُقْيتهِ لرَجُلٍ لديغٍ بسورةِ الفاتحةِ، فقال: (وما كانَ يُدْرِيهِ أنها رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي بسَهْمٍ) رواه البخاري ومسلم، وفي روايةٍ: (إنَّ أَحَقَّ ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجْراً كِتَابُ اللهِ) رواه البخاري، مع التذكيرِ بأنَّ الأصلَ هو الاحتسابُ وعدم أخذ الأُجرة، وإذا كان الراقي مَيْسُورَ الحالِ فليتركِ الأخذَ من بابِ الاحتياط، وإذا كان مُحتاجاً للأخذِ للنفقةِ على عيالهِ ومَنْ يَعُولُهم فليكن بقدرِ الحاجةِ وعدم استغلال ظروف المرضى وحاجتهم.



فإذا عُلِمَ ذلك: فما حُكْم التفرُّغ للرُّقيةِ، واتخاذها مهنة؟ ذهَبَ بعضُ العلماءِ إلى منع ذلك، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفاؤه الراشدون ومن بعدهم لم ينصبُوا أحداً لِرُقيةِ الناس، كما نصَبُوا القضاة والمعلِّمين والدُّعاة وغيرهم، والتفرُّغ للرُّقية هو كالتفرُّغ للدُّعاء، فلم يرد عمَّن أخبرَ عنهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنهم من مستجابي الدَّعوة كعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص والبراء بن مالك وسعيد بن زيد والعلاء بن الحضرمي وأويس القرني وغيرهم أنهم تفرَّغُوا للدُّعاء للناس، ولم يُؤثر عن المسلمين أنهم تزاحموا على أبوابهم لطلب الدُّعاء لمرضاهم مع الحاجة إلى ذلك، ولِما يُؤدِّي ذلك إلى إدخال العُجب في قلب المتفرِّغ للرُّقية، وخوفاً على عقائد الناس عند رؤية الازدحام على أبواب المتفرِّغين للرُّقية وخاصة الرُّقى الْجَمَاعيَّة.



وذهَبَ البعضُ إلى الجوازِ إذا كانوا تحتَ إشرافِ ومتابعةِ أهلِ العِلْمِ والْحِسْبةِ والجهاتِ المسؤولة.



الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدُهُ ورسولُهُ.




أمَّا بعدُ: (فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخيرُ الْهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ بدعَةٍ ضَلالَةٌ)، و (لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ).




أيها المسلمون: ومما ينبغي توافره في الْمَرْقِي: أولاً: أن يعتقد الْمَرْقي أن الشافي هو الله، ثانياً: صيانة الْمَرْقي للرُّقية عن الإهانة، ثالثاً: أن يبتعد الْمَرْقي عن الْمعاصي، قال ابنُ القيِّم: (ومِنْ أعظَمِ عِلاجاتِ الْمَرَضِ: فِعْلُ الخيرِ والإحسانُ والذِّكْرُ والدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ والابتهالُ إلى اللهِ والتَّوبةُ، ولهذهِ الأُمُورِ تأثيرٌ في دَفْعِ الْعِلَلِ وحُصُولِ الشِّفاءِ أعظَمُ من الأدويةِ الطَّبيعيَّةِ، ولكِنْ بحَسَبِ استعدادِ النَّفْسِ وقَبُولِها وعقيدتِها في ذلكَ ونَفْعِهِ) انتهى، رابعاً: على الْمرقي الإيمان بالقضاء والقدر والصبر والاحتساب.



وعلى المسلمِ أن يحذرَ من الْمُحدثات والمخالفات المتعلقة بالرُّقى، ومنها: أولاً: بلع مكتوب القرآن، وقد صرَّح العز بن عبد السلام رحمه الله بتحريم بلع قُرطاسٍ كُتبَ فيه قُرآنٌ لملاقاته النجاسة، ثانياً: كتابة الآيات على جسم المريض، ثالثاً: تخصيص رُقىً ليس لها أصلٌ شرعيٌّ، كتخصيص سور وآيات مُعيَّنة لأمراضٍ مُعيَّنة، وبأعدادٍ وأوقاتٍ لم ترد في الكتاب والسنة، رابعاً: توسد الرُّقية من القرآن، وقد اتفق أهل العلم على المنع من توسُّدِ المصحف، لأنَّ فيه إذلالاً وامتهاناً لكلام الله، خامساً: اعتقاد مشروعية الرُّقية بالتجارب، قال ابنُ تيمية: (فَحُصُولُ الغَرَضِ ببَعْضِ الأُمُورِ لا يَسْتَلْزِمُ إباحَتَهُ وإنْ كانَ الْغَرَضُ مُباحاً، فإنَّ ذلكَ الفِعْلَ قدْ يكونُ فيهِ مَفْسَدَةٌ راجحةٌ على مَصْلَحَتِهِ) انتهى، وقال الشيخ عبدالرحمن الْمُعلِّمي: (إن الاستناد إلى التجربةِ ليسَ حُجَّةً ولا شِبهَ حُجَّة، ولم يَقُل بأنه حُجَّةٌ أحدٌ من سَلَفِ الأُمَّةِ ولا أحَدٌ من الأئمةِ والعلماء الراسخين) انتهى، سادساً: تعليق التمائم، سابعاً: تعليق الآيات القرآنية على الجدر للرُّقية، ثامناً: الوقوع في المحرمات الشرعية عند الرقية كالخلوة بالمرأة، ولَمْس النساء، تاسعاً: تعلق المرضى والمحتاجين بالرُّقاة، قال الإمام ابنُ تيمية: (فالرَّجُلُ إذا تَعَلَّقَ قلْبُهُ بامرأةٍ ولو كانتْ مُباحةً لهُ يَبْقَى قَلْبُهُ أسيراً لَهَا تَحْكُمُ فيهِ وتَتَصَرَّفُ بما تُرِيدُ؛ وهوَ في الظَّاهِرِ سَيِّدُها لأنهُ زَوْجُهَا، وفي الحقيقَةِ هوَ أسيرُها ومَمْلُوكُها لا سِيَّما إذا دَرَتْ بفَقْرِهِ إليها وعِشْقِهِ لَها، وأنهُ لا يَعتاضُ عنها بغيرِها، فإنها حينئذٍ تَحْكُمُ فيهِ بحُكْمِ السَّيِّدِ القاهرِ الظالمِ في عَبْدِهِ الْمَقْهُورِ) انتهى، عاشراً: ومِنْ أعظَمِ الفِتَنِ والمفاسد أيضاً أنها فتحت باباً للمشعوذين والدجالين الذين يُمارسون هذه المهنة بأنواع الدجل والشرك والاستعانة بالجن والشياطين، إلى غير ذلك من أساليبهم وخرافاتهم، مما يزيد في صدِّ الناس عن الحقِّ، ويَحملهم على التعلُّق بالشركيات والخرافات، طلباً للاستشفاء ورفع البلاء.



قال الإمام البربهاري: (واحذر صغارَ الْمُحدَثاتِ من الأُمورِ، فإنَّ صغيرَ البدع يعودُ حتى يَصيرَ كبيراً، وكذلك كُلُّ بدعةٍ أُحدثت في هذه الأُمةِ، كان أولُها صغيراً يُشبهَ الحق، فاغترَّ بذلك من دخلَ فيها، ثم لم يستطيعَ الخروجَ منها، فعَظُمَ وصارت ديناً يُدان بها، فخالفَ الصراط المستقيم) انتهى، ويقول الإمام ابن تيمية: (فالبدَعُ تكونُ في أوَّلِها شِبْراً، ثم تَكْثُرُ في الاتِّباعِ حتى تَصيرَ أذْرُعَاً وأمْيَالاً وفراسِخَ) انتهى.




ألا وإنَّ من الْمُحدثاتِ والبدع: الاحتفال بمولد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلمَّ في الثاني عشر من هذا الشهر، وأول من أحدثه: هم بنو عُبيد القدَّاح الذين يُسمُّون أنفسهم كذباً وزوراً بالفاطميين، فهم أوّل من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي حيث أرادوا إشغال الناس بالْمُحدَثات لأنه أسهل طريق لإماتة السنة، وكان دخولهم مصر سنة 362، فالاحتفال بالموالد عموماً ومولد النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خصوصاً، إنَّما ظهرت في عهدهم الذي انتهى سنة 567، ولم يسبقهم أحدٌ إلى ذلك كما ذكر ذلك المقريزي، وإذا كان المراد من إقامة الاحتفال بالمولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيه، فإن المعقول والمنقول يُحتِّم أن يكون الشكر من نوع ما شكَرَ الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ربَّه سبحانه به، وهو الصوم، وعليه فلنصم كل يوم اثنين كما صام صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعن أبي قتادة قال: (سُئِلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن صَوْمِ يومِ الاثنينِ، قالَ: ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ، ويومٌ بُعِثْتُ أوْ أُنْزِلَ علَيَّ فيهِ) رواه مسلم، واللهُ سبحانهُ وتعالى يقول: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، ويقولُ تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1]، ونبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (منْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليهِ أَمْرُنَا فهُوَ رَدٌّ) متفق عليه.