حديث: اذبح ولا حرج


الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج"، وقال الآخر: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".

قوله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع)؛ أي: بمنى، فجعلوا يسألونه.

قال البخاري: باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، وذكر الحديث وفي لفظ: أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "افعل ولا حرج" لهنَّ كلهنَّ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج"، وفي رواية: "وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته"، فذكر الحديث، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج.

قال الحافظ: (وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال؛ لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها في حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى)[1].

قوله: (فقال رجل: لم أشعر)؛ أي لم أفطن، ولمسلم: لم أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل أن أرمي، وقال آخر: لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، ولمسلم: إني حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضت إلا البيت قبل أن أرمي.

قال البخاري: باب الذبح قبل الحلق، وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أربع، قال: لا حرج، قال: ذبحت قبل أن أرمي قال: لا حرج.

ثم ذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه وفي آخره قول عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله[2].

قال الحافظ: (قوله: باب الذبح قبل الحلق، أورد فيه حديث السؤال عن الحلق قبل الذبح، ووجه الاستدلال به لما ترجم له أن السؤال عن ذلك دال على أن السائل عرف أن الحكم على عكسه، قال: ومطابقة حديث أبي موسى للترجمة من قول عمر فيه لم يحل حتى بلغ الهدي محله؛ لأن بلوغ الهدي محله يدل على ذبح الهدي، فلو تقدم الحلق عليه لصار متحللًا قبل بلوغ الهدي محله، وهذا هو الأصل، وهو تقديم الذبح على الحلق، وأما تأخيره فهو رخصة)[3].

قوله: (فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج").

قال البخاري: باب إذا رمى بعد ما أمسى، أو حلق قبل أن يذبح ناسيًا، أو جاهلًا، وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج، وفي لفظ: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأَل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت، فقال: لا حرج.

وقال البخاري: باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار، وذكر حديث عبدالله بن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة وهو يُسأل، فقال رجل: يا رسول الله، نحرت قبل أن أرمي، قال: ارمِ ولا حرج، قال آخر: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر، قال: "انحر ولا حرج"، فما سئل عن شيء قدِّم، ولا أخِّر، إلا قال: "افعل ولا حرج"[4].

قوله: باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار.

قال الحافظ: (مراده أن اشتغال العالم بالطاعة لا يمنع من سؤاله عن العلم ما لم يكن مستغرقًا فيها، وأن الكلام في الرمي وغيره من المناسك جائز، قال: وفيه أن سؤال العالم على قارعة الطريق عما يحتاج إليه السائل لا نقص فيه على العالم إذا أجاب، ولا لوم على السائل)[5].

قال الحافظ:
قوله: (اذبح ولا حرج)؛ أي: لا ضيق عليك في ذلك.

وقال الحافظ أيضًا: وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة.

وفي حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمنى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى فنحر، وقال للحلاق: "خذ"، ولأبي داود: "رمى ثم نحر ثم حلق"، وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب.

قال الحافظ: واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما قاله ابن قدامة في المغنى، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.

وقال القرطبي: روي عن ابن عباس ولم يثبُت عنه أن من قدم شيئًا على شيء، فعليه دم وبه، قال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن والنخعي، وأصحاب الرأي.

قال الحافظ: (وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع، وقال القرطبي: قال وذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: لا حرج فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملهما، قال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: لا حرج؛ أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا أو جاهلًا، وأما من تعمَّد المخالفة، فتجب عليه الفدية، وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيَّنه صلى الله عليه وسلم حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره، وقال الطبري: لم يسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلًا أو ناسيًا، لكن يجب عليه الإعادة والعجب ممن يحمل قوله: ولا حرج على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج، وأما احتجاج النخعي ومن تبِعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196]، قال: فمن حلق قبل الذبح أهراقَ دمًا عنه؛ رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، فقد أجيب بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتم ذلك لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا.

قوله: (فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدِّم ولا أخرِّ، إلا قال: "افعل ولا حرج").

قال الحافظ: في رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها، إلا قال: "افعلوا ذلك ولا حرج"، واحتج به وبقوله في رواية مالك: لم أشعر بأن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل، لا بمن تعمد، قال صاحب المغني: قال الأثرم عن أحمد إن كان ناسيًا أو جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عالِمًا، فلا لقوله في الحديث: لم أشعر، وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبًا لَما سقط بالسهو؛ كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك، فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف؛ أي: طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم ولا لغيره، وقدم السعي قبل طواف الإفاضة، أجزأه؛ أخرجه عبدالرزاق عن ابن جريج عنه، وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتِّباع في الحج، وأيضًا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا، لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي: فما سئل عن شيء ...إلخ، فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد؛ والله أعلم.

قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد: جواز القعود على الراحلة للحاجة، ووجوب اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكون الذين خالفوها لَمَّا علموا سألوه عن حكم ذلك، واستدل به البخاري على أن من حلف على شيء، ففعله ناسيًا أو جاهلًا أنْ لا شيء عليه)[6]؛ انتهى، والله أعلم.


[1] فتح الباري: (3/ 570).

[2] صحيح البخاري: (2/ 212).

[3] فتح الباري: (3/ 559).

[4] صحيح البخاري: (4/ 214).

[5] فتح الباري: (1/ 223).

[6] فتح الباري: (3/ 571، 572).