حفريات من الذاكرة: في رحاب الخزانة
عبدالله الكديوي





كنت في بداية حياتي العلمية - وأقصد هنا على وجه التحديد مرحلة الإعدادية؛ حيث التغير الجذري في نمط الدراسة، ونمط التفكير - قد أُولعت بالخزانة المدرسية ولعًا شديدًا؛ ذلك أنني وجدت فيها ضالتي التي كنت أحلُم بها منذ صغري، ووجدت أيضًا فيها ما كان يحدثني والدي عنه؛ مثل المكتبات وسَعتها، وكثرة الكتب فيها، وعن الكتاب ومكانته العالية، فكنت أذهب إليها في السنة الأولى والثانية من سلك الإعدادي بشكل متكرر، وكان القائم على شؤون الخزانة يلحظ هذا، وحدث ذات مرة أن استوقفي عند دخولي المكتبة؛ وقال لي: أنت تتردد على الخزانة كثيرًا في الصباح والمساء، هل تحضر حصصك أم لا؟
قلت: نعم أحضر.
قال لي: تعال معي إلى المدير حتى نتأكَّد!
قلت له: هيا بنا، وكنت معتزًّا بنفسي.

دخلنا قاعة المدير، ولعلمكم كان المدير قاسيًا جدًّا، وكنا نخافه جدًّا، بدأ الأستاذ المشرف على الخزانة الحديث مخاطبًا المدير: هذا التلميذ يحضر دائمًا إلى الخزانة صباحًا ومساءً، وأريد أن أتأكد من حضوره الحصص!
خاطبني المدير: بُني، هل تحضر حصصك؟
قلت: نعم.
قال لي: في أي فصل؟
قلت: السنة الأولى إعدادي، الفصل 7.
نظر إلى جدولة الحصص، ثم قال لي: رضي الله عنك، نحن نريد تلاميذ أمثالك، فهم فخر لنا.

ثم غادرنا قاعة المدير، وتوجهنا إلى الخزانة من جديد، لا أذكر هل قال لي المشرف على الخزانة حينها شيئًا أم لا؟
لكني كنت منشغلًا حينها ولا زلت منشغلًا حتى هذه اللحظة، وانشغالي هو الذي دفعني لأكتب هذه السطور، وقد تردد في نفسي سؤال أشبهُ بترددي الدائم على تلك الخزانة: أما كان الأولى بالأستاذ أن يقوم بالتحري عني وعن حصصي، ويسأل الحراس عن سلوكي وغيابي؟ أما علِم أن تعامله ذاك قد يجعلني أنفِر من الخزانة؟ وبالأحرى ألم يجد في نفسه أي حرج وهو يقوم بهذا الأمر علنًا وبدون خجل؟

رغم ما أحسست به وقتئذ من قلة احترام وتقدير من السيد المشرف، فإني كنت دائمًا أحضر إلى هذه القاعة التي بهرني سحرها، فكنت أصطحب معي دفتري الأخضر - وبالمناسبة لا زلت أحتفظ به في صندوق الذكريات - وكنت أدوِّن فيه ما أقرأه في شتى العلوم، أحيانًا في التاريخ - القرطاجيون مثلًا - وأحيانًا في التربية الإسلامية - تعريف السور مثلًا - وأحيانًا مقتطفات من كتب كانت تعجبني عناوينها وموضوعاها، استمر الأمر على هذا الحال مدة من الزمن، وما إن انتهت السنة الدراسية - أقصد الصف الأول الإعدادي - حتى انشغلت عن القراءة باللعب وغير ذلك مما أملته الظروف عليَّ، ثم ولَّى الصيف وأقبل العام الجديد، فالتحقتُ مرة أخرى بالخزانة بنفس الشغف، غير أن هذا الشغف لن يطول، فقد بدأت العزيمة تفتر، وتنقص مع جاذبية أشياء أخرى، تمثلت في قهوة الإنترنت (Cyber)، وبلاي ستيشن (PlayStation)، فكنت أخبر والدي دائمًا أن الحصص مكثفة، وأني أذهب إلى الخزانة للمطالعة والقراءة، غير أني كنت أذهب أنا وصديق لي اسمه زكرياء إلى الإنترنت للعب والمرح، وطال العهد بنا ونحن على هذا الحال، حتى أصبح شيئًا مألوفًا لدي أنا وصديقي، ومألوفًا لدى والدي.

كان لا بد من حدوث شيء يغير هذه العادة، وقد تمثل ذلك في هذا الذي سأحكيه لكم:
خرجتُ كعادتي يومًا أنا وصديقي من الإعدادية، وتوجَّهنا نحو مكاننا المعلوم، جلسنا وبدأنا اللعب، غير أن نفسي اشتهت زجاجة مشروب غازي، أتيت بالقنينتين وأخبرت صديقي أن هذا اليوم لن يمر بسلام، وأن هذا اليوم يوم غير عادي، فقد شعرت في قرارة نفسي أن شيئًا ما سيحدث.

انتهت الساعتان، وذهب صديقي في طريقه إلى منزله، وتوجهت أنا نحو مقهى والدي، وصلت وأنا هادئ، كعادتي، أحمل محفظتي وكأني خرجت للتوِّ من الفصل.

سألني والدي: هل خرجت على الساعة السادسة؟
قلت: (قلت في نفسي: لِمَ سألني؟ لكن قلت: ما هو إلا سؤال هكذا فحسب)، فأجبته: نعم.
فسألني مرة أخرى: وأين كنت؟
قلت: في الخزانة، أطالع أنا وصديقي.
قال: ألم تكن الخزانة مغلقة اليوم، أليس اليوم يوم السبت؟
قلت: (وقد علمت أن أمري كشف، وأن ما جال في صدري وأنا أرتشف المشروب الغازي البارد قد تحقَّق)، لا أدري.

قال: قد جاء والد صديقك، وهو الذي أخبرني أن الخزانة لم تكن تعمل هذا المساء، نظر إليَّ وقال: أرجو ألا تكرر هذا الفعل مرة أخرى.


علمتُ بعدها أن والد صديقي ذهب ليسأل عن ابنه وسلوكه، فأخبره الحارس أن ابنه لا يدرس هذا المساء، ولعلمكم لم تكن آخر مرة أذهب فيها، غير أني أصبحت أختار أوقاتًا لا يشك فيها والدي، فقد كنت مدمنًا حينها يصعب عليَّ أن أنتزع حب الألعاب الإلكترونية من قلبي انتزاعًا، وحتى أخبركم أيضًا بسرٍّ وأرجو ألا تخبروا أحدًا: قد فشِلت في تلك السنة، ورسبت، وعدتُ السنة مرة أخرى!


ما أريد أن أتساءل حوله هنا هو: لماذا لم يسأل السيد المشرف عني حينما أدرك أني لم أعُد أزور المكتبة؟ أليس الأَولى به أن يسأل عني هنا وليس هناك؟ لماذا لم يسأل عني والدي كما سأل والد صديقي؟ كيف سيكون مصيري لولا سؤال والد صديقي عن ولده؟ (انتهى).