شرح حديث أبي هريرة: ليس الشديد بالصرعة وغيره
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين




عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[1]؛ متفق عليه.

«والصرعة»: بضم الصاد، وفتح الراء، وأصله عند العرب: مَن يصرع الناس كثيرًا.

وعن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَجِدُ»، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»[2]؛ متفق عليه.

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:
هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب، والغضب جَمرة يُلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيستشيط غضبًا، ويحتمي جسده، وتنتفح أوداجه، ويحمر وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانًا، ويتصرف تصرفًا لا يعقله أيضًا.

ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أوصني قال: «لَا تَغْضَبْ»[3].

وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن الشديد ليس بالصُّرعة، فقال: «ليس الشديد بالصرعة»؛ أي: ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس، فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس: إنه شديد وقوي، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس هذا الشديد حقيقة، «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ أي: القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها، وتحكم فيها؛ لأن هذه هي القوة الحقيقة، قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب.

ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وألا يسترسل فيه؛ لأنه يندم بعده، كثيرًا ما يغضب الإنسان، فيطلِّق امرأته، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة.

كثيرًا ما يغضب الإنسان فيتلف ماله، إما بالحرق أو بالتكسير.
كثيرًا ما يغضب على ابنه حتى يضربه، وربما مات بضربه.

وكذلك يغضب على زوجته مثلًا فيضربها ضربًا مبرحًا، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان؛ لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق.

وكذلك ذكر المؤلف رحمه الله حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه في رجلين استبَّا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمرَّ وجهُه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»؛ أعوذ بالله؛ أي: أعتصم به من الشيطان الرجيم: لأن ما أصابه من الشيطان، وعلى هذا فنقول: المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه، وأن يصبر، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، فإن الوضوء يطفئ الغضب، وإن كان قائمًا فليقعد، وإن كان قاعدًا فليضطجع، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك، والله الموفق.

المصدر: شرح رياض الصالحين



[1] متفق عليه: أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (107).

[2] متفق عليه: أخرجه البخاري (3282)، ومسلم (109).

[3] أخرجه البخاري (6116).