أول منازل الآخرة
الشيخ عبدالله محمد الطوالة



الحمد لله الذي لم يخلقِ الجنَّ والإنس إلا ليعبدوه، ولا أسبغ عليهم نعمه ظاهرةً وباطنةً إلا ليحمدوه ويشكروه، ولا أنزل عليهم كتبَه ولا أرسل إليهم رسله إلا ليعرفوه ويعظموه ويوقروه، ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ﴾، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾، أحمده سبحانه وتعالى حمدَ عبدٍ يحبه ويخافه ويرجوه، ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يُسأل عما يفعل، وكل من سواه فيُسألون عما فعلوه، ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أصدق الناس قولًا، وأصحهم عملًا، وأعدلهم حكمًا، وأقومهم منهجـًا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وكل مَن على الحق اتبعوه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله؛ فالدنيا دار ممر، والآخرة دار خلود ومستقر، فتزودوا من ممركم لمقرِّكم، فقد رحل الراحلون وكما رحلوا سترحلون، وقد تركوا الأهل والأموال والديار وكما تركوا ستتركون، وقد قدمِوا على ما قدمِوا وكما قدمِوا ستقدُمون، وقد سُئلوا عن الصغير والكبير وكما سُئلوا ستُسألون؛ فجِدُّوا واجتهدوا فسيأتيكم ما توعدون، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30].

أيها الناس، جعل الله تعالى القبر برزخًا وفاصلًا بين الدنيا والآخرة، فهو انقطاع عن الأولى، وإقبال على الأخرى، وهو منزل مشترك بين الدارين؛ فمكانه في الأرض، وزمانه في الدنيا، ولكن أهله يعاملون معاملة الآخرة؛ ولذا كان القبر أول منازل الآخرة.

القبر يا عباد الله تلك الحفرة الموحِشة، الضيقة المظلمة، كم أسهرتْ لياليَ الصالحين، وكم أقضَّت مضاجعهم؛ خوفًا منها، وتفكُّرًا فيها، ودعاءً بالنجاة من عذابها!

حفرة شديدة الضيق يُوضع الميت فيها، ثم يُهال عليه التراب، فلا هواءَ ولا ضياء، ولا فسحة ولا فضاء، ليس معه إلا كفنه وعمله، وحتى الكفن يبلى، وأما العمل فيبقى.

وإن آخر لمسة يحظى بها الميت هي لمسة من يُوسِّده في لَحْدِهِ، وإن آخر نظرة تُنظر إليه هي نظرة من يضع آخر لبِنَة عليه، ثم ينقطع عن البشر، وينقطع البشر عنه، ولا يجفُّ ماء قبره وقد بقي عنده أحد، يتفرق الجميع، ويذهب الأحبة، ويقابل مصيره وحده، ويتحمل تبعِاتِ عمله بمفرده؛ إن خيرا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، فيا له من موقف يستحق الوقوف عنده طويلًا، والتفكر فيه مليًّا، والعمل له كثيرًا! موقف رهيب، موقف وصل إليه كل من مضى من أقاربنا ومعارفنا، وحتمًا ولا بد سنصير إليه، وكم من واقف على شفير قبر يتأمل حال صاحبه ويتساءل: أفرِحٌ هو بمصيره أم حزين؟ تُرى ماذا يتمنى؟ وما الذي سيفعله لو أعيد إلى الدنيا؟ فإن لم يكن هو، فلنكن نحن يا عباد الله.

أيها المؤمنون الكرام، القبور وما يجري فيها عالم عجيب يدل على قدرة الخالق جل وعلا، فهناك عوالم أخرى غير عالمنا لا ندركها بحواسنا، ولا نعلم عنها شيئًا، إلا ما أعلمنا الله عنها في كتابه، وما صحَّ من أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذا فمن لا يؤمن بالكتاب والسنة، فلا بد أن يكذب بأحوال القبر وأهواله.

ولقد دلَّت آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة على أن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، عياذًا بالله.

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ [إبراهيم: 27]، قال: نزلت في عذاب القبر))؛ [رواه الشيخان]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 124]، قال: عذاب القبر))، وقال تعالى في آل فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب ﴾ [غافر: 46]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ [الأنعام: 93]؛ يعني: في نفس اليوم الذي ماتوا فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الأنفال: 50]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما لَيُعذَّبان وما يُعذَّبانِ في كبير، أما هذا: فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا: فكان يمشي بالنميمة...))؛ [رواه البخاري]، وفي حديث البراء المشهور حين يُسئل المؤمن في قبره قال: ((فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطِيبها، قال: ويفتح له فيه مدَّ بصره))، وقال في الكافر حين يُسئل في قبره: ((فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرِّها وسمومها، قال: ويضيق عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعه)).

وقد سمع الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه من الأحاديث ما اشتدَّ معه خوفه من القبر، فعن هانئ مولى عثمان رضي الله عنهما قال: ((كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القبر أول منازل الآخرة، فإن يَنجُ منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنجُ منه، فما بعده أشد منه)).

وتأملوا يا عباد الله قولَ الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيتُ منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه))، لا إله إلا الله، فمع كثرة المناظر التي رآها رسولنا صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يقسم صلى الله عليه وسلم أنه ما رأى منظرًا قط أفظع من القبر.

ولما أخبرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عجوزين يهوديتين أخبراها بعذاب القبر، قال صلى الله عليه وسلم: ((صدقتا، إنهم يُعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم كلها، قالت عائشة: فما رأيته بعد في صلاة إلا تعوَّذ من عذاب القبر))؛ [رواه الشيخان]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تشهَّد أحدكم فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدجال))؛ [رواه مسلم].

وقد ثبت في السنة أن للقبر ضغطةً أو ضمَّة على كل ميت؛ ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للقبرِ ضغطةٌ لو نجا منها أحدٌ لنجا منها سعدُ بنُ معاذٍ)).

ومن أحوال أهل القبور أن أماكنهم في الآخرة تُعرَض عليهم وهم في قبورهم؛ ليزداد المنعَّمون فرحًا إلى فرحهم، ويزداد المعذَّبون حسرة على حسرتهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيُقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة))؛ [متفق عليه].

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أيها المسلمون، نعيم القبر وعذابه وجميع ما ورد عن أحواله يقع على الروح والجسد كليهما، وبكيفية لا يعلمها إلا الله تعالى، وإنَّ تذكُّرَ القبر وأحواله وزيارة القبور بين حين وآخر أمرٌ مهم لمن أراد حياة قلبه، وخشوعه في عبادته، وبناء آخرته؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زوروا القبور؛ فإنها تذكر بالموت))، وقيل لبعض الزهاد: "ما أبلغ العظات؟ فقال: النظر إلى محل الأموات"، ونظر الحسن رحمه الله تعالى إلى ميت يُدفَن فقال: "إن شيئًا هذا أوله، لَحَقِيقٌ أن يُخاف آخره، وإن شيئًا هذا آخره، لحقيق أن يُزهَد في أوله".

عباد الله، ولمن أراد النجاة من عذاب القبر، فهناك عدة أمور يمكن أن يفعلها، تجمعها الاستقامة على طاعة الله تعالى، واتباع هديِ رسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]، ومما ينجي من عذاب القبر الشهادة؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دَفعة من دمه، ويرى مقعدَه من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُحلَّى حليةَ الإيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه)).

ومما ينجي من عذاب القبر حفظُ وقراءةُ سورة تبارك؛ فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن سورةً من القرآن ثلاثون آيةً شفعت لرجل حتى غُفر له؛ وهي سورة تبارك الذي بيده الملك))، وليس هناك تقييد بقراءتها ليلًا أو نهارًا، وإنما المقصود أن يكون له مزيدُ عناية بها تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبرًا وقيامًا بها، لا سيما في صلواته.

ومما ينجي من عذاب القبر اجتناب الأسباب المؤدية لعذابه؛ كالكذب، والزنا، والربا، وهجر القرآن، والغيبة والنميمة؛ فقد جاء في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الطويل وفيه أن المَلَكَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((أمَّا الذي رأيته يُشقُّ شِدقُه، فكذَّابٌ يحدث بالكَذْبة فتُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق؛ فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يُشدَخ رأسه، فرجلٌ علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار؛ يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّناة، والذي رأيته في النهر آكلو الربا)).


ومما ينجي من عذاب القبر الاستعاذةُ بالله من عذاب القبر دُبُرَ كل صلاة؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)).

ومن أنفع الأسباب المنجية من عذاب القبر ما قاله الإمام ابن القيم: "أن يجلس الرجل عندما يريد النوم ساعة لله، يحاسب فيها نفسه على ما خسره وربحه في يومه ذاك، ثم يجدد له توبةً نصوحًا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزم على ألَّا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلًا للعمل، مسرورًا بتأخير أجله؛ ليستدركَ ما فاته"، ثم يقول رحمه الله: "وليس للعبد أنفع من هذه النومة".


فتوبوا رحمكم الله تعالى إلى ربكم ما دمتم في زمن الإمهال، وتقربوا إليه بما استطعتم من صالح الأعمال؛ تأمنوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، ويا ابن آدم عِشْ ما شئتَ فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، البِرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تُدان.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.