البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ومضامينها التربوية
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي



قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 6].


كل نبي بعثه الله تعالى جاء بالحنيفية السمحة، التي تؤكد على وحدانية الله جل وعلا، واجتناب كل ما يفضي إلى الإشراك به؛ من قول أو فعل، من بعيد أو من قريب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل: 36]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25].


والذي يقول به جمع من أهل العلم: إن البشارةَ بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليست من عيسى عليه السلام فقط، بل كانت من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ يقول الإمام البغوي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81]: "إن هذه الآية على أحد الأقوال في تفسيرها تعني: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأخـذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم".


وقد أشار إلى ذلك أيضًا الشيخ الشنقيطي رحمه الله عند تفسير الآية موضوع البشارة (الصف: 6) بقوله: "وقد بشَّرت به صلى الله عليه وسلم جميع الأنبياء ومنهم موسى عليه السلام، ومما يشير إلى أن موسى مبشِّرٌ به قول عيسى عليه السلام في هذه الآية: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ، والذي بين يديه هي التوراة التي أنزلت على موسى".


ولأمرٍ يريده الله تعالى، كان سيدنا محمد صلى الله عليه سلم خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فلا نبي بعده، وشريعته أفضل الشرائع وأحكمها، وكتابه أفضل الكتب وأحسنها، بل مهيمن عليها؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48].


فالقرآن الكريم هو المرجع الأخير في هذا الشأن، والـمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس ونظام حياتهم، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل، ولا قيمةَ لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير.


ومما سبق أستطيع القـول: إن البشارة تتحقق في هذه الآية بأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم سيأتي بما يحقق للناس السعادة الحقيقية، التي ينشدها كل أحد، ويضع عنهم الآصار، ويرفع عنهم الأغلال التي كانت عليهم؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157][1].

المضامين التربوية التي من خلالها يمكن أن تتحقق البشارة:
والبشارة التي في قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 6] إذا أردنا أن نحظى بشرفها وخيرهـا وسعادتها، فإن ذلك يتطلب منا عدة أمور؛ من أهمها ما يلي:
أولًا: يجب على الأمة المسلمة - أفرادًا وجماعات - أن تلتزم كل الالتزام بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة؛ فرسالته صلى الله عليه وسلم هي رسالة خاتمة؛ ولذلك فهي شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في وقتها الذي نزلت فيه، وفي المستقبـل إلى قيام الساعة، بحيث لا يضلون بعدها إن تمسكوا بها، ولا يحتاجون لغيرهـا في تدبير شؤونهم؛ مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((خلَّفتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتى، ولـن يتفرَّقا حتى يردا على الحوض))[2].


ثانيًا: غرس محبة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة منذ نعومة أظفارهم بالوسائل العلمية والتربوية المناسبة، التي يعرفها العلماء المتخصصون في الشريعـة والتربية وعلم النفس، والإعلام، والتأكيد على تقديمها على محبة الوالد والولد والناس أجمعين؛ كما ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكـون أحب إليه من والده وولده))[3].


ثالثًا: بيان أن المحبة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم تكون بإتباع منهجه وشرعه صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا؛ قـال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]، وليست محبة شكلية ظاهرها الحب، وباطنها التلوُّن والخداع والفجور والعصيان.


رابعًا: اجتناب البدع التي استُحدِثت في محبة النبي صلى الله عليه وسلم لدى بعض الطوائف المنتسبة للإسلام، والحرص على المحبة المشروعة التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وسار على نهجها السلف الصالح في القرون المفضلة.


خامسًا: على المؤسسـات التربوية على مختلف مستوياتهـا وأنواعـها: النظامية (المدارس، والكليات، والجامعات، وغيرها)، وغير النظامية (الأسرة، والمسجد، والنادي، والإعلام بكافة وسائله) - الاعتناء بغرس محبة النبي صلى الله عليه وسلم من جهة، وتعليم سيرته والالتزام بتوجيهاته أمرًا ونهيًا من جهة ثانية.


سادسًا: على المؤسسات ذات الطابع الشرعي تحديدًا العناية بتوجيه الناس وإرشادهم؛ لمجانبة وترك كل ما يخالف ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وذلك بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والحوار الهادف البنَّاء، بعيدًا عن الغلظة التي تنفر الناس؛ قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159]، وقال صلى الله عله وسلم عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: ((إن الرفق لا يكـون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع مـن شيء إلا شانه))[4].


سابعًا: إزالة الشبهات عند غير المسلمين حول شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، والذب عن عِرضه، والدفاع عنه بكل الوسائل الممكنة، وأن يتصدى لذلك علماء المسلمين ومفكروهم وحكماؤهم بالحجة والبرهان والدليل القاطع.


وكلنا قرأ وسمع ما قامت به مجموعة من الصحف في بعض الدول من إساءة صارخة لشخصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي هبَّت على إثره الدول العربية والإسلامية والأقليات الإسلامية في الدول الغربية أفرادًا وجماعات لنصرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولقد كانت هناك بفضل الله تعالى جهود عظيمة ومشرفة لأبناء الإسلام في الرد على هذه الصحف المنحرفة، وبيان الحقيقة الناصعة لسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد تم بتوفيق الله تعالى إعداد موسوعات علمية مؤصلة وإنشاء جمعيات ومواقع عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)؛ للدفاع عنه صلى الله عليه وسلم، بل إن مجموعة من علماء الإسلام ذهبوا إلى ديار تلك الصحف؛ لمحاورتهم وكشف إساءتهم الظالمة لشخصية الرسول الخاتم بالحجة والبرهان القاطع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.


وفي ختام هذا الفصل أؤكد حقيقة قرآنية عظيمة تبعث في نفوس المسلمين الأمل بأن الله تعالى ناصر نبيه وحبيبه وصفيه من خلقه حيًّا وميتًا، ويوضح هذه الحقيقة إيراد الآيات الكريمات التالية:
أولًا: قال تعالى: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137].


ثانيًا: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة: 67].


ثالثًا: قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95].


رابعًا: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: 57].


خامسًا: قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36].


سادسًا: قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 3].


كما أؤكد في الختام أيضًا أن الهجوم على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هو مما تصاب به الأمة المسلمة؛ ولكن كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216]، وقوله تعالى: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19]، وقد أورد الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره قولَ الحسن البصري رحمه الله في معنى آية (البقرة:216): "لا تكرهوا الملمَّاتِ الواقعة؛ فلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمر تحبه فيه عطبُك".


وفعلًا كما سمعنا وقرأنا عبر وسائل الإعلام المختلفة: هناك إقبال شديد على اقتناء الكتب التي تُعرِّف بالإسلام وبشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اعتنق بفضل الله تعالى كثيرون من أبناء الدول الغربية الإسلامَ، واتضحت لهم الحقيقة الناصعة عن هذا الدين العظيم وعن كمال رسولنا صلى الله عليه وسلم وسمو أخلاقه.


هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذه الأعمال أيقظت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين، وكانت سببًا مهمًّا لعودة الكثيرين من أبناء الإسلام إلى التمسك بدينهم، والاعتزاز والافتخار بنبيهم صلى الله عليه وسلم.



[1] انظر: التفسير الوسيـط، عند تفسير الآية (6) سورة الصف.

[2] السنن الكبرى للبيهقي، ج: 10، ص: 114.


[3] صحيح البخـاري، حديث رقم: (14)، كتاب: الإيمان، باب: حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان.

[4] صحيح مسلم، حديث رقم: (6602)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق.