شرح حديث: من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه .. وأحاديث أخرى
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين





عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ»[1]؛ رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ «لَا تَغْضَبْ»[2]؛ رواه البخاري.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهُ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»[3]؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.


قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:
هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر.

أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة».
الغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادرٌ على أن ينفذ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب، ولكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن؛ لأن الحزن نقص، والغضب في محله كمال؛ فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به، ولكنه ترك ذلك ابتغاءَ وجه الله، وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ؛ فله هذا الثواب العظيم أنه يُدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة، ويُخيَّر من أي الحور شاء.

وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، فردَّد مرارًا، فقال: «لا تغضب»، فقد سبق الكلام عليه.

والحديث الثالث: فهو أيضًا دليل على أن الإنسان إذا صبَر واحتسب الأجر عند الله، كفَّر الله عنه سيئاته، وإذا أُصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله، ثم صبر على ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة؛ ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، ولكن هذا إذا صبر، أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط، والله الموفق.




[1]أخرجه أبو داود (4777)، والترمذي (2021)، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (6518).


[2] أخرجه البخاري (6116).

[3]أخرجه الترمذي (2399).