حفظ النفس من الضرورات التي جاءت الشريعةُ الإسلاميةُ بها
- الانتحار من الكبائر




خالد بن عبد العال



إن حفظ النفس من الضروريات التي جاءت الشريعةُ الإسلاميةُ بها، وحثت عليها، ضمن ضروريات خمس معروفة عند أهل العلم؛ وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، فلا يجوز لمسلمٍ أن يقدم على الانتحار بسبب المرض، أو الفقر، أو المشكلات، أو غيرها؛ فإن قتل الإنسان لنفسه من الكبائر.
وقد نهى الله -تعالى- عن قتل الإنسان لنفسه مهما كانت ظروفه، وحرم ذلك تحريمًا قاطعًا لا شك فيه، قال -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} (النساء: ٢٩)، وبين النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن قتل الإنسان لنفسه كبيرة من أعظم الكبائر؛ لما فيه من الاعتراض على القدر وحكمة الله -تعالى-، وعدم الإيمان بالله وقضائه، وعدم الصبر على بلائه، وبين - صلوات الله وسلامه عليه - أن الله -تعالى- يعذب قاتل نفسه في نار جهنم بالأداة نفسها التي قتل بها نفسه، جزاءً له على فعله الشنيع.
مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ
ففي البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» ، وفي البخاري ومسلم عن جندب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
حتى المجاهد
بل هذا رجل كان يجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فجُرح، فضجر ولم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه في النار! ولم ينفعه إيمانه ولا جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ.
قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ.
قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟».
قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
كبيرة من الكبائر
فالانتحار كبيرة من الكبائر، وصاحبه تحت المشيئة؛ فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، لقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: ٤٨)، وقد روى مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟
قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-، لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُاالْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟
فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ.
قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».
الواجب على المسلم
والواجب على المسلم هو الصبر على ما أصابه، كما وعظ لقمان ابنه فَقَالَ: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ( لقمان: ١٧)، وكما وصف الله -تعالى- المخبتين من عباده بقوله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الحج: ٣٤- ٣٥)، وجاء في صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
بعلم الله وقدره
ومن الواجب على المسلم - أيضًا - أن يعلم أن ما أصابه فبعلم الله وقدره، فيرضى ويسلم لأمر الله؛ كما قال -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التغابن: ١١)، وقد روى ابن جرير الطبري وغيره بسند صحيح عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقُرِئَ عنده هذه الآية: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه}، فسئل عن ذلك، فقال: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم».
وقال ابن كثير في تفسيره: «{ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه».
اللجوء إلى الله -تعالى
وعليه أن يلجأ إلى الله -تعالى- بالدعاء، طالبًا منه الرزق والخير، ومستعيذًا به من الهموم والكروب والشرور، فهو القادر على ذلك؛ فالله يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويعطي السائل إذا سأله وناداه، وعليه مع ذلك أن يسلك الأسباب المشروعة لإزالة الهم والكرب والضيق، فما من مشكلة إلا ولها حل، وما من ضيق إلا وله مخرج.
الحياة فيها خير كثير
فلماذا نلجأ إلى إزهاق أرواحنا ونستعجل الموت من قبل أن يأتينا، مع أن الحياة خير للمسلم من الموت -إلا في فتنة الدين-، فإنه إما محسنًا فيزداد خيرًا، وإما مسيئًا فيستعتب ويتوب؛ فأما إذا مات انقطع عنه عمله، وذهب لملاقاة ربه، فيسأله عما قدم وأخر، ففي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ».، ولفظ مسلم: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلَّا خَيْرًا».
تمكين العلماء الربانيين
يجب على العلماء الربانيين أن يبعثوا الأمل في نفوس الشباب الضائع والقانط، ويأخذوا بأيديهم إلى طريق الإيمان والعلم والعمل، ويغرسوا العقيدة الصحيحة في قلوبهم وعقولهم، فيحصل لهم الوعي العقدي، ومحبة دينه ووطنه، فيبني وينفع، ولا يهدم ويجزع.