الفحولة في بيئة الشعراء: بحث في بواكير المصلح
عبد الله بنمبارك





إن من بين المصطلحات النقدية التي نجدها حاضرة وبقوة في بيئة الشعراء، والتي تفصح عن وعي نقدي واضح، مصطلح "الفحولة" ومقابلاته من نظير "الفحول" و"الفحل"، هذا المصطلح ارتبط بالأصمعي أكثر من ارتباطه بآخرين، إلا أننا نجده مستعملًا في بيئة الشعراء بقوة، فأحيانًا يوظف عن طريق المجاز، وأحيانا أخرى يوظف عن طريق الاستعارة، كما أشار إلى ذلك الدكتور الشاهد البوشيخي في كتابه: "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج"[1].

إن نسبة مصطلح "الفحولة" ومقاييس الفحولة للأصمعي، لأمر محير يجب إعادة النظر فيه، وسيتضح الأمر عندما سنسوق لك نصوصًا من صدر الإسلام توضح وتبيِّن لك هذه المقاييس، ونصبو في هذه المداخلة إلى إعادة النظر في كل الأقوال التي نسَبت هذا المصطلح للأصمعي، وجعلت محاولته في كتاب "فحولة الشعراء" أول ما كتب في نقد الشعر عند العرب، إن لحظة التأسيس لم تكن مع الأصمعي ولا مع ابن سلام، ولا مع ابن قتيبة، بل كانت مع الشعراء وهم يحتكمون للنابغة، وهم ينشدون أبياتًا ويسألون: مَن أشعرهم؟ لحظة التأسيس تبدأ من هذه المرحلة التي لقيت إهمالًا من لدن الباحثين.

قبل الشروع في جرد نصوص الشعراء، كان لزامًا علينا أن نبحث في المعاجم عن مدلول كلمة "فحل"؛ كي نوضح لك تقاطعات هذه الكلمة مع مجالات مختلفة واجتماعها في مدار معجمي واحد.

جاء في "المقاييس" كتاب الفاء، باب الفاء والحاء وما يثلثهما: "فحل: الفاء والحاء واللام أصل صحيح يدل على ذكارةٍ وقوة، ومن ذلك الفحل من كل شيء وهو الذكر الباسل"[2]، وجاء في "القاموس المحيط": "الفحل الذكر من كل حيوان ... ورجل فحيل: فحل ... وفحول الشعر الغالبون بالهجاء من هاجاهم، وكذا كل من إذا عارض شاعرًا فضَّل عليه"[3]، وجاء في "اللسان" باب اللام، فصل الفاء: "والفحول: الرواة"[4].

نستشف مما سبق أن مصطلح "الفحولة" ارتبط لدى العرب بذكر الحيوان بوصفه معنى أوليًّا، ثم انتقل لمجال الشعر، فصارت "الفحولة" بمعنى الاقتدار على قول الشعر، وصار بذلك مقياسًا للموازنة والمفاضلة بين الشعراء؛ أي: إنه انتقل من حقل الطبيعة إلى مجال النقد، لكن هل كان هذا المصطلح مستعملًا بوعي نقدي أم لا؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال تتبُّع الاشتقاقات المتعددة لهذا المصطلح، ومحاولة رصد بعض مقاييس المفاضلة فيه.


الفحول:
إذا أردنا تتبع مصطلح الفحولة واشتقاقاته، فإننا نصادف مصطلح "الفحول"، بوصفه أول اشتقاق من مصطلح "الفحولة"، "فالفحول في مجال الشعر هم المقتدرون الأقوياء على قول الشعر الجيد"[5].

لقد استعمل مصطلح "الفحول" أول ما استعمل في نظر الشاهد البوشيخي مع الحطيئة في حواره مع كعب بن زهير: "قد علمتَ روايتي شعرَ أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعًا، فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع؛ فقال كعب:
فمن للقوافي شانها من يحوكُها
إذا ما ثوى كعب وفوَّز جَرولُ
يقُول فلا يَعْيَا بشيء يقولُهُ
ومِن قَائليها من يُسيءُ ويَعملُ
كَفيتُكَ، لا تلقى من الناس واحدًا
تنخل منها مثل ما يتنخَّلُ
يُثقِّفها حتى تَلينَ مُتونها
فيقصر عنها كل ما يُتمثَّلُ"[6]

الشاهد هنا هو طلب الحطيئة من كعب بن زهير أن يمدحه كي يصير شعره متداولًا، وذلك راجع لمكانة الحطيئة باعتباره راوية لزهير والد كعب، كأن الحطيئة يجعل من المدح غرضًا رئيسًا يجب على الشاعر أن ينظم فيه كي يصير فحلًا، وألا يمدح أيًّا كان، بل يجب عليه أن ينتقي الممدوح الأنسب لضمان استمرارية شعره وتداوله.

بالإضافة إلى المدح، فقد ورد مصطلح "الفحول" في الهجاء، قال القطامي هاجيًا:
مالي أرى الناس مزورًّا فحولهم
عني إذا سمعوا صوتي وإنشادي
إلا أُخَيَّ بني الجوَّال يُوعدنِي
ماذا يريد ابن جوَّال بإيعادِي[7]

كما ورد مصطلح "الفحول" في مقابل "المقاحيم"، ويقال: شاعر "مقحم" وبعير "مقحم"، وقد جاء في اللسان أن المقحم "نعت الفحول"[8]، وقد استعيرت من حقل الطبيعة ووظفت مجازًا في أشعار العرب مثلها مثل الفحولة، ونجد مصطلح "المقاحيم"، و"مقحم" حاضرًا في الجاهلية كأقدم استعمال له، وفي صدر الإسلام يقول أوس بن حجر:
وقد رام بحري بعد ذلك طـاميًا *** من الشعراء كل عود ومقـحم[9]

ويقول الأخطل:
إذا الشعراء أبصـرتني تثعلبت *** مقاحيمها وازورَّ عني فحـولُها[10]

مَن الفحول إذًا؟ وما الشروط التي يجب أن تتوفر في الشاعر ليكون فحلًا؟


نستشف من مجموع النصوص التي ورد فيها مصطلح "الفحول" أن الشاعر لا يعد فحلًا إذا أخل بشرط من هذه الشروط:
1- شرط الاقتدار: وهو أول شرط صادفناه عندما عرفنا بمصطلح "الفحولة"، فالشاعر الفحل هو المقتدر الشجاع القوي على قول الشعر.

2- شرط التصرف في الأغراض الشعرية: وعلى رأس هذه الأغراض المدح والهجاء.
جاء في الموشح: "أخبرني محمد بن يحيى عن الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام قال: "مرَّ الفرزدق بذي الرمة وهو ينشد:
أمنزلَتَيْ ميِّ سـلامٌ عليكـما *** هل الأزمُــنُ اللائي مَضينَ رواجــعُ

فوقف حتى فرغ منها، فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ قال: أرى خيرًا، قال: فما لي لا أعد في الفحول؟ قال: يمنعك من ذلك صفة الصحاري وأبعار الإبل"[11].

وفي رواية أخرى: "عن عيسى بن عمر، قال: قال ذو الرمة للفرزدق: ما لي لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيكَ عن المدح والهجاء، واقتصارك على الرسوم والديار"[12]، أما الرواية الأخرى فقد قال فيها الفرزدق: "يقعد بك عن غاية الشعراء نعتك الأعطان والدِّمن وأبوال الإبل"[13].

نستشف من هذه النصوص أن الشاعر الفحل هو الذي ينظم في جميع أغراض الشعر، وخصوصًا المدح والهجاء لِما يحتلانه من مكانة في الشعر العربي القديم والحديث، وهنا نطرح السؤال: هل يجوز تجريد امرئ القيس من فحولته لتجافيه عن المدح والهجاء؟ نؤكد هنا أن ذلك الشاعر المقتدر الذي يعد من بين الفحول أصبح اقتداره مشروطًا.

3- شرط الاقتداء بطريق الفحول ومذاهبهم في نظم الشعر وعدم مخالفتهم، ونستدل ها هنا بنقد كثير لعمر بن أبي ربيعة ونصيب والأحوص، وقد قمنا بتلخيص النص كما أورده البوشيخي في كتابه تفاديًا للإطناب: قال كثير مخاطبًا عمر بن أبي ربيعة "يا عمر، والله والله لقد قلت فأحسنت في كثير من شعرك، ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها ثم تدعها وتشبب بنفسك، أردت أن تنسب بها، فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرَّة أهلك - أو قال منزلك - كنت قد أسأت صفتها، أهكذا يقال للمرأة؟! إنما توصف بالخفَر، وأنها مطلوبة ممنَّعة، وأنت يا أحوص، أخبرني عن قولك:
فإن تصلي أصلكِ وإن تبيني
بصَرمِكِ قبل وَصْلكِ لا أبالي
وإني للمودة ذو حفاظٍ
أواصِل من يَهشُّ إلى وصالي
وأقطع حبل ذي ملقٍ كذوبٍ
سريعٍ في الخُطُوبِ إلى انتقالِ

ويلك أهكذا يقول الفحول؟! أما والله لو كنت فحلًا ما قلت هذا لها، وقال بعضهم: أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت، هلَّا قلت كما قال هذا الأسود، وضرب بيده على جنب نُصَيب:
بزينب ألمـم قبل أن يرحل الرَّكـب *** وقل إن تَمَلِّيــنا فما ملك القلـب"[14]

نستشف من هذا النص أن كثير انتقد عمر بن أبي ربيعة والأحوص على طريقة وصفهم وتغزلهم بالمرأة؛ حيث إن المرأة لا توصف في أشعار العرب كما وصفوها، فخالفوا بذلك طريق الفحول وشرطًا من شروط الفحولة.

4- شرط الرواية: بمعنى أن الشعراء الفحول هم رواة الشعر؛ لأن بالرواية يكتسب الشاعر الدربة والممارسة، ونستحضر ها هنا الحطيئة باعتباره راوية لزهير بن أبي سلمى، فما اكتسبه من علم بالشعر من خلال الرواية جعله شاعرًا يقوى على القول، ولا يخشى ضروب الشعر، كما نستحضر هنا قول رؤبة : "الفحولة هم الرواة"[15]، وقد شرح عبدالسلام هارون هذا النص بقوله في الإحالة: "يريد الذين يرون شعر غيرهم، فيكثر تصرفهم في الشعر، ويقوون على القول".

الفحولة:
وهي كما أشرنا سابقًا مصطلح استعاره الشعراء النقاد من الطبيعة ووظفوه في نقدهم للدلالة على الشاعر الفحل المقتدر الذي لا يخشى ضروب الشعر، ويقوى على القول الجيد، ووردت في نص أشرنا إليه سابقًا ووضحناه، وهو قول رؤبة: "الفحولة هم الرواة".

الفحل:
هو مفرد الفحول والفحولة، والشاعر الفحل كما أشرنا هو المقتدر الذي يقوى على قول الشعر الجيد، وقد ورد هذا المصطلح في نص للفرزدق ذكره الأصفهاني في كتابه "الأغاني"؛ حيث نقرأ فيه: "أخبرني عبدالله بن مالك، قال: حدثنا أبو مسلم، قال حدثنا الأصمعي عن هشام بن القاسم، قال: قال الفرزدق: قد علم الناس أني فحل الشعراء، وربما أتت عليَّ الساعة لقلع ضرس من أضراسي أهون عليَّ من قول بيت شعري"[16].

نستشف من قول الفرزدق أنه قد بلغ من قول الشعر والإجادة فيه مرتبة صار فيها قادرًا على نظم الشعر بسهولة، وبالتالي فهو يعزز تعريفنا للشاعر الفحل.

كما ورد هذا المصطلح في بيت شعري له يصف فيه علقمة بالفحل، يقول فيه:
والفحل علقمة الذي كـانت له *** حلل الملــوك كــلامه لا ينحل[17]

وقد تضاربت الآراء حول تسمية علقمة بالفحل، فمنهم من يقول أن هزيمته لامرئ القيس في الموازنة التي عقدتها أم جندب هي سبب تسميته بالفحل، ومنهم من قال أن زواجه من أم جندب بعد أن طلقها امرئ القيس هو سبب التسمية، إلا أنه في كلتا الحالتين لم يلقب علقمة بالفحل إلا في العصر الإسلامي، فالشاهد البوشيخي ينفي أن يكون مصطلح "الفحولة" موجودًا في المدونة الشعرية الجاهلية.

نستشف مما سبق ذكره أن مصطلح "الفحولة" كان موجودًا وحاضرًا بقوة في المدونة الشعرية العربية قبل أن يستعمله النقاد، كما أن المقاييس التي وضعها الأصمعي وابن سلام كانت حاضرة هي الأخرى بشكل أو بآخر في المدونة الشعرية العربية.

إن مصطلح "الفحولة" كان من صنع الشعراء النقاد قبل الأصمعي وابن سلام، وإلا فكيف نجد تلك الشروط والمقاييس حاضرة في المدونة الشعرية العربية؟


[1] مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، الشاهد البوشيخي، القلم، ص79-80-81، ط1، 1993.

[2] مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر، كتاب الفاء باب الفاء والحاء وما يثلثهما، 4 /478، د.ط، د.ت.

[3] القاموس المحيط، الفيروزآبادي؛ تحقيق محمود مسعود أحمد، المكتبة العصرية، بيروت، مادة فحل، 3 /2014، د.ط، 2014.

[4] لسان العرب، ابن منظور، باب اللام، دار صادر، بيروت، 11 /518، د.ط، د.ت.

[5] مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، ص279.

[6] طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي، قرأه وشرحه محمود محمد شاكر، شركة القدس، دار المدني، القاهرة، 1 /104-105، د.ط، د.ت.

[7] ديوان القطامي، تحقيق إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب، دار الثقافة، بيروت، ص83، ط1، 1960.

[8] لسان العرب، ابن منظور، باب الميم، 12 /463.

[9] ديوان أوس بن حجر، تحقيق محمد يوسف نجم، دار بيروت، بيروت، ص123، د.ط، 1980.

[10] مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، ص180.

[11] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، المرزباني، تحقيق وتقديم: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، ص206-207، 1995.

[12] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، المرزباني، ص207.

[13] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، المرزباني، ص207.

[14] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، المرزباني، ص 196-197-198.

[15] البيان والتبيين: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق وشرح: عبدالسلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 2 /9، ط7، 1998.

[16] الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق إحسان عباس وإبراهيم السعافين وبكر عباس، دار صادر، بيروت، 21 /256، ط3، 2008.

[17] مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين، الشاهد البوشيخي، ص283.