ترطيب الأسماع والأفواه بذكر من يحبهم الله جل في علاه


الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد





إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.

الكثير من الناس عمومًا ومن المسلمين خصوصًا من يقول إنه يحب الله تعالى، ولكن المسألة الكبرى والعظمى أن تُحَبَّ، أن يُحبَّك الله، فإذا أحبك الله، اختارك واصطفاك من بين عباده.

لذلك فإن الله سبحانه وتعالى أحب من عباده الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين، نسأل الله أن نكون مع الصالحين، اللهم آمين، نسأل الله أن نكون ممن يحبهم الله سبحانه وتعالى.
واليوم الكلام عن ترطيب الأسماع والأفواه بذكر من يحبهم الله جل في علاه.

فإن الله سبحانه وتعالى يحب رسله وأنبياءه عليهم الصلاة والسلام؛ قال الله عن موسى عليه السلام: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39].

ويحب سبحانه وتعالى الصالحين من عباده ويحب أولياءه، وأول هؤلاء أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم كلُّ المهاجرين والأنصار.

وقد جاء النص في محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واختصَّ منهم عليًّا رضي الله عنه؛ فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في خبر خيبر قبل أن تُفتح (ليلة الفتح) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ((لأعطيَنَّ الرايةَ غدًا رجلًا يفتح على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فبات الناس ليلتهم أيهم يُعطَى، فغدوا - أي: بعد صلاة الصبح - كلهم يرجوه - يرجو أن يُعطى من الرسول صلى الله عليه وسلم الرايةَ التي بهذه الصفات يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله - فقال: أين علي؟ فقيل: يشتكي عينيه - أرمد، تأخر عن القتال في الخيمة؛ لأن هناك وجعًا في عينيه، فدُعيَ فجيء به - فبصق في عينيه ودعا له، فَبَرَأَ كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه - الراية - فقال علي رضي الله عنه: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ - أي: على الإسلام - فقال: انفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزلَ بساحتهم، ثم ادْعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهديَ الله بك رجلًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَمِ))؛ [متفق عليه، (خ) (3009)، (م) (2406)].

إن الله جل جلاله يحب من أحب الحَسَنين: الحسن والحسين؛ فقد جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: ((طرقتُ - أي: جئتُ مساء - النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو - ما هو بداخل هذا الشيء لا يعرفه - فلما فرغتُ من حاجتي، قلت: ما هذا الذي أنت مشتملٌ عليه؟ قال: فكشفه، فإذا حسنٌ وحسين على وَرِكَيْهِ صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهما، فقال: هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبَّهما، وأحبَّ من يحبُّهما))؛ [رواه الترمذي (3769)].

ونُشهِدُ الله أننا نحب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، والحسنين وأباهما، وأمَّهما وجدَّهما النبيَّ صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة.

إن الله سبحانه وتعالى يحب من يحب الأنصار رضي الله عنهم؛ إنهم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال البراء رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله))؛ [متفق عليه (خ) (3783)، (م) (75)].

والله جل جلاله يحب من اتصف بصفات الخير والإيمان والإحسان، ويحب ذوي الحلم والأناة؛ فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج أشج عبدالقيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة))؛ [رواه مسلم (17)]، وقال النووي: "الحِلْمُ: هو العقل، والأناة: هي التثبُّتُ وترك العجلة"؛ [تحفة الأحوذي (6/ 128)].

قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، إنه يحب التوابين من خطاياهم، والمتطهرين في أبدانهم وثيابهم وأحوالهم وشؤونهم.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]؛ الطهارة المعنوية: كالتنزُّهِ من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية: كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث؛ [تفسير السعدي (ص: 352)].

والله سبحانه وتعالى يحب الإحسان والمحسنين في عبادته سبحانه، والإحسان إلى خلقه؛ قال سبحانه: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].

والله يحب أهل الوفاء بعهودهم، وأهل القضاء لديونهم، والمتقين لله في حياتهم وشؤونهم؛ قال سبحانه: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 76].

ويحب أهل العدل والإنصاف في أهليهم وما وُلُّوا، وأهل القسط في أحكامهم ولو على أنفسهم؛ قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42]؛ أي: العادلين.

والله يحب العادلين والمقسطين في الخصومات، المناصرين للعدل والحق في المنازعات، ﴿ ... وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9].

وهو يحب أهل الصبر والمصابرة في الدعوة إلى الله؛ قال سبحانه: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].

ويحب أهل التوكل عليه، إخوةً في دين الله متراحمين، لا احتقار بينهم، ولا فظاظة ولا غلظة في القلوب، بل رحمةً ولينَ جانبٍ، وعفوًا واستغفارًا واعتذارًا من بعضنا لبعض، فبتوكُّلِنا على الله ننال محبة الله؛ قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

والله يحب أهل طاعته والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها تجلب محبة الله، فمن أعرض عن الطاعة والاتباع لا يحبه الله جل جلاله؛ قال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32].

إن الله يحب المصابرين والصابرين على أذى جيرانهم، والقائمين ليلهم، هؤلاء جمعهم حديث واحد هو حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة يحبهم الله عز وجل ويضحك إليهم، ويستبشر بهم))؛ [الترمذي (2567)]، ((رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدو مجاهدًا محتسبًا، فقاتل حتى قتل))؛ [أحمد (21530)]، والثاني: ((ورجل له جارٌ يؤذيه، فيصبر على أذاه ويحتسبه))؛ [أحمد (21530)]، ((حتى يفرِّقَ بينهما موت أو ظعن))؛ [أحمد (21340)، (21530)]؛ أي: ارتحال لأحدهما: إما موت أو سفر، والثالث: ((ورجل يكون مع قوم - أي: في سفر - فيسيرون حتى يشقَّ عليهم - ويصعب عليهم - الكرى والنعاس - أي: يُتعِبُهم النعاس من السفر - فينزلون في آخر الليل، فيقوم إلى وضوئه وصلاته))؛ [أحمد (21530)]، وفي رواية: ((والقوم يسافرون، فيطول سَراهم - أي: وقت مشيهم - حتى يُحبُّوا أن يمسُّوا الأرض، فينزلون، فيتنحى أحدهم فيصلي، حتى يوقظهم لرحيلهم))؛ [أحمد (21340)]، هم في تعب، وهو يُتعِبُ نفسه أكثر في سبيل الله، وفي رواية: ((والذي يكون في سفر، وكان معه ركب، فسهروا ونصبوا، ثم هجعوا - الهجعة: النومة في وقت من الليل - فقام في السَّحَرِ - السحر: الثلث الأخير من الليل - في سراء أو ضراء))؛ [البيهقي في الأسماء والصفات للبيهقي، 2/ 407]، وفي رواية: ((والذي له امرأة حسناء، وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيذَرُ شهوته، فيذكرني ويناجيني، ولو شاء لرقد))؛ [البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 407)]، ((ويناجيني)): يحدثه سرًّا، بينه وبينه، هذا الثالث مما يحبه الله؛ قيام الليل.

والمحافظة على فرائض الله وكثرة النوافل والمستحبات سبب لمحبة الله لعباده المؤمنين؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضت عليه - أفضل شيء وأحب شيء تقدمه لله هو أداء الفرائض، أَقِمِ الفرائض يحبك الله - قال: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته))؛ [البخاري (6502)].

كذلك مما يجلب محبة الله لعبده عيادةُ المرضى والمبتلين؛ فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مَدْرَجَتِهِ - أي: على طريقه - ملكًا - أي: في صورة رجل - فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ - أي: تقوم بإصلاحها وتنهض إليه بسبب ذلك، أو سداد حقوق - قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه))؛ [مسلم (2567)].

وكذلك الصدق في الحديث، والأمانة، وحسن الجوار من أسباب محبة الله لعباده؛ فقد جاء عن عبدالرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه قال: ((توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على هذا؟ - أي: ما الذي دعاكم لأن تتمسحوا بهذا الوضوء؟ - قالوا: حب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سرَّه أن يحبه الله ورسوله، فليصْدُقْ حديثه إذا حدَّث، وليؤدِّ أمانته إذا ائتمن، وليُحْسِنْ جوار من جاوره))؛ [الطبراني في الأوسط (6517)].

حب المسلمين بعضهم لبعض في الله من أسباب محبة الله؛ جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تحابَّ رجلان في الله؛ إلا كان أحبهما إلى الله، أشدهما حبًّا لصاحبه))؛ [الطبراني في الأوسط (2899)].

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ عِظَمَ الجزاء - من أراد الثواب الكبير العظيم، فلا يكون ذلك إلا - مع عظم البلاء - فالمؤمن إذا أُصيب ببلاء كبير؛ إذًا ينتظره جزاء عظيم عند الله عز وجل - وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخِط فله السخط))؛ [الترمذي (2396)]، فاللهم ارضَ عنا، اللهم اجعلنا من عبادك المحبوبين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الآخرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
إن من يقول: إنه يحب الله تعالى، ولم يفعل ما أمر الله ورسوله، ولم يتصف بصفة من الصفات التي ذكرناها، أو غيرها مما يحبه الله ورسوله - هذا عليه أن يحذر من الشبه بالذين ادعوا محبة الله لهم، كيف؟ هذا ما قاله الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ فهذا ادعاء؛ لذا قال الله لهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18].

لذلك عندما ادعى قوم محبة الله سبحانه وتعالى، وأن الله يحبهم، جاء الرد في سورة آل عمران: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾، كل من يدَّعي محبة الله عليه أن يتبعَ رسول الله فـ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32].

وعن سهيل بن أبي صالح قال: ((كنا بعرفة - أي: في موسم الحج - فمرَّ عمر بن عبدالعزيز - قبل أن يصبح خليفة، لأنه الخليفة الخامس - وهو على الموسم - أي: أمير الحجيج - فقام الناس ينظرون إليه - ينظرون إلى أمير الحج - فقلت لأبي: يا أبت - سهيل يقول لأبيه - إني أرى الله يحب عمر بن عبدالعزيز، قال: وما ذاك؟ - أين الدليل على هذا؟ - قلتُ: لِما له من الحب في قلوب الناس؛ إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الله إذا أحب عبدًا، دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأَحِبَّه، قال: فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، فيقول: إن الله عز وجل يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء))؛ [مسلم (2637)]، ((ثم يوضع له القبول في الأرض))؛ [متفق عليه، (خ) (3209)، (م) (2637)]، وفي رواية: ((ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض؛ فذلك قول الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]))؛ [الترمذي (3161)].

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات - وهي الأعمال التي تُرضي الله لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبةً ومودةً، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه"؛ [تحفة الأحوذي (7/ 492)].

((وإذا أبغض الله عبدًا، دعا جبريل فقال: إني أبغض فلانًا فأبغِضْه، قال: فيُبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم تُوضع له البغضاء في الأرض))؛ [مسلم (2637)].

وهذا حديث يوجب محبة الله لبعض عباده، وانظروا حديث النبي صلى الله عليه وسلم بل الحديث القدسي؛ كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابِّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ))؛ [أحمد (22030)، (22064)]، ((والمتناصحين فيَّ))؛ [ابن حبان (557)].

(الـمتزاورون): الذين يزور بعضهم بعضًا، يجلسون مع بعضهم؛ حبًّا في الله، ليس بينهم إلا محبة الله عز وجل، الله يحبهم، وجبت محبة الله لهؤلاء القوم، ليست مجالسهم مليئة بالغيبة والنميمة، والإضرار بالناس، والكلام الذي يؤذي المسلمين والمؤمنين، والمسلمات والمؤمنات، ليست هذه المجالس التي يحبها الله سبحانه وتعالى، إنما هم متجالسون في الله، ومتزاورون في الله ولله، وإذا أعطى أحدهم ما لا يبذله لله، وإذا نصح أخاه نصحه لله.

(الـمتباذلون): المتسابقون للإنفاق في سبيل الله.
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ((كان صبي على ظهر الطريق - لعله كان يحبو ولا يستطيع المشي - فمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ناس من أصحابه، فلما رأت أمُّ الصبي القوم، خشيَتْ أن يوطَأَ ابنها، فأقبلت تسعى، وقالت: ابني، ابني - أي: انتظروا ربما تطؤونه وأنتم لا تدرون - فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقيَ ابنها في النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الله عز وجل يلقي حبيبه في النار))؛ [الحاكم (194)].

أهل المحبة في الدنيا هم جلساء الرحمن يوم القيامة؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله جلساءَ يوم القيامة عن يمين العرش - وكلتا يدي الله يمين - على منابرَ من نور، وجوههم من نور، ليسوا بأنبياءَ ولا شهداء ولا صدِّيقين، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: المتحابون بجلال الله تعالى))؛ [الطبراني في الكبير (12686)].

صلوا على الرسول الهادي البشير النذير، كما صلى عليه الله في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.


اللهم إنا نسألك حبَّك، وحبَّ من يحبك، والعمل الذي يبلغنا حبَّك، اللهم اجعل حبَّك أحبَّ إلينا من أنفسنا وأهلينا، ومن الـماء البارد، اللهم ارزقنا حبك، وحب من ينفعنا حبُّه عندك، اللهم ما رزقتنا مما نحب؛ فاجعله قوةً لنا فيما تحب، اللهم وما زويتَ عنا مما نحب، فاجعله فراغًا لنا فيما تحب.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك الـمنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنةً في قوم فتوفَّنا غيرَ مفتونين، ونسألك حبك وحب من يحبك، وحبَّ عملٍ يقرب إلى حبك.


اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].