تعظيم قدر يوم الجمعة
أحمد بن عبد الله الحزيمي





الحمدُ للهِ البَّرِّ الكريمِ، يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ، ما كان لعبادِه الخِيَرَةُ، سبحانه وتعالى هو العليمُ الحكيمُ، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ذو العرشِ المجيدِ، الفعالُ لما يُريدُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، وخِيرَتُه مِن خَلقِهِ، صلى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِه الطيبينَ وصحابتِهِ الراشدينَ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى تَجْلِبُ لَكُمُ الْخَيْرَاتِ وَتَدْفَعُ عَنْكُمُ السَّيِّئَاتِ، وَتُحَصِّلُونَ بِهَا سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَفَوْزَ الْآخِرَةِ ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الزمر: 61].


يقولُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ" رواهُ مُسلمٌ.


أيها المسلمونَ:
إنَّ يومَ الجمعةِ مِن أعظمِ الأيامِ عند اللهِ قدرًا، وأجلِّها شَرفًا، وأكثرِهَا فضلاً، فقدِ اصطفَاهُ اللهُ تعالى على غيرِه مِنَ الأيامِ، وفضَّله على ما سِواهُ مِنَ الأزمانِ، واختصَّ اللهُ به أُمةَ الإسلامِ، وضَلَّتْ عنه الأممُ التي قَبلنَا.


ففي "صحيحِ مُسلمٍ" قال صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ".


ولهذا كانَ قَدْرُ هذا اليومِ عظيماً، وينبغي لكلِّ مُسلمٍ ومسلمةٍ تَقدِيرُ هذا اليومِ والاهتمامُ بهِ اهتماماً يَليقُ بقَدْرِهِ ومكانَتِهِ عندَ اللهِ تعالَى.


ومِنَ التوفيقِ أنْ يُوفَّقَ العبدُ للاهتمامِ بهذا اليومِ العَظيمِ ولَيلتِهِ، فهذا اليومُ في الأسبوعِ عند أُولئكَ الأفذاذِ يَومٌ مُختلِفٌ، في حينِ أنَّ الكثيرَ قد غفلَ عَنه.


وقُدوتُهم في ذلكَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، قال ابنُ القيمِ في زادِ المعَادِ: "وكانَ مِن هَديِهِ تَعظِيمُ هذا اليومِ وتَشرِيفُهُ وتَخصيصُهُ بعباداتٍ يَختَصُّ بها عَن غَيرِهِ". ا.هـ


فاللائقُ بالمسلمِ أن يَستعدَّ لهذا اليوم ِاستعداداً جيداً، فيُكثِرَ مِنَ الصلاةِ والسلامِ علَى رَسولِه صلى الله عليه وسلم في يَومِهِ ولَيلتِهِ، ويَغتسِلَ ويَلبسَ أحسنَ ثَيابِهِ، ويَمَسَّ مِن أَفضلِ عُطُورِهِ، ويَقرأَ سُورةَ الكهفِ، ويبكِّرَ في الذهابِ إلى المسجدِ، ويتأخَّرَ قليلًا ويتريَّثَ في الخُروجِ بعدَها. ويبحثَ عن خَطيبٍ مُؤَثِّرٍ، ويَحرصَ على استغلالِ سَاعةِ الجمُعةِ للدعاءِ، ولا يَدعَ هذه الفرصةَ تَفوته أبداً، ويجعلَ في هذا اليومِ وقتاً لزيارةِ أرحَامِهِ وضعفةِ المسلمينَ مِنَ المرضى وغيرِهِم.


أيها المؤمنونَ: التَّبكيرُ لحضورِ الجمعةِ كان مِن عادةِ السَّلفِ الصالحِ -رضي اللهُ عنهم-، وكانوا يُعاتِبونَ أنفُسَهُم عند تركهِمُ التَّبكيرَ أو تقصيرِهِم فيهِ؛ دخلَ ابنُ مسعودٍ -رضي اللهُ عنه- بُكرةً، فرأى ثلاثةَ نَفَرٍ قد سَبقُوهُ بالبُكورِ، فاغتمَّ لذلكَ، وجعلَ يَقولُ لنفسِهِ مُعاتبًا إياهَا: "رَابعُ أَربعةٍ، ومَا رَابعُ أربعةٍ ببعيدٍ" أخرجه ابنُ ماجه، فهذا حَالُ ابنِ مَسعودٍ -رضي اللهُ عنه- وهو مَنْ هُوَ، فمَا بَالُنا في كثيرٍ مِنَّا –إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ– لا يأتونَ إلاَّ والإمامُ على المِنبرِ، بل يَأتِي بعضُهُم مع الصلاةِ أو قُبَيْلَهَا بقليلٍ، ويحرمونَ أَنفسَهُم مِن هذا الثوابِ العظيمِ.


عباد الله:
التبكيرُ إلى المساجدِ يَومَ الجُمعةِ سُنَّةً مَهجورةً مِن قِبَلِ الكثيرينَ مِن النَّاسِ هذِه الأزمانِ، فلَقد كانَ نبيُّكم صلَّى الله عليْه وسلَّم يحثُّ عليهَا ويُرغِّبُ فيها، ويَعُدُّها مِن جَليلِ الصدقاتِ ونَفيسِ القُرُباتِ، وأسبابِ السَّبْقِ إلى المنازلِ العاليةِ في الجنَّاتِ؛ قال صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" متفقٌ عليهِ.


ولمعرفةِ أَوقاتِ السَّاعاتِ الواردةِ في هذا الحديثِ يُقسَّمُ الوقتُ بينَ طلوعِ الشمسِ إلى الأذانِ الثاني خَمسةَ أَجزاءٍ، ويكونُ كلُّ جُزءٍ منها هو المقصودُ بالـ "السَّاعةِ" التي في الحديثِ. كما بَيَّنَ ذلكَ العلامةُ ابنُ عثيمين رحمهُ اللهُ.


فأينَ المتنافسونَ في الخيراتِ؟ أين المبكِّرونَ إلى الصلواتِ؟ أين أصحابُ الهِمَمِ والتَّطلعاتِ؟
تَسابقوا -رحمكمُ اللهُ- إلى هذا الأجرِ العظيمِ بالتبكيرِ لصلاةِ الجمعةِ، ففي ذلكَ فَضائِلُ كثيرةٌ مِن تَحصِيلِ مكانٍ في الصفِ الأولِ، ونَيلِ فَضيلةِ انتظارِ الصلاةِ، وكسبِ صلاةِ النافلةِ، وكثرةِ الذكرِ والتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ والدعاءِ، وقراءةِ القرآنِ ولا سِيمَا سورةَ الكهفِ، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ قال: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ" رواه البيهقيُّ وصحَّحه الألبانيُّ.


حَذَارِ -أَخي المباركُ- أنْ تَطوِيَ الملائكةُ فيهِ صُحُفَهَا ولم تُسَجَّلْ فيه مِنَ السابقينَ، خُذْ على نفسِكَ عهداً أنْ يكونَ قُدومُكَ لهذا اليومِ العظيمِ أَسبقَ مِنَ الجمعةِ التي تَسبِقُهَا. تأَمَّلْ دَائماً الأجورَ العظيمةَ التي سَتنهالُ عليكَ وتُقَيَّدُ في مَوازِينِ حَسناتِكَ. اسْتحضِرِ الأثرَ النَّفسيَّ الكبيرَ الذي يَتدفَّقُ عليك وأنتَ تَجلِسُ الساعاتِ الطويلةَ في المسجدِ وأَنتَ تَالياً للقرآنِ وذَاكراً للرحمنِ، واللهِ عِندمَا يَحضُرُ التَّدبرُّ والتأملُ في أثناءِ قِراءَتِكَ للقرآنِ وفي أثناءِ صَلاتِكَ وفي أثناءِ دُعائِكَ فإنَّ النفسَ لتطْرَبُ وتَسعدُ بهذا النعيمِ.


أيها الأحبةُ: تَعرَّضُوا لنفحاتِ رَحمةِ اللهِ يومَ الجمعةِ، كما دَلَّتِ السُّنةُ الصحيحةُ على أنَّ في يومِ الجُمعةِ سَاعةَ إجابةٍ، لا يُوافِقهَا عبدٌ مُسلمٌ يَسأَلُ اللهَ خيراً إلاَّ أعطَاهُ، كما في البُخارِيِّ ومُسلمٍ. وقَدِ اختلفَ العُلماءُ في تَحديدِ هذه السَّاعةِ، على أكثرِ مِن أَربعينَ قَولاً، أصحُّهَا قولانِ: الأولُ: أنها مِن وقتِ جُلُوسِ الإمامِ إلى انقضاءِ الصلاةِ، والثاني: أنَّها بعدَ العَصرِ. فاحْرِصْ على التأمينِ علَى دُعاءِ الخَطِيبِ، وأكثِرْ مِنَ الدُّعاءِ والابتهالِ في الصلاةِ سِيَّما في السُّجودِ وقَبلَ السَّلامِ.


ولا تُفرِّطْ ولا تَغفَلْ عَن آخِرِ سَاعةٍ مِن يَومِ الجُمعةِ! فهِيَ كليلةِ القَدرِ مِن رَمضانَ، وذلك بمُلازمةَ الدعاءِ والذكرِ حتى المغربِ؛ أين نحن عنها وعن فَضلِهَا؟! أينَ أَصحابُ الحاجاتِ؟ أينَ المرضى؟ أينَ المضطرونَ؟ أينَ التَّائبونَ؟ أين أصحابُ الهمومِ والآلامِ، والنوائبِ والأحزانِ؟ أين هُم عَن ساعةِ الجمعةِ؟ لعلَّه تُجابُ لكَ دَعوةٌ لا تَشقَى بعدها أبداً.


فلْنحرِصْ على استغلالِ هذه الساعةِ، ولْيُذَكِّرْ بعضُنا بعضاً، ولنُكثِرْ مِنَ التوبةِ والاستغفارِ فيهَا.


أقولُ قولي هذا، وأسألُ اللهَ أن يباركَ لنا في كتابِه الكريمِ، وأن يشرحَ به صُدورَنَا، وأن يُجرِيَ بمقتضاهُ أعمَالَنَا، وأن يجعلَهَ أَنيسَنَا في القبرِ، وشفيعَنَا في الحَشْرِ؛ إنه تعالى حسبُنا ونِعمَ الوكيلُ، نستغفرُه سبحانه تعالى ونتوبُ إليه.



الخطبةُ الثانية
الحمدُ للهِ المتفضِّلِ الكريمِ، الرؤوفِ الرحيمِ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ الرحمةِ، وسِراجِ الأمةِ، التي أخرجها اللهُ به مِن دَياجِيرِ الظلمةِ إلى نُورِ الطريقِ المستقيمِ.

أما بعدُ:
صلاةُ الجمعةِ عبادةٌ عظيمةٌ احْتفَى الشارعُ بهَا ورَغَّبَ في حضورِهَا. وهي مِن آكدِ فُروضِ الإسلامِ وأعظمِ مجامعِ المسلمينَ، وأسبابِ جَلبِ المحبةِ والمودةِ بينهم، وقد جَاءتِ الأدلةُ بفضلِ الجمعةِ وبتكفِيرِهَا للخطايَا: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" رواهُ مسلمٌ.

والمواظبةُ على شُهودِ الجُمعةِ يَزيدُ في الإيمانِ ويُباركُ في العملِ الصالحِ ويُقرِّبُ العبدَ مِنَ اللهِ ويُنوِّرُ الوجهَ ويَشرحُ الصَّدرَ ويَغسِلُ القلبَ مِن ذُنوبِ الأُسبوعِ ويُكفِّرُ الصغائرَ ويُجدِّدُ العهدَ باللهِ ويُشعِرُ المسلمَ بهويَّتِهِ وانتمائِه لدينِهِ.


وقد كانَ السَّلفُ الصالحُ يَعتنونَ ويُبالغونَ في شُهودِ الجمعةِ اتباعاً للشرعِ وحِرصاً على الأجرِ والخيرِ وتَحرياً للبركةِ، قال الزُّهْرِيُّ رحمه اللهُ: " بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدُوا بَدْرًا، أُصِيبَتْ أَبْصَارُهُمْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ، فَكَانُوا لَا يَتْرُكُونَ شُهُودَ الْجُمُعَةِ، فَلَا نَرَى أَنْ يَتْرُكَ الْجُمُعَةَ مَنْ وَجَدَ إِلَيْهَا سَبِيلًا" رواهُ عبدُالرَّزاقِ في مصنفه.

وفي الوقتِ نَفسِهِ وَردَ وَعيدٌ شَديدٌ في تَركِ الجُمعةِ. مما يُبيِّنُ لنا عِظمَ هذَا الذَّنبِ، فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ" رواهُ أبو دَاودَ. وفي صحيحِ مُسلِمٍ قَولُه صلى اللهُ عليه وسلم: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ" وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ جُمَعٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ" رواهُ أبو يَعلَي وصححهُ الهَيثَمِيُّ.


ومما يَدلُّ على أَهميَّةِ حُضُورِ الجمعةِ أنَّ الفقهاءَ قدِ اتفقُوا على وُجوبِ حُضُورِ صَلاةِ الجمعةِ على المخَاطَبِ بها ولم يُرخِّصْ أَحدٌ مِنهُم في تَركِهَا بلا عُذرٍ. وكذلكَ اتفقَ أَهلُ السُّنةِ علَى وجوبِ حُضورِهَا حتى ولو خَلْفَ أئمةِ البِدَعِ.



فتَرْكُ الجمعةِ يُورِثُ الغفلةَ عن طاعةِ اللهِ ويَجعلُ القلبَ مَختوماً بالذنوبِ العظيمةِ التي تَجعَلُ عليهِ حَاجزاً يَمنعُهُ عَن سَمَاعِ الحَقِّ والاتِّعاظِ بالعِبَرِ فيُصبِحُ القَلبُ ضَيِّقاً حَرِجاً مَهموماً مَغموماً لا يَجِدُ لذَّةَ الطاعةِ، مَحروماً عَنِ الخِيرِ.



قال ابنُ عبدُالبرِّ: "والخَتمُ علَى القُلُوبِ مِثلُ الطَّبعِ عَليهَا، وهذا وَعِيدٌ شَديدٌ لأنَّ مَنْ طُبِعَ على قَلبِهِ وخُتِمَ عَليهِ لَم يَعرِفْ مَعروفاً ولَم يُنكِرْ مُنكراً". وهذِه العقوبةُ مِن أَعظمِ الخُذلانِ للعبدِ في الدنيا.

فيا أَهلَ الجمعةِ هذا يَومُكُمُ الذي فُضِّلتُم به فاعرِفُوا فضائِلَهُ وتمسَّكُوا بآدابِهِ، وأطيعوا اللهَ فيه واجعلوهُ يوماً لمزِيدِ الطاعةِ والقُربةِ، ولا تجعلوه يوماً للَّهوِ وتَضييعِ الصلواتِ، والغفلةِ عن العباداتِ والقُرُباتِ، فأظهروا للهِ مِن أَنفسِكُم أنَّكم أحقُّ بهِ وأهلُهُ باتبَاعِكُم سُنَنَه، ومَعرِفَتِكُم فضلَهُ.


ثمَّ صلوا وسلموا على سيدِ الأنامِ.