حديث: فكلوا ما بقي من لحمها


الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجًّا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم أبو قتادة، وقال: خذوا على ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يُحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمرَ وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر، فعقر منها أتانًا، فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا: نأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عن ذلك، فقال: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟"، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها"، وفي رواية: "هل معكم منه شيء؟"، فقلت: نعم فناولته العضد، فأكلها.
قال البخاري: باب جزاء الصيد ونحوه، وقول الله تعالى: ﴿ لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة: 95] إلى قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].
باب: إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله.
ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسًا، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل، يقال عدل ذلك مثل، فهو زنة ذلك قيامًا قوامًا يعدلون يجعلون عدلًا.
حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن يحيى، عن عبدالله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحدث النبي صلى الله عليه وسلم أن عدوًّا يغزوه فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، قال: فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت عليه، فطعنته فأثبته، واستعنت بهم، فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه، وخشينا أن نقتطع، فطلبت النبي صلى الله عليه وسلم، أرفع فرسي شأوًا وأسير شأوًا، فلقيت رجلًا من بني غفار في جوف الليل، قلت: أين تركت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: تركته بتعهد وهو قائل السقيا، فقلت: يا رسول الله، إن أهلك يقرؤون عليك السلام ورحمة الله، إنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش، وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا وهم محرمون[1].
قال الحافظ: (قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأً، فعليه الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿ متعمِّدًا ﴾، فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد، فقالا: يجب الجزاء في الخطأ دون العمد، فيختص الجزاء بالخطأ والنقمة بالعمد، وعنهما يجب الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لإثمه، وعليه النقمة لا الجزاء.
قال الموفق في المغني: لا نعلم أحدًا خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهما، واختلفوا في الكفارة، فقال الأكثر: هو مخير كما هو ظاهر الآية، وقال الثوري: يقدم المثل فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، وقال سعيد بن جبير: إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الصيد، واتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم، وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة: يجوز أكله وهو كذبيحة السارق، وهو وجه للشافعية، وقال الأكثر أيضًا: أن الحكم في ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك، وما لم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه، وقال الثوري: الاختيار في ذلك للحكمين في كل زمن، وقال مالك: يستأنف الحكم والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحكمين: لا تحكما عليَّ إلا بالإطعام، وقال الأكثر: الواجب في الجزاء نظير الصيد من النعم، وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صرفها في المثل، وقال: الأكثر في الكبير كبير، وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح، وفي الكسير كسير، وخالف مالك فقال: في الكبير والصغير كبير، وفي الصحيح والمعيب صحيح، واتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشي، وأنْ لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد، فألحقه الأكثر بالمأكول)[2].
قوله: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجًّا، فخرجوا معه)، قال الإسماعيلي: هذا غلط، فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج، فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادة لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد خرج محرمًا، فعبَّر عن الإحرام بالحج غلطًا.
قال الحافظ: (لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضا فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ: خرج حاجًّا أو معتمرًا؛ أخرجه البيهقي، فتبيَّن أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد)[3].
قوله: (فصرف طائفة منهم أبو قتادة، وقال: خذوا على ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرَموا كلهم، إلا أبا قتادة لم يحرم).
قال الحافظ: (وحاصل القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا خرج في عمرة الحديبية، فبلغ الروحاء، وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا، أخبروه بأن عدوًّا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غرته، فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم؛ ليأمن شرَّهم، فلما أمِنوا ذلك، لَحِقَ أبو قتادة وأصحابه بالنبي صلى الله عليه وسلم فأحرَموا إلا هو فاستمرَّ هو حلالًا؛ لأنه إما لم يجاوز الميقات، وأما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثري، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه؟ قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قيادة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في وجه الحديث، قال: فإذا أبو قتاده إنما جاز له ذلك؛ لأنه لم يخرج يريد مكة، قلت: وهذه الرواية التي أشار إليه تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وليس كذلك لِما بيَّناه، ثم وجدت في صحيح ابن حبان والبزار من طريق عياش بن عبدالله عن أبي سعيد، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان، فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما، والذي يظهر أن أبا قتادة إنما آخر الإحرام؛ لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير)[4].
قوله: (فبينما هم يسيرون رأوا حمر وحش)، في رواية: إذ رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت أنظُر، فإذا هو حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأيت، وفي رواية: فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصِف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لي أني أبصرته والتفت، فأبصرته.
قوله: (فحمل أبو قتادة على الحمر، فعقر منها أتانًا)، وفي رواية: فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت، وفي رواية: فركب فرسًا له يقال له: الجرادة، وفي رواية: فشددت على الحمار، فعقرته، ثم جئت به وقد مات، وفي رواية: حتى عقرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا فاحتملوا، فقالوا: لا نمسه، فحملته حتى جئتهم به.
قوله: (فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا: نأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟)، في رواية: فأكلوا فندموا، وفي رواية: فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي، وفي رواية: فأكل منه بعضهم وأبى بعضُهم، وفي رواية عند سعيد بن منصور: فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخًا وشواءً، ثم تزودنا منه.
قوله: (فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عن ذلك، فقال: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟"، قالوا: لا)، وفي رواية مسلم: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء، وله: هل أشرتم أو أعنتم، أو اصطدتم، ولأبي عوانة من هذا الوجه أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم.
قوله: (قال: "فكلوا ما بقي من لحمها"، وفي رواية: "هل معكم منه شيء؟"، فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها)، وفي رواية: فأكلها حتى تعرقها.
قال الحافظ: وفي حديث أبي قيادة من الفوائد: أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه، لا يقدح في إحرامه، وأن الحلال إذا صاد لنفسه، جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ [المائدة: 96] على الاصطياد، وفيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق، وقال عياض: عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي قتادة ذلك تطييبًا لقلب من أكل منه بيانًا للجواز بالقول والفعل، لإزالة الشبهة التي حصلت لهم، وفيه تسمية الفرس، وألحق المصنف به الحمار، فترجم له في الجهاد، وفيه إمساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه، أو تُرجى بركته، أو يُتوقَّع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها، وفيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو، وتبليغ السلام عن قرب وعن بُعد، وفيه أن عقر الصيد ذكاته وجواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته، وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك، لقوله: فلم يعب ذلك علينا، وكان الأكل تمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ، وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة، وركض الفرس في الاصطياد والتصيد في الأماكن الوعرة والاستعانة بالفارس، وحمل الزاد في السفر، والرفق بالأصحاب والرفقاء في السير، واستعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لِما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل، وفيه جواز سوق الفرس للحاجة والرفق به مع ذلك؛ لقوله: وأسير شأوًا، ونزول المسافر وقت القائلة، وفيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله"؛ تكملة لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه فقتَله دفعًا، فيجوز ولا ضمان عليه"[5]؛ والله أعلم؛ انتهى.


[1] صحيح البخاري: (3 /14).

[2] فتح الباري: (4/ 21).

[3] فتح الباري: (4/ 29).

[4] فتح الباري: (4/ 23).

[5] فتح الباري: (4/ 31).