رغم المحن والآلام - المستقبل للإسلام


د. محمود بن أحمد الدوسري










شرَّف الله -تعالى- نبيَّه الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأظهر دينه على الأديان كلِّها إلى يوم القيامة؛ لكونه سيِّد ولد آدم، وإمامَ النبيين وخاتَمهم، ولكون رسالته عالميَّةً، ومحفوظةً إلى يوم الدِّين، بينما الرسالات السابقة كان ظهورها جزئيًّا مؤقَّتاً؛ لأنها ليست عالميةً، بل هي رسالات قومية محدودة بزمن مُعين؛ لذا اندثرت وانمحت تعاليمها الأصلية، لدخول الزيادة والنقص والتحريف إليها، وقال الله -تعالى- عن هؤلاء المُحرِّفين: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}(المائدة: ١٣).
ومن الأدلة على إظهاره لدين نبيه الكريم على الأديان كافة: قوله -تعالى-: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(التوبة: 32، 33)؛ فالآية مُستأنفة بصيغة القَصْر، بمعنى أنَّ الله -تعالى- هو وحده، لا غيره الذي أرسَلَ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا النور، وبهذا الدِّين؛ فكيف يَترُك لمعانديه أن يطفئوا هذا النورَ العظيم، نورَ الإسلام؟
أشرف الأديان وأفضلها
وعبَّر عن الإسلام: {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ }(التوبة: 33)، تنويهاً بفضله، وتعريضاً بأنَّ ما هم عليه ليس بهدًى ولا حقٌّ، وفِعْلُ الإظهار في قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه}(التوبة: 33)، عُدِّي بِـ{عَلَى}(التوبة: 33)؛ فيكون مُضَمَّناً معنى النَّصر، أو التَّفضيل، أي: «لِينصُرَه على الأديان كلِّها، أي: ليكون أشرفَ الأديان وأفضلها وأغلَبَها، والمعنى: لِيُعْلِيه على سائر الأديان، بالحُجَّة والبرهان، والسَّيف والسِّنان، وإنْ كَرِه المشركون ذلك، وبغُوا له الغوائل، ومكروا مكرهم؛ فإنَّ المكر السَّيئ لا يضرُّ إلاَّ صاحبَه؛ فوَعْدُ اللهِ لابدَّ أنْ يُنجزه، وما ضَمِنَه لا بدَّ أنْ يقوم به»، ولقد أنجز اللهُ -عز وجل- وعدَه، وصَدَقَ عبدَه؛ فلم يبق دينٌ من الأديان، إلاَّ وهو مغلوبٌ مقهور بدِين الإسلام.
أهلُ المِلَل
لقد دخل أهلُ المِلَلِ في كثير من الأقطار دينَ الإسلام، بالرغم من كراهية أقوامِهم وعظماءِ مِلَلِهم ذلك، ومقاومَتِهم إيَّاه بكلِّ حِيلة، ومع ذلك فقد ظَهَرَ وعلا، وبانَ فضلُه على الأديان التي جاوَرَها، وسَلِمَ من الخرافات والأوهام التي تعلَّقوا بها، وما صلحت بعضُ أمورهم إلاَّ فيما قلَّدوه من أحوال المسلمين وأسباب نهوضهم.
إظهار الله -تعالى- لدينه
ومن الأدلة على إظهار الله -تعالى- لدين نبيِّه الكريم على سائر الأديان: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ؛ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زَوَى لِي مِنْهَا».
قال النووي -رحمه الل: «فيه إشارةٌ إلى أنَّ مُلْكَ هذه الأمة يكون مُعْظَمُ امتدادِه في جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأمَّا في جهتي الجنوب والشمال؛ فقليلٌ بالنسبة إلى المشرق والمغرب»، وقيل: «إنَّ الأرض زُوِيَت لي جملتُها مرةً واحدة؛ فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، ثم هي تُفتح لأمتي جزءاً فجزءاً، حتى يصل مُلْكُ أُمَّتي إلى كلِّ أجزائها»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لَنْ يَزَالَ أَمْرُ هذه الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أو حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»، وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، ولله الحمد؛ فلم تزل هذه الطائفة من زمنه وهلمَّ جَرّا، ولا تزول حتى يأتي أمرُ الله -تعالى-، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قال: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ - عليه السلام-؛ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا؛ فيقول: لاَ، إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هذه الأُمَّةَ».
الخلاصة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن - وهو الصادق المصدوق - أنَّ هذا الدِّين سيظهر على كثير من البقاع في مشارق الأرض ومغاربها، وهو ما حدث إلى يومنا هذا حتى قيام الساعة.
سؤال مهم
والسؤال هنا: ماذا يقتضيه إظهارُ الإسلام على سائر الأديان؟ وماذا يعني ذلك؟ إنَّ من مقتضيات إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على جميع الأديان أمور عدة من أهمها:
- عظيم قُدرةِ الله -تعالى- الذي تكفَّل بإظهار دين نبيِّه صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان واستمراره، رغم المكر الكُبَّار من الكُفَّار، كما قال -سبحانه-: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}(إبراهيم: ٤٦).
- عظيم مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربِّه الذي شرَّفه بهذا الدِّين، وأظهره على سائر الأديان، وشرَّف أُمَّته من بعده.
- كمال دين الإسلام وصلاحيته لإسعاد البشرية إلى يوم القيامة؛ بسبب حِفْظِه، وإظهاره على الأديان.
- فيه إثباتٌ أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، وأنه مبعوثٌ إلى العالَمين؛ حيث أظهر اللهُ -تعالى- دينه على سائر الأديان.
- أنَّ دين الإسلام ناسخ للأديان السابقة، ومهيمن عليها.
- إظهار دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان، مُنْسَجِمٌ ومُتَّفِقٌ مع حفظِ الله -تعالى- لِوَحيه، المتمثل في الكتاب والسنة، وفيه ثقةٌ مطلقة عظيمة بهذا الدِّين القويم، وبراءة من الشك الذي تورَّط فيه غيرنا.
-رحمةُ اللهِ تعالى- بالناس أجمعين؛ حيث حَفِظَ لهم الدِّين القويم، وأبقاه ظاهراً بالحجة والبيان إلى يوم الدِّين.
- أن يندفع المسلمون إلى نشر نور الإسلام في كل مكان؛ لأنَّه الأظهر والأبقى والأحق بالاتباع، كما فَعَل ذلك صدر هذه الأمة من الصحابة وتابعيهم بإحسان.
- بما أن الأمة الإسلامية امتلكت مقومات الظهور المعنوية والعلمية؛ فهي قادرة على امتلاك مقومات الظهور المادية، متى ما أخلص المسلمون عملهم لله، وتهيَّئوا له على المستويات كلها، وسخَّروا إمكاناتهم الهائلة كلها لخدمة الدِّين ونشره.
الإسلام ظاهِرٌ بالحجَّة والبيان
وبالرغم من ظهور الكفار وغَلَبَتِهم ماديًّا، وسيطرتهم على المنافذ الماديَّة كلها، إلاَّ أنَّ دين الإسلام - مع ذلك كله - ظاهِرٌ بالحجَّة والبيان، وظاهِرٌ بما فيه من صفاتٍ تُناسب فِطَرَ الناس وحاجاتهم المادية والمعنوية؛ مما كان له أكبر الأثر في اعتناق الناس المتزايد لدِين الإسلام من الأوربيين، وهذه بعض الإحصاءات الحديثة تشير إلى انتشار الإسلام في نطاق واسع من أوروبا، مصداقاً لقوله -تعالى-: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(الصف: ٨، ٩).
إحصاءات ومبشرات
وهناك العديد من الإحصاءات الصادرة عن جهاتٍ رسميةٍ تُمثِّل حكوماتِ دُوَلِها تدلُّ على إظهار دين الله -تعالى- على الدِّين كلِّه كما وعد -سبحانه-، وهو -سبحانه وتعالى- ناجِزٌ وعدَه لا محالة.
المسلمون الفرنسيون
في دراسةٍ أعدَّتها وزارة الداخلية الفرنسية تقول: إن أكثر من 3600 فرنسي يعتنقون الإسلام سنويًا، وأكدت الدراسة أن المسلمين الفرنسيين أكثر التزامًا، وتندر الجريمة في أوساطهم، وقد أصبح الإسلام الدِّين الثاني بعد المسيحية بفرنسا، وهناك توقعات بأن يُمثِّل المسلمون ربع سكان فرنسا.
5000 آلاف دنماركي
أكدت صحيفة (البوليتيكن) الدنماركية: أنَّ عدد الدنماركيين الذين يعتنقون الدين الإسلامي يتزايد يومًا بعد يوم، وأنَّ مواطنًا دنماركيًا واحدًا على الأقل يختار اعتناق الدين الإسلامي يوميًا، كما أنَّ عدد الدنماركيين الذي تحوَّلوا للإسلام منذ نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم تجاوز 5000 آلاف دنماركي.
الشريعة الإسلامية في بريطانيا
كما ألْغَتْ بريطانيا مصطلح الإرهاب الإسلامي، والإشارة إليه بوصفه إرهابا عنيفا، وعدَّلَتْ قوانين الإرث بناءً على اعترافها بتعدد الزوجات، ويبدو أن الشريعة الإسلامية قد جذبت إليها الكثيرين في بريطانيا، الأمر الذي تؤكِّده دعوة (روان ويليامز) كبير أساقفة كنيسة كانتربري: إلى تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا، معتبرًا أنه أمر لا يمكن تجنبه، قائلاً - في حديثٍ له مع إذاعة الـ BBC في فبراير 2008: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية أمرٌ لا مفر منه، لتماسك المجتمع البريطاني».
المسلمون في روسيا

يبلغ عدد المسلمين في روسيا 23 مليون مسلم، أي: ما يمثل 20% من عدد السكان، وتتوقع مجلة (إكونوميست) البريطانية أن يُمثِّل المسلمون غالبية أفراد القوات المسلحة الروسية بعد ستة أعوام، وفي شهر يوليو من عام 2008م نشرت جريدة (برافدا) الروسية مقالاً بعنوان: (الإسلام سيكون دِينَ روسيا الأوَّل مع حلول عام 2050).

الفطرة السليمة
وهكذا نجد أنَّ هذا الدِّين الذي ما زال أعداؤه يكيدون له المكائد، ويُدبِّرون المؤامرات من أجل القضاء عليه؛ فيُجيِّشون الجيوش، ويُنفِقون الملايين، بل والمليارات، هذا الدِّين نفسُه يغزوهم في عقر دارهم دون دعوةٍ أو جُهدٍ يُبذل، لوضوحه وقُوَّتِه، وموافقتِه الحقَّ الذي أودعه اللهُ -تعالى- في الفطرة السليمة.