نعمة الإلتزام والاستقامة


الشيخ: عثمان الخميس




بدأت فكرة المخيم الربيعي لجمعية إحياء التراث الإسلامي في منطقة الجهراء عام 1992م ومنذ ذلك الوقت وبحمد الله ما زال هذا المخيم يقام سنويًا؛ حيث يستضاف فيه العلماء والمشايخ الأفاضل من داخل الكويت وخارجها، وحرصًا من مجلة الفرقان على إبراز الدور العلمي والدعوي للجمعية ننشر أهم وأبرز المحاضرات التي نُظمت في هذا المخيم، واليوم مع محاضرة للشيخ عثمان الخميس أقيمت في 19/1/2011 بعنوان: (نعمة الالتزام والاستقامة).


إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، والأمر كما قال ربّنا -سبحانه وتعالى-: {وإن تَعُدّوا نعمة الله لا تحصوها}، فماذا نُحصي من النّعم؟ وماذا نذكر؟ وماذا يغيبُ عليك من هذه النّعم التي يَمُنّ الله بها علينا ليلاً ونهارا سِرّا وجهارا ما علِمنا منها وما جهلنا، وإنّ من أعظم النّعم التي يمنّ الله بها عليك نعمة الإيمان التي بها تدخل الجنّة وتنجوَ من النار، وهذه النعمة العظيمة التي قد لا يعرف الإنسان مكانتها وقدرها إلا بعد أن يرى نتيجتها في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

إكرام الله للأمة

إنّ الله -تبارك وتعالى- أكرم هذه الأمة بكرامات، وميّزها على سائر الأمم، ومن أعظم ما ميّز هذه الأمة على غيرها من الأمم أن أرسلَ الله فيها خير رُسله، وأنزل عليه أحسن كتبه، وشرع لهم أكمل شرائعه، فلم تنل أمة من الأمم رسولا كمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولم تنل أمة من الأمم كتابا كالقرآن، ولم تُشرّف أمة من الأمم بشريعة كهذه الشريعة السمحاء. فعلينا أن نلهج دائما بحمد الله وشكره -سبحانه وتعالى-، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح والحسن عند بعض أهل العلم «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدةٌ في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقةً، إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيده لَتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار».

أمران مهمان

وهذا الحديث يشمل أمرين، الأول: غيبي مضى، والثاني: أمر غيبي سيحدث، أمّا الذي مضى فيُخبرنا صلوات ربي وسلامه عليه عن اليهود والنصارى كاختلافهم، وأما الذي سيحدث فيخبرنا عن الذي سيحدث لهذه الأمة كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث افترقت هذه الأمة إلى فِرقٍ شتى، وأنه من نعم الله -تبارك وتعالى- عليك أن جعلَكَ من أهل الفرقة الناجية، فهذه نعمة عظيمة جدا أن تكون من أهل السّنة، وأن تكون من الناجين، وأن تكون من الذين سلكوا طريق نبيك - صلى الله عليه وسلم - وطريق صحبِه. هذه نعمة عظيمة تحتاج لشكر، فكم ممن ينتسب للإسلام قد ضلّ عن الطريق، فها أنت ذا تسمع وكل هؤلاء ينتسبون ويدّعون أنهم من الإسلام، وأنت تدّعي فأنت إذا ادّعيت عندك البيّنة وهي الالتزام بالكتاب والسنّة على فهم سلف هذه الأمة، بينما هم فيدّعون ولا بيّنة لهم فاحمد الله -تبارك وتعالى.

وأمّا بنعمة ربّك فحدث

الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {وأمّا بنعمة ربّك فحدث}، وإن من نعمة الله -تبارك وتعالى- أن يتحدث الإنسان بها فارفع رأسك، واجهر بصوتك واعتز وقُلها مبتسما وبملء فيكَ، ُقل إنني سلفي، افرح: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، لا تستحِ من كونك متمسّكا بالكتاب والسنّة على فهم سلف الأمة، بل اصدع بها وارفع بها رأسك وافخر بانتسابك إلى هذه الطائفة المنصورة، بانتسابك إلى محمد - صلى الله عليه وسلم- وصحبه، فالإنسان يفرح بتوفيق الله له وبهدايته وتثبيته على الصراط المستقيم، ومن التحدّث بنعمة الله وشكرها أن الإنسان يُظهرها وينسِبها إلى واهبها ويعمل بمتقضاها ويستخدمها بما يُرضي الله -تبارك وتعالى.

الالتزام ليس بالدعاوى

إن الالتزام على دينِ الله -تبارك وتعالى- لا يكون بمجرد الدعاوى بل لابد أن يتبع الدعوى عمل، فكُن سلفيا في عقيدتك، وكُن سلفيا في منهجك، وكُن سلفيا في أخلاقك، وكُن سلفيا مع نفسك، مع زوجك، ومع أولادك، ومع جيرانك، ومع الخق كلهم، ومع رب الخلق -سبحانه وتعالى-. كثير من الناس من يدّعي هذا الإدعاء لكنه إدعاء فارغ من محتواها؛ لأنه لا يُطبّقه واقعا، فعلينا أن نطبقه واقعاً، وأن نعيشه حياةً، وأن نكون مُتّبعينَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - مُعظّمين لسُنّته، إذا بلغَتنا سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نُقدّم عليها شيئا أبدا، وإذا تعارضَ فِهمنا مع أفهام أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نقدم أفهامهم على فهمنا، ونقدّم فهم سلفنا على فهمنا، وإلا كيف نكون سلفيين؟

السلفية تجمع أمورًا ثلاثة

إنّ السلفية تجمع ثلاثة أمور: اتّباع الكتاب والسنّة على فهم سلف هذه الأمة، فلا بُدّ أن يُعظّم الكتاب وان تُعظّم السنة، أن يكون فهمها وفق فهم سلفنا الصالح رحمهم الله -تبارك وتعالى-. كون الإنسان يلتزم بدين الله -تبارك وتعالى- هذا فضل، وهذه نعمة من الله تقتضي منّا الشكر، ومن شُكرِ النّعمة الثبات عليها. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر: «لا تكن مثل فلان كان يقوم اللّيل ثم ترك قيام الليل»، ونحنُ نقولها جميعا ما ينبغي لنا أن نترك هذا النهج العظيم وتلك الفضيلة التي ميّزنا الله بها ومنّ علينا بالهداية إليها أن نتركها في يومٍ من الأيام، بل أن نثبُتَ عليها ونسال الله -تبارك وتعالى- أن يُثبِّتنا عليها، وأن نزداد معرفة بها وصدقا في قولها وفعلها ونشرها. إنّ من شكر هذه النعمة العظيمة التي نرفل بها أن ننشرها بين الناس، فكُلنا نريد أن نكون على هذا الخير ونُحب أن نكون على ذلك لكن هذا لا يكفي، بل الأولى أن نترجم هذا إلى عمل، وقد قال نبينا - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فعلينا أن نُحبّ لإخواننا المسلمين ما نُحبُّ لأنفسنا من نشر لهذا المنهج الوسط؛ لذلك هذا الخير الذي نحنُ فيه لا يُمكننا أبدا أن ننشره ونحن سيئو الأخلاق أو نحن نجلس في بيوتنا دون أن نُبلّغ دين الله.

التقصير في الدعوة
إنّه من المحزن والمؤسف اليوم أن يقوم من يقوم وبمن يُشار لهم بالبنان أنهم يتصدّرون الدعوة لله، وتخرج إلى الدعوة لله -تبارك وتعالى- في كل مكان، ونحن الذين نملُك العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح ونُعظّم الكتاب والسنّة وطلب العلم ثمّ نُقصّر بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- ونُسلّم زمام الأمور لمن ليس من أهلها، وإنهم تسلّموا هذا الأمر وتصدّروه لأنكم قصّرتم؛ ولأننا كلنا قصّرنا كما قصّرنا في هذا الجانب، استلمه غيرنا وهذا مُحزن مبكٍ، بل يجب علينا نحن الذين نَصدُق في أقوالنا ونحن الذين لا نُبلِّغ إلا الحق ولا نبلّغ إلا العقيدة الصحيحة، ولا نتكلّم إلا بِعلم أن نتصدّى لهذا الأمر، فنحن الذين ندعو لدين الله -تبارك وتعالى-، لكن لمّا قصّرنا وتكاسلنا عن الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- تسلّموا زمام الأمور، وهذا خطأ، فنسأل الله لهم الهداية، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُفقّههم في الدين وأن يسلِك بهم طريق الرّشاد، ولكن لا ينبغي لنا أن نترك ونسكت ونسلّم الأمر لهم، ونحن نعيب عليهم أشياء ثم بعد ذلك نقصّر في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- ونحن أصحاب الحق.

الفرح بالالتزام

إنّ من الفرح بالالتزام على دين الله أن لا نُقصّر مع أهلينا، وأن لا نُقصّر في بيوتنا، وأن لا نهملها، وأن لا نترك الحبل على الغارب، وهذا للأسف يقع من كثير، وتشتكي النساء، ويشتكي الأولاد، ويشتكي الآباء، وإنّ من الفرح بالالتزام على دين الله أن نحرص على طلب العلم فمجالس بعض السلفيين اليوم صارت كمجالس بعض العامة، لا يُتلى فيها كتاب ولا يُتلى فيها درس، ولا يُحفظُ فيها قرآن، ثم بعد ذلك نأتي ونفخر على النّاس ونقول نحن سلفيون، نعم كون الإنسان على عقيدة سلفية هذا أمر عظيم بل من أعظم القربات التي يتقرّب بها العبد إلى الله -تبارك وتعالى-، ولكن هل هكذا كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ هل هكذا كان أصحابه؟ هل هكذا كان التابعون؟ هل هكذا كان أحمد والشافعي ومالك؟ هل هكذا كان سُفيان والزّهري والأوزاعي؟ أم كانوا يجتهدون في دعوة وعلم وصلاة وذِكر وقيام وصدقات.

السلفية منهج حياة
فعندما يُقال للواحد منهم في ذلك اليوم هذا سلفي لا أحد يستطيع أن يعترض، بينما اليوم قد يعترض الكثيرون على ذلك. أنا لا أريد أن يكون مجلسنا هذا للعتاب، ولكن أريد أن ننتبه جميعا إلى أنّ السلفية ليست عباءة تُلبس، إنّما السلفية منهج حياة يجب علينا أن نلتزمه، وأن ندعو إليه، وأن نعملُ به، ونُطبّقه واقعا لا مُجرد دعاوى تلوكها الألسن ولا تُصدقها الأعمال. لا نريد أن نقول كمن قال الله فيهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، ولا نريد أن نكون كمن قال الله فيهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، ولا نريد أن نكون من أولئك بل نريد أن نُصحّحَ المسار عند بعضنا، فعندنا تقصير، ولكنّني أبشرّكم أنّكم على خيرٍ عظيم ولكنّكم على ثغر عظيم أيضاً.

الأفكار والشّبُهات تغزونا

الآن في بيوتنا صارت الأفكار والشّبُهات تغزونا، فالناس اليوم لا يسمعونَ منك أنت فقط، بل يسمعون منك ومن غيرك سواء كانوا في بلادنا أم خارجها، فإذا نحن الذين نقول عن أنفسنا -وإن شاءالله نكون كذلك إننا سلفيّون - ولكن قصّرنا في هذا الجانب، فمن سيُعمّره؟ إنّ الله -تبارك وتعالى- يقول: {إنّما يُعمّر مساجد الله من آمن بالله وباليوم الآخر..}، فإذا لم يُعمّر المؤمنون مساجد الله من يُعمّرها إذاً؟ إن لم يُعمّرها المؤمنون ستكون خراباً. وكذلك نقول إذا لم ندع إلى الله على عِلم وبيّنة واجتهاد وجد فمن الذي سيدعو؟ ومن الذي سيؤدّي هذه المهمة المباركة إذا قصّرنا نحن؟ بل من هو أهلٌ لهذا؟ واللهِ لن يكون أهلا لهذه المهمة إلا أنتم. أنتم أهل ُ هذه المهمة، فكل من يقوم بها من غيركم لن يؤديها حقها بأي وجه من الوجوه أبدا. أنتم تملكون الحق، وأكرمكم الله به، ويسّره لكم، وسدّدكم عليه، وثبّتكم على هداه، فإذا قصّرتم لن ينال الناس خيرا إلا أن يشاء الله -تبارك وتعالى- بأن يستبدل بنا آخرين، ولكن سيكونون أيضا سلفيين لأنه لن يبلّغ هذه الرسالة إلا السلفيون، ولن ينشر الحق إلا السلفيون، علينا إذاً أن نراجع أنفسنا وأن ننظر أين نضع أقدامنا، فهل نضعها في الطريق الصحيح أم لا؟

حاجة الدعوة
إنّ الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- تحتاج إلى علم وقد أكرمكم ربُّ البريّة به، وتحتاج إلى صبر ومثابرة وجد واجهاد بين النّاس، فإن كنت تستطيع بلسانك فبِها ونعمت فإن لم تستطع فبمالك، وإن لم تستطع فبجهدك، وبدعائك في ظهر الغيب لإخوانك بتكثير سوادهم في نشر هذا الخير العظيم.

تاريخ الأمة الإسلامية

لو نظرنا في تاريخ هذه الأمة الإسلامية المباركة سنجد أن الله -تبارك وتعالى- يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}؛ لوجدنا أن هذه الأمة كلما التزمت هذا الطريق جاء الوعد من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله لا يُخلِف الميعاد، فإذا لزمنا هذا الطريق فإن الله سيسلك بنا طريق الخير -سبحانه وتعالى- وسيهدينا صراطا مستقيما ويُثبّتنا عليه ونحن في كل يوم نقول: {اهدنا الصراط المستقيم}، أي ثبّتنا وزدنا وفيما سيأتي من نريد أن نهتدي أيضا إلى الصراط المستقيم.

دعاة الباطل

الآن صار بعض دعاة الباطل يعيب علي الناس على ما هم عليه من الحقّ للأسف، ولمّا سكتنا نحن عن الحق الذي يعلمه صار أهل الباطل يجرؤون علينا، فكم منّا اليوم من يأتينا ويقول: يا أخي لحيتك ما هي خفيفة، شكل لحيتك ما هي حلوه، احلقها، وفي المقابل نجد حالقي اللحى ولا نكلّمهم فكأنهم صاروا هم على الحق ونحن على الباطل ! فلمّا سكتنا نحن عن الإنكار عليهم صاروا هم يُنكِرون علينا بقولهم: «احلق لحيتك، هذّب لحيتك، وهو حليق»! أذكر أحدهم جاءني وسالني لماذا ثوبك قصير؟! نزّل الثوب إلى الكعب، السنّة للكعب لماذا رفعته زيادة عن الكعب، نزّل إلى الكعب، وأنا أعرفه مُسبِل، فقلت له: وأنت لماذا تخالِف السنّة؟ لماذا ثوبك تحت الكعب؟ قال: (إنت مالك شغل فيني)، فقلت له: وأنت أيضا (مالك شغل فيني)، يعني كوني أنا سكتّ عن الإنكار عليه جرّأه هذا عليّ أنه هو يُنكِرُ عليّ وأنا المُتّبِعُ للسنّة، فلمّا سكتنا نحن عن إنكار المنكر صار أهل المُنكر يُنكِرونَ المعروف، وكل هذا بسبب تقصيرنا نحن! والآن صار يُنكَر على المرأة إذا غطّت وجهها، ولا يُنكر على المُتبرجة إذا خرجت. وهكذا غيّر أهلُ الباطل لما ترك أهل الحق وظيفتهم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تَسلّمها غيرهم فصاروا يأمرونَ بالمُنكر وينهونَ عن المعروف، فعلينا أن نرجع لأنفسنا، وأن نتلمّس الحق من جديد، عسى الله أن يُثبّتنا جميعا عليه.