ولكن أكثر الناس لا يشكرون!



أحمد كمال قاسم





{أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ خَرَجوا مِن دِيارِهِم وَهُم أُلوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ موتوا ثُمَّ أَحياهُم إِنَّ اللَّهَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَشكُرونَ} [البقرة: ٢٤٣] . {وَما ظَنُّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ يَومَ القِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَشكُرونَ ﴾ [يونس: ٦٠] . {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَشكُرونَ}[النمل: ٧٣] . {اللَّهُ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسكُنوا فيهِ وَالنَّهارَ مُبصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَشكُرونَ} [غافر: ٦١] . هل نشكر فضل الله علينا حقًا؟
بنص القرآن .. " {أكثر الناس لا يشكرون} "، لكن قد يقول قائل: أن الله قال "أكثر الناس" ولم يقل "أكثر المسلمين"، والناس تشمل المؤمن والكافر أقول نعم لكنه لا معنى لحديث الله عن عدم شكر الكافر لأن هذه بديهي، وإن سلمنا أن الناس - في هذا الموضع - تعني المؤمنين والكافرين، فتدبر قوله تعالى ﴿ {يَعمَلونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحاريبَ وَتَماثيلَ وَجِفانٍ كَالجَوابِ وَقُدورٍ راسِياتٍ اعمَلوا آلَ داوودَ شُكرًا وَقَليلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكورُ} ﴾ [سبأ: ١٣] أي حتى عباد الله (قال عباد الله، ونسب العباد إليه، أي من يعبدونه طواعية، ولم يقل "عبيد" التي تشمل الجميع مؤمنهم وكافرهم)، أقول أن قليلًا منهم يستحق شرف أن ينعته الله ب"الشكور". كيف نكون شكورين؟
يظن الكثير من عباد الرحمن أن الشكر يكون بالقلب واللسان وكفى! فإذا نظرنا نظرةً متفحصة في الآية السابقة سنجد أن الله قد حدد فيها أهم أنواع الشكر، وهو الشكر بالعمل الصالح {اعمَلوا آلَ داوودَ شُكرًا}. وعودة لتساؤل هل نشكر نعمة ربنا حقًا؟! سنجد أن المسلمين أمسوا أصحاب أقوال لا أفعال، إذ أن القول سهل، والفعل به مشقة! والإنسان بطبعه يميل للسهل ويبتعد عن الصعب إن توهم أن ثواب كليهما واحد! إلا أنه حتى من عمل من المسلمين قد حصر العمل الصالح في الشعائر وكفى! مع أن كل عمل يخدم وظيفة الإنسان في الأرض (أداء الأمانة بعدم معصية الله مع القدرة على المعصية، وإعمار الأرض بالإيمان، واستخدام ما سخره الله لنا فيما يرضي الله ويرغب عبيد الله في عبادة الله ليكونوا عبادا لله بعد أن كانوا مجرد "عبيد")، كل ذلك هو عمل صالح {ذلِكَ بِأَنَّهُم لا يُصيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئونَ مَوطِئًا يَغيظُ الكُفّارَ وَلا يَنالونَ مِن عَدُوٍّ نَيلًا إِلّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ۝وَلا يُنفِقونَ نَفَقَةً صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً وَلا يَقطَعونَ وادِيًا إِلّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أَحسَنَ ما كانوا يَعمَلونَ} ﴾ [التوبة: ١٢٠-١٢١] فطيف العمل الصالح أوسع من أن نحصره في الشعائر التعبدية، مع فصل هذه الشعائر عن صلب الحياة نفسها. وقد اجتهدت في المقصود ب"فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون" فوجدته أقرب ما يكون إلى "فصل ما بعد الصلاة عن الصلاة"، فنصلي ولا تؤثر صلاتنا في حياتنا، فكأننا أهملنا أثر صلاتنا، وسهينا عنه! فمن لا تنهاه صلاته عن المنكر ولا تأمره بالمعروف فقد سها عن صلاته وجعلها مجرد "طقس" يؤديه من ضمن ما يؤدي في هذه الحياة بغفلة تامة.
الخلاصة: إن العمل الصالح - بمعناه الواسع - هو أصل الشكر. فلنعمل صالحا عبادةً لله وشكرًا له على نعمه التي لا تُحصَى، وذلك باستعمال هذه النعم في طاعة الله والعمل في سبيله. اللهم اهدنا إلى أن نكون من عبادك الشكورين