آداب قيادة السيارات والأحكام المترتبة على حوادثها


عبدالله بن عبده نعمان العواضي




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس، إن شريعة الإسلام شريعةٌ عادلة، وهي بأحكامها وآدابها تامة شاملة؛ فلقد حفظت حقوق الناس خاصها وعامها، وراعت حاجاتهم، وعُنيت بمصالحهم، وذكرتْ من النصوص التفصيلية ما تناول أشياءَ كثيرة، ومن النصوص الإجمالية ما يُرجَع إلى عمومها عند تجدد أحوال الحياة الإنسانية، وتطور ألوان المعايش البشرية، وفتحتِ المجال للإنسان ليُعمل عقلَه في سَنِّ الوسائل الإدارية التي تنظم حياته بما لا يخالف الشريعة الإسلامية، بل ينطوي تحت مبادئها العامة، وكلياتها الإجمالية التي جاءت للحفاظ على الدين والنفس، والمال والعقل، والعرض والنسب.


ألا وإن من تلك الحقوق العامة التي جاءت الشريعة المحمدية لبيانها: حق الطريق؛ فالطريق مصلحة لعموم الناس، ينتفعون بها، ويذهبون عبرها إلى مصالحهم، ويرجعون إلى مساكنهم.


أيها المسلمون، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرُ حقوق عديدة للطريق، وهي حقوق يحفظ التمسكُ بها نفوسَ الناس وأعراضهم وأموالهم، ويؤدي القيامُ بها إلى إدخال السرور على المارَّة، وقضاء حوائجهم، ورفع الضرر عنهم، وتيسير شؤونهم، وتعميق الروابط الحسنة بينهم؛ فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والجلوسَ في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بُدٌّ[2] من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))[3]، وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي يعلى وابن أبي شيبة: ((وحسنُ الكلام))، وفي رواية لأبي داود وابن حبان: ((وإرشاد السبيل))، وعند أحمد والترمذي والبزار: ((واهدُوا السبيل))، وعند أبي داود: ((وتَهْدُوا الضَّالَّ، وتعينوا الملهوف))، وفي رواية لابن حبان: ((وتشميت العاطس إذا حمد الله))، وعند أحمد والترمذي: ((وأعينوا المظلوم))، وفي رواية للبزار: ((وأعينوا على الحُمُولة)).


فتلخص لنا من هذه الروايات من حقوق الطريق:
غض البصر، كف الأذى، رد السلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حسن الكلام، إرشاد السبيل، هداية الضَّالِّ، إعانة الملهوف، تشميت العاطس إذا حمد الله، إعانة المظلوم، الإعانة على الحمولة.


قال الإمام النووي رحمه الله: "هذا الحديث كثير الفوائد، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة، وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث، ويدخل في كف الأذى: اجتناب الغِيبةِ، وظن السوء، واحتقار بعض المارين، وتضييق الطريق، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارون أو يخافون منهم، ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك؛ لكونهم لا يجدون طريقًا إلا ذلك الموضع"[4].


وهناك حقوق للطريق غير هذه دلت عليها نصوص أخرى؛ كحفظ اللقطة واللقيط، وإماطة الأذى، وحسن الخلق، وغير ذلك.


فعلينا - معشر المسلمين - أن نمتثل هذه الآداب في قعودنا أو مرورنا في الطريق؛ حتى نحظى بالثواب، ونسلَمَ من الإثم، وتصبح علاقتنا مع الناس علاقة حسنة قائمة على فعل الجميل وترك ما يضاده.


عباد الله، إن هذه الحقوق النبوية للطريق ترشدنا إلى رعاية حقوق الناس بإيصال الخير لهم، وكف الشر عنهم، سواء أكان الإنسان قاعدًا فيها أم ماشيًا عليها أم راكبًا.


ولقد كان الناس في العهد الماضي يركبون المراكب القديمة من الإبل والخيل والبغال والحمير، ثم منَّ الله تعالى وله الحمد على الناس بالمراكب الحديثة من سيارات وغيرها، فأصبحت الحاجة ملحة إلحاحًا كبيرًا إلى العناية بشؤون الطريق، وتقنين الأنظمة الإدارية التي تُعنى بسلامة الراكبين والماشين على تلك الطرق.


فقامت الحكومات بتعبيد الطرق وإصلاحها، وسَنِّ أنظمة المرور وقيادة المركبات الحديثة، وتقنين العقوبات الزاجرة للمتهاونين بسلامة أرواح الناس وممتلكاتهم.


وهذه الأمور التي تحفظ نفوس الناس وأموالهم ليس فيها مخالفة للشريعة الإسلامية، بل هي موافقة لها؛ لكونها تؤدي غاية من غايات مجيء الإسلام وهي الحفاظ على حق الحياة وحق الملك.


أيها المسلمون، إن على الإنسان أن يتجنب الجلوس في الطريق المخصصة لمرور السيارات، أو يمشيَ في تلك الطريق في وقت ليس مسموحًا له المرور فيه؛ لأنه إذا فعل، فسيعرض نفسه وقائد السيارة للخطر والخسارة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195].


وعليه أيضًا ألَّا يصنع في تلك الطريق شيئًا يؤذي المارين والراكبين والمركبات؛ من تضييق، أو رمي أحجار أو نفايات، أو مخلفات بناء، أو غير ذلك مما يعطل ما يمر أو يعرقل مَن يمر على تلك الطريق العامة.


أيها الإخوة الفضلاء، إن هناك رعبًا كبيرًا يجتاح حياة الناس كل يوم على المستوى العام، هذا الشيء المخيف يكلف الناس وفاة عددٍ غير قليل منهم، ويجرح عددًا أكبر ممن سلِموا من الموت وقت الحوادث، ويكلفهم خساراتٍ مالية كبيرة، ويُدخِل الأحزانَ والوحشة إلى البيوت؛ هذا الشيء هو حوادث السير.


فكم من حادث ذهبت ضحيته أسرة كاملة، وأقارب وأصدقاء وجيران متعددين! وكم من حادث كلف السائق وأسرته من ديات الموتى، وتكاليف علاج المصابين ما كسبوه طوال حياتهم من مال عيني أو نقدي! وكم من حادث خلَّف عددًا من المعاقين والأرامل واليتامى والمدينين والبائسين! وإذا أردتم بعض الحقائق الرقمية للحوادث المرورية، فاسمعوا هذه الأرقام عن بعض البلدان العربية: ففي تلك البلد، كان عدد الوفيات بسبب حوادث السيارات في سنة من السنوات خمسة آلاف إنسان، هذا في سنة واحدة فكيف بخمس سنوات؟ وأما الخسائر المادية فتقدر بالمليارات، إذًا الحرب الحقيقية المستمرة التي تهلك النسل والمادة هي حوادث السيارات.


ولو جئنا معشر المسلمين ننظر إلى أسباب وقوع تلك الحوادث المؤلمة - بعد قضاء الله وقدره - سنجد أن من بين تلك الأسباب فِقدان بعض السائقين لشروط القيادة وآدابها، ومخالفة الأنظمة المرورية وقوانين السير، وخلو بعض الطرق من أسباب السلامة، ووجود بعض عراقيل السير الآمن في تلك الطرق.


أيها المسلمون، إن الحوادث المرورية خطر كبير من الأخطار التي تهدد الناس في طرقهم، ولتخفيف ذلك وتفادي كثير من الحوادث، نسوق بعض آداب القيادة؛ ليأخذ بها السائقون عند قيادتهم لسيارتهم.


فمن تلك الآداب:
أولًا: ألَّا يتحرك بمِقْوَدِ السيارة إلا من كان ذا معرفة كافية بالقيادة، أما من لم يكن لديه ذلك، فعليه أن يستكمل مراحل التعليم في مكان بعيد عن حركة الناس؛ فأرواح الناس وأموالهم ليست مباحة لمتعلمي القيادة أو المتعالمين فيها.


ثانيًا: على السائق تفقد سيارته قبل السير بها، كما أن عليه النظر تحتها وما حولها؛ فقد يوجد طفل أو حيوان فيصدمه أو يعلو عليه من غير أن يشعر.


ثالثًا: الالتزام باستعمال حزام الأمان أثناء القيادة.


رابعًا: استشعار عظمة النفس البشرية وعظمة مالها؛ فيدعو ذلك السائقَ إلى الانتباه الشديد في أثناء سياقته؛ حتى لا يصيبها بأذى؛ قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرامٌ: دمه وعرضه وماله))[5].


خامسًا: ضبط السرعة على القدر المسموح به، والتقصير في هذا الأدب أوقعَ كثيرًا من الحوادث والمصائب؛ فتجاوز السرعة المحددة في القيادة موصلٌ إلى الهلاك والخسارة، وهو من أسرع الطرق إلى الموت، وأقرب السبل لتحمل الخسارات المالية الكثيرة، وهو ثمن كرسي الإعاقة والشلل لبعض السائقين.


سادسًا: اتباع الأنظمة المرورية وعدم مخالفتها؛ كنظام الإشارة، حتى ولو كان الطريق خاليًا، فصبرٌ قليلٌ يوصلك إلى السلامة، ولحظةُ عَجَلَةٍ قد تعجِّل بالموت والإصابة.


وهذه الأنظمة التي تدير سير الطرق والمركبات عليها نعمةٌ عظيمة من نعم الله، ألهمَ الإنسانَ إلى اختراعها، ليسلِّم الإنسان باتباعها نفسه ويسلِّم غيره.


سابعًا: البعد عن الانشغال بشيء يلهي السائق عن القيادة؛ ككثرة استعمال الجوال، وصوت المسجل المرتفع، والمزاح بين السائق والراكب أو بينه وبين سائق آخر.


ثامنًا: ترك قيادة السيارة في حال النعاس أو السهر الطويل، وأشد من ذلك عند تناول مادة مسكرة، والعياذ بالله؛ فكم من حادث أوصل إليه سهرُ السائق أو نعاسُه، أو ذهاب عقله بما حرم الله تعالى!


تاسعًا: اختيار المكان المناسب لإيقاف السيارة؛ فالطريق ملك للجميع، واستعمال الإشارات الدالة على الوقوف لتنبيه السائقين اللاحقين على الطريق نفسه؛ حتى لا يحصل تصادم.


عاشرًا: عدم تسليم مفتاح السيارة لصغار السن وصغار العقل، الذين إذا أخذوا في القيادة أو صعدوا على السيارة، نسَوا عواقب الأخطاء القيادية، واستبد بهم الطيش فلا يشعرون معه بالناس الآخرين وممتلكاتهم.


أيها الأحباب الكرام، تلك الآداب السابقة آداب مهنية في القيادة، وهناك آداب أخلاقية ينبغي لسائق السيارة أن يلتزم بها.


ومن تلك الآداب الأخلاقية: مشي السائق بسيارته بتواضع بعيد عن الكبر والعُجب والخُيلاء؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63]، وقال: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء: 37].


ومن الآداب الخُلقية أيضًا: البعد عن ترويع مسلم بإسراع السيارة أو صوت منبهها، أو إيقافها وقوفًا مباغتًا بجوار إنسان من أجل إفزاعه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا))[6] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار))[7] ، والسيارة مما يقتل، وكم قد حصلت من حوادث بسبب التقصير في هذا الأدب!


ومن الآداب الأخلاقية كذلك: البعد عن رمي أكياس الأطعمة، أو علب الأشربة من نافذة السيارة إلى الطريق أو حوافها، بل الصواب أن تُرمَى في مكانها المخصص لها؛ حفاظًا على البيئة، ومراعاة لمشاعر الناس.


ومن الآداب الأخلاقية للسائقين أيضًا: إلقاء السلام على الناس مصحوبًا بالابتسام والاحترام؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد))[8].


ومن الآداب في القيادة: التحلي بالصفات الحسنة، وحسن التعامل مع الناس، ويتجلى ذلك حينما يحصل حادث، فمن فقدَ الخُلقَ الحسن، فسينزل من سيارته وقد لبس نيرانَ الغضب على وجهه، ورمى من شرره بكلمات نابية، وربما زاد الأمر فقام بالعراك مع صاحب السيارة الأخرى، وأما صاحب الخلق الحسن فينزل ليصافح صاحب السيارة الأخرى، وينظر كيف وقع الخطأ ويتحمل - بأدب ودماثة خلق - نتيجةَ خطئه إن كان الخطأ منه، وإن كان الخطأ من صاحبه طالَبَهُ بإصلاح خطئه مطالبة حسنة.


فما أحوج الإنسان يا عباد الله إلى تعلم الأخلاق الحسنة قبل أن يُمسِكَ مِقْوَدَ السيارة ويسير بها! فكما قالوا: التربية قبل التعليم، فكذلك نقول: الخلق الجميل قبل القيادة.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
أيها المسلمون، إن الناظر في حوادث السيارات يجد أن لها عواقبَ عديدةً، ونتائجَ مؤلمةً شديدة؛ فهي تقع على النفوس والأموال.


ففي النفوس هناك وفيات وديات وكفارات، وإصابات وعلاجات، مع ما يصاحب ذلك من الأحزان والتوقف عن الأعمال، وفقدان الأحبة.


وفي الأموال هناك أضرار تلحق بالسيارات توجب نفقاتٍ ماليةً لإصلاحها، أو التعويض بسيارة أخرى.


وفي هذه النازلة المعاصرة تحدث الفقهاء عن الأحكام الشرعية المترتبة على حوادث السير، وربطوا هذا الحدث العصري بما يشابهه مما تكلم عن أحكامه الفقهاء في العهود الماضية، واستعملوا في تحديد آثار هذه النازلة القياسَ والقواعد الفقهية التي دلت عليها مجموعة من الأدلة النقلية المتفق عليها.


عباد الله، إن السائق إذا وقع منه الحادث على إنسان أو حيوان مملوك أو مال عام أو خاص؛ فإنه إذا كان قاصدًا قتلَ ذلك الإنسان بسيارته فإنه يعد قاتلًا عمدًا، وفي عدوانه على الحيوان والمال تحمُّل البدل أو القيمة.


أما إذا وقع منه الحادث بغير تعمد بل بقصور منه؛ كعدم تفقد السيارة قبل السير بها، أو وقع الحادث بخطأ محض ليس للسائق فيه يد - وهذا هو الغالب - فإن هناك صورًا متعددة لها أحكامها المترتبة عليها؛ فمن ذلك:
1- إذا دفع شخصٌ آخرَ أمام سيارة فدهسته السيارة فجأةً، فالضمان على الدافع، وليس على السائق دية أو علاج، ولا كفارة بصيام شهرين متتابعين لو مات المصدوم.


2- إذا صُدم السائق من الخلف، فصدمَ سيارةً أمامه فالضامن هو مَن صدمه.


3- إذا ساق الإنسان مع التزامه بقواعد المرور، فقفز رجلٌ أمامه بغتة، فإن كان الذي قفز بالقرب من سيارته بحيث لا يمكن السائق إيقاف السيارة، فلا ضمان على السائق.


4- إذا اشترك السائقان أو السائق والمصدوم في التسبب، فعلى كل واحدٍ منهما بحسب ضرره، وإن استويا أو جُهلت النسبة، فعلى السواء.


5- إذا اشترك السائقان في صدمةٍ لشخصٍ فمات، فيُطبَّق عليهما أحكام الاشتراك في القتل[9].


أيها الأحباب الكرام، إن حوادث السير قد تقع غالبًا من غير إرادة السائق ولا بتقصيره، ولكنها قضاء وقدر، ولأجل حفظ المسلم السائق وسيارته وسلامة الناس منها، هناك بعض النصائح توصل إلى هذه الغاية بإذن الله؛ فمن ذلك:
أولًا: على السائق أن يؤديَ ما كلفه الله به من أعمال الإيمان، وسيتولى الله دفع المصائب عنه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: 38]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128]؛ ومن تلك الطاعات العظيمة: أداء صلاة الفجر في جماعة، وصلاة سنتها، وكذلك صلاة الضحى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من صلى الصبح في جماعة، فهو في ذمة الله))[10]؛ أي: في أمانه وضمانه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ((يا ابن آدم، صلِّ لي أربع ركعات أول النهار، أَكْفِك آخره))[11]، والمراد: "كفايته من الآفات والحوادث الضارة"[12]، وقد اختلف أهل العلم في هذه الركعات الأربع: فقيل: هي صلاة الفجر فرضها ونفلها، وقيل: صلاة الضحى[13].


ثانيًا: التوكل العظيم على الله في أثناء القيادة، بتفويض الأمر كله إليه وتعليق القلب به، ومن توكل على الله صادقًا اطمئن واستقر، وكفاه الله ما يكره وأناله ما يحب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3]؛ أي: كافيه جميع ما أهمَّه من أموره.


ثالثًا: الإتيان بدعاء الركوب إن ركب، ودعاء السفر إن سافر، ففي الدعاءين استعانة بالله، ودعاء بالعصمة من المكاره؛ فدعاء الركوب هو: ((بسم الله، الحمد لله ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: 13، 14]، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))[14].


ودعاء السفر هو: ((الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: 13، 14]، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بُعْدَهُ، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاءِ السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل))[15].


نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من كل شر.
هذا، وصلوا على الرسول المختار.



[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في: 29/ 5/ 1441ه، 24/ 1/ 2020م.

[2] أي: عِوَض.

[3] رواه مسلم.

[4] شرح النووي على مسلم (14/ 102).

[5] متفق عليه.

[6] رواه أبو داود، وهو صحيح.

[7] رواه مسلم.

[8] رواه البزار وابن حبان في صحيحه.

[9] ينظر في هذه الصور: بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة (16/3) وما بعدها، بتصرف.


[10] رواه مسلم.

[11] رواه ابن حبان وأحمد وأبو داود، وهو صحيح.

[12] عون المعبود (4/ 118).

[13] ينظر: زاد المعاد (1/ 344)، الاستذكار (2/ 267)، عون المعبود (4/ 119)، نيل الأوطار (3/ 78).


[14] رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وهو صحيح.

[15] رواه مسلم.