التواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
أحمد عبدالله صالح


أما بعد:

فقد وقفنا في الجمعة الماضية مع خلق كريم من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ضمن سلسلة أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام.



هذا النبي الكريم الذي كُلِّف من الأعمال أشقها وأشرفها، وحاز من الأخلاق أعلاها وأكملها، وحمل أعظم رسالة فحملها وبلَّغها، وأُوذيَ في سبيلها فما وهنت عزيمته، وما لانت عريكته.



واليوم بإذن الله جل وعلا نحن على موعد مع خُلُقٍ جديد من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، ومع سجية من سجياته عليه الصلاة والسلام؛ إنه التواضع في حياته عليه الصلاة والسلام.



وأي حروف، وأي كلمات ستصف تواضعه صلى الله عليه وسلم؟ فهو الرجل الذي عُرِج به إلى السماء السابعة، حتى بلغ سدرة المنتهى وكلَّمه ربه تعالى مباشرةً، وحمل أشرف علم: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، ورجع بأعظم شهادة: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، واشتغل بأعظم وظيفة: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].



أحبتي الكرام، كان عليه الصلاة إمامَ الناس في التواضع مع كونه سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه، كيف والله سبحانه هو القائل عنه صلى الله عليه وسلم لنقتدي به: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 159]؟ كما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتواضع فقال: ((وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد))؛ [رواه مسلم]، وبشَّر المتواضعين بالرفعة؛ فقال صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك مسلم: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍّ إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله))، وبشَّر المتواضعين بالجنة؛ فقال صلى الله عليه وسلم كما روى الترمذي وصحح ذلك الألباني: ((من مات وهو بريء من الكِبر والغُلُول والدَّيْنِ، دخل الجنة))، وتوعَّد المتكبرين؛ فقال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ))، وروى أبو داود قال صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار))؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام متواضعًا في كل شؤون حياته:

ففي لباسه: كان يلبس ما تيسر من اللباس، ولو شاء صلى الله عليه وسلم للبِسَ الديباج والحرير كما كان يصنع كسرى وقيصر وفرعون وقارون.



كما كان متواضعًا في مركبه: فكان يأنف من ركوب البغال والحمير، ولو شاء لركب أصيلات الخيل، وربما أردف بعض أزواجه أو أصحابه خلفه، وإذا تلقاه الصبيان أردفهم معه على دابته، وهذا من أبين الدلائل على تواضعه عليه الصلاة والسلام.



ومن كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه كان يأبى أن يتزيا بزيِّ أهل الدنيا، ولم يكن يتميز على أصحابه بملبس أو مركب أو مجلس، كما هي عادة الكبراء والأثرياء، والذين يُظهِرون التواضع وقلوبهم متكبرة؛ والله جل وعلا يقول: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35].



ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يعمل في بيته ومع أهله أعمالًا يأنف منها كثير من الرجال اليوم، ولا يتنازل الواحد أن يقوم بها، أما رسـول الله فاسمعوا ماذا قالت عائشة حينما سُئلت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في البيت؟ فقالت: ((كان يكون في مهنة أهله، يخصِف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقَعُ دلوه، فإذا سمع الأذان خرج)).



ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يكره أن يقوم الناس له كما هو شأن أهل الدنيا، الذين لا يقدِّرون ولا يحترمون ولا يكرمون إلا من يقف لهم؛ قال أنس رضي الله عنه: ((ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأَوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك)).



ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يجيب دعوةَ مَن دعاه ولو كان فقيرًا، ويقبل من الطعام ما كان يسيرًا، وما كان يغضب من دعوة يراها أقل من حقه، كما هو حال كثير من الوجهاء والأغنياء، بل قال صلى الله عليه وسلم: ((لو دُعيتُ إلى ذراع أو كِراع لأجبتُ، ولو أُهديَ إليَّ ذراعٌ أو كراعٌ لقبلتُ))، وكان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه رضي الله عنهم على ذلك؛ فيقول لهم: ((إذا دعيتُم إلى كراع فأجيبوا)).



ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام: أنه لم يكن يأنف من الضعفة والمساكين، ولا يتبرم من ذوي الحاجات، بل يستمع إليهم، ويقضي حاجاتهم، فيجيب السائل، ويعلِّم الجاهل، ويدل التائه، ويتصدق على الفقير، وما يرد أحدًا قصده في حاجة، ولا يتأخر عن تقديم المساعدة لمن يطلبها، فأين هذا ممن يأتي من مدارس الشرق أو جامعات الغرب، ثم يتبرأ من أبيه، ويعيب ثياب أمه، وينتقد مجتمعه، ويحارب دينه، ويرى أنه أتى بما لم يأتِ به الأولون والآخرون؟ فهذه امرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عقلها شيء، ((فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، انظري أيَّ السكك شئتِ، حتى أقضيَ لك حاجتك))، ولكم أن تتخيلوا ماذا تريد تلك المرأة؟ وأي موضوع ذلك الذي كان يشغلها؟ وبأي العبارات استطاعت أن تشرح ماذا تريد؟ ولكنها قابلت من يحترم الإنسانية، ولو كان ذلك الإنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة.



وأما قصة المرأة السوداء ((التي كانت تقُمُّ المسجد - أي: تكنسه وتنظفه - ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت، فقال: أفلا كنتم آذنتموني، فكأنهم صغَّروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلُّوه، فصلى عليها))، فأين من يتكلمون عن الحقوق من هذا الموقف الذي تعجز ألسنة البلغاء في التعبير عنه؟



بل حتى الصغار لهم في تواضع النبي صلى الله عليه وسلم نصيب؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: ((إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لَتَجيءُ فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت))، سبحان الله! تأخذ بيده الطفلة الصغيرة من بين أصحابه، ومع عالي مقامه، ومع كثرة أشغاله، ولكم أن تتصوروا أي أمر يمكن أن يكون مهمًّا في حياة الأطفال، فلعلها تشتكي أباها، أو تطلب حاجةً من أمها، أو تريد أن تفخر به في حيِّها وبين أقرانها؛ وصدق الله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 159].



ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام: أنه كره أن يفضَّل على الأنبياء عليهم السلام، مع أنه سيدهم وخاتمهم وأفضلهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونس بن متى))، و((لما قال له رجلٌ: يا خير البرية، قال صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام)).



فهذا شيء من تواضع نبيكم عليه الصلاة والسلام؛ الذي قال الله له: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88]، وقال له: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 215].



هذا النبي أمركم الله تعالى بالاقتداء به؛ فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، فماذا نحن فاعلون؟ ولقد صدق القائل:



وأقبح شيء أن يرى المرء نفسه

رفيعًا وعند العالمين وضيعُ


تواضع تكن كالنجم لاح لناظر

على طبقات الماء وهو رفيعُ


ولا تكُ كالدُّخان يعلو بنفسه

إلى طبقات الجو وهو وضيعُ





أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

أما بعد:

فهذا هو محمد بن عبدالله الذي نتشرف به ونعتز به، ونفتخر به، الذي نحيا بسنته وطريقته، محمد بن عبدالله الذي لم يكن يعرف الخُيلاء ولا الزهو، ولا الاستعلاء على خلق الله ولا التكبر عليهم، حتى في مواقف النصر والفتوح التي يكون فيها فخر القادة وعلوُّهم، ما حُفظ أبدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى أو تكبر، بل يزداد تواضعًا إلى تواضعه؛ فيدخل مكة يوم الفتح منصورًا مؤزرًا وهو مطأطئ رأسه تواضعًا لله تعالى؛ يقول أبو مسعود رضي الله عنه: ((أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فكلمه فجعل ترعَدُ فرائصه، فقال له: هوِّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)).



ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحسن التعامل حتى مع المذنبين والواقعين في الكبائر، ولما جاءته امرأة حبلى من الزنا تريد منه أن يقيم الحد عليها، وبعد أن وضعت حملها، أُقيم عليها الحد فرُجمت، ثم أمرهم فصلُّوا عليها، فقال عمر رضي الله عنه: ((يا رسول الله، تصلى عليها وقد زنت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسِعَتْهم)).



ولما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((طهرني من الزنا، أمر به فرُجم، فكان مِنَ الناس مَنْ قال: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: استغفروا لماعز بن مالك؛ فلقد تاب توبةً لو قسمت بين أمة لوسعتهم)).



وفي الحديث: ((أن فتًى شابًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنُهْ، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصِّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).



هكذا كان تواضع نبينا صلى الله عليه وسلم يقيم الحدود على الواقعين في المحرمات والكبائر، ويتقبلهم عليه الصلاة والسلام، ويرى أن إقامة الحد وتنفيذ الحكم الشرعي قد طهرهم من خطيئتهم، فيعينهم ذلك على أنفسهم لسلوك الصراط المستقيم، وطاعة رب العالمين.



كل هذا جعل القلوب تمتلئ بمحبته؛ لِما رأَوا من حسن أخلاقه، وجميل صفاته، والناس مفطورون على محبة المتواضعين، وعلى بُغْضِ المتكبرين.




فواجبٌ على من أنعم الله تعالى عليهم بنعمة الجاه أو المال، وجعل حاجة الناس إليهم أن يقرؤوا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليتعلموا منه مكارم الأخلاق، وحسن التعامل مع الناس، ولا يحل لذي جاهٍ أن يتكبر على الناس بجاهه، ولا لذي مال أن يرى في نفسه ما لا يرى للناس؛ فالذي أعطاه قادر على أن يسلبه، ويجعله بعد العز ذليلًا، وبعد الغِنى فقيرًا.



إذًا أحبتي الكرام، هذه إشارات سريعة ولمحات خاطفة من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وإلا فأخبار تواضعه كثيرة، وما حُفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه تكبر على أحد، أو فاخر بنفسه أو مكانته، وقد نال أعلى المنازل، وحظيَ عند ربه بأكبر المقامات؛ فكن متواضعًا وارحم المسكين، وأحسن إلى الفقير، واعطف على الصغير، واحترم الكبير، وسلِّم على العامل، وابتسم في وجه الخادم، وساعد المحتاج، وأحسن إلى اليتيم، وتجاوز عن الأخطاء، واقبل الأعذار، وكن للناس كما تحب أن يكونوا لك، وتذكر أن أحب الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ تُدخِله على مسلم.



﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].