علو الهمة في طلب الجنة


السيد مراد سلامة


















الخطبة الأولى



أما بعد:



أيها الإخوة الأحباب، حديثنا اليوم عن "علوِّ الهمة في طلب الجنة"، والهمة عمل قلبي، وكما أن الطائر يطير بجناحيه، كذلك يطير المرء بهمته، فتحلق به إلى أعلى الآفاق، طليقة من القيود التي تكبل الأجساد.







وقد نقل ابن قتيبة عن بعض كتب الحكمة: ذو الهمة إن حطَّ، فنفسه تأبى إلا علوًّا، كالشعلة من النار يصوبها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعًا.







همة المؤمن والجنة:



يقول ابن القيم رحمه الله: "وهمة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة؛ ألا ترى أنه لو دخل أرباب المهن والصنائع إلى دار معمورة مشيدة، رأيتَ البنَّاء ينظر إلى البِناء، ورأيت النجار ينظر إلى النجارة، ورأيت البزاز ينظر إلى الفرش، وهكذا، والمؤمن لو رأى ظلمةً تذكر ظلمة القبر، وإذا ذكر مؤلمًا تذكَّر العقاب، وإذا سمع صوتًا فظيعًا تذكر نفخة الصور، وإذا رأى الناس نيامًا تذكر الموتى في القبور، وإذا رأى لذةً ذكر الجنة؛ فهمَّتُه متعلقة بأحوال الآخرة، وأعظم ما عنده أن يتخيل دوام البقاء في الجنة، وأن مقامه لا ينقطع ولا يزول ولا يعتريه منغِّصٌ، فإذا تخيل ذلك يطيش فرحًا، ويسهل عليه كل ما في هذه الدنيا من آلام ومآسٍ، ومرض وابتلاء، وفقدِ أحبابٍ، وهجوم الموت ومعالجة غُصَصِهِ؛ فالتائق إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء، ثم يتخيل المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشه ويَقوى قلقه، فهو في الحالتين مشغول عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارةً، وفي صحراء الخوف تارةً أخرى، فإذا نازَلَهُ الموت قويَ ظنُّه بالسلامة، ورجا لنفسه النجاة، فإذا نزل القبر وجاءه مَن يسألونه قال بعضهم لبعض: دعوه فما استراح إلا لساعة"[1]:



هممٌ كأن الشمس تخطب ودَّها *** والبدر يرسم في سناها أحرفا







صاحب الهمة يسبق الأمة إلى القمة؛ ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [الواقعة: 10، 11]؛ لأنهم على الصالحات مدربون، وللبر مجربون.







إنها الجنة: وما أدراك أيها الحبيب ما الجنة؟ هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحللٌ كثيرة، في مقام أبدًا، في حَبْرَةٍ ونضرة، في دور عالية سليمة بهية.







إنها الجنة: الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كَدَرٌ، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم يحير العقل ويذهله؛ لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله أعددتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ فاقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]))[2].







إنها الجنة: هي سلعة الله الغالية التي عرضها السماوات والأرض، وهي التي لا يفوز بها إلا المؤمنون الموحدون، الذين آمنوا بربهم، وعبدوه حق عبادته، ولم يشركوا في عبادته شيئًا، والذين عملوا صالحًا في حياتهم الدنيا، واستعدوا للقاء ربهم في الآخرة.







وقد جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة الكثير من النصوص الشرعية التي تصف الجنة وترغَّب فيها، والجنة يدخلها المسلم الذي ثبت على الإسلام وتجنب الكفريات؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله خلق جنة عدن وبناها بيده، لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة، وجعل مِلاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباءها اللؤلؤ، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: 1]، فقالت الملائكة: طوبى لك منزلَ الملوك))[3].







إنها الجنة وهذا نعيمها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكبٍ إضاءةً، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغضَ، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يُرى مخُّ ساقها من وراء لحمها من الحسن، يسبحون الله بكرةً وعشيًّا، لا يسقمون، ولا يمتخِطون، ولا يبصُقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، وقود مجامِرِهم الألُوَّةُ - قال أبو اليمان: يعني العود - ورشْحُهم المسك))[4].







ومما أعده الله للمؤمنين في الجنة ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ [الواقعة: 30]))[5].







أيها الإخوة، السلف رحمهم الله كانت همومهم وهممهم أخروية، فالسلف يعرفون أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، ويعلمون أن الدنيا دار فناء لا دار بقاء؛ يقول الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]، واسمعوا قول ربكم عز وجل في محكم كتابه حيث يقول: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت الآخرة همَّه، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له))[6].







أخي المسلم، إنها الجنة في طلبها العزُّ والخلود؛ قال يحيى بن معاذ: "في طلب الدنيا ذلُّ النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فيا عجبًا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى، ويترك العز في طلب ما يبقى!"، وقال أحمد بن حرب: "أحدنا يؤثر الظل على الشمس، فما بالنا لا نؤثر الجنة على النار؟"، يا معرضًا عن الجنان، يا عاصيًا للرحيم الرحمن، أتبخل على نفسك بجنة عالية، قطوفها دانية؟ قالت أخت عمر بن عبدالعزيز: "البخيل كل البخيل من بخل عن نفسه بالجنة".







أخي المسلم، قال رجل لابن سماك: "عظني، فقال: احذر أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض، وليس لك فيها موضع قدم".







صور مشرقة لعلو الهمة في طلب الجنة:



أخي المسلم، ها هي صور مشرقة لأصحاب الهمم العالية والأهداف السامية، لم يكن لهم غاية ولا هدف إلا رضا الله وسُكنى جنته ودار كرامته.







أولًا: علو همة ربيعة بن كعب رضي الله عنه:



ها هو ربيعة بن كعب رضي الله عنه شابٌّ في ريعان شبابه، ليست لديه طموح وأهداف إلا مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كما رافقه في الدنيا، اسمعوا أيها الشباب وتشبهوا بهم؛ إن التشبه بالكرام فلاح.







عن ربيعة بن كعب قال: ((كنتُ أبِيْتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم آتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، فقال: أعنِّي على نفسك بكثرة السجود))[7].







ثانيًا: عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ رضي الله عنه وانتهاز الفرصة:



المسلم ينبغي عليه ألَّا يفوِّتَ الفرص التي تقربه من ربه سبحانه وتعالى، وتدنيه من جنته؛ فالفرصة لا تعوض ولا تقدر بثمن، ولا ينبغي لمن سنحت له فرصة أن يفوتها، وهكذا كان عكاشة بن محصن رضي الله عنه وانتهاز الفرصة؛ عن ابن عباس قال: ((خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: عُرضت عليَّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فرجوتُ أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه؛ ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبيِّن لهم، فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أما نحن فوُلِدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هم الذين لا يتطيَّرون ولا يستَرْقُون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك بها عكاشة))[8].







أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.







الخطبة الثانية



أما بعد: أيها المسلمون:



ثالثًا: علو همة عمير بن الحمام رضي الله عنه وطلبه للجنة:



وهذا عمير بن الحمام الصحابي الجليل في يوم بدر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال عمير بن حمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض، قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك من قولك: بخ بخ؟ قال: والله يا رسول الله، إلا رجاءَ أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، قال: فأخرج تمرات من قَرَنِهِ، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل))[9].







رابعًا: عمرو بن الجموح رضي الله عنه وانتهاز الفرصة:



عن أشياخ من بني سلمة قالوا: ((كان عمرو بن الجموح أعرجَ شديدَ العرج، وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى أحد، قال له بنوه: إن الله عز وجل قد جعل لك رخصةً، فلو قعدتَ فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بنيَّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أُستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت، فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة؟ فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتل يوم أحد شهيدًا))[10].







فيا من تريد الجنة، تُبْ إلى الله توبة صادقة، يا من تريد الجنة، حافظ على الصلوات وترتيل الآيات، يا من تريد الجنة، أحسن إلى الفقراء وامسح رأس يتيم، يا من تريد الجنة، لا بد أن تكون ذا همة تسعى بها إلى القمة، لا ترضى بالدون، ولا تسعى وراء السراب، يا من تريد الجنة، إياك أن تكون ممن قال فيهم يحيى بن معاذ: "عمل كالسراب ... وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب ... ما أكملك لو بادرتَ أملَك! ما أجلَّك لو بادرت أجلك! ما أقواك لو خالفت هواك!".







الدعاء...











[1] تهذيب مدارج السالكين لابن القيم.



[2] أخرجه أحمد (2/ 466)، والبخاري (6/ 145).



[3] السلسلة الصحيحة (2662)، صحيح الترغيب والترهيب (3714).



[4] أخرجه البخاري (4/ 143) (1246).



[5] أخرجه البخاري (6/ 183) (4881).



[6] أخرجه الترمذي (2465)، قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر حديث رقم (6510) في صحيح الجامع.



[7] أخرجه مسلم (2/ 52) (1029)، وأبو داود (1320).



[8] أخرجه البخاري (4/ 192) (3410).



[9] أخرجه مسلم في الصحيح (3/ 1509 - 1511)، كتاب الإمارة (33)، باب ثبوت الجنة للشهيد (41)، الحديث (145/ 1901).




[10] السيرة النبوية لابن هشام (3/ 132)، المسند (5/ 299)، سنن البيهقي (9/ 24)، الدلائل (3/ 246)، قال الشيخ الألباني: إسناده حسن إن كان الأشياخ من الصحابة، وإلا فهو مرسل.