الإيمان باليوم الآخر وأثره في صلاح الفرد والمجتمع
عبدالله بن عبده نعمان العواضي


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:



فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.



أيها الناس، اعلموا - رحمني الله وإياكم - أنكم خُلقتم لأمر عظيم، وجئتم الدنيا لأمر جسيم، وأن داركم هذه خُلِقت للفناء ولم تُخلَق للبقاء، وأن القرار في غير هذه الدار؛ إما في الجنة، وإما في النار، فالشمس إلى غياب، والعمر إلى ذهاب، والحياة إلى موت، والموت إلى بعث للحساب، فلا بُدَّ إذن من يوم آخر يجمع الله فيه الأول والآخر، فتُبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويُجازى كل عامل بما عمل ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]، ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6].



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحدٍ، إلَّا سيُكلِّمه ربُّه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه)) [1].



أيها المسلمون، إن يوم القيامة حقٌّ لا شكَّ فيه، وموقف جمعٍ لا تخلُّف عنه، ومورد عدل لا مفرَّ منه، وخبرُ صِدْقٍ لا كذب فيه ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 23]، ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ [المطففين: 12].



وإن كذَّب به الكافرون، واستهزأ بأخبار الرسل به المستهزئون، فإنه آتٍ لا محالة؛ قال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7]، وقال: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ [يونس: 53].



عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرْلًا))، ثم قال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104] [2].



عباد الله، إن الحياة الدنيا بما يجري فيها لتقولُ للعقلاء: إن هناك يومًا عادلًا للفصل بما جرى من الناس عليها، فالعدل والحق قد يغيب في الدنيا، فالقوي قد يسطو على الضعيف، والقادر قد يقهر العاجز، والعزيز قد يغلب الذليل، والغني قد يمتهن الفقير ويطغى عليه، فيموت هؤلاء كلهم: يموت الظالم والمظلوم، والقاهر والمقهور، والمعتدي والمعتدى عليه، وقد لا يحصل لصاحب الحق استيفاء حقه، ولا للمظلوم القصاص ممَّن ظلمه هنا، فلا بدَّ إذن من يوم عادل تُردُّ فيه المظالم، ويأخذ المظلوم حقَّه من الظالم، ويُحاسب فيه ذوو التعدي والجرائم بما اكتسبوا من الذنوب والمآثم.



معشر المسلمين، إن واقع كثير من المسلمين اليوم يدعو العاقل للتساؤل: أهؤلاء الناس يؤمنون باليوم الآخر صادقين، ويعتقدون أنهم إلى ربهم راجعون، وأنهم على أعمالهم محاسبون، هل خطر في أذهانهم يوم القيامة الذي يوقف الإنسان فيه بين يدي ربِّه، فيسأله عن الصغيرة والكبيرة في حياته الدنيا ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 4 -6]، عصيان كبير للخالق سبحانه وتعالى بالمجاهرة بانتهاك الحرمات، وترك الفرائض والواجبات، وإغراق في الدنيا وغفلة عن يوم المعاد، وكذلك انتهاك لحقوق المخلوقين من ظلم وإيذاء، وإساءة للإسلام تحت مسميات كثيرة.



لا شكَّ أن هناك غفلة وتغافلًا عن الاهتمام باليوم الآخر بيننا نحن المسلمين، فأين المناهج التي تُربِّي النشء على الإيمان العملي باليوم الآخر، وتغرس في نفوسهم هِمَّةَ الاستعداد له؟ وأين الوسائل المختلفة التي تصلح المجتمعات بالدعوة إلى الاعتناء بهذا اليوم العظيم، وتُربِّي الناس على زيادته، وإظهار آثاره العملية على النفس والمجتمع؟



ولا ريب أن الإيمان باليوم الآخر قد ضعف في القلوب، فظهرت آثاره السيئة على الجوارح، حتى صار بعض المسلمين يعيش للدنيا كل وقته، ويقترف الموبقات، ويسرف على نفسه بارتكاب المحرَّمات من أجل إصلاح دنياه، ولو فكَّر الإنسان قليلًا بأنه سيلقى الله تعالى لما فعل ما فعل.



عباد الله، إن الإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان وعقيدة من عقائد الإسلام؛ لكن الذي حدث ضعف هذا الركن العظيم؛ حيث أصبح عقيدة لا يتبعها عمل، وسبب هذا الضعف: الجهل بالله وبدينه، فمن جهل عظمة ربِّه وجلاله واطِّلاعه عليه لم يستعدَّ للقائه، ومن جهل دينه فلم يعرف متطلَّبات هذا الإيمان وكيفية تحقيقه وسبل غرسه في النفس، عاش بعيدًا عن العمل لذلك اليوم، وأصبح همُّه ووقتُه وجهده مصروفًا في خدمة حياته الدنيا، ألا يتأمَّل في قوله تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]، وقوله: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: 77].



إن الحرص على الدنيا - يا عباد الله - قد صار جاثمًا على القلوب، فأنسى الإنسان آخرته، وجعله وقفًا على رغباته وشهواته، حتى أسرف في الانشغال بكسبها، وتعمَّق في الاعتناء بلهوها، وأكثر من متابعة مشكلاتها وأحداثها من غير حاجة، ولم يكتفِ منها بما يكفيه ويعنيه؛ بل صار مهتمًّا بما يلهيه، وقد يطغيه.



وما هكذا يعيش محبُّ الآخرة، وما لهذا خُلِق، وليس هذا عيشه الذي يستحقُّ هذا الكدِّ والجدِّ؛ إنما هو لغيره ممن قال الله فيهم: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7].



لقد خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُمَّته أن يؤول حالها إلى هذا التنافُس والانشغال بالدنيا عن الآخرة، وقد وقع ما خشيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم)) [3].



وإذا أردنا أن نعرف مقدار الحرص على الدنيا والاهتمام بها في حياتنا، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: كم نصيب الآخرة من وقتنا في اليوم والليلة، وما مقدار الحرص على الآخرة بجانب الحرص على الدنيا؟ فليجب كل إنسان عنه في حاله وأعماله.



أيها المسلمون، لا بُدَّ أن نستيقظ ونصحو ونقوِّي إيماننا باليوم الآخر، فنفكِّر في حقيقة كل من الدنيا والآخرة؛ لنختار لأنفسنا خير الدارين وأبقاهما، وأعلاهما، وأوفاهما، وأزكاهما، وأهناهما؛ قال تعالى: ﴿ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف109]، وقال: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].



أيها المسلم، في أي موقع كنت في هذه الحياة تفكر فيمن قبلك، ماذا أخذوا معهم من دنياهم إلى قبورهم؟ هل أخذوا القصور والأموال؟ لم يأخذوا من ذلك شيئًا؛ إنما أخذوا شيئًا واحدًا فقط هو ما قدَّمُوه من عمل صالح أو طالح في هذه الحياة، يلقون الله به يوم القيامة، فقوِّ إيمانك بهذا اليوم لتقدم عملًا صالحًا ينفعك في ذلك الوقت.



عباد الله، إن النفس مطبوعةٌ على حُبِّ العاجل وإيثاره على الموعود الآجل، فهي تحبُّ التمتُّع والانطلاق في الملذَّات ولو من غير حلها، وتحب العلوِّ والترأس، ولو كان بظلم الآخرين وإيذائهم، وتكره إتيان الطاعات ولزوم حدود ما أبيح لها، فقوِّ إيمانك باليوم الآخر- أيها المسلم - بمجاهدتها وتصبيرها، وزمِّ قيادها لسلوك طريق الآخرة، وعدها أن ما فاتها اليوم ستلقى أفضل منه غدًا، ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [القصص: 60].



من أراد زيادة إيمانه باليوم الآخر، فليُقبِل على قراءة القرآن قراءةً مُتأنيةً مُتدبِّرةً، وليقرأ سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وينظر في سيرته العطرة؛ ليشاهد معالم التربية الناجحة على الإيمان باليوم الآخر؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)) [4]؛ أي: لا عيش يبقى ويُطلب، ويرغب فيه، إلا عيش الآخرة.



يدخل عمر رضي الله عنه، فيرى أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى، فقال رسول الله: ((ما يبكيك؟))، فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة؟)) [5]، وعند ابن حِبَّان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا عمر، مالي وللدنيا وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظلَّ تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راحَ وتركَها)).



وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فمره يعطيني أقيم بها حائطي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطه إياها بنخلة في الجنة))، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي ففعل، فأتى أبو الدحداح النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، وقد أعطيتكها، فاجعلها له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من عذق ردَّاح لأبي الدحداح في الجنة)) مرارًا، فأتى أبو الدحداح امرأته فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فقد بعتُه بنخلة في الجنة، فقالت: ربح السعر" [6].



أيها المسلمون، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط أذهان الأُمَّة بأشياء كثيرة حتى لا تنسى اليوم الآخر، والاستعداد له.



ومن ذلك: أنه كان يربط القيام ببعض الأعمال الصالحة بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن صاحب هذا الإيمان يدفعه إيمانه إلى المبادرة والامتثال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) [7].



وقال أيضًا: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ردَّه فيه)) [8].



وقال كذلك: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)) [9].

فنسأل الله أن يعمر قلوبنا بالإيمان به، والإيمان بلقائه، وأن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على النبي محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:



عباد الله، إن الإيمان القوي باليوم الآخر صلاح للدنيا والآخرة، وصلاح للفرد والمجتمع، ومن قارن بين مجتمعين: مجتمع قوي الإيمان، ومجتمع ضعيف الإيمان سيجد الفرق واضحًا، فمجتمع قوي الإيمان سيعمه الخير والاطمئنان، ويرفرف عليه الاستقرار والأمان، وستجتمع فيه صنوف النعم، وستندفع عنه جموع النقم. وأما المجتمع الآخر الذي ضعف إيمانه فسيكون بؤرة للفساد المتنوِّع، ومرتعًا للاضطراب والخراب، وميدانًا لتوافد المصائب، وارتحال الرغائب.



عباد الله، إن قوي الإيمان باليوم الآخر يعيش سعيدًا مطمئنًّا؛ لأنه يعلم أن حياته الحقيقية تكون في دار غير هذه الدار، وإن صدق الإيمان باليوم الآخر يدفع صاحبه إلى مراقبة الله في كل أعماله، ويحثُّه على الإقبال على طاعة الله تعالى والإخلاص له فيها؛ قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 57، 61].



واليقين الصحيح باليوم الآخر يجعل الإنسان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فيجعل همَّه وغايته ومقصوده العمل للآخرة.

وصحة الإيمان بالآخرة تعين المسلم على تطهير قلبه من أمراض القلوب من غلٍّ وحقدٍ وبغضاء وشحناء نحو إخوانه المسلمين.



عباد الله، إن من أعظم ثمرات الإيمان باليوم الآخر: أنه يحجز الإنسان عن المعاصي ويُوقفه عن اقترافها؛ لعلمه بأنه سيؤاخذ بها، ويحاسب عليها، فإذا أراد أن يعصي الله في حقِّه، أو يتعدَّى على عباده بظلم أو إضرار ذكَّره إيمانه بالخطر، فحجزه عن تلك الخطيئات؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: 103]، وقال: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 232].



ومن أعظم ثمراته كذلك: أنه يسلي المظلوم والمقهور والمريض والضعيف والمبتلى، فالمظلوم ينتظر القصاص من ظالمه؛ قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إيَّاه في دمٍ ولا مالٍ)) [10].



وأما صاحب البلاء فهو ينتظر أجره على بلائه عند الله تعالى في ذلك اليوم؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 104].



فيا أيها الناس إذا أردنا السعادة والنجاة، فلنقوِّ إيماننا باليوم الآخر، ولنجعل الآخرة في قلوبنا ونصب أعيننا، ولنجعل الدنيا في أيدينا، ومعبرًا لنا إلى مصيرنا، فمن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.



﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]، هذا وصلوا وسلِّموا على الهادي البشير والسراج المنير.






[1] متفق عليه.




[2] متفق عليه.




[3] متفق عليه.





[4] متفق عليه.




[5] متفق عليه.




[6] رواه ابن حبان، وهو صحيح، أصله في الصحيح.




[7] متفق عليه.




[8] رواه أبو داود، والطبراني، وهو حسن.




[9] رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، وهو حسن.




[10] رواه أحمد، والطبراني، وهو صحيح.