خطبة في حسن الخلق


سماحة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي



الحمد لله الرؤوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الهادي إلى صراط مستقيم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبِعهم في كل أمر قويم، أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى بالقيام بحقوقه وحقوق العباد، وبكمال المتابعة للرسول وقوة الإخلاص للرب الجواد؛ قال صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)[1].
فعاشروا -رحمكم الله- الخَلقَ بالخُلق الجميل، وبالتواضع لهم في كل كثير وقليل، واعقدوا قلوبكم عقدًا جازمًا على محبة جميع المسلمين، والتقرب بذلك إلى رب العالمين، واجتهدوا في تحقيقها ودفع ما ينافيها، واعملوا على كل ما يحققها ويُكملها وينميها.
واتخذوا المؤمنين إخوانًا، وعلى الخير مساعدين وأعوانًا، ومتى رأيتم قلوبكم منطوية على خلاف ذلك، فبادروا إلى زواله، وسَلوا ربَّكم ألا يجعل فيها غلًّا للذين آمنوا؛ تحظوا بنواله.
وميِّزوا في هذه المحبة من لهم في الإسلام مقام جليل، كعلمائهم وولاتهم العادلين وعبادهم، فتمام محبة الله محبة أوليائه، بحسب مقاماتهم وعملهم واجتهادهم.
ووطِّنوا نفوسكم على ما ينالكم من الناس من الأذى، وقابلوه بالإحسان، وتقرَّبوا بذلك إلى الله، راجين فضل الكريم المنان، فمن كمال حسن الخلق أن تعطي من حرَمك، وتعفو عمن ظلمك، وتُحسن الخلق لمن أبغضك وهجَرك، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عن عباد الله عفا الله عنه، ومن سامحهم سامحه الله، ومن أغضى معايبهم ومساويهم ستر الله عليه.
فاجعل كبير المسلمين بمنزلة أبيك وصغيرهم بمنزلة ابنك، ونظيرهم محل أخيك، وتكلم مع كل أحد منهم بما يناسب الحال؛ فمع العلماء بالتعلم، وبالتعليم مع الجهال، ومع الصغار باللطف، ومع الفقراء بالرحمة والعطف، ومع النظراء بالآداب والظرف: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
"الفواكه الشهية في الخطب المنبرية"


[1] الترمذي الرضاع (1162)، أحمد (2 /250)، الدارمي الرقاق (2792).