الاستحباب في الفقه (المستحب)
















خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني





















المُسْتَحَبُّ: مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا، وَلَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ، هذا تعريف المستحب؛ من حيث حكمُه وثمرتُه العائدةُ على المكلف.












ولو قيل: المستحب ما أمر به الشارع ليس على سبيل الحتم، والإلزام، بحيث يثاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقب تاركه، لكان أدقَّ؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره.












والمستحب لُغَةً: المحبوب، ضد المكروه[1].





وقد تقدَّم تعريفه اصطلاحًا.












أسماء المستحب:





من أسماء المستحب: المندوب، والسُّنَّة، والتطوع، والطاعة، والنَّفل، والقُرْبة، والمرغَّب فيه، والإحسان[2].












صيغ المستحب:






من الصيغ التي تفيد الاستحباب[3]:





الأولى: كل أمر صريح إذا وُجدت قرينةٌ تَصرِفه من الوجوب إلى الندب:





مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ كَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 33]، فإن هذا الأمر للاستحباب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية، فقد أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ الذين لم يكاتِبُوا[4].












مثال [2]:قول الله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282]، فإن هذا الأمر للاستحباب، والقرينة الصارفة هي السُّنة الفعلية، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جمل جابر رضي الله عنه ولم يُشهِد عليه[5].












مثال [3]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ))، ثُمَّ قَالَ: ((صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ))[6].












الثانية: التصريح بأن ذلك سُنةٌ:





مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل فَرَض صيام رمضان، وسَننتُ قِيَامَهُ))[7].












الثالثة: التصريح بالأفضلية الواردة من الشارع.





مثال [1]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ))[8].












مثال [2]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ المُحرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ))[9].












الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب:





مثال [1]: قوله صلى الله عليه وسلم لبريْرَةَ: ((لَوْ رَاجَعْتِهِ))[10].












مثال [2]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))[11].












مثال [3]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً))[12].












مثال [4]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، صَوْمُ الدَّهْرِ))، وَسُئِلَ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ))، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ))[13].












الخامسة: ذكر الثواب على الفعل:





مثال [1]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ))[14].












مثال [2]: قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ))[15].












مثال [3]: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))[16].












السادسة: فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما يُتقرَّب به إلى الله سبحانه وتعالى دون دليلٍ يدل على الوجوب:





مثال [1]: صومه صلى الله عليه وسلم الاثنين والخميس[17].





مثال [2]: صومه صلى الله عليه وسلم غالب شعبان[18].





مثال [3]: اعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان[19].





مثال [4]: صلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الفجر[20].












لا يلزم المستحب بالشروع فيه إلا في الحج والعمرة:





إذا شرع المكلَّف في نفل الحج أو العمرة، فيجب عليه إتمامُهما؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾ [البقرة: 196].





أما غيرهما، فلا يجب عليه الإتمام، إلا أنه يُستحبُّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوي صوم التطوع ثم يُفطِر[21].





وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ))[22].












أقسام المستحب:





المستحب ينقسم قسمين[23]:





التقسيم الأول: باعتبار وقته [مضيَّق، وموسَّع]:





فالمستحب المضيق: هو ما كان وقتُه مضيَّقًا، وضابط ما وقته مضيق، هو ما لا يسع وقته أكثر من فعله من جنسه.





مثال [1]: صوم ستة من شوال عند من يقول بأنها لا بُدَّ أن تكون متتابِعةً تلي يوم الفطر.





مثال [2]: صيام يوم عرفة.





مثال [3]: صيام يوم عاشوراء.












والمستحبُّ الموسَّع: هو ما يسع وقتُه أكثر من فعله، فيجوز فعلُه في أيِّ جزءٍ مِن وقته.





مثال [1]: صلاة الوتر.





مثال [2]: صلاة ركعتي الفجر.





مثال [3]: صلاة الضحى.












التقسيم الثاني: باعتبار فاعله [عيني، وكفائي]:





فالمستحب العيني: هو ما كان مستحبًّا لجميع المكلَّفين، فمَن فعَلَه أُثيبَ عليه، ومَن لم يفعَلْه لم يُثَب عليه.





مثال [1]: صلاة النافلة.





مثال [2]: صيام النافلة.





مثال [3]: صدقة النافلة.












والمستحب الكِفائي: هو ما كان مستحبًّا على جماعة المكلفين، دون تعيُّن واحدٍ منهم.





مثال [1]: تشميت العاطس.





مثال [2]: إلقاء السلام.





مثال [3]: إجابة السائل إذا سأل بالله أن يُعطى.





فائدة [5]: فوائد المستحب:





من فوائد المستحب:





1- أنه امتثال لأمر الله جل جلاله، ورسوله صلى الله عليه وسلم.












2- أنه يُكمِّلُ الفرائض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ؛ قَالَ الرَّبُّ عز وجل: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ))[24].












3- أنه يذكِّرُ المكلَّف بالواجبات، ويُسَهِّلُها عليه:





قال الإمام الشاطِبيُّ:(المندوبُ إذا اعتبرتَه اعتبارًا أعمَّ من الاعتبار المتقدِّم؛ وجدتَه خادِمًا للواجب؛ لأنه إما مقدِمةٌ له، أو تكميلٌ له، أو تِذْكارٌ به، كان من جنس الواجب أو لا)[25].












[1] انظر: لسان العرب، وتاج العروس، مادة «حبب».



[2] انظر: شرح الكوكب المنير (1 /403).



[3] انظر: المهذب في علم أصول الفقه (1 /235)، والواضح في أصول الفقه، صـ (32).



[4] المكاتَبة:هي تعليق حرية العبد على أقساط معلومة يدفعها العبد على فترات معلومة؛ [انظر: المطلع على ألفاظ المقنع، صـ (384)].



[5] متفق عليه: رواه البخاري (2718)، ومسلم (715)، عن جابر رضي الله عنه.



[6] صحيح: رواه أبو داود (1281)، وأحمد (20552)، وصححه الألباني.



[7] صحيح: رواه النسائي (2210)، وابن ماجه (1328)، وأحمد (1660)، عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، وصححه أحمد شاكر، وضعفه الألباني.



[8] حسن: رواه أبو داود (354)، والترمذي (497)، وحسنه، والنسائي (1380)، وابن ماجه (1091)، وأحمد (20174)، وحسنه الألباني.



[9] صحيح: رواه مسلم (1163)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.



[10] صحيح: رواه البخاري (5283)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعبَّاسٍ: «يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا»، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ رَاجَعْتِهِ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ» قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.



[11] صحيح: رواه البخاري (5027)، عن عثمان رضي الله عنه.



[12] متفق عليه: رواه البخاري (1923)، ومسلم (1095)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.



[13] صحيح: رواه مسلم (1162)، عن أبي قتادة رضي الله عنه.



[14] متفق عليه: رواه البخاري (450)، ومسلم (533)، عن عثمان رضي الله عنه.



[15] صحيح: رواه البخاري (2691)، ومسلم (6405)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.



[16] متفق عليه: رواه البخاري (1442)، ومسلم (1010)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.



[17] صحيح: رواه الترمذي (745)، والنسائي (2360)، وابن ماجه (1739)، وأحمد (24509)، عن عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني.



[18] متفق عليه: رواه البخاري (1970)، ومسلم (1156)، عن عائشة رضي الله عنها.



[19] متفق عليه: رواه البخاري (2025)، ومسلم (1171)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.



[20] متفق عليه: رواه البخاري (995)، ومسلم (749)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.



[21] صحيح: رواه مسلم (1154)، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ.



[22] صحيح: رواه الترمذي (732)، والنسائي في الكبرى (3295)، وأحمد (26893)، عن أم هانئ رضي الله عنها، وصححه الألباني.



[23] انظر: مذكرة في أصول الفقه، صـ (14).



[24] صحيح: رواه أبو داود (864)، والترمذي (413)، وابن ماجه (1425)، وأحمد (9494)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني.



[25] انظر: الموافقات، للشاطبي (1 /239).