عمرة في رمضان تقضي حجة

الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لاِمْرأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟»، قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لأَبِي فُلاَنٍ (زَوْجِهَا) حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الآخَرُ يَسْقِيَ عَلَيْهِ غُلاَمُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي».

تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم حديث (1256)، وأخرجه البخاري في "كتاب العمرة"، "باب عمرة في رمضان"، حديث (1782)، وأخرجه النسائي في "كتاب الصيام"، "باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان"، حديث (1209).

شرح ألفاظ الحديث:
((نَاضِحَانِ)): مثنى مفرده (نَاضِحَ)، والناضح هو البعير الذي يستقى به أو عليه.
((فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً))؛ أي: تعدِل حجة؛ كما في رواية مسلم الأخرى، والمقصود: في الثواب، كما سيأتي.

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث فيه بيان أفضلية العمرة في رمضان، وأن ثوابها كثواب الحج أو الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في الحديث دلالة على إجزاء العمرة في رمضان عن حج الفرض، فهذا المفهوم لا يراد بإجماع العلماء.

قال النووي رحمه الله: "أي تقوم مقامها في الثواب، لا أنها تعدلها في كل شيء، فإنه لو كان عليه حجة، فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة"؛ انظر شرح النووي لمسلم حديث (1256).

وقال ابن حجر رحمه الله: "فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض.

ونقل الترمذي عن أبي إسحاق بن راهويه رحمهما الله أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] تعدِل ثُلُثَ القرآن.

وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد"؛ انظر الفتح المرجع السابق من البخاري.

الفائدة الثانية: إن قيل: أيهما أفضل العمرة في رمضان لحديث الباب؟ أو في ذي القعدة لاعتمار النبي صلى الله عليه وسلم فيه أكثر من مرة؟
فالجواب: قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقادات باطلة بتحريمهم العمرة في أشهر الحج، والمبادرة لإبطال هذا المعتقد أَولى من العمرة في رمضان.

وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان بعبادات هي أهم من العمرة.

وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم خَشِيَ المشقة على أُمته، فلو اعتمر في رمضان لشق عليهم الجمع بين الصوم والعمرة.

قيل: هذا من قبيل ترك النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الأعمال، وهو يُحبها خشية أن تفرض على أمته، فلا يريد الإشقاق عليهم.

لفتة: ورد نحو هذه القصة عند النسائي مع امرأة أخرى يقال لها أُم معقل، جاءت في حديث معقل.