المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة

والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارا

الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح

عن نافع أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوًى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله. زاد البخاري: كان ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما إذا دَخَلَ أدنى الحرَمِ أمسَكَ عنِ التَّلبيةِ. وفي رواية له: وإذا نَفَرَ مرَّ بذي طُوًى وبات بها حتى يُصبحَ، وكان يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعَل.


تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم حديث (1259)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب الإهلال مستقبِل القِبلة"، حديث (1553)، وأخرجه أبو داود في "كتاب المناسك"، "باب دخول مكة"، حديث (1865).

شرح ألفاظ الحديث:
((بذي طوًى)): بضم الطاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات، والفتح أفصحها، وتَخفيف الواو، وهو وادٍ معروف بقُرب مكة.

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث فيه دلالة على سُنيَّة الاغتسال عند دخول مكة، وجاء في موطأ الإمام مالك من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا لم يدخل مكة حتى يغتسل، ويأمر مَن معه أن يغتسل.

الفائدة الثانية: الحديث فيه دلالة على سَنيَّة دخول مكة نهارًا، وبه قال جمهور العلماء.
والقول الثاني: أن الدخول ليلًا أو نهارًا سواء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقصد وقتًا معينًا، بل جاء ذلك من باب الموافقة.

واستدلوا بحديث مُحرِّش الكعبي رضي الله عنه في عمرة القضاء أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أحرَم من الجِعرانة ودخل مكة ليلًا..."؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وحسنه النووي.

والأظهر والله أعلم: أن الأفضل دخولها نهارًا لمن تيسَّر له ذلك، ومن لم يتيسر له ذلك بحيث يدخل مكة ليلًا، فإنه يدخلها ليلًا ولا يؤخِّرها للنهار للحديث السابق؛ حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ليلًا، ولأن التأخير للدخول نهارًا يخالف المبادرة والمسابقة للطاعات.

الفائدة الثالثة: الحديث فيه بيان حرص ابن عمر رضي الله عنه، وشدة تتبُّعه لهدْي النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية البخاري ما يشير إلى أن ابن عمر رضي الله عنه كان يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم.

قال ابن حجر رحمه الله: " الظاهر أنه أراد أن يُمسك عن التلبية، وكأنه أراد بالحرم المسجد، والمراد بالإمساك عن التلبية التشاغل بغيرها من الطواف وغيره، لا تركها أصلًا... والظاهر أيضًا أن المراد بالإمساك ترك تَكرار التلبية ومواظبتها ورفع الصوت بها الذي يفعل في أول الإحرام، لا ترك التلبية رأسًا"؛ انظر الفتح "كتاب الحج"، "باب الإهلال مستقبل القبلة"، حديث (1553).

وأيضًا في الرواية الأخرى للبخاري ما يدل على البيتوتة بذي طوى إذا رجع، فتحصَّل مما سبق بيتوتة النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوًى قبل دخول مكة وبعد الخروج منها، وعامة العلماء أن هذا ليس من المناسك التي تتعلق بالعمرة أو الحج، وعليه فإن تيسَّر ذلك فعل، وقد يقال: إن ذلك مما وقع اتفاقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وفعله ابن عمر رضي الله عنه لشدة تتبُّعه وتحرِّيه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.